← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

جيد قوي، طريق أخرى، قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن قيس بن ربيع عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب لا تغالوا في مهور النساء فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول " وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب " - قال وكذلك هي من قراءة عبد الله بن مسعود - فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. (طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القصة. يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة من صفة النساء طويلة في أنفها فطس: ما ذاك لك، قال ولم؟ قالت إن الله قال ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) الآية فقال عمر امرأة أصابت وأخطأ عمر (٢).

стр. 2277

خامسا: ما الفرق بين تحديد أسعار الأعيان والمنافع وتحديد المهور ؟ تحديد الأسعار بالنسبة للأعيان والمنافع محل خلاف بين أهل العلم وقد سبق أن أعد في ذلك بحث ووزع على أصحاب السماحة والفضيلة أعضاء المجلس في الدورة الثامنة وبإمكانهم الرجوع إليه ولكن الفرق بين تحديد الأسعار في الأعيان والمنافع عند من يقول به وتحديد المهور يمكن أن يقال بأن تحديد أسعار الأعيان والمنافع يمكن ضبطه أما تحديد المهور فلا يمكن ضبطه؛ لأن العادات في إظهار الاهتمام مختلفة والرغبات لها مراتب متفاوتة وظروف الناس وأمكنتهم وقدراتهم تختلف فيعطي كل بحسب حاله ومع ذلك فقد ورد التنبيه في السنة إلى اليسر في ذلك وعدم التغالي فيه ومنه حديث «إن من خير النساء أيسرهن صداقا» رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس وحديث «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير إصداقها (١)» رواه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث عائشة. ويمكن أن يقال: إن الفرق بينهما أن المعاوضة في السلع والمنافع يغلب عليها المغالبة أما بذل المال في النكاح فيغلب عليه قصد التكرم دون المغالبة. ويمكن أن يقال أيضا هناك فرق آخر وهو أن المقصود في المعاملات المالية سواء أكانت أعيانا أو منافع هو المال، أما في النكاح فالمقصود ذات المرأة والاستمتاع بها وذات الزوج لا المال.

стр. 2278

سادسا: مبررات التحديد ومضار عدمه أ- مبررات التحديد: قد يقال إن للتحديد مبررات كثيرة منها: ١ - تيسير الزواج. ٢ - بقاء النسل وتكثيره بطريق شرعي. ٣ - خلو المجتمع من العناصر الفاسدة ومن الفساد. ٤ - عمار الأرض بآلات صالحة. ٥ - حفظ كيان الأسرة والعمران بنسل شرعي. ٦ - تحصين الفروج وغض البصر. ٧ - استفراغ الشهوة واستنزاف مواد المضرة وإصلاح الجسد بالطريق الشرعي. ب- مضار عدمه: قد يقال إن لعدم التحديد مضارا كثيرة منها: ١ - قلة الزواج؛ لأن الغلو في المهور يكلف الرجال ما لا طاقة لهم به. ٢ - قلة الزواج تؤدي إلى انتشار الفساد بين الرجال والنساء وبين الرجال أنفسهم وبين النساء أنفسهن فتكثر الفواحش بسبب ذلك. ٣ - وجود شيء من هذه المفاسد في شخص ما تجعله عضوا أشل لا ينتفع به في مجال البناء السليم دينيا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا وصناعيا وغير ذلك من الأمور التي تنفع دنيا وأخرى. ٤ - المجتمع الذي تنتشر به هذه المفاسد يكون مجتمعا غير مترابط. ٥ - يضاف إلى ما سبق أن الشخص إذا تعذر عليه الزواج من بلده نتيجة غلاء المهر اضطر إلى أن يتزوج من الخارج والزواج بالأجنبية في هذا الوقت له آثاره السيئة على الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. ٦ - قد يؤدي عدم التحديد إلى أن المرأة هي التي تخطب الرجل مستقبلا وتدفع له المهر كما هي عادة غير المسلمين. ٧ - من النتائج السيئة لعدم التحديد أن الآباء قد يمنعون الأكفاء لأنهم لا يستطيعون دفع مهر كثير ويزوجون غير الأكفاء لأنهم يدفعون ما يرضي الآباء من المهر. إذا علم ما سبق من المصالح المترتبة على التحديد والمفاسد الناشئة عن عدم التحديد فإن من القواعد المقررة في الشريعة أن المصالح إذا تعارضت قدم أرجحها، وأن المفاسد إذا لم يمكن تركها كلها وجب ترك أعظمها ضررا ولو بارتكاب أقلها ضررا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد قدم الراجح منها، وإذا تساوت في نظر المجتهد فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

стр. 2279

سابعا: هل تحديد المهور علاج واقعي ناجح، وإن لم يكن فما العلاج قد يقال إن تحديد المهور ليس بعلاج عملي ناجح في دفع مغالاة الناس فيها لأمور: أحدها: أن الناس جبلوا على التقليد فينظر الضعيف منهم للقوي والفقير للغني فإذا وجدوا الوجهاء والأغنياء غلوا في مهور بناتهم أو من يتزوجونهن مجاملة أو إكراما أو فخرا قلدوهم في ذلك. الثاني: أن النقود اليوم قد هبطت قيمتها نتيجة لعدة عوامل فالشيء الذي يساوي مائة ريال سابقا- مثلا- يساوي اليوم عشرين ألفا تقريبا فإذا قيست على المهور سابقا فقد لا تعتبر مغال فيها وربما تعلل أولياء البنات بهذا وادعوا أن ما تعطاه البنت من المهر لا يقوم بما تحتاجه لتستعد بما يلزم لزواجها من الأثاث والملابس وغيرها. الثالث: الإبقاء على النكاح والتخلص منه بيد الزوج فإذا حددت المهور بمبلغ فربما يسهل على الزوج أمر الطلاق ويكثر منه وهذا مما لا يتفق مع مقاصد الشريعة في النكاح من الاستقرار وطمأنينة النفس وبناء الأسرة. وقد يقال إن العلاج ممكن بدون تحديد وذلك بما يأتي: أ- توعية الناس بطرق الإعلام والخطابة في الجوامع والمجامع المناسبة ويركز على تحذير الأولياء من العضل ويرغب الناس في الاصطلاح بينهم على مهر معين وذلك بأن يتفق أهل كل بلد أو كل قبيلة على مقدار معين. ب- منع الناس من الإسراف في مراسم الزواج. ج- التطبيق العملي من الطبقة الواعية من الناس بأن يزوجوا مولياتهم من الأكفاء ويقتنعوا بما تيسر. هذا ما تيسر ذكره. وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2280

قرار رقم ٥٢ وتاريخ ٤/ ٤ / ١٣٩٧ه ـ الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده وبعد: فإن مجلس هيئة كبار العلماء قد اطلع في دورته العاشرة المعقودة في مدينة الرياض فيما بين يوم ٢١/ ٣ / ١٣٩٧هـ و / ٤/ ١٣٩٧هـ على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة من هيئة كبار العلماء في موضوع تحديد مهور النساء بناء على ما قضى به أمر سمو نائب رئيس مجلس الوزراء من عرض هذا الموضوع على هيئة كبار العلماء لإفادة سموه بما يتقرر وجرى استعراض بعض ما رفع للجهات المسئولة عن تمادي الناس في المغالاة في المهور والتسابق في إظهار البذخ والإسراف في حفلات الزواج ويتجاوز الحد في الولائم وما يصحبها من إضاءات عظيمة خارجة عن حد الاعتدال ولهو وغناء بآلات طرب محرمة بأصوات عالية قد تستمر طول الليل حتى تعلو في بعض الأحيان على أصوات المؤذنين في صلاة الصبح وما سبق ذلك من ولائم الخطوبة وولائم عقد القران كما استعرض بعض ما ورد في الحث على تخفيف المهور والاعتدال في النفقات والبعد عن الإسراف والتبذير فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (١) ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٢) - وقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال «سألت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا قالت: نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم (٣)». وقال عمر ﵁: «ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية (٤)» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ زوج امرأة رجلا بما معه من القرآن». وروى الترمذي وصححه «أن عمر ﵁ قال لا تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون عداوة في نفسه وحتى يقول كلفت لك علق القربة (٥)» والأحاديث والآثار في الحض على الاعتدال في النفقات والنهي عن تجاوز الحاجة كثيرة معلومة وبناء على ذلك ولما يسببه هذا التمادي في المغالاة في المهور والمسابقة في التوسع في الولائم بتجاوز الحدود المعقولة وتعدادها قبل الزواج وبعده وما صاحب ذلك من أمور محرمة تدعو إلى تفسخ الأخلاق من غناء واختلاط الرجال بالنساء في بعض الأحيان ومباشرة الرجال لخدمة النساء في الفنادق إذا أقيمت الحفلات

стр. 2281

فيها مما يعد من أفحش المنكرات، ولما يسببه الانزلاق في هذا الميدان من عجز الكثير من الناس عن نفقات الزواج فيجرهم ذلك إلى الزواج من مجتمع لا يتفق في أخلاقه وتقاليده مع مجتمعنا فيكثر الانحراف في العقيدة والأخلاق بل قد يجر هذا التوسع الفاحش إلى انحراف الشاب من بنين وبنات، ولذلك كله فإن مجلس هيئة كبار العلماء يرى ضرورة معالجة لهذا الوضع معالجة جادة وحازمة بما يلي: ١ - يرى المجلس منع الغناء الذي أحدث في حفلات الزواج بما يصحبه من آلات اللهو وما يستأجر له من مغنيين ومغنيات وبآلات تكبير الصوت؛ لأن ذلك منكر محرم يجب منعه ومعاقبة فاعله. ٢ - منع اختلاط الرجال بالنساء في حفلات الزواج وغيرها ومنع دخول الزوج على زوجته بين النساء السافرات ومعاقبة من يحصل عندهم ذلك من زوج وأولياء الزوجة معاقبة تزجر عن مثل هذا من المنكر. ٣ - منع الإسراف وتجاوز الحد في ولائم الزواج وتحذير الناس من ذلك بواسطة مأذوني عقود الأنكحة وفي وسائل الإعلام وأن يرغب الناس في تخفيف المهور ويذم لهم الإسراف في ذلك على منابر المساجد وفي مجالس العلم وفي برامج التوعية التي تبث في أجهزة الإعلام. ٤ - يرى المجلس بالأكثرية معاقبة من أسرف في ولائم الأعراس إسرافا بينا وأن يحال بواسطة أهل الحسبة إلى المحاكم لتعزر من يثبت مجاوزته الحد بما يراه الحاكم الشرعي من عقوبة رادعة زاجرة تكبح جماح الناس عن هذا الميدان المخيف؛ لأن من الناس من لا يمتنع إلا بعقوبة وولي الأمر - وفقه الله - عليه أن يعالج مشاكل الأمة بما يصلحها ويقضي على أسباب انحرافها وأن يوقع على كل مخالف من العقوبة ما يكفي لكفه. ٥ - يرى المجلس الحث على تقليل المهور والترغيب في ذلك على منابر المساجد وفي وسائل الإعلام وذكر الأمثلة التي تكون قدوة في تسهيل الزواج إذا وجد من الناس من يرد بعض ما يدفع إليه من مهر أو اقتصر على حفلة متواضعة لما في القدوة من التأثير. ٦ - يرى المجلس أن من أنجح الوسائل في القضاء على السرف والإسراف أن يبدأ بذلك قادة الناس من الأمراء والعلماء وغيرهم من وجهاء الناس وأعيانهم وما لم يمتنع هؤلاء من الإسراف وإظهار البذخ والتبذير فإن عامة الناس لا يمتنعون من ذلك لأنهم تبع لرؤسائهم وأعيان مجتمعهم فعلى ولاة الأمر أن يبدءوا في ذلك بأنفسهم ويأمروا به ذوي خاصتهم قبل غيرهم ويؤكدوا على ذلك اقتداء برسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم واحتياطا لمجتمعهم لئلا تتفشى فيه العزوبة التي ينتج عنها انحراف الأخلاق وشيوع الفساد وولاة الأمر مسئولون أمام الله عن هذه الأمة وواجب عليهم كفهم عن السوء ومنع أسبابه عنهم وعليهم تقصي الأسباب التي تثبط الشباب عن الزواج - ليعالجوها بما يقضي على هذه الظاهرة والحكومة أعانها الله ووفقها قادرة بما أعطاها الله من إمكانات متوفرة ورغبة أكيدة في الإصلاح أن تقضي على كل ما يضر بهذا المجتمع أو يوجد فيه أي انحراف وفقها الله لنصرة دينه وإعلاء كلمته وإصلاح عباده وأثابها أجزل الثواب في الدنيا والآخرة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء

стр. 2282

تحديد النسل الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: - فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في النصف الأول من شهر شعبان سنة ١٣٩٥هـ من إدراج موضوع تحديد النسل في جدول أعمال الدورة الثامنة للهيئة المزمع عقدها في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦هـ أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته ما يلي: - ١ - ترغيب الشريعة الإسلامية في التناسل. ٢ - الفرق بين منع الحمل وتحديد النسل وتنظيمه. ٣ - البواعث التي تدعو إلى الأخذ بها مع مناقشتها. ٤ - الوسائل التي تتخذ لمنع الحمل أو تحديد النسل أو تنظيمه مع بيان آثارها. ٥ - بيان الحكم مع الأدلة. والله الموفق،. . .

стр. 2283

تحديد النسل ١ - الترغيب في النكاح وبيان مقاصده شرع الله- جلت حكمته- الزواج لحكم كثيرة منها: أنه أحصن للفرج وأغض للبصر قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (١)» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن، ومنها: الإبقاء على الجنس البشري في الأرض لعمارتها وإصلاحها؛ تحقيقا لما أراده الله تعالى قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٥).

стр. 2284

ومنها: كثرة الأولاد الذي يتم بهم بناء الأسرة، وتقوى بهم الأمة، ويتحقق التعاون بينهم - لعمارة الأرض، ولذا عد الله سبحانه الذرية نعمة منه على الناس تستوجب منهم أن يشكروه ولا يكفروه، وأن يتقوه؛ رجاء رحمته، وخوف عذابه، وأن يصلوا أرحامهم؛ أداء لحق القرابة، وتقوية لأواصرها حتى يكونوا عباد الله إخوانا متحابين، قال الله تعالى في بيان كمال قدرته وعظيم منته على عباده ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١). ونهى النبي ﷺ عن التبتل، وأمر بالزواج، وحبب إلى الرجال التزوج بالودود الولود خاصة، تحقيقا لرغبته في المباهاة بأمته يوم القيامة، فعن أنس أن النبي- ﷺ كان يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدا، ويقول: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة (٢)» رواه الإمام أحمد، وأخرجه ابن حبان وصححه. وعن عبد الله بن عمر أن النبي- ﷺ قال: «انكحوا أمهات الأولاد، فإني أباهي بكم يوم القيامة (٣)» رواه الإمام أحمد، وأشار إليه الترمذي في جامعه، وقال. . في مجمع الزوائد: فيه جرير بن عبد الله العامري، وقد وثق وهو ضعيف، وعن معقل بن يسار قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد، فأتزوجها؟ قال: " لا " ثم أتاه الثانية " فنهاه " ثم أتاه الثالثة فقال: " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم (٤)» رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم، وفي الباب أحاديث كثيرة وفي بعضها ضعف، لكن مجموعها يدل على المقصود من الترغيب في النكاح وخاصة نكاح الولود، وقد بين الغزالي مقاصد النكاح وفوائده فقال: إن النكاح معين على الدين، ومهين للشياطين، وحصن دون عدو الله حصين، وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين، فما أحراه بأن تتحرى أسبابه، وتشرح مقاصده وآدابه. ثم قال: في الزواج فوائد خمسة: الولد، وكسر الشهوة، وتدبير المنزل، وكثرة العشيرة، ومجاهدة النفس بالقيام بهن. . ثم ذكر أنه إذا قصد بالزواج- التناسل كان قربة يؤجر عليها من حسنت نيته. وبين ذلك بوجوه:

стр. 2285

أولا: موافقة محبة الله في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان. ثانيا: طلب محبة الرسول ﷺ في تكثير من به مباهاة. ثالثا: طلب البركة وكثرة الأجر ومغفرة الذنب بدعاء الولد الصالح له بعده. وأكد الغزالي أن الوجه الأول أقواها وأظهرها لذوي الألباب، وضرب لذلك مثلا خلاصته: سيد أعطى عبده بذورا وآلات حراثة وأرضا صالحة للزراعة ووكل به رقيبا يستحثه فإن تراخى العبد في الحراثة والزرع ونحى ذلك الوكيل الذي يستحثه فقد استوجب غضب سيده وطرده، والله تعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى وزود كلا منهما بخواصه. وجعل الشهوة فيهما قوة دافعة إلى إظهار حكمته تعالى في التناسل والإنجاب، فمن انحرف عن ذلك أو عارضه فهو متحد لسنن الله في الكون مستوجب لغضبه وسخطه (١). ومن المعلوم أن الأولاد منذ القديم كانوا أمنية الناس حتى الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين، وسيظلون كذلك ما سلمت فطرة الإنسان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) ولما دعا إبراهيم قومه إلى توحيد الله وعبادته دون سواه وصبر على أذاهم وثابر على دعوتهم ألقوه في النار وأنجاه الله منها، واعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهب له إسماعيل ثم إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب استجابة لقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) بشره بإسماعيل أولا، ولما بلغ معه السعي ابتلاه فيه، وأمره بذبحه، وآثر امتثال أمر ربه على حبه لولده، وصدق في تنفيذ أمره، فبشره ثانيا بإسحاق نبيا من الصالحين، وجعل النبوة في ذرية خليله من بعده، جزاء كريما بصبره على الأذى في سبيل الدعوة إلى الله ونجاحه أتم نجاح فيما ابتلاه الله به من كلمات. فالأولاد نعمة تتعلق بها قلوب البشر وترجوها؛ لتأنس بها من الوحشة، وتقوى بها عند الوحدة، وتكون قرة عين لها في الدنيا والآخرة، ولذا طلبها إبراهيم الخليل ﵇ فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤) وطلب زكريا ﵇ من ربه ذرية طيبة، قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (٥) وقال: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (٦) ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٧) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٨) ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٩) ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (١٠) ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (١١) وأثنى سبحانه

стр. 2286

على عباده الصالحين بمحامد كثيرة منها قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (١) وأخبر تعالى أن شعيبا ﵊ أمر قومه أن يذكروا نعمة الله عليهم إذ جعلهم كثرة بعد قلة قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ (٢) وذلك لتشكروه ولا تكفروه وليعرفوا لله حقه وللعباد حقوقهم، فاعتبر تكثيرهم بعد القلة نعمة عظمى توجب عليهم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ

стр. 2287

٢ - الفرق بين منع الحمل وتنظيمه وتحديد النسل ١ - منع الحمل هو استعمال الوسائل التي يظن أنها تحول بين المرأة وبين الحمل كالعزل وتناول العقاقير ووضع اللبوس ونحوه في الفرج، وترك الوطء في وقت الإخصاب، ونحو ذلك. ٢ - تحديد النسل هو الوقوف بالإنسال عند الوصول إلى عدد معين من الذرية باستعمال وسائل يظن أنها تمنع من الحمل. ٣ - تنظيم الحمل هو استعمال وسائل معروفة لا يراد من استعمالها إحداث العقم أو القضاء على وظيفة جهاز التناسل بل يراد بذلك الوقوف عن الحمل فترة من الزمن لمصلحة ما يراها الزوجان أو من يثقان به من أهل الخبرة. فالقصد من الأول عدم التناسل أصلا سواء أصيب جهاز التناسل بعقم أم لا. والقصد من الثاني تقليل عدد النسل بالوقوف به عند غاية، سواء أصيب جهاز التناسل بعد هذه الغاية بعقم أم لا. والقصد من الثالث مراعاة حال الأسرة وشئونها من صحة أو قدرة على الخدمة مع مراعاة الإبقاء على استعداد جهاز التناسل للقيام بوظيفته.

