← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

* وأول سمة من هذه السمات، وهي أهمها، وتعتبر كالمنبع الذي عنه تفيض السمات الأخرى- هي أن الفلسفة لا مقياس لها للتفرقة بين الحق والضلال، بين الصواب والخطأ. فإذا اختلف فيلسوفان في أمر من أمور الفلسفة فإنهما لا يجدان مقياسا عقليا بحتا يرجعان إليه للحسم بينهما في موضوع الخلاف. * أما في العلم المادي فإن المقياس هو "التجربة" فإذا اختلف عالمان في أمر كوني رجعا إلى التجربة، وهي تعلن في صراحة مشاهدة خطأ هذا وصواب ذاك. * ما هو، في عالم الفلسفة، الذي يجري مجرى التجربة في مجال العلم؟ * لا شيء. . . * ما الذي يحسم الخلاف في عالم الفلسفة؟ * لا شيء. . * ما هو المرجع العقلي البحت من أجل الاتفاق في عالم الفلسفة؟ * لا مرجع. ولقد شعر الفلاسفة بذلك: فقام اثنان من كبار عباقرة الفلسفة بمحاولة لإيجاد هذا المقياس، وهما (أرسطو) في الماضي و (ديكارت) في العصور الحديثة. ولقد أخفق كل منهما إخفاقا تاما كاملا. ونبدأ الحديث عن أرسطو - ولا ننسى أننا في عالم الإلهيات: مجال الفلسفة الرئيسي - لقد فكر أرسطو وقدر، ثم فكر وقدر، وخرج على العالم بما يسمى (المنطق الأرسطي) أو (المنطق الصوري) وأخذ هذا المنطق في عالم الفكر الفلسفي مجالا من الشهرة والعناية لا حد له. وأخذ في الجو الإسلامي شهرة ذائعة الصيت. وتبناه جميع فلاسفة الإسلام ابتداء من (الكندي) في المشرق إلى (ابن رشد) في المغرب. ولكن كثيرا من المسلمين ذوي الأصالة في الفكر الإسلامي أبانوا في وضوح أن المنطق الأرسطي منهار، وأنه متهافت، وأن الخلل في جوهره وأركانه وأنه خلل لا يصلح.

стр. 2312

وكان من هؤلاء (ابن تيمية) الذي كتب كثيرا في نقد المنطق ونقضه: لقد كتب في ذلك كتبا وكتب في ذلك فقرات منثورة هنا وهناك في خلال كتبه الكثيرة وفتاواه المستفيضة. وممن كتب في نقد المنطق ونقضه: ابن حزم. والمحدثون جميعا لا يجد المنطق عندهم ترحابا ولا قبولا. وقد كتبنا نحن ننبه على أن المنطق لا يحسم خلافا ولا يفصل حقا عن باطل. ومما كتبناه في المنهج الحديث والمنهج الأرسطي ما يلي: إن المقاييس هي: أ- الاستقراء ب- القياس أما الاستقراء - وهو أساس المفهومات العامة والقضايا الكلية - فإنه: ١ - مبني كله على الحس: إنه استقراء محسات: إنه تتبع جزئيات، لا تخرج عن نطاق الواقع، أما المساتير فهو بريء منها كل البراءة، لأنها لا تدخل في دائرة اختصاصه: فهو عاجز عن أن يخترق الحجب ليصل إلى ما وراء الطبيعة. ٢ - ثم إن الاستقراء: تام، وناقص. والتام - كما يعترف المناطقة - لا غناء فيه ولا فائدة. أما الناقص- وهو المهم في نظرهم فإنه - في رأيهم أيضا - ظني، وهو - لذلك - عرضة للتغيير، في كل آونة. " كل معدن يتمدد بالحرارة" تلك قضية من قضايا الاستقراء، إنها قضية عامة شاملة ولكن المعادن لم تنكشف بعد بأكملها. ومن الجائز أن يكتشف في الغد معدن لا يتمدد بالحرارة، إنها إذن، قضية مؤقتة ظنية، تتبرأ من اليقين الفلسفي. " والعلم المادي كما يقول أحد المفكرين- لا يعرف الكلمة الأخيرة في مسألة من مسائله- وإنما حقائقه كلها إضافية موقوتة. لها قيمتها. حتى يتكشف البحث عما يزيل هذه القيمة أو يغيرها ". وهكذا قضايا الاستقراء، إنها:

стр. 2313

١ - خاصة بالطبيعة، ولا شأن لها بما وراءها. ٢ - ظنية، لا تعرف اليقين. أما القياس: ١ - فإنه مبني على الاستقراء، إذ هو منطو دائما على كلية، كلية استقرائية، وما دامت قضايا الاستقراء ظنية- كما رأينا - وميدانها المحسات، فنتائج القياس ظنية كذلك، وميدانها المحسات. ٢ - إن المناطقة لا يشترطون في مقدمات القياس، أن تكون مسلمة صادقة في نفسها، وإنما يشترطون أن يسلمها المتجادلون فحسب، وقد تكون - كما يقول صاحب البصائر النصيرية: منكرة كاذبة في نفسها، وفي هذه الحالة يكون القياس صحيحا ونتيجته باطلة. وإذا كان الأمر كذلك فما فائدة القياس الأرسطي؟ ما قيمته إذا كان لا يعول فيه إلا على أن تكون المقدمات مستوفية لشروط الإنتاج بحيث تستلزم النتيجة وإن لم تطابق النتيجة الواقع؟ ما قيمته إذا كان لا يحفل بصدق النتيجة أو كذبها؟ إنك إذا قلت: الكثير من العلم يؤدي إلى الاستقلال الفردي، وكل ما يؤدي إلى الاستقلال الفردي مضر بالمجتمع، فالكثير من العلم مضر بالمجتمع، كان هذا قياسا صحيحا في نظر المناطقة الأرسطيين. وإذا قلت: الكثير من العلم يؤدي إلى التماسك الاجتماعي، وكل ما يؤدي إلى التماسك الاجتماعي مفيد للمجتمع، فالكثير من العلم مفيد للمجتمع، كان هذا أيضا قياسا صحيحا عند المناطقة، ومع ذلك فالنتيجتان متعارضتان. ٣ - ومع كل هذا فالقياس استدلال دوري فاسد، ذلك أن العلم بالنتيجة في نحو قولنا: محمد إنسان، وكل إنسان ناطق، فمحمد ناطق" متوقف على العلم بالكبرى، والعلم بالكبرى متوقف على العلم بالنتيجة، لأنك لا تستطيع أن تحكم بالناطقية على جميع أفراد النوع الإنساني، إلا إذا تأكدت من ثبوت الناطقية لمحمد، ولو كنت في شك من ذلك، لما استطعت تعميم الحكم على جميع أفراد الإنسان، وإذن تكون النتيجة متوقفة على الكبرى وتكون الكبرى متوقفة على النتيجة، وعلى ذلك يكون القياس: استدلالا دوريا فاسدا، فلا يعول عليه. ٤ - وأخيرا، فالمفروض: أن نتيجة القياس جديدة كل الجدة، إنها استنتاج مجهول هو النتيجة - من معلوم، هو المقدمات.

стр. 2314

ولكن النتيجة متضمنة في المقدمات، إنها ليست مجهولة، والقياس إذن لا يؤدي إلى معرفة جديدة، أو إلى استنتاج مجهول من معلوم، إنه- إذا أردت الدقة- استنتاج معلوم من. . معلوم. تلك هي موازين العقل- وهي موازين لا غناء فيها ولا جدوى منها فيما يتعلق بالإلهيات. العقل إذن قاصر فيما يتعلق بالأخلاق. وهو قاصر على الخصوص فيما يتعلق بالإلهيات. ومن هنا كانت الحكمة في نزول الأديان. ومن هنا كان السبب في اقتصارها على الأخلاق والإلهيات. وإذا كانت قد تحدثت في التشريع فإن التشريع داخل في نطاق الأخلاق. أخفق إذن منطق أرسطو. واستمر الاختلاف بين الفلاسفة كما كان من قبل. واستمر الخلاف حتى بين المناطقة الأرسطيين: الكبار منهم والمغمورين، بل حدث الاختلاف بين تلاميذ أرسطو نفسه، وهم أتباع مدرسة واحدة هي المدرسة الأرسطية. ومرت العصور، وتوالت القرون، وجاء (ديكارت)، وبدأ (ديكارت) يتفلسف على استحياء وعلى حذر بالغ، فما كان جو زعماء المسيحية في الغرب إذ ذاك يوحي بالاطمئنان أو السكينة، لقد كان جوا رهيبا يأخذ على الظنة وينكل على الشبهة، لا يتحرى عدالة ولا يستشعر رحمة. وأخذ (ديكارت) يتحسس طريقه في حيطة بالغة: مداريا، مجاملا، مادحا، متواضعا. . وذات يوم أعلن أنه عثر على المنهج المعصوم. وأنه على أساس من هذا المنهج سيقود الإنسانية إلى الحق. . ورأى أن هذا المنهج صالح للكشف عن الحق في الكون وفي ما وراء الكون، في الطبيعة وفي ما وراء الطبيعة. ولكن التجربة أظهرت خطأه في أثناء حياته. وأن الخلاف استمر حول آرائه في الإلهيات، وآراء معاصريه، وآراء من قبله، كما كان الأمر من قبل أن يولد منهجه، وأخفق منهج ديكارت كما أخفق من قبل منهج أرسطو. . وبقيت الحقيقة التي لا شك فيها، وهي أن الفلسفة لا مقياس لها. هذه هي السمة الأولى. .

стр. 2315

السمة الثانية ما دامت الفلسفة لا مقياس لها فهي إذن ظنية، إنها ظنية وإن عجنت بمنطق أرسطو الذي أخفق، وهي ظنية وإن خبزت بمنهج ديكارت الذي لم ينفع في قليل ولا في كثير، إنها ظنية لأنه لا يتأتى أن تفرق فيها- ولا مقياس- بين الحق والضلال، وستستمر هكذا إلى الأبد. السمة الثالثة مادام لا سبيل إلى اليقين في موضوعات الفلسفة فإن من البدهي أن: اختلاف الآراء فيها دائم". وهذا هو الواقع حينما يتصفح الإنسان الفكر الفلسفي عبر القرون، إن الاختلاف والجدل دائم مستمر منذ أن نشأ الفكر الفلسفي، إنهم يختلفون حتى في المدرسة الواحدة. وانظر مثلا إلى مدرسة سقراط فستجد تلاميذه يقرون بأستاذيته في احترام بالغ، وفي تبجيل يشبه التقديس، فإذا جئت إلى آرائهم في الإلهيات، أو في الأخلاق، فستجد الاختلاف والافتراق. . الاختلاف والافتراق بينهم وبين أستاذهم، والاختلاف والافتراق بين بعضهم وبعض. . بل إن الأمر يصل بالشخص الواحد إلى أن يختلف مع نفسه بحسب تطور حياته، أو اختلاف بيئته أو اختلاف ما يقرأ من مصادر ثقافته. وكل هذا واضح عبر العصور. ومن غرائب الأمور أن الفلاسفة يعلمون علما يقينا، ويعلمون أن كل فيلسوف أتى من قبلهم هدم آراء سابقيه جميعا: إنه لم يعترف بوصول أحدهم للحق، إنه يخطئهم جميعا ولو لم يكن الأمر كذلك لأخذ بآرائهم، واكتفى بما أخبروه، أو بما أنشأه أحدهم من قبل. ولكنه مع علمه بأن الفلسفة دائما إلى نقد ونقض فإنه لا يأبه بهذه المعرفة ويقيم مذهبه على أنقاض مذاهب سابقيه، فيأتي من بعده ويهدمه ويقيم مذهبا مآله السقوط وهكذا دواليك:

стр. 2316

السمة الرابعة وما دام الاختلاف مستمرا فإن المسائل التي هي موضوع الفلسفة تستمر هي هي، "إن مسائل الفلسفة لم تتغير على مر الدهور ". ما هي مسائل الفلسفة؟ إنها: معرفة الله سبحانه وصفاته، وصلته بالعالم خلقا وتصريفا، وصلته بالإنسان قربا وتوجيها. . والبعث وكيفيته. . . والخلق الكريم الذي يمثل الفضيلة والكمال. . . والخلق السيئ الذي يمثل الشر والفساد. . . والنبوة والصلة بالله عن طريق الوحي: إثباتا وإنكارا، ثم: هل المعرفة ممكنة؟ وفي كل هذه الموضوعات الكبرى وغيرها مما يتصل بها اختلف الفلاسفة وما زالوا. واستمرت هذه المسائل على مدى سبعة وعشرين قرنا تقريبا مثار بحث وجدل إلى الآن. . لم يصل الفلاسفة في واحدة منها إلى اليقين، ولم توضع واحدة منها موضع الاتفاق. السمة الخامسة إن الاختلاف في مسائل الفلسفة ليس اختلافا في الإيجاب فحسب، وذلك أنه قد يجوز أن يكون لمسألة ما عدة حلول كلها إيجابية. وليس اختلافا في السلب فحسب، وذلك أنه قد يجوز أن يكون لمسألة واحدة عدة حلول كلها سليمة إن الخلاف عام في الإيجاب وفي السلب وإنه ليصل إلى الإنكار المطلق وإلى الإثبات المطلق في كل مسألة، وإنه ليصل بك أحيانا إلى طريق مسدود. وإن الفكر الفلسفي ليصل بك أحيانا إلى إنكار السماء والأرض، وما بين السماء والأرض، ويقول لك: ليس في الوجود - يقينا- غيرك أنت وحدك. وإن السمة الأخيرة هي سمة تؤدي إليها، - لا مناص- السمات السابقة. وإذا كانت السمات السابقة يسلم كل منها إلى الآخر، فإنها جميعا تتكاتف لتؤدي إلى هذه السمة الأخيرة.

стр. 2317

السمة الأخيرة هذه السمة الأخيرة هي أن: " الفلسفة لا رأي لها ". وقد تكون هذه السمة مفاجأة لبعض الناس، كيف يتأتى أن تكون هذه الفلسفة التي ملأت الدنيا صياحا، منذ نشأت، ولم تكف- منذ أن نشأت للآن - عن الصياح: لا رأي لها؟ والأمر أيسر من أن يحتاج إلى استفاضة: أما أولا: فلأن " الفلسفة لا رأي لها". نتيجة واضحة لكل ما قدمنا. وأما الثانية: فخذ أي مسألة من مسائل الفلسفة فستجد فيها الآراء التي تنكر، والآراء التي تثبت، إنك ترى الرفض والقبول في كل أمر. والرفض فلسفة، والقبول فلسفة. وقد يكون الرأي توقفا على الرفض والقبول وهو فلسفة، وقد يكون شكا في الرفض، وشكا في القبول في آن واحد، وهو أيضا فلسفة. والشك إما أن يكون شكا في قيمة الآراء التي تعرض: نفيا أو إثباتا. وإما أن يكون شكا في قيمة وسيلة المعرفة نفسها وهي الحواس والعقل. وكل ذلك فلسفة في كل مسألة. وإذا تساءلت- وأنت على علم بالجو الفلسفي: جو المتاهات والوهم- ما الرأي الفلسفي في هذه المسألة أو تلك فستجد كل ما قدمناه ماثلا أمامك يثبت لك بما لا مرية فيه أنه: (لا رأي للفلسفة). وقبل أن نخلص إلى الخاتمة نذكر أمرا في منهج الفكر الفلسفي فيه عظة وفيه عبرة: إن محاورة " فيدون " لأفلاطون لها أهميتها لأكثر من وجه. منها أنها: ١ - محاورة يدور البحث فيها حول خلود النفس.