стр. 2288

بواعث منع الحمل وتحديد النسل مع المناقشة . إن الدعاة إلى تحديد النسل ومنع الحمل قد اعتمدوا على عدة دواع وأسباب في دعايتهم لرأيهم وترويجهم له نذكرها فيما يلي مع مناقشتها: الأول أن مساحة الأرض محدودة والصالح منها لسكنى الناس والزراعة وإنتاج ما يحتاجه الناس محدود، وأن وسائل المعاش الأخرى من الصناعة والصيد، وتربية المواشي، والتجارة، ونحوها محدودة أيضا. أما تناسل الناس فهو في نمو مستمر وزيادة غير محدودة فإذا استمر الحال على ذلك ضاقت الأرض بسكانها ولم تسعهم وسائل المعاش، ولم تكف لقوتهم وكسوتهم، وهبط مستواهم في جميع النواحي صحة وعلما وثقافة، وانتهى بهم الأمر إلى أن يعيشوا عيشة بؤس وشقاء أو أن يهلكوا نتيجة للعري والجوع والنزاع والتناحر على لقمة العيش، وما يدفع عنهم غائلة الحر والبرد فوجب أن يتخذ ما يلزم من وسائل لتحديد النسل، والوقوف به عند غايته، إنقاذا للناس من خطر داهم قد ظهرت بوادره وأنذرتهم سوء المصير. المناقشة. أولا: الحكم في أن زيادة التناسل وتضاعف عدد الناس في المستقبل يفضي إلى ضيق الأرض عن سكناهم وضيق وسائل المعاش العديدة عن أن تسعهم وتكفي لسد حاجتهم حكم مبناه الخرص والتخمين والنظر الاقتصادي الخاطئ الذي كذبه الواقع إن الأرض لم تضق بسكانها مع كثرة نموهم وتزايدهم، ولم تزل وسائل المعاش تتسع لهم منذ خلقوا إلى يومنا الحاضر، وقد قرر ذلك كثير من علماء الاقتصاد وخطئوا النظرية الاقتصادية التي يبني عليها دعاة تحديد النسل رأيهم. ثانيا: إن دعوى أن مساحة الأرض التي تصلح للسكنى والزراعة والإنتاج محدودة دعوى غير صحيحة فإن ما سكن من الأرض وما استثمر منها في الزراعة والإنتاج وإخراج دفائنه وخاماته قدر ضئيل بالنسبة لما لم يسكن وما لم يستغل غير أنه يحتاج إلى تهيئة للسكنى والاستثمار وسعة في العلم بالكونيات وما أودعه الله في الأرض

стр. 2289

ومعرفة بطرق استخراجها وتخليصها وخبرة بخواصها وكيفية استغلالها والانتفاع بها، فعلى تقدير وجود مشكلة فهي لم تنشأ عن كثرة تناسل وتكاثف السكان وإنما نشأت من الجهل بما أودعه الله في الأرض من خيرات، وقلة العلم بطرق الاستغلال وإهمال الناس أو إعراضهم عن العمل والسعي لكسب ما فيه سعة ورخاء ونهوض بهم وارتقاء. ثالثا: إن ضرورة الناس وشدة حاجتهم ألجأتهم إلى تهيئة ما يستطيعون من الأرض وإصلاحه للسكنى والزراعة واضطرتهم أن يتعلموا من العلوم الكونية ما يساعدهم على التوسع في ذلك، ويفتح لهم أبوابا كثيرة لمعرفة الوسائل العديدة التي تقوم عليها حياة الناس، وتجعلهم مترفين منعمين، ولا يزالون يجدون في العمل ويدأبون فيه بدافع فطرتهم وغرائزهم حتى تكشفت لهم وسائل عمرانية لم يعهدوها من قبل، وعرفوا كثيرا من طرق الكسب والمعاش والنهوض والرخاء لم تكن تخطر لهم ببال، وليس ببعيد لو عرضت عليهم من قبل أن يقول قائلهم إنها سحر أو ضرب من ضروب الخيال، وما ندري ما يسفر عنه المستقبل من شئون الحياة التي قدرها الله لعباده، وأودع لهم أصولها في أبواب السماء وخزائن الأرض، وجعل لهم من الأفكار والعلوم ما به يتمكنون من تسخيرها لمصالحهم وسعادتهم، قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (١) ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٣) ومن نظر في زيادة المساحة المعمورة من الأرض وتحويلها إلى قصور شاهقة وزروع مثمرة وجنات فيحاء ممتعة، ونظر إلى زيادة وسائل العيش وكثرتها وتنوعها وجدها تتضاعف مضاعفة مطردة مع نمو السكان وزيادة عددهم، ولا عجب في ذلك، فإنهم الأيدي العاملة التي خلقها الله لعمارة الأرض وإنها لسنة الله سبحانه في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولولا ذلك لكانت الأرض خرابا يبابا، أو وقف بها العمران عند غاية تتفق مع عدد السكان وقدراتهم ومعارفهم حسب ما تقضي به سنة الله سبحانه في الأسباب العادية ونتائجها، وإن الواقع لأقوى وأعدل شاهد لما تقدم وإنه لدليل واضح على خطأ النظرية الاقتصادية التي بنى عليها دعاة تحديد النسل مقالتهم، وقد اضطر هذا الواقع كثيرا من علماء الاقتصاد أن يردوا على إخوانهم دعاة تحديد النسل مذهبهم وأن يبينوا لهم مخالفته لواقع الحال وحقيقة الأمر، ولذلك أيضا رجع عن هذا الرأي كثير ممن كانوا يدعون إليه حينما أحسوا بعواقبه السيئة من ضعف في قوى حماية البلاد والدفاع عنها، وفي قوى الإنتاج لقلة الأيدي العاملة. إلخ. ودعوا إلى التناسل ورغبوا في كثرته بإعطاء المكافآت إنقاذا لأنفسهم من الخطر الذي أصابهم من جراء الدعوة المشؤومة إلى تحديد النسل وبهذا يعرف فساد ما زعمه بعضهم من أن عدم تحديد النسل يخرج للأمة أولادا لا حاجة إليهم، ولا يفيدونها في ميدان الحياة، وربما

стр. 2290

ولدوا مرضى فيكونون كلا على أولياء أمورهم أو على حكومتهم، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند الكلام على مضار وسائل تحديد النسل أو منعه أو تنظيمه. رابعا: إن الدعاة إلى تحديد النسل خشية أن تضيق الأرض بالسكان، وخشية أن تضيق بهم وسائل العيش من كثرتهم مع خطئهم في تقديرهم وقصور عقولهم يظنون بالله الظنون، ويتدخلون في تقديره لشئون عباده، وهذا هو الضلال البعيد، فإن الله هو الذي خلق عباده، وهو الذي يدبر معايشهم، وهو الرزاق ذو القوة المتين، وقد قدر أرزاقهم وما يجري عليهم في جميع أحوالهم قبل أن يكونوا، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١) وقال ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٢) وقال ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣) وقد أنكر على المشركين قتلهم أولادهم خشية الفقر، لاشتماله على جرائم، جريمة قتل النفس، وجريمة ظن السوء بالله، ودخول الإنسان فيما لا يعنيه مما هو شأن من شئون الله، وكل من قتل النفس وظن السوء بالله، والدخول فيما هو من شئون الله وحده جريمة، قال الله تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٤) وقال ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٥) وقال تعالى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٦) فمن حدد النسل بإجهاض قد يكون مرتكبا لهذه الجرائم الثلاث أو لبعضها، ومن حدده بمنع الحمل بوسيلة غير الإجهاض فهو مرتكب لجريمة ظن السوء بالله، وجريمة الدخول فيما هو من شئونه وحده، وكفى بذلك عدوانا وضلالا مبينا. الثاني: ذكر دعاة تحديد النسل أن الفطرة وضعت حدا مناسبا لتنظيم النسل والمنع من تضخمه في جميع أنواع الأحياء حتى الإنسان، وذلك بالقضاء على كثير من أسباب التوالد والتناسل ابتداء وبالموت

стр. 2291

والفناء بعد الوجود في أطوار وأزمان مختلفة، فليس بعجيب أن يقال بتحديد النسل أو تنظيمه بالوسائل الحديثة المتبعة اليوم، بل في ذلك مجاراة للفطرة، وسير معها إلى الهدف المنشود من التوازن بين عدد السكان ووسائل العيش والنهوض بالإنسان إلى مستوىيكفل له الراحة وطمأنينة النفس والشعور بمتعة الحياة ولذاتها. المناقشة. أ- إن كان المراد بالفطرة في نظر دعاة تحديد النسل طبيعة الأحياء وخواصهم وغرائزهم التي أودعت فيهم لتقوم الحياة ويعمر الكون فما ذكروه مبررا لتحديد النسل أو تنظيمه مناقض للفطرة، وحرب على ما أودعه الله في الإنسان من طبائع وخواص فإن الإنسان مجبول على الرغبة الملحة في التزاوج، مجبول على حب التناسل، تواقة نفسه إلى الذرية مسلما كان أو كافرا، حتى إن من حرم الذرية أو أصيب فيما رزق منها بآفات قضت عليها ليكاد يتقطع أسى وحسرة على ما فاته من نعمة الذرية، واعتبر ذلك بلاء نزل به وقضى على سعادته إلا من عصمه الله بالإيمان، ورضي بقضاء الله وقدره فيه، ومن آتاه الله الذرية عد نفسه سعيدا، وتجلت فيه عاطفة الأبوة أو الأمومة وحنانها، وبذل جهده فيما يلزم لسعادة أولاده مع ارتياح ورحابة صدر، وسهر الليالي لسهرهم عملا على راحتهم وتحقيقا لمصلحتهم، وبهذا اتضح أي الأمرين جرى على سنن الفطرة، ومقتضى الطبيعة البشرية، الإبقاء على النسل وعدم الوقوف في طريق ازدياده أم العمل على منعه والقضاء عليه بعد الحمل بإجهاض ونحوه. أضف إلى ذلك ما في كلامهم من الزيغ، حيث نسبوا إلى فطرة الأحياء وطبائعهم تحديد النسل أو تنظيمه بالعقم أو بالموت والقضاء على كثير من أسباب التناسل، وذلك لا يصدر إلا عن جاهل فاسد العقيدة، قال تعالى ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (١) ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٢) وقال ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣). ب- وإن زعموا أن المراد بالفطرة ما يسمى في شريعة الإسلام بالله رب العالمين ففيه أولا: سوء أدب في التعبير، وثانيا: التدخل في شأن من شئون الله وحده، وليس مما يعود إليهم تدبيره، وثالثا: قياس أنفسهم في تقديرهم لتحديد النسل على الله في تدبيره وتعريفه لشئون عباده، وشتان ما بين عبد مملوك خطاء قاصر الفكر والتقدير والتدبير. إلخ ورب حكيم له كمال القدرة وإحكام التدبير وله الخلق والأمر وكمال الاختيار يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد. إلخ. لقد فشلت نظرية تحديد النسل أول الأمر اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا؛ لمناقضتها