стр. 2318

٢ - وهي محاورة لا تتعارض فيها أهداف المناقشين، وإنما تتحد وتتفق ويحب المناقشون أن يصلوا فيها إلى نتيجة محببة إلى نفوسهم وهي أن: (النفس خالدة). ٣ - إن الذين يدور بينهم الحوار فلاسفة من الذين له وزنهم واعتبارهم، وأحدهم يسمونه " أبا الفلسفة" ويسمونه " أبا الفلاسفة". ٤ - المتحاورون ليسوا من مدرسة واحدة وإنما هم من مدرستين مختلفتين هما: مدرسة سقراط، ومدرسة فيثاغورس، وهما وإن كانتا متقاربتين فإنه ما من شك في أن جو سقراط العقلي يختلف عن جو فيثاغورس الروحي. ولهذا الاختلاف فإن اتفاقهما على غاية واحدة: (إثبات خلود الروح) ومحاولتهما الاستدلال عليها له أهميته الخاصة. ٥ - بيد أن الأمر الأساسي الهام الذي من أجله نتحدث في هذا الموضوع هو اتفاق المدرستين على أن " الوحي" فيما يتعلق بما بعد الطبيعة هو السفينة الأمينة الآمنة المتينة، وأن العقل في مجال الإلهيات، إن هو إلا عبارة عن لوح من الخشب إذا قابلته أو إذا وازنته بالوحي: (إن الوحي سفينة والعقل لوح خشب). لقد كان الحوار يدور بين سقراط واثنين من الفيثاغوريين هما: سيميا " و" قابس " وهما من كبار فلاسفة المدرسة الفيثاغورية. وأخذ الجميع يجهدون ذهنهم في البرهنة على خلود النفس ويقيمون أدلة وتنقسم بعض أدلتهم إلى فروع ثم: " ويسكت سقراط، ويسكت الجميع، وبعد هنيهة يقول سيميا: إن العلم بحقيقة مثل هذه الأمور ممتنع أو عسير جدا في هذه الحياة، ولكن من الجبن اليأس من البحث قبل الوصول إلى آخر مدى العقل، فيجب: إما الاستيثاق من الحق. وإما - إن امتنع ذلك- استكشاف الدليل الأقوى والتذرع به في اجتياز الحياة. كما يخاطر المرء بقطع البحر على لوح من خشب، ما دام لا سبيل لنا إلى مركب أمتن وآمن، أعني إلى وحي إلهي" (١).

стр. 2319

وبعد ذلك يعودون إلى البحث من جديد حتى: يقتنع قابس، ويعلن سيمياس أنه مقتنع أيضا، إلا أن شعوره المزدوج بعظم المسألة وبالضعف البشري يضطره إلى بعض التحفظ بإزاء هذه الأدلة على وجاهتها. فيسلم له سقراط بحقه في هذا التحفظ، ويزيد قائلا: بل إن المقدمات أنفسها مفتقرة إلى بحث أوكد. إن هناك بحر الإلهيات، وهناك البحر المائي. وكما أن للبحر المائي آلة عبور هي السفينة، فإن لبحر الإلهيات آلة عبور هي "الوحي". فإذا استعمل الإنسان العقل في عبور بحر الإلهيات، فإنه يكون كإنسان يستعمل لوحا من خشب في عبور البحر المائي. ولكن المضطر- حيث لا وحي- يستمسك بلوح الخشب- كما يقول سيمياس - " ما دام لا سبيل إلى مركب أمتن وآمن، أعني إلى وحي إلهي".

стр. 2320

اليهود والفلسفة ولعل القارئ الكريم يسمح بأن أتحدث عن الجو الذي عشته في بواكير حياتي الفلسفية، لقد كان ذلك لأول عهدي بجامعة باريس حينما ذهبت إلى فرنسا للدراسة: وأحب أن أصف الجو الذي عشته- بتوفيق الله - أثناءه. دخلت الجامعة، وبدأت الدراسة في علم الاجتماع وعلم النفس، ومادة الأخلاق، وتاريخ الأديان. وكانت هذه المواد يتزعم دراستها وتدريسها الأساتذة اليهود، أو الذين تتلمذوا على الأساتذة اليهود. وكانت هذه المواد كلها تسير في تيار محدد، هو: أنها (علوم مجتمع) أي أنها لا تتقيد بوحي السماء، ولا تتقيد بالدين على أنه وضع إلهي، فهي تدرس موضوعاتها على أنها ظواهر اجتماعية، وظواهر إنسانية.

стр. 2321

وبدأنا في الدراسة نسمع مختلف الآراء في نشأة الدين، ومختلف الآراء في تفسير النبوة وينتهي الأمر برأي الأستاذ في الموضوع. وليس في هذه الآراء- على اختلافها وتعددها- ما يتجه إلى أن الدين وحي من السماء أو أن النبي- أي نبي - موصول الأسباب بالسماء، وإذا انتظرنا من ذلك الأستاذ أن يصحح الوضع. فيدلي في النهاية برأيه مثبتا الألوهية والنبوة هادما للآراء الأخرى واصفا لها: بأنها ضلال. إذا انتظرنا ذلك منه فإننا نكون واهمين، فإنه واحد من هؤلاء العشرات من الأساتذة في هذه المواد وما شابهها المنغمسين في تيار المادية. لقد فسرت الجامعات الأوروبية العلم على أنه القواعد التي تقوم على التجربة والملاحظة. والتزمت أن تفسر وأن تشرح علم الاجتماع وعلم النفس وجميع الظواهر في الآفاق، وفي الأنفس، على هذا الأساس، والتزمت ذلك أيضا في تاريخ الأديان. هذه العلوم بالذات وفروعها تتكاتف لتقود الإنسان متعاونة متساندة إلى الإلحاد. إن للدين- فيما يزعمون- نشأة إنسانية اجتماعية، - وإن للخلق - فيما يروون- نشأة إنسانية واجتماعية، وقد تواضع الناس على سلوك معين سموه: " فضيلة " وعلى سلوك آخر سموه: " رذيلة ". ودراسة الدين والأخلاق إذن تتجه إلى النشأة والمظاهر وعوامل التطور وظواهر التطور. . وليس للوحي في الدراسة من نصيب اللهم إلا الوصف لظاهرة نشأت في المجتمع. وكل الظواهر والمظاهر في هذه الدراسات اعتبارية نسبية متبدلة لا تثبت على حال، ولا تستقر على وضع، لأنها في كل يوم تتبدل حالا بحال. . وهذه الأفكار تتكرر في هذه المواد: تسمعها في علم الاجتماع، وتسمعها في علم النفس، وتسمعها في دراسة مادة الأخلاق، وتسمعها في دراسة تاريخ الأديان، وتسمعها في دراسة العلوم المتفرعة من كل ذلك. والشاب الذي انتقل من الأقسام الثانوية إلى الجامعة يتأثر بأستاذه، فإذا كان الأساتذة متكاتفين على هدم القيم الثابتة، والمثل العليا التي يقررها الدين، وتقررها الأخلاق، إ ذا كان الأمر كذلك فإن الطالب الذي يعيش في أجواء تتعاون كلها على هدم عقائده ومثله وقيمه ينتهي به الأمر- في الأغلب الأعم من الحالات- بأن تنهار هذه القيم في شعوره. ومن هنا كانت الظاهرة التي تجدها في طلبة الجامعات في أوربا من الاستخفاف بكثير من العقائد وبكثير من القيم وينتهي الطالب بالإلحاد، أو على أقل تقدير بالإيمان الكامن الذي لا فاعلية له، ولا تأثير في سلوك الإنسان.

стр. 2322

وكنت - من غير شك- أضيق بكل ما يجري في هذه الدراسات ولكن الله ألهمني التفكير في قيمة وآراء الأساتذة أنفسهم في هذه المواد. وبدأت أفصل بين عالمين من المعرفة: عالم الماديات كالطب والطبيعة والكيمياء، وهي أمور تحكمها التجربة ولا تتعارض مع الدين، ولا اختلاف فيها. . وعالم التفكير المجرد في الدين والأخلاق والمجتمع. وأخذت أدرس في أناة هذا الجانب الأخير من الزاوية التاريخية، فوجدت أنه منذ أن بدأ التفكير، بدأ في اللحظة الأولى الاختلاف فيه، وبدأ كل زعيم من زعمائه ينتقد الآخرين في عصره، وكل مفكري عصره ينتقدون المفكرين في العصر السابق عليه. . وهكذا الأمر. وما من شك في أن هؤلاء الأساتذة الذين يدرسون لنا ينتقد بعضهم بعضا في آرائهم، ويخطئ بعضهم بعضا، كما ينتقدون السابقين عليهم ويخطئونهم، وسيصنع من بعدهم صنيعهم فيوجهون إليهم النقد ويخطئونهم وهكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لقد أخذ " دوركايم " اليهودي يعمل بمعاول هدامة في كل القيم والمفاهيم الدينية والأخلاقية، وأخذ تلميذه الأكبر اليهودي " ليفي بروهل " ينهج منهجه ويسير على طريقه في علم الاجتماع وفي علم الأخلاق وكتاب " ليفي بروهل ": " الأخلاق وعلم العادات" - مثل واضح لهذا النوع من هدم القيم، ومحاولة القضاء على كل المثل. فكرت إذن في اختلاف الآراء، أو في هدم بعضها البعض في مواجهة كل ما يقوله الأساتذة وكنت أقول في نفسي- في مواجهة كل أستاذ- سيهدمك المعاصرون لك، وسيهدمك الذين يأتون من بعدك. ولكني في مواجهة كل هذه الآراء الإلحادية- كنت أتشبث بيقين لا شك فيه. - كنت أقول في نفسي: إذا كانت الأخلاق نسبية، فهل سيأتي الزمن الذي نعتقد فيه: أن الصدق رذيلة أو أن الشهامة شر، أو أن الشجاعة سوء، أو أن العفة جريمة. . أو أن كذا، أو كذا. . ثم أعود إلى نفسي فأقول: كلا. . . - وأتساءل من جديد في مجال العقائد: هل سيأتي اليوم الذي لا نقول فيه بوحدانية الله؟ أو لا نقول فيه بإرادته وعلمه؟ - وأعود إلى نفسي وأقول: كلا. . . - كنت أحاول دائما أن أردد أن هؤلاء القوم يسيرون في طرق لا تنتهي إلى غاية. ما هدفهم من ذلك؟

стр. 2323

- وما كنت أجد الإجابة عن هذا السؤال آنئذ، لكن عرفت فيما بعد أن هذا هو المنهج اليهودي الذي رسموه بعد تفكير طويل، والتزموا به بكل الوسائل، أو بكل الطرق، وهو منهج التشكيك في القيم والمثل والعقائد والأخلاق. يستخدمون هذا المنهج في المجالات المختلفة لإفساد المجتمعات وتحللها أخلاقيا ودينيا، ويضيفون إليه العمل على إثارة العمال على أصحاب رؤوس الأموال، وعلى إيجاد الضغائن والفتنة بين مختلف فئات الشعوب، والثمرة التي يعملون دائبين على الوصول إليها: أن يكون المجتمع شاكا مليئا بالفتن، وذلك سبيلهم إلى السيطرة. إن اليهود يهدفون من وراء كل ذلك إلى السيطرة على العالم، إنهم يحطمون القيم والمثل حتى لا يكون في المجتمعات قوة من عقائد، أو قوة من خلق، ومن أجل ذلك تكاتفوا على أن تكون لهم الكلمة الأولى في الجامعات في علم الاجتماع وفي علم النفس، وفي مادة الأخلاق، وفي تاريخ الأديان، ولم يكن من السهل علي أثناء هذه الدراسة الاستمساك الواثق بالقيم والمثل التي نشأت عليها، لولا عون الله سبحانه، وتوفيق منه، ولولا لطف الله لصرت كواحد من هؤلاء الألوف الذين يدرسون في الجامعات الأوروبية ثم يخرجون منها، وقد تحطمت في نفوسهم المثل الدينية الكريمة. - وانتهيت من هذه الدراسة، ثم كانت المرحلة التالية هي مرحلة " الدكتوراه ".، وبعد تجارب هنا وهناك في مجالات مختلفة من الموضوعات، وبعد تردد بين هذا الموضوع أو ذاك- هداني الله- وله الحمد والمنة- إلى دراسة (الحارث بن أسد المحاسبي) ولم يكن ذلك مصادفة، وإنما هي هداية وتوفيق من الله ، وهي عناية أعجز عن شكر الله عليها. - وانتهيت من دراسة" الدكتوراه" وأنا أشعر شعورا واضحا بمنهج المسلم في الحياة، وهو منهج: "الاتباع". إن ابن مسعود ﵁ يقول كلمة موجزة عن هذا المنهج كأنها إعجاز من الإعجاز، إنه يقول: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ". وهي كلمة حق وصدق ثرية بالمعاني الطويلة العريضة، يبرهن آخرها على أولها، والنهي في وسطها يبرهن عليه أيضا آخرها: أي اتبعوا فقد كفيتم، والكافي هو الله الذي أوحى الشرع والأصول والقواعد، وطبق رسول الله- ﷺ كل ذلك وبينه، فكان تطبيقه مقياسا وبيانا ومرجعا يرجع إليه المختلفون. " ولا تبتدعوا فقد كفيتم": إن الذي يبتدع هو من لا كفاية له، ولكن الله بعد أن أكمل الدين، وأتم النعمة، فليس هناك من مجال، ولا من حاجة إلى الابتداع.