стр. 2292

مقتضى الفطرة وطبيعة البشر وبنائها على الخرص والتخمين الذي كذبه الواقع، ولإفضائها إلى نتائج خبيثة وعواقب وخيمة ومضار فادحة كما سيجيء بيانه في مضار الوسائل التي تتخذ لذلك، ولم يكتب لها الانتشار إلا بكثرة الدعاية والتلبيس على الناس ومصادفة هوى عند عباد الشهوات ومن يفرون من تحمل المسئوليات ويحرصون على نزواتهم دون المصالح العامة مع عوامل أخرى كالتقدم الصناعي وإقبال الناس على الصناعة وانتقالهم إلى المدن لذلك وزهدهم في الزراعة وانغماس الناس في الترف والنعيم وكثرة الكماليات والأثرة المادية فارتفعت الأسعار وكثرت التكاليف وعمل كل لنفسه بدافع غريزة حب التملك، وخرجت المرأة إلى ميدان العمل وكرهوا تحمل أعباء نفقة الأولاد ورعايتهم، ولم يلبث الأمر أن انكشف الستار وظهرت الحقيقة للمفكرين منهم فرجعوا عن ذلك، وردوا على هذه النظرية ردودا حاسمة. الثالث: أن طبقات الناس متفاوتة غنى وفقرا، والطبقة الفقيرة منهم لا تتسع ثروتها لتربية الأولاد تربية تكفل لهم السعادة والهناء، وليس في أموالهم ما ينهض بتعليمهم تعليما عاليا يسمون به وتسمو به أمتهم فإذا تركوا وشأنهم في التناسل زاد عدد الأولاد وتكاثر، واشتدت الكارثة، وعجز أولياء أمورهم عن القيام بشئونهم تغذية وكسوة وتعليما على ما يرام، وعندئذ يعيشون عيشة لا يغبطون عليها أما الطبقة الغنية والمتوسطة فإن أولادهم إذا زاد عددهم تفتتت ثروتهم وهبط مستواهم وضعفت إمكانياتهم، وبذلك تسوء حالتهم وحال الأمة ويضعف شأنها وتتأخر علما وإنتاجا، وتعيش عيشة بؤس وشقاء، فلهذا وجب الحد من التناسل؛ صيانة للأسرة مما يتهددها من خطر كثرة الأولاد، وإنقاذا للأمة مما يتوقع لها من البلاء وشدة الأزمات (١) ". المناقشة. هذه الشبهة وليدة للشبهة الأولى وصنو لها، فيجاب عنها بما تقدم من المناقشة فيها ثم هي لا تزيد على أن تكون دعاية لتحديد النسل بتزيين الباطل، والتلبيس على الناس ليخدعوهم عن مقتضى فطرتهم السليمة التي فطرهم الله عليها، ويصدوهم عما هو مصدر سعادتهم، وما تتحقق به مصالحهم، ويحصل لهم به عوامل القوة والنماء والرخاء فإن الأولاد هم الأيدي العاملة وهم مصدر الثروة والنماء وزيادة الرخاء، فبكثرتهم تكثر الخيرات، ويزداد العمران في الأرض، وتنهض الأمم في جيشها وقوتها، وفي علمها واختراعها، وفي إنتاجها ورعايتها لجميع

стр. 2293

مرافق حياتها، وكثيرا ما وجدنا بيوتا قد فتحت على أيدي الأولاد، وعمها الخير والرخاء، وكثيرا ما شاهدنا العلماء من أبناء الفقراء والطبقات المتوسطة، وأنهم نهضوا بأممهم وقاموا بمصالحهم وكانوا ملاك سعادتها وزهرة حياتها، وعنوان مجدها، فإن تخلف شيء من ذلك فهو من الفوضى والإهمال والتفريط لا من زيادة التناسل، ومن المعروف أن النهوض وليد الطموح ويقظة النفس وشعورها بالحاجة، وأن الفساد والهبوط وليد الدعة وتبلد النفس وعدم الإحساس بالحاجة وقد يكون ذلك مع الغني كما يكون مع الفقير وإذا فليست المشكلة من كثرة التناسل وزيادة الأولاد حتى يسعى في حلها بتحديد النسل أو منع الحمل. الرابع: زعموا أن تحديد النسل أو منع الحمل يحفظ للمرأة صحتها وجمالها، وأن تتابع الحمل والولادة وما يتبع ذلك من رعايتها لأولادها وقيامها بشئونهم ورعايتها لهم وسهرها على مصالحهم يهدم كيانها ويذهب قواها وجمالها، ويهدد حياتها الزوجية، فقد يزهد فيها زوجها فيطلقها أو ينصرف عنها إلى غيرها لسوء حالها واشتغالها عنه بأولادها. المناقشة. أ- إن هذه الشبهة إنما يتشدق بها ويروج لها من طغت عليه شهوته الحيوانية، وانحرفت فطرته الإنسانية فلا هم له إلا الاستمتاع بزوجته وقضاء وطره منها ويفر من تكاليف الذرية وتحمل أعبائها، استجابة لدواعي الشهوة البهيمية، وإيثارا لجانب اللذائذ الحيوانية التي لا تعدل في نفس من سلمت فطرته من الناس أو تقارب إرواء عاطفة الأبوة والأمومة الكامنة في أعماق النفوس وحياة القلوب. ب- إن عزل المرأة عن وظيفة الحمل والولادة التي هي من أجل ما خلقها الله لها يحدث فيها كبتا ويولد فيها عقدا نفسية، ويورثها بؤسا وكآبة تذهب بجمالها وحسن رونقها، وإذا استعملت لمنع الحمل أو إسقاطه العقاقير وأمثالها زادها ذلك هما وضاعف آفاتها ومضارها. ولا شك أن هذا الخطر يزيد على ما يذكره دعاة تحديد النسل في شبهتهم من المضار الناشئة عن كثرة الحمل والولادة - مع ما في زيادة التناسل من النماء في الإنتاج وزيادة وسائل المعيشة والنفع الخاص بالأسرة والعام للأمة، فأي الأمرين أحق بالحرص عليه والدعوة إليه قال الدكتور " الكسيس كارل " في كتابه " الإنسان ذلك المجهول " إنه حتى هذه الأيام لم ينضج فكر الإنسان ولم يشعر على الوجه التام بما لوظيفة التوليد من الأهمية في حياة المرأة، إن قيام المرأة بهذه الوظيفة مما لا مندوحة عنه لكمالها القياسي، فما تحريف النساء عن التوليد ورعاية الطفل إلا حماقة شنيعة لا يقدم عليها عاقل. وقال الدكتور " ازوالد شوارز " أحد علماء النفس في كتابه " نفسية الجنس ": أي شيء يا ترى يدل عليه وجود الغريزة الجنسية في الإنسان؟ ولأي غرض قد وضعت فيه؟ ومن الحقيقة التي لا غبار عليها أن هذه الغريزة إنما هي لإنجاب الذرية وتخليد النسل، إذ من القوانين الثابتة في علم الأحياء أن كل عضو في جسد الإنسان يجب أن يؤدي وظيفته الخاصة المستقلة حتى يحقق بذلك المهمة التي قد أسندت إليه، وعلى هذا إذا منع هذا العضو من أداء وظيفته الخاصة فلا بد أن تتعرض حياة الإنسان لمشاكل مرهقة متعددة، ومما يتعلق بهذا البحث أن جسد المرأة لم يخلق في معظمه إلا لوظيفة الحمل والتوليد فهي إذا منعت أن تعمل لتحقيق هذه الوظيفة الأساسية لنظامها الجسدي والعقلي فلا بد أن

стр. 2294

تذهب ضحية الاضمحلال والتذمر والعقد النفسية المتعددة، وعلى خلاف هذا فإنها عندما تصبح أما تجد جمالا جديدا وبهاء روحيا يتغلب على ما قد يعتريها من الضعف والاضمحلال بسبب وضع الطفل وإرضاعه. وقال أيضا: إن كل عضو في جسدنا يجب أن يقوم بوظيفته، وعلى هذا فإنه إذا حيل بينه وبين أن يقوم بوظيفته فلا بد أن يختل به التوازن في نظامنا الجسدي، إن المرأة ليست بحاجة إلى إنجاب ذرية لمجرد أن ذلك تقتضيه عاطفة الأمومة التي قد فطرت عليها، أو لمجرد أنها ترى القيام بهذه الخدمة واجبا عليها، بناء على ضابط خلقي مفروض عليها، وإنما هي بحاجة إليها؛ لأن نظامها الجسدي ما بني كله إلا للقيام بها فهي إذا منعت أن تقوم بها فلا بد أن تتأثر شخصيتها كلها بالانقباض والحرمان والهزيمة واليأس المميت. أهـ. إن الذين بدءوا بالدعوة إلى منع الحمل أو تحديد النسل وروجوا دعوتهم بما تقدم من الشبه وأمثالها جماعة لا يؤمنون بأن للعالم ربا عليما خبيرا بشئون عباده، حكيما في تدبير أمورهم وتصريف أحوالهم ولا يرضون بشريعة الإسلام دينا ولا بمحمد رسولا، فلا عجب أن يظنوا بالله الظنون الكاذبة، وأن يدخلوا تفكيرهم القاصر المحدود فيما هو من شأنه وحده، وأن يناقضوا شريعة الإسلام ويكونوا حربا على مقاصدها، ولا عجب أيضا أن يسير في ركابهم ويدعو بدعوتهم بعض جهلة المسلمين وأرباب الهوى منهم، فإن الجهل قتال يقذف بصاحبه في لجج الضلال والهلاك وأن الهوى يعمي ويصم، وإنما العجب أن يناقضوا ما يدعون أنهم قتلوه بحثا وأحاطوا به علما من نظريات الاقتصاد وأصول علم النفس وعلم الأحياء وتاريخ الأمم وما جرى عليها من أحداث. ونختتم الكلام على ما ذكروا من البواعث والدواعي لمنع الحمل أو تحديد النسل بذكر بعض دواع أخرى تقع قليلا أو نادرا فيحكم فيها بما يناسبها من الأحكام، فإنها تختلف عما تقدم في أهدافها ومقاصدها وربما كان لمن ألمت به العذر في منع الحمل أو تنظيمه. أ- قد يكون بالمرأة ما تتعذر معه الولادة العادية، فيخرج الولد بإجراء عملية جراحية، وربما كان في ذلك خطورة، كما أن تكرر ذلك خطر على المرأة وقضاء على حياتها ففي مثل هذا يمكن أن يقال بوجوب منع الحمل أو المنع من تكراره، محافظة على حياة المرأة وذلك راجع إلى مقصد من المقاصد الضرورية الخمسة، وهو المحافظة على النفس ولكن من الواضح أن هذا وأمثاله ليس من تحديد النسل ولا من تنظيمه ولا يتفق معه في الدواعي أو الغرض الذي ألجأ إليه، فلا يصح أن يخلط بينهما تلبيسا على الناس، ولا أن يحتج بمثل هذا على تحديد النسل أو منعه للدواعي الأخرى. ب- وقد يضر المرأة تتابع الحمل لضعف بها أو مرض، ويقرر أهل الخبرة إن كان عليها من تتابعه خطورة، فلها أن تتخذ وسائل غير ضارة لتنظيم الحمل وتأخيره فترة من الزمن تستجم فيها، وتسترد نشاطها وقوتها، ويرجع فيما تستخدمه من الوسائل لأهل الخبرة، مخافة أن تصاب بعقم أو مرض آخر من جراء استخدام الوسائل لتنظيم الحمل، للبواعث الأخرى التي اعتمد عليها دعاة تحديد النسل فلا مستند فيه لهم.