стр. 2324

لقد كفانا الله ورسوله- ﷺ كل ما أهمنا من أمر الدين. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). وبعد أن وقر هذا المنهج في شعوري واستيقنته نفسي أخذت أدعو إليه: كاتبا ومحاضرا ومدرسا ثم أخرجت فيه كتابا خاصا هو كتاب: " التوحيد الخالص، أو الإسلام والعقل ". وما فرحت بظهور كتاب من كتبي مثل فرحي يوم ظهر هذا الكتاب، لأنه من خلاصة تجربتي في حياتي الفكرية. وهذا المنهج يفترض: ١ - مقاومة الغزو الفكري: والغزو الفكري له مجالات مختلفة: هناك الغزو الفكري في العقائد يتمثل في كل هذا التراث الضخم الذي نقل إلى اللغة العربية فيما يتعلق بما وراء الطبيعة، وهو تراث مختلف متعارض، بل ومتناقض، وهو نتاج بشري بكل ما يتسم به النتاج البشري من خطأ وضلال. ٢ - والغزو الفكري في نظام المجتمع: الذي حاول أن يفرض علينا نظام المجتمعات الأوروبية. وإذا نحن سرنا في تياره، فإننا نصبح ولا شخصية لنا ولا ذاتية ونصبح وقد فقدنا رسالتنا التي كلفنا بتبليغها للناس ونشرها وهي رسالة الإسلام التي من أجلها كانت الأمة الإسلامية، وبدونها تصبح الأمة الإسلامية ولا مبرر لوجودها. ٣ - والغزو الفكري في مجال التشريع: وهذا الغزو الفكري في مجال التشريع توجد أسسه وأصوله بصورة مشروعة في مختلف الأقطار العربية ممثلة في كليات الحقوق التي تنفق عليها الدولة وتعتمد شهاداتها. وكليات الحقوق هذه دراستها غزو فكري، واستعمار فكري ودراستها: أثر من آثار الاستعمار التي لم تزل بعد أن زال الاستعمار.

стр. 2325

وإذا كانت الأمم الواعية تحاول جاهدة أن تتخلص من وصمة الاستعمار بما فيها من شرور ورجس وآثام فإن الكثير من الدول العربية لم تحاول أن تتخلص من وصمة الاستعمار الصارخة الواضحة الممثلة في هذه الكليات. إن هذه الكليات تخصص عشرين ساعة في الأسبوع للقوانين الأوروبية أي للفكر الأوربي في التشريع، وتفرض على الطالب أن يستذكره ويستوعبه ويحفظه ويتمثله، وينجح فيه في الامتحان. أي أنها تفرض على الطالب أن يستعمر فكره الأوربيون في مجال التشريع، وأن يلغي ذاتيته الإسلامية في هذا المجال، وأن يكون تابعا للأوربيين في هذا المجال، مقلدا لهم تجره عجلتهم، مستسلما لغزوهم، وبينما تخصص هذه الكليات عشرين ساعة أسبوعيا للفكر الأوربي في التشريع، إذا بها تخصص ساعتين فقط للتشريع الإسلامي. ولو أن هذه الكليات في فرنسا أو في إنجلترا لما فعلت أكثر من ذلك. . ومنهج الاتباع: إذن يقتضينا أن ننظر في جد في أمر هذه الكليات من أجل أن نتمثل الوطنية والإسلامية والعروبة. وبعد: فإن منهج الاتباع هو الخلاصة الجوهرية لتجاربي الخاصة بالطريق الذي ينبغي أن يسلكه المسلم في حياته وإذا سار فيه المسلم فردا أو سار فيه المجتمع مجتمعا، فإن الله يكتب له الهدوء والطمأنينة والسعادة، لأنه يكون في جو رباني مليء برعاية الله وعنايته وإن منهج الاتباع ينفي من الجو الإسلامي الانحراف الفكري: ثم إنه ييسر لنا رعاية الله تعالى وتوفيقه وحمايته ونصره ويجب نشره في جميع الأجواء الإسلامية: إنه المنهج الإسلامي. ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).