стр. 2295

ج- وقد يظن الرجل أن وطأه امرأته أو أمته وهي ترضع يضر بالولد، فيمتنع من ذلك محافظة على صحة الرضيع وحرصا على سلامته، سواء قلنا تغير لبن المرأة وتضرر الرضيع بنفس الجماع أو بالحمل المتوقع منه فعلى تقدير أن ذلك يعتبر عذرا للرجل في ترك الجماع أو للزوجة في الامتناع منه فإنه ليس من باب تحديد النسل أصلا ولا من جنس منع الحمل للدواعي المنكرة التي اعتمد عليها دعاة تحديد النسل أو منعه، على أن النبي ﷺ هم أن ينهى عن الغيلة محافظة على الرضيع ثم رجع عن ذلك وبين السبب، روى أحمد ومسلم عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت حضرت رسول الله ﷺ في أناس وهو يقول: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت إلى الروم فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم شيئا (١)». . " الحديث. د- ربما يحتاج الرجل إلى العزل عن أمته أو زوجته حرة أو أمة، وقد اختلف العلماء في حكم ذلك اختلافا كثيرا فمنهم من حرم ذلك مطلقا عن أمته وزوجته حرة أو أمة، ومنهم من أجازه مطلقا وفرق جماعة بين الأمة والحرة، وفرق آخرون بين حالة الإذن وعدمه فأباحه في الأولى دون الثانية وتفصيل الخلاف في ذلك معروف في كتب الفقه، ومنشؤه اختلاف العلماء في فهم ما ورد في ذلك من الأحاديث واختلافهم فيمن له الحق في الوطء والولد ومن لا حق له في ذلك. ولما كان كلام ابن القيم مستوفيا لتفصيل القول في حكم العزل مع الأدلة والمناقشة اكتفينا بذكره هنا قال ﵀ (٢) فصل: في حكمه ﷺ في العزل. ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد قال «أصبنا سبيا فكنا نعزل فسألنا رسول الله ﷺ فقال: وإنكم لتفعلون قالها ثلاثا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة (٣)». وفي السنن عنه أن رجلا قال: «يا رسول الله إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى قال: كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه (٤)». وفي الصحيحين عن جابر «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل (٥)». وفي صحيح مسلم عنه «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم ينهنا (٦)». وفي مسلم أيضا: عنه قال: «سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: إن عندي جارية وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ إن ذلك لا يمنع شيئا أراده الله قال فجاء الرجل فقال يا رسول الله إن الجارية التي ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ أنا عبد الله ورسوله (٧)». وفي صحيح مسلم أيضا عن أسامة بن زيد أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول

стр. 2296

الله، إني أعزل عن امرأتي فقال له رسول الله ﷺ : لم تفعل ذلك؟ فقال الرجل أشفق على ولدها أو قال على أولادها - فقال رسول الله ﷺ : لو كان ضارا ضر فارس والروم (١)». وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب «نهى رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها (٢)» وقال أبو داود: سمعت أبا عبد الله ذكر حديث ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الزهري عن المحرز بن أبي هريرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها (٣)» فقال: ما أنكره! فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل. وقد رويت الرخصة فيه عن عشرة من الصحابة. علي وسعد بن أبي وقاص وأبي أيوب وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس والحسن بن علي وخباب بن الأرت وأبي سعيد الخدري وابن مسعود. قال ابن حزم: وجاءت الإباحة للعزل صحيحة. عن جابر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت وابن مسعود، وهذا هو الصحيح. وحرمه جماعة منهم: أبو محمد بن حزم وغيره وفرقت طائفة بين أن تأذن له الحرة، فيباح، أو لا تاذن: فيحرم. فإن كانت زوجته أمة أبيح بإذن سيدها ولم يبح بدون إذنه. وهذا منصوص أحمد. ومن أصحابه من قال: لا يباح بحال ومنهم من قال: يباح بكل حال، ومنهم من قال: يباح بإذن الزوجة حرة كانت أو أمة ولا يباح بدون إذنها حرة كانت أو أمة فمن أباحه مطلقا احتج بما ذكرنا من الأحاديث، وبأن حق المرأة في ذوق العسيله لا في الإنزال ومن حرمه مطلقا: احتج بما رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة عن جذامة بنت وهب أخت عكاشه قال: «حضرت رسول الله ﷺ في أناس فسألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ : ذلك الوأد الخفي وهي قوله تعالى (٥)» قالوا: وهذا ناسخ لأخبار الإباحة فإنه ناقل عن الأصل، وأحاديث الإباحة: على وفق البراءة الأصلية وأحكام الشرع ناقلة عن البراءة الأصلية قالوا: وقول جابر «كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيئا ينهى عنه لنهى عنه القرآن (٦)» فيقال: قد نهى عنه من أنزل عليه القرآن بقوله: «إنه الموءودة الصغرى (٧)» والوأد كله حرام قالوا: وقد فهم الحسن البصري النهي من حديث أبي سعيد الخدري، «لما ذكر العزل عند رسول الله ﷺ قال: لا عليكم ألا تفعلوا. ذاكم: إنما هو القدر (٨)» قال ابن عون: فحدثت به الحسن فقال والله لكأن هذا زجر قالوا ولأن فيه قطع النسل المطلوب من النكاح وسوء العشرة وقطع اللذة عند استدعاء الطبيعة لها قالوا ولهذا كان ابن عمر لا يعزل وقال: " لو علمت أن أحدا من ولدي يعزل لنكلته " وكان علي يكره العزل. ذكره شعبة عن عاصم عن زر بن حبيش عنه وصح عن ابن مسعود أنه قال في العزل هو الموءودة الصغرى، وصح عن أبي أمامة أنه سئل عنه؟ فقال ما كنت أرى مسلما يفعل، وقال نافع عن ابن عمر " إن عمر ضرب على العزل بعض بنيه " قال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب " كان عمر وعثمان ينهيان عن العزل " وليس في هذا ما يعارض أحاديث الإباحة مع صراحتها وصحتها.

стр. 2297

أما حديث جدامة بنت وهب فإنه وإن كان رواه مسلم فإن الأحاديث الكثيرة على خلافه، وقد قال أبو داود - حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا يحيى: أن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان حدثه أن رفاعة حدثه عن أبي سعيد الخدري " أن رجلا قال: «يا رسول الله، إن لي جارية، وأنا أعزل عنها. وأنا أكره أن تحمل. وأنا أريد ما يريد الرجال، وأن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى. قال كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه (١)» وحسبك بهذا الإسناد صحة فكلهم ثقات حفاظ، وقد أعله بعضهم بأنه مضطرب، فإنه اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير. فقيل: عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله ومن هذه الطريق أخرجه الترمذي والنسائي، وقيل فيه عن أبي مطيع عن رفاعة وقيل عن أبي رفاعة. وقيل: عن أبي سلمة أن أبا هريرة. وهذا لا يقدح في الحديث. فإنه عند يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر. وعنده عن ابن ثوبان، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعنده عن ابن ثوبان، عن رفاعة عن أبي سعيد. ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة: هل هو رفاعة، أو ابن رفاعة، أو أبو مطيع؟ وهذا لا يضر مع العلم بحال رفاعة. ولا ريب أن أحاديث جابر صريحة صحيحة في جواز العزل وقد قال الشافعي ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي ﷺ : أنهم رخصوا في ذلك، ولم يروا به بأسا. قال البيهقي: وقد روينا الرخصة فيه عن سعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وابن عباس وغيرهم. وهو مذهب مالك والشافعي وأهل الكوفة، وجمهور أهل العلم. وقد أجيب عن حديث جدامة بأنه على طريق التنزيل وضعفته طائفة، وقالوا: كيف يصح أن يكون النبي ﷺ كذب اليهود في ذلك، ثم يخبر به كخبرهم؟ هذا من المحال البين. وردت عليهم طائفة أخرى، وقالوا: حديث تكذيبهم فيه اضطراب. وحديث جدامة في الصحيح. وجمعت طائفة أخرى بين الحديثين، وقالت: إن اليهود كانت تقول: إن العزل لا يكون معه حمل أصلا. فكذبهم رسول الله ﷺ في ذلك. ويدل عليه قوله: ﷺ «لو أراد الله أن يخلقه لما استطعت أن تصرفه (٢)» وقوله: «إنه الوأد الخفي (٣)» وإن لم يمنع الحمل بالكلية، كترك الوطء. فهو مؤثر في تقليله. قالت طائفة أخرى: الحديثان صحيحان. ولكن حديث التحريم ناسخ. وهذه طريقة أبي محمد بن حزم. قالوا: لأنه ناقل عن الأصل. والأحكام كانت قبل التحريم على الإباحة ودعوى هؤلاء: تحتاج إلى تاريخ محقق، يبين تأخير أحد الحديثين عن الآخر، وأنى لهم به؟ وقد اتفق عمر وعلي على أنها لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع. فروى القاضي أبو يعلي وغيره بإسناده عن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال " جلس إلى عمر: علي والزبير وسعد

стр. 2298

في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكروا العزل. فقالوا: لا بأس به فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى. فقال علي: لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع، حتى تكون من سلالة من طين، ثم تكون نطفة ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاما، ثم تكون لحما، ثم تكون خلقا أخر، فقال عمر: صدقت. أطال الله بقاءك وبهذا احتج من احتج على جواز الدعاء للرجل بطول البقاء. وأما من جوزه بإذن حرة، فقال: للمرأة حق في الولد كما للرجل حق فيه. ولهذا كانت أحق بحضانته. قالوا: ولم يعتبروا إذن السرية فيه. لأنها لا حق لها في القسم. ولهذا لا تطالبه بالفيئة. ولو كان لها حق في الوطء لطولب المولي منها بالفيئة. قالوا: وأما زوجته الرقيقة فله أن يعزل عنها بغير إذنها، صيانة لولده عن الرق. ولكن يعتبر إذن سيدها؛ لأن له حقا في الولد. فاعتبر إذنه في العزل كإذن الحرة ولأن بدل البضع يحصل للسيد كما يحصل للحرة. فكان إذنه في العزل كإذن الحرة. قال أحمد في رواية أبي طالب، في الأمة إذا نكحها: يستأذن أهلها، يعني في العزل لأنهم لا يريدون الولد، والمرأة لها حق، تريد الولد، وملك يمينه لا يستأذنها، وقال في رواية صالح، وابن منصور، وحنبل، وأبي الحرث والفضل بن زياد، والمروذي: يعزل عن الحرة بإذنها، والأمة بغير إذنها يعني أمته، وقال في رواية ابن هانئ: إذا عزل عنها لزمه الولد، قد يكون الولد مع العزل، وقد قال بعض من قال: ما لي ولد إلا من العزل، وقال في رواية المروذي في العزل عن أم الولد: إن شاء. فإن قالت: لا يحل لك، ليس لها ذلك اهـ. ومهما يكن من الاختلاف في حكم عزل الرجل عن زوجته حرة أو أمة أو عزله عن سريته من الإباحة مطلقا أو المنع مطلقا أو إباحته مع الإذن ومنعه بدونه فليس من باب تحديد النسل، فإنه إن كان بالنسبة للأمة إنما كان خشية أن تحمل منه وهو يكره أن يكون له منها ولد أو خشية أن تصير أم ولد وهو في حاجة إلى خدمتها أو ثمنها كما هو واضح من الأحاديث المتقدمة، وأما بالنسبة - للزوجة فقد يكون للمحافظة على رضيعها، وقد يكون خشية أن تحمل وهي مريضة أو ضعيفة فيضرها الحمل أو يضرها تتابعه، وقد يكون لأسباب أخرى دعتهم إلى ذلك غير أنها ليس منها تحديد النسل، لسلامة فطرهم وقوة توكلهم على الله وثقتهم به ومزيد حبهم للنسل ورغبتهم فيه، فلا يفعلون ما يناقض فطرهم وما تهواه قلوبهم من الذرية ولا يخوضون في شئون المستقبل وما يكون فيه من غبن وفقر ولا يتشاءمون منه ولا يظنون بالله الظنون، وبالجملة ما عهد فيهم من الاعتصام بالدين وحسن الظن بالله ليبعدهم كل البعد عن القصد إلى العزل من أجل تحديد النسل، وعلى هذا لا حجة فيما ذكر من الأحاديث لمن تعلق بها ممن يرون تحديد النسل.