стр. 2326

البلاغة النبوية وأثرها في النفوس - الدكتور حسن جاد: (١). انتقلت لغة العرب بعد الإسلام من حال إلى حال، وتبدلت أوضاعها وسماتها من مظهر إلى مظهر، فلبست ثوبا قشيبا نفذت به من الأسماع إلى القلوب، واستطاعت أن تمازج الأفئدة فتؤثر فيها تأثيرا عجيبا. وذلك بفضل ما أفاضه عليها القرآن من طرائق التعبير، وروائع الأسلوب، وإعجاز الصياغة، وبراعة القصد إلى الهدف. حتى صارت تدخل على القلوب والعقول والأحاسيس دخول المأنوس به، المرغوب فيه. . ثم بما اكتسبته من أسلوب الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وبيانه الساحر، وحكمه البالغة، وبلاغته المؤثرة، وقدرته الفائقة على الاختراع والتشقيق لضروب الكلام، وتصوير المعاني بأروع الصور، وابتداع الأخيلة التي لم تعرف في كلام العرب، وظلت بعده من الحسنات التي لم ينسج الناس على منوالها، ويدبجوا كلامهم على مثالها، دون أن يقتربوا من حدها. أجل كانت بلاغة الرسول الكريم مضرب المثل، وموضع الدهش، ومحل الإعجاب من كل من سمعه، وأنصت إلى ألفاظه تقطر رقة، وتفيض عذوبة، وأصغى إلى معانيه تطل منها أروع الحكم، وتنبجس خلالها أصدق الأمثال، حتى لقد عجب من ذلك البليغ المنطيق: «علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نعرفه، فمن علمك؟

стр. 2327

فقال صلوات الله وسلامه عليه-: أدبني ربي فأحسن تأديبي». «وقال له صفيه وصديقه أبو بكر ﵁: لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم، فما سمعت أفصح منك». وكان ﵊ يعتز بما منحه الله من نقاء الفطرة، وصفاء القريحة، وخلابة المنطق، ورجاحة الفكر، وسجاحة الأسلوب، فيقول: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ونشأت في سعد بن بكر». ولا غرو، فسفارة بين الخالق والمخلوق تعتمد على المنطق الخلاب، والبيان الجذاب، والحجة المقنعة، والحكمة البالغة، والكلام الذي يملك النفوس، ويأسر الألباب. وإذا كان العرب أمة البلاغة، وأئمة الفصاحة؛ تعنو لهم أزمة القول، وتنقاد أعنة الكلام، ويهتفون بروائع الخيال، فينصاع لهم عصيه، ويذل لهم أبيه، وينقاد شامسه. وإذا كان الكلام صناعتهم التي بها يباهون ويتشدقون؛ فلا بد أن يكون الرسول الذي يبلغهم عن ربهم، ويهدم عقائدهم الباطلة، ومذاهبهم الزائفة؛ ويغير ما ألفوا من عادات، وما ورثوا من تقاليد. . لا بد أن يكون بيانه أسمى من بيانهم، ومنطقه أبلغ من منطقهم. ومن هنا كان تأييد الله سبحانه له بمعجزة القرآن، وحجة البيان. ومن هنا كان بيانه- ﵇ السحر الحلال، والنبع الدافق، والمشرع العذب الذي يتفجر من طبع مهذب مصقول، وفطرة عريقة أصيلة، تساندت في صقلها أقوى العوامل، وتعاونت على إذكائها أبلغ المؤثرات، إذ نشأ وتقلب في أفصح القبائل وأصحها لهجة، وأخلصها منطقا، وأعذبها بيانا، وأرهفها جنانا، وأقومها سليقة. كان مولده في بني هاشم، وهم ذروة قريش، سلاسة لسان، وفصاحة كلام، وسماحة بيان؛ وأخواله من بني زهرة، ورضاعه في سعد بن بكر، ونشأته في قريش، وتزوج خديجة وهي من بني أسد، وكل هذه قبائل خصها الله بعرق في الفصاحة عريق، وسبب من البلاغة وثيق. . وكان ذلك كله إعدادا من الله لنبيه، لينهض بأتم دعوة، وأكمل رسالة. . وكذلك كان فصيح المنطق، سلس الأسلوب، مونق العبارة، رائع الحكمة، قوي الحجة، بليغ التأثير في النفوس، يحس المرء لكلامه حلاوة العسل، ويستشعر اللذة الفنية التي تهز النفوس، وتثير الأحاسيس، وتأخذ بمجامع القلوب. إذا تكلم خشعت القلوب من جلال العظة، وإذا خطب انقطعت الشبه لبلاغة الحجة، وامتلأت النفوس اقتناعا بالحقيقة، ورضا برأيه، وامتثالا لأمره. يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ﵀: لقد رأينا هذه البلاغة النبوية قائمة على أن كل لفظ هو لفظ الحقيقة لا لفظ اللغة، فالعناية فيها بالحقائق، ثم هي تختار ألفاظها اللغوية على منازلها، وبذلك يأتي الكلام كأنه نطق للحقيقة المعبر عنها. ومعلوم أنه- ﷺ لا يتكلف. ولا يتعمل. . ومع هذا لا تجد في بلاغته موضعا يقبل التنقيح، أو تعرف له رقة من الشأن، كأنما بين الألفاظ ومعانيها في كل بلاغته مقياس وميزان.