стр. 2299

٤ - وسائل تحديد النسل وبيان مضارها . لتحديد النسل ومنع الحمل وسائل عديدة، منها الرهبنة وترك الزواج، وكبت النفس وحبسها عن الجماع، والإجهاض (إسقاط الحمل) أو وضع اللبوس في الفرج. وتعاطي العقاقير، ونحوها مما يمنع الحمل أو يقضي عليه بعد وجوده، ولكل من هذه الوسائل آثار سيئة وعواقب وخيمة، وفيما يلي بيان شيء من ذلك: - ١ - انتشار جريمة الزنا وانتهاك الحرمات، فإن الذي يردع الإنسان ويقف به عند حده خوفه من الله أولا، وقد ذهب ذلك بالإلحاد أو ضعف الوازع الديني. وخوفه من العار ثانيا، وقد ذهب ذلك بانتشار وسائل منع الحمل وتحديد النسل، حيث أمنت المرأة من الحمل وعرفت طريق التخلص منه باستعمال هذه الوسائل فاجترأت هي ومن يهواها على قضاء الوطر وإشباع الغريزة الجنسية دون خوف أو حياء. ٢ - انتشار الزنا سبب لانتشار الأمراض الخبيثة كمرض الزهري والسيلان، وهما من أفتك الأمراض وأشدها خطرا على حياة الناس. ٣ - انتزاع جلباب الحياء وفساد الأخلاق وضياع الأنساب وضعف الراوبط بين الأسر، وبذلك تعم الفوضى ويكثر الهرج والمرج ويشتد البلاء. ٤ - نقص الآيدي العاملة وكثرة العجزة والعجائز لقلة التناسل والوقوف به عند غاية، وبذلك يقل الإنتاج وتنقص وسائل المعيشة وتشتد الأزمات وتضعف سيطرة الأمة وقوة الدفاع عنها. ٥ - ضعف العلاقة الزوجية بين الزوجين لعدم الأولاد أو قلتهم باستعمال وسائل تورث العقم ابتداء أو تقف بالتناسل عند حد، فإن الأولاد تقوى بهم أواصر المحبة والوئام بين الزوجين وتضطر كلا منهما على الصبر على متاعب الحياة الزوجية وتحمل ما قد يصدر من أحدهما للآخر من الأذى وتعكير الصفو، فإذا لم تكن بينهما هذه الروابط ضعفت عرى الزوجية أو انحلت وكثرت وقائع الطلاق، ودب دبيب الشر والفساد بين الأسر، وفي ذلك ضعف المجتمع وفساده.

стр. 2300

٦ - في الرهبانية كبت للنفس وخروج بها عن فطرتها ومقتضى ما أودع فيها من الغرائز، وهذا مما يورثها ضيقا وقلقا وأمراضا عصبية وتبرما بالحياة؛ ولهذا وغيره نهى النبي ﷺ عن التبتل. ٧ - سقوط الرحم وحدوث أمراض أخرى تكاد تفتك بالمرأة من جراء إسقاطها الحمل تخلصا من النسل أو من كثرته. ٨ - وقد ذكر كثير من الأطباء وعلماء النفس مضار وسائل منع الحمل وتحديد النسل إجمالا وتفصيلا، من ذلك ما جاء عن الدكتور كلير فولسوم، قال: ليست عندنا حتى اليوم أية وسيلة سهلة أو رخيصة غير ضارة يمكن استخدامها لتحديد النسل. ولما تقدم وغيره من المضار قام كثير من الأطباء وعلماء النفس في دولهم بدعوة مضادة وحذروا الناس من استعمال وسائل منع الحمل وتحديد النسل، وشرحوا لهم مضار ذلك علما وتجربة واستجابت لهم حكوماتهم فحظرت الاتجار في هذه الوسائل، وأعطت المكافأة على كثرة النسل ورفعت الضرائب عمن كثرت أولادهم وفرضت العقوبات على من ثبت عليه استعمال هذه الوسائل أو الاتجار فيها أو الترويج لها والدعاية لاستعمالها.

стр. 2301

٥ - الحكم مع الدليل. تبين مما تقدم أن ما ذكره الدعاة إلى تحديد النسل أو منع الحمل من البواعث التي اعتمدوا عليها في ترويج ذلك والدعاية له لا تصلح مبررا له بل هي غير صحيحة لمناقضتها الواقع ومنافاتها مقتضى الفطرة والإسلام، وتبين أيضا أن لتحديد النسل أو منع الحمل بأي وسيلة من الوسائل مضارا كثيرة دينية واقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية وجسمية. وعلى هذا يكون تحديد النسل محرما مطلقا ويكون منع الحمل محرما إلا في حالات فردية نادرة لا عموم لها كما في الحالة التي تدعو الحامل إلى ولادة غير عادية ويضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد وفي حالة ما إذا كان على المرأة خطر من الحمل لمرض ونحوه، فيستثنى مثل هذا منعا للضرر وابقاء على النفس، فإن الشريعة الإسلامية جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد وتقديم أقوى المصلحتين وارتكاب أخف الضررين عند التعارض، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ".

стр. 2302

قرار رقم ٤٢ وتاريخ ١٣/ ٤ / ١٣٩٦هـ. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦هـ بحث المجلس موضوع منع الحمل وتحديد النسل وتنظيمه، بناء على ما تقرر في الدورة السابعة للمجلس المنعقد في النصف الأول من شهر شعبان عام ١٣٩٥هـ من إدراج موضوعها في جدول أعمال الدورة الثامنة، وقد اطلع المجلس على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي والمناقشة بين الأعضاء والاستماع إلى وجهات النظر قرر المجلس ما يلي: نظرا إلى أن الشريعة الإسلامية ترغب في انتشار النسل وتكثيره وتعتبر النسل نعمة كبرى ومنة عظيمة من الله بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثها المعد للهيئة والمقدم لها، ونظرا إلى أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده، ونظرا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد وأهلها، وحيث إن في الأخذ بذلك ضربا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله تعالى وإضعافا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها؛ لذلك كله فإن المجلس يقرر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقا ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، أما إذا كان منع الحمل لضرورة محققة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد أو كان تأخيره لفترة ما لمصلحة يراها الزوجان فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل أو تأخيره عملا بما جاء في الأحاديث الصحيحة وما روى عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم من جواز العزل: وتمشيا مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة، وقد توقف فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان في حكم الاستثناء، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ".

стр. 2303

الفلسفة عبد الحليم محمود إن كثيرا من شبابنا الذين درسوا في الغرب قد فتن بالفلسفة، كما فتن بها كثير من الذين تتلمذوا على كتب الغرب المترجمة إلى العربية ووصل الأمر إلى حد افتتان جامعاتنا في أقسامها النظرية بالفلسفة فدرسها الأساتذة في إعجاب وأيدوها. واختلف الوضع الحاضر كثيرا عن نظرة أسلافنا إلى الفلسفة. ولقد عارض الفلسفة جميع المحدثين وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل كما عارضها كثير من كبار المفكرين وعلى رأسهم الإمام ابن تيمية. ولقد كان للإمام ابن تيمية فضل كبير وأثر بالغ في بيان فساد علم المنطق الذي كان سائدا في الأوساط الإسلامية منذ أن كان " الكندي " و " الفارابي " و " ابن سينا "، ولقد كتب الإمام ابن تيمية فيه كتبا من أنفس ما يكون وعلى الخصوص كتاب " الرد على المنطقيين ". ولم يقتصر الإمام ابن تيمية على نقد المنطق وإنما عمل جهده على تسفيه كل فكرة

стр. 2304

منحرفة من أفكارهم، ثم إنه من الذين بينوا في وضوح (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول). وكذلك فعل الإمام ابن حزم فقد نقد أيضا المنطق وتصدى لانحرافات الفلاسفة، أما الكتاب الذي كان له أثر بالغ في انهيار الفكر الفلسفي فهو كتاب (تهافت الفلاسفة) وكلمة (تهافت) إنما تعني السقوط والانهيار والعنوان يعني إذن سقوط الفلاسفة وانهيارهم. وعلى سنة هؤلاء وعلى طريقهم سرت في هذا المقال مؤمنا بفكرة أسلافنا مقتنعا بها بعد دراسة فاحصة متأنية: فقد درست الفلسفة في أوربا ثم درستها فترة طويلة من الزمن وخرجت من كل ذلك مما خرج به أسلافنا- رضوان الله عليهم. وإذا كان أسلافنا قد كتبوا عن الانحراف الفلسفي بأسلوبهم وعلى طريقتهم فلعله من الخير أن يتحدث الذين يسيرون على نهجهم إلى شبابنا بأسلوب ميسر بحيث يقنعهم بمنطق العصر الحاضر حتى لا يشق عليهم فهمه. ومن أجل أن تستمر مسيرة أسلافنا في معارضة كل ما لا يلائم الجو الإسلامي كتبت هذا البحث وأرجو الله تعالى أن يهدي به وأن يهدي إليه وأن يكون عملا نافعا. حينما نتحدث هنا عن الفلسفة فإنما نعني: البحث العقلي البحث في ما وراء الطبيعة وفي الأخلاق. ونعني بما وراء الطبيعة: الإلهيات، أو ما يسمى في عرف المتكلمين: العقائد. ونعني بالأخلاق: معناها الشامل الذي يتضمن التشريع الذي يحرم المنكر ويردع الذين يفعلونه، وقد يخالفنا هذا الباحث أو ذاك في هذا الذي نعنيه بالفلسفة، ولكننا أحببنا أن نتفق والقارئ على اصطلاح محدود، وفي إطار هذا الاصطلاح يسير بنا البحث. يقول الأستاذ (أندريه كرسن) في كتابه: (المشكلة الأخلاقية والفلسفية) ما يلي: - " إن الفلسفة بمعناها الخاص قد دارت- ولا تزال تدور- حول طائفتين أساسيتين من المسائل: -