стр. 2328

ومن هنا نرى أن بلاغة الرسول الكريم وأسلوبه وقوة بيانه وشدة إتقانه وعلو شأنه في اللغة، هي المنح التي يهبها خالق الإنسانية لمن يختاره للسفارة إلى الإنسانية. وكما عصمه الله من لدن طفولته من الرجس والدنس، وحفظه من شرور الجاهلية وآثامها، كذلك عدل لسانه، وقوم بيانه، وأرهف منطقه، وأفاض عليه من لدنه قوة بيان يستطيع بها أن يناضل عن دعوته، وينافح دون رسالته. وبعد فهذه صورة رائعة مشرقة من صور بلاغة الهدى النبوي، تمثل لنا ما منحه الله لرسوله من فصاحة القول، وإعجاز البيان، وإصابة الرأي، وقوة الحجة، وبراعة الحجاج، والقدرة القادرة على النفاذ إلى القلوب، والإحاطة بدخائل النفوس، لاستلال ما يخامرها من ريب، أو يداخلها من خوف، حتى يعود لها صفاء الإيمان، وسكينة الرضا، وبرد اليقين: خطب النبي- ﷺ في الأنصار عقب غزوة حنين، حينما بلغه أنهم ساخطون على قلة نصيبهم من الغنائم، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه. «يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل، ثم قال: " ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل. قال ﷺ : أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟

стр. 2329

ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار ". فبكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا (٤)». كان الأنصار من أهم أسباب نصر المسلمين يوم حنين، فقد انهزم المسلمون في بداية الموقعة، ولكن شجاعة الأنصار وسرعة التفافهم حول النبي ﷺ أعادت إلى المسلمين تماسكهم وإقدامهم فتحقق النصر الكامل لهم. وبعد انتهاء المعركة قسم النبي الغنائم بين المسلمين، فإذا الأنصار أقل الناس نصيبا في حين أنهم كانوا يتوقعون أن يكونوا أعظم المسلمين حظا لما أبلوه وما حققوه من نصر، وعندئذ أخذت تسري همهمة قوية من الفتن والإشاعات بين الأنصار، كان مصدرها ثلاثة أمور: ١ - شباب الأنصار الذين لا يعرفون حكمة الرسول ﷺ وأهدافه على حقيقتها فالنبي ﷺ كان في كل الغنائم والهبات، يراعي أن المال ليس هدفا لذاته، وإنما هو وسيلة يستميل بها النفوس، ويتألف بها القلوب التي لم تعمر بالإيمان بعد، فكان يفيض من العطاء على ضعاف الإيمان، وعلى الذين دخلوا في الإسلام حديثا ليزيد قلوبهم ارتباطا بالدين، أما من يثق بإيمانهم فلم يكن يهتم بعطائهم قل أو كثر. فراح هؤلاء الشباب يرددون فيما بينهم أنهم لم يأخذوا حقهم من الغنائم. ٢ - كان الأنصار يفزعون لمجرد تصورهم أن النبي ﷺ سيترك الإقامة في المدينة، وينتقل إلى موطنه الأصلي في مكة حينما يفتحها، وكان النبي- ﷺ حينئذ قد فتح مكة، واتجه إلى الطائف حيث دارت معركة حنين، والمفروض أنه سيعود إلى مكة، فكان الأنصار يخشون كل الخشية أن يقيم فيها ولا يعود إلى المدينة، فحينما وجدوا نصيبهم من الغنائم قليلا قوي هذا الخوف في نفوسهم.

стр. 2330

٣ - كان بين المسلمين منافقون يندسون في خفاء، ومن مصلحتهم دائما إثارة الفتن بين المسلمين، والأوقات العصبية كالحروب هي أنسب الأوقات لنشر الفتن، وبث الإشاعات، حيث تكون النفوس قلقة غير مستقرة، يسهل أن تتقبل أي شيء فانتهز المنافقون هذه الفرصة، وأخذوا يشيعون بين الأنصار هذه الوساوس من تفضيل النبي لقبائل كثيرة محدثة في الإسلام على الأنصار، ومن أنه سيترك المدينة ويقيم بين أهله في مكة، ونحو ذلك مما ملأ نفوس كثير من الأنصار بالمخاوف والوساوس، وعندما أحس النبي ﷺ بهذه الفتنة أمر أن يجتمع الأنصار فاجتمعوا وألقى فيهم هذه الخطبة. من الواضح في الخطبة أنها مقسمة إلى عناصر محددة متميزة، وهذه العناصر تتدرج إلى الغرض المنشود في ترتيب وتنسيق واضحين، ونستطيع الإلمام السريع بهذه العناصر كما يلي: ١ - في المستوى العالي من الخطابة لا بد للخطيب من (مقدمة) يجعلها منطلقا ومدخلا إلى موضوعه، وتختلف هذه المقدمة من خطبة إلى خطبة باختلاف الموضوع والمناسبة والظروف، ولكن لا بد من أن تكون مثيرة للانتباه، وموضع تسليم السامعين، بحيث يترتب على ذلك أن تكون أساسا لمتابعة موضوع الخطبة حتى النهاية. ومقدرة الخطيب وبلاغته هي التي تحدد طابع هذا التمهيد ونوعه، ولكن التمهيد يكون في أغلب الأحيان مقياسا أو سببا أساسيا لمدى نجاح الخطبة أو فشلها. والنبي- ﷺ بدأ خطبته بهذا التمهيد الموجز المركز، الذي يملأ نفوس السامعين اقتناعا وتسليما، فهو يذكرهم في صورة سؤال «ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ (١)» وليس أحد من الأنصار أو غير الأنصار من المسلمين يشك في أن الرسول هو سبب هدايتهم إلى الله، ولولاه لم يكونوا مسلمين. فهذه حقيقة لا نزاع فيها بين أحد منهم. وكذلك كونهم فقراء فأصبحوا بالغنائم وموارد الإسلام أغنياء، حقيقة أخرى لا ينازعون فيها، وكذلك كونهم كانوا أعداء دائمي التصارع والتقاتل أمر لا يتنازعون فيه لأنه كان واضحا ومعروفا لهم ولغيرهم وكون الرسول- ﷺ كان سببا في تآلفهم وتآخيهم أمر واضح ومسلم من الجميع. وإذن فهذه حقائق مسلمة، يذكرهم بها الرسول، ليلفت نظرهم مقدما إلى أنهم مهما كان من جهدهم وتضحيتهم في سبيل الإسلام، فإن فضله عليهم أعظم وأسبق