стр. 2305

(١) المسائل النظرية: ما الكائن؟ ما أصله؟ ما المصير الذي ينتظره هو وما تفرع منه؟ أفي طوق عقل الإنسان أن يضع حلولا لهذه المسائل، أم أن ذلك في حكم المستحيل؟ كل هاتيك المسائل تعتبر مسائل ميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة). (٢) المسائل العلمية: كيف يجب أن يكون مسلكنا في الحياة؟ كيف نربي الناشئين تربية حسنة؟ ماذا يجب لقيادة الدولة حتى تسير على النهج المستقيم؟ كل هاتيك المسائل عليها تتوقف الأخلاق أو تستمد هي من الأخلاق. * وهذا الذي ذكره الأستاذ أندريه كرسن هو رأينا الذي نسير على ضوئه في موضوعنا هذا. * إن كل من يتصفح تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام يجد مجموعة من كبار المفكرين بحثوا، في تعمق، الموضوعات الفلسفية هذه، وانتجوا فيها انتاجا يتفاوت كما وكيفا بحسب شخصياتهم. * وبدأت هذه المجموعة بفيلسوف العرب: " أبو يعقوب الكندي ثم كان الفارابي وابن سينا وغيرهم. * ونتساءل الآن: لماذا كان المحدثون وكثير غيرهم خصوما للفلاسفة؟ وما هي حكمتهم في ذلك؟ * إن موقفهم من الوضوح بمكان، وذلك أن موضوع الفلسفة هو نفسه موضوع الدين. * إن الدين: إلهيات وأخلاق تستند إلى الوحي، والوحي معصوم، والفلسفة إلهيات وأخلاق تستند إلى العقل، والعقل يخطئ ويصيب، وهو حينما يخطئ لا يعلم يقينا أنه أخطأ، وحينما يصيب لا يعلم يقينا أنه أصاب. * ويقولون، أو لسان حالهم يقول: " لقد ضمن الله لنا العصمة في الوحي، ولم يضمن لنا العصمة في الآراء العقلية ". * وحينما أخذ المتفلسفون يترجمون كتب اليونان وغيرهم قال معارضو الفلسفة: " إذا كان ما عند اليونان في العقائد حقا فعندنا ما هو أحق منه وهو عقائد الإسلام، لأنها بالأسلوب الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونحن إذا في غنى عن عقائدهم. وإذا كان ما عندهم باطلا

стр. 2306

فنحن في غنى عن الباطل "، وكذلك كان موقفهم من الأخلاق بمعناها العام: إن كانت أخلاق اليونان فاضلة فعندنا ما هو أفضل منها ولم تتم مكارم الأخلاق إلا في العهد الإسلامي. «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق (١)». * وإن كانت أخلاق اليونان فاسدة فنحن نعوذ بالله من كل فساد ". * وعارضوا الترجمة في الجانب الإلهي وعارضوها في الجانب الأخلاقي. . . * ولكنهم لم يعارضوها، وإنما شجعوا عليها في جانب العلوم المادية: مثل الطبيعة، والكيمياء والفلك. . وعارضوا التفلسف في الإلهيات والأخلاق بكل ما أتوا من قوة. * ولكن التيار الفلسفي استمر في المجتمع الإسلامي، وإذا كان قد تهافت في المشرق بتأثير الإمام الغزالي فإنه قد ازدهر في المغرب على لسان ابن ماجه وابن طفيل وابن رشد. * وكانت آمال وأماني فلاسفة الإسلام الوصول - عن طريق المحاولات العقلية المستمرة- إلى التوفيق بين الدين والفلسفة. * والفلسفة في الإسلام إذن تحاول جاهدة أن تعلن في نوع من الدعاية المزخرفة أنها تتفق مع الدين فيما أتى به الدين، وأنها لا تختلف عنه في مبادئها. * وعند كل فيلسوف في الإسلام وعند كل مؤرخ للفلسفة الإسلامية فقرات وفصول بعنوان التوفيق بين الدين والفلسفة سواء أكان هذا العنوان ظاهرا أم مستورا، أنجحت الفلسفة في هذا أم أخفقت؟.

стр. 2307

ومن أجل الإجابة على هذا السؤال نحب أن نتحدث أولا عن الجو الذي نشأت فيه الفلسفة . * إنها نشأت عند قدماء اليونان قبل الميلاد. * وكانت اليونان فيما قبل الميلاد بقرون تدين بدين وثني: كانوا يؤمنون بمجموعة من الآلهة قابلة للزيادة عن طريق الزواج والتناسل. وهي آلهة تحب وتبغض وتتنازع وتتشاحن، ويحاول بعضها أن يعتدي على الأعراض وعلى السلطان وهي في نزاع مستمر، ثم هي تحابي من البشر من يقدم لها القرابين والأضاحي وتخذل من لم يفعل ذلك، وكانت في مستواها الأخلاقي العام بعيدة عن الكمال والفضيلة وكان الإلف والتكرار والتعود يجعل هذا الوضع للآلهة وضعا عادية لا يثير نقدا ولا استنكارا.

стр. 2308

* بيد أنه نشأ في القرن الخامس والرابع والثالث قبل الميلاد في بلاد اليونان مجموعة كبيرة من المفكرين النابهين، بل ومن العباقرة، فكروا وتأملوا ونقدوا واستنكروا وانفصلوا عن الدين يعلنون ذلك في صخب أو في هدوء، وفي كثير من الأحيان يسترون ذلك ويخفونه في نفوسهم، ولكنهم على أي وضع كانوا، ألفوا مذاهب آمنوا بها واعتقدوها: مذاهب بشرية لم تؤسس على وحي ولم ينزلها الله على لسان أنبيائه ورسله. * ألفوا مذاهب تتصل بالله سبحانه وبالآخرة وبالسلوك الإنساني الذي يجب أن يلتزمه الإنسان. * إنها مذاهب مؤسسة على العقل: عنه تصدر، ومنه تنبع، وعليه تقوم إن العقل ينشئها ويسير معها خطوة فخطوة حتى يصل بها - في تدرج - إلى غايتها، إنها مذاهب عقلية، إنها مذاهب بشرية. إنها في المستوىالبشري. * وإذا كانت أسطورة الدين اليوناني هي التي دفعت هؤلاء المفكرين على ما أقدموا عليه فإن الأمر لم يكن كذلك فيما قبل. كان الوضع فيما قبل: التفرقة بين مجالين من مجالي المعرفة: - ١ - مجال المعرفة الحسية، وهو مجال آلات المعرفة فيه الحواس، وموضوعه المادة، والعقل يجول فيه مستنبطا ومستنتجا، فيؤلف فيه ويركب ويعيد تأليفه وتركيبه، ويستخرج قوانينه وقواعده، فتكون الحضارة، ويكون العلم بمفهومه الغربي الحديث أو بمفهومه الكوني المادي: طبيعة وكيمياء وفلك. ٢ - مجال المعرفة الروحية والأخلاقية، وهو مجال ليست الحواس مصدره وليس العقل منشئه أو مبتدعه، وإنما مرده إلى الوحي ينزله الله على ألسنة من يصطفيهم لحمل الرسالة من خلقه، إنه من اختصاص الله تعالى يبينه على ألسنة رسله. * وسار الأمر على هذه الكيفية إلى العهد اليوناني القديم: فخاض الإنسان في مجال الحس - وهو اختصاصه - وخاض في مجال الروح بعقله، وليس للعقل في مجال الغيب إلا محاولة الفهم؛ إذ الإنشاء والابتداع في هذا المجال ليس للإنسان، وليس من اختصاصه. * وجاءت المسيحية الصادقة الموحاة فردت الأمر إلى حالته الطبيعية: عالم الحس، للإنسان أن يفكر فيه ويستنبط، وعالم الروح يتفهمه الإنسان عن طريق الوحي.

стр. 2309

* ولكن التيار الفلسفي اليوناني- وقد أصبح سنة مألوفة - غزا الجو المسيحي وأخذ مكانته المرموقة بين المفكرين الغربيين فنشأ فيهم الفلاسفة ونشأت في أجوائهم الفلسفة. * وأخذ فلاسفة الغرب يحاولون التوفيق بين المسيحية والفلسفة وكان أبرزهم في هذا المجال الفيلسوف (توما الإكويني). * وإذا قرأت (ديكارت) تجده كأنه كان يمشي على الشوك وهو يتفلسف محاولا- ما استطاع إلى ذلك سبيلا- مداراة القساوسة وعلماء الدين والجو العام الفلسفي إذ يعلن، في مجاملة بالغة، أنه يؤيد الدين ولا ينحرف عنه وأنه يقدم إنتاجه ويعرضه على علماء الدين متقبلا ملاحظاتهم التي يوليها عنايته الفائقة، كان هذا موقف ديكارت وغيره. . * وكان الإسلام- من قبل ديكارت ومن قبل الإكويني -: يهدي للتي هي أقوم، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويقود الإنسانية نحو مرضاة الله تعالى، ووضع الأمور في نصابها مبينا بأسلوب لا لبس فيه أن: العقيدة والأخلاق ونظام المجتمع والتشريع من أمر الله تعالى، وقد شاء الله سبحانه أن يرسم للإنسانية طريقها المعصوم في كل ذلك فأرسل الرحمة المهداة، خاتم النبيين - محمدا ﷺ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ (١) ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ (٢) ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ (٣) ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ (٤) ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ (٥). * ولكن الفلسفة اليونانية دخلت على استحياء في عهد المنصور، وقوي جناحها في عهد المأمون، وأصبح في الأمة الإسلامية فلاسفة.

стр. 2310

والآن نتساءل: ما هي السمات العامة للفلسفة ؟ * إنه لا يتأتى أن نحدد في صورة مقنعة موقف الإسلام من الفلسفة قبل تحديد سماتها العامة، فما هي هذه السمات؟

стр. 2311

* وأول سمة من هذه السمات، وهي أهمها، وتعتبر كالمنبع الذي عنه تفيض السمات الأخرى- هي أن الفلسفة لا مقياس لها للتفرقة بين الحق والضلال، بين الصواب والخطأ. فإذا اختلف فيلسوفان في أمر من أمور الفلسفة فإنهما لا يجدان مقياسا عقليا بحتا يرجعان إليه للحسم بينهما في موضوع الخلاف. * أما في العلم المادي فإن المقياس هو "التجربة" فإذا اختلف عالمان في أمر كوني رجعا إلى التجربة، وهي تعلن في صراحة مشاهدة خطأ هذا وصواب ذاك. * ما هو، في عالم الفلسفة، الذي يجري مجرى التجربة في مجال العلم؟ * لا شيء. . . * ما الذي يحسم الخلاف في عالم الفلسفة؟ * لا شيء. . * ما هو المرجع العقلي البحت من أجل الاتفاق في عالم الفلسفة؟ * لا مرجع. ولقد شعر الفلاسفة بذلك: فقام اثنان من كبار عباقرة الفلسفة بمحاولة لإيجاد هذا المقياس، وهما (أرسطو) في الماضي و (ديكارت) في العصور الحديثة. ولقد أخفق كل منهما إخفاقا تاما كاملا. ونبدأ الحديث عن أرسطو - ولا ننسى أننا في عالم الإلهيات: مجال الفلسفة الرئيسي - لقد فكر أرسطو وقدر، ثم فكر وقدر، وخرج على العالم بما يسمى (المنطق الأرسطي) أو (المنطق الصوري) وأخذ هذا المنطق في عالم الفكر الفلسفي مجالا من الشهرة والعناية لا حد له. وأخذ في الجو الإسلامي شهرة ذائعة الصيت. وتبناه جميع فلاسفة الإسلام ابتداء من (الكندي) في المشرق إلى (ابن رشد) في المغرب. ولكن كثيرا من المسلمين ذوي الأصالة في الفكر الإسلامي أبانوا في وضوح أن المنطق الأرسطي منهار، وأنه متهافت، وأن الخلل في جوهره وأركانه وأنه خلل لا يصلح.

стр. 2312

وكان من هؤلاء (ابن تيمية) الذي كتب كثيرا في نقد المنطق ونقضه: لقد كتب في ذلك كتبا وكتب في ذلك فقرات منثورة هنا وهناك في خلال كتبه الكثيرة وفتاواه المستفيضة. وممن كتب في نقد المنطق ونقضه: ابن حزم. والمحدثون جميعا لا يجد المنطق عندهم ترحابا ولا قبولا. وقد كتبنا نحن ننبه على أن المنطق لا يحسم خلافا ولا يفصل حقا عن باطل. ومما كتبناه في المنهج الحديث والمنهج الأرسطي ما يلي: إن المقاييس هي: أ- الاستقراء ب- القياس أما الاستقراء - وهو أساس المفهومات العامة والقضايا الكلية - فإنه: ١ - مبني كله على الحس: إنه استقراء محسات: إنه تتبع جزئيات، لا تخرج عن نطاق الواقع، أما المساتير فهو بريء منها كل البراءة، لأنها لا تدخل في دائرة اختصاصه: فهو عاجز عن أن يخترق الحجب ليصل إلى ما وراء الطبيعة. ٢ - ثم إن الاستقراء: تام، وناقص. والتام - كما يعترف المناطقة - لا غناء فيه ولا فائدة. أما الناقص- وهو المهم في نظرهم فإنه - في رأيهم أيضا - ظني، وهو - لذلك - عرضة للتغيير، في كل آونة. " كل معدن يتمدد بالحرارة" تلك قضية من قضايا الاستقراء، إنها قضية عامة شاملة ولكن المعادن لم تنكشف بعد بأكملها. ومن الجائز أن يكتشف في الغد معدن لا يتمدد بالحرارة، إنها إذن، قضية مؤقتة ظنية، تتبرأ من اليقين الفلسفي. " والعلم المادي كما يقول أحد المفكرين- لا يعرف الكلمة الأخيرة في مسألة من مسائله- وإنما حقائقه كلها إضافية موقوتة. لها قيمتها. حتى يتكشف البحث عما يزيل هذه القيمة أو يغيرها ". وهكذا قضايا الاستقراء، إنها:

стр. 2313

١ - خاصة بالطبيعة، ولا شأن لها بما وراءها. ٢ - ظنية، لا تعرف اليقين. أما القياس: ١ - فإنه مبني على الاستقراء، إذ هو منطو دائما على كلية، كلية استقرائية، وما دامت قضايا الاستقراء ظنية- كما رأينا - وميدانها المحسات، فنتائج القياس ظنية كذلك، وميدانها المحسات. ٢ - إن المناطقة لا يشترطون في مقدمات القياس، أن تكون مسلمة صادقة في نفسها، وإنما يشترطون أن يسلمها المتجادلون فحسب، وقد تكون - كما يقول صاحب البصائر النصيرية: منكرة كاذبة في نفسها، وفي هذه الحالة يكون القياس صحيحا ونتيجته باطلة. وإذا كان الأمر كذلك فما فائدة القياس الأرسطي؟ ما قيمته إذا كان لا يعول فيه إلا على أن تكون المقدمات مستوفية لشروط الإنتاج بحيث تستلزم النتيجة وإن لم تطابق النتيجة الواقع؟ ما قيمته إذا كان لا يحفل بصدق النتيجة أو كذبها؟ إنك إذا قلت: الكثير من العلم يؤدي إلى الاستقلال الفردي، وكل ما يؤدي إلى الاستقلال الفردي مضر بالمجتمع، فالكثير من العلم مضر بالمجتمع، كان هذا قياسا صحيحا في نظر المناطقة الأرسطيين. وإذا قلت: الكثير من العلم يؤدي إلى التماسك الاجتماعي، وكل ما يؤدي إلى التماسك الاجتماعي مفيد للمجتمع، فالكثير من العلم مفيد للمجتمع، كان هذا أيضا قياسا صحيحا عند المناطقة، ومع ذلك فالنتيجتان متعارضتان. ٣ - ومع كل هذا فالقياس استدلال دوري فاسد، ذلك أن العلم بالنتيجة في نحو قولنا: محمد إنسان، وكل إنسان ناطق، فمحمد ناطق" متوقف على العلم بالكبرى، والعلم بالكبرى متوقف على العلم بالنتيجة، لأنك لا تستطيع أن تحكم بالناطقية على جميع أفراد النوع الإنساني، إلا إذا تأكدت من ثبوت الناطقية لمحمد، ولو كنت في شك من ذلك، لما استطعت تعميم الحكم على جميع أفراد الإنسان، وإذن تكون النتيجة متوقفة على الكبرى وتكون الكبرى متوقفة على النتيجة، وعلى ذلك يكون القياس: استدلالا دوريا فاسدا، فلا يعول عليه. ٤ - وأخيرا، فالمفروض: أن نتيجة القياس جديدة كل الجدة، إنها استنتاج مجهول هو النتيجة - من معلوم، هو المقدمات.

стр. 2314

ولكن النتيجة متضمنة في المقدمات، إنها ليست مجهولة، والقياس إذن لا يؤدي إلى معرفة جديدة، أو إلى استنتاج مجهول من معلوم، إنه- إذا أردت الدقة- استنتاج معلوم من. . معلوم. تلك هي موازين العقل- وهي موازين لا غناء فيها ولا جدوى منها فيما يتعلق بالإلهيات. العقل إذن قاصر فيما يتعلق بالأخلاق. وهو قاصر على الخصوص فيما يتعلق بالإلهيات. ومن هنا كانت الحكمة في نزول الأديان. ومن هنا كان السبب في اقتصارها على الأخلاق والإلهيات. وإذا كانت قد تحدثت في التشريع فإن التشريع داخل في نطاق الأخلاق. أخفق إذن منطق أرسطو. واستمر الاختلاف بين الفلاسفة كما كان من قبل. واستمر الخلاف حتى بين المناطقة الأرسطيين: الكبار منهم والمغمورين، بل حدث الاختلاف بين تلاميذ أرسطو نفسه، وهم أتباع مدرسة واحدة هي المدرسة الأرسطية. ومرت العصور، وتوالت القرون، وجاء (ديكارت)، وبدأ (ديكارت) يتفلسف على استحياء وعلى حذر بالغ، فما كان جو زعماء المسيحية في الغرب إذ ذاك يوحي بالاطمئنان أو السكينة، لقد كان جوا رهيبا يأخذ على الظنة وينكل على الشبهة، لا يتحرى عدالة ولا يستشعر رحمة. وأخذ (ديكارت) يتحسس طريقه في حيطة بالغة: مداريا، مجاملا، مادحا، متواضعا. . وذات يوم أعلن أنه عثر على المنهج المعصوم. وأنه على أساس من هذا المنهج سيقود الإنسانية إلى الحق. . ورأى أن هذا المنهج صالح للكشف عن الحق في الكون وفي ما وراء الكون، في الطبيعة وفي ما وراء الطبيعة. ولكن التجربة أظهرت خطأه في أثناء حياته. وأن الخلاف استمر حول آرائه في الإلهيات، وآراء معاصريه، وآراء من قبله، كما كان الأمر من قبل أن يولد منهجه، وأخفق منهج ديكارت كما أخفق من قبل منهج أرسطو. . وبقيت الحقيقة التي لا شك فيها، وهي أن الفلسفة لا مقياس لها. هذه هي السمة الأولى. .

стр. 2315

السمة الثانية ما دامت الفلسفة لا مقياس لها فهي إذن ظنية، إنها ظنية وإن عجنت بمنطق أرسطو الذي أخفق، وهي ظنية وإن خبزت بمنهج ديكارت الذي لم ينفع في قليل ولا في كثير، إنها ظنية لأنه لا يتأتى أن تفرق فيها- ولا مقياس- بين الحق والضلال، وستستمر هكذا إلى الأبد. السمة الثالثة مادام لا سبيل إلى اليقين في موضوعات الفلسفة فإن من البدهي أن: اختلاف الآراء فيها دائم". وهذا هو الواقع حينما يتصفح الإنسان الفكر الفلسفي عبر القرون، إن الاختلاف والجدل دائم مستمر منذ أن نشأ الفكر الفلسفي، إنهم يختلفون حتى في المدرسة الواحدة. وانظر مثلا إلى مدرسة سقراط فستجد تلاميذه يقرون بأستاذيته في احترام بالغ، وفي تبجيل يشبه التقديس، فإذا جئت إلى آرائهم في الإلهيات، أو في الأخلاق، فستجد الاختلاف والافتراق. . الاختلاف والافتراق بينهم وبين أستاذهم، والاختلاف والافتراق بين بعضهم وبعض. . بل إن الأمر يصل بالشخص الواحد إلى أن يختلف مع نفسه بحسب تطور حياته، أو اختلاف بيئته أو اختلاف ما يقرأ من مصادر ثقافته. وكل هذا واضح عبر العصور. ومن غرائب الأمور أن الفلاسفة يعلمون علما يقينا، ويعلمون أن كل فيلسوف أتى من قبلهم هدم آراء سابقيه جميعا: إنه لم يعترف بوصول أحدهم للحق، إنه يخطئهم جميعا ولو لم يكن الأمر كذلك لأخذ بآرائهم، واكتفى بما أخبروه، أو بما أنشأه أحدهم من قبل. ولكنه مع علمه بأن الفلسفة دائما إلى نقد ونقض فإنه لا يأبه بهذه المعرفة ويقيم مذهبه على أنقاض مذاهب سابقيه، فيأتي من بعده ويهدمه ويقيم مذهبا مآله السقوط وهكذا دواليك:
следующие страницы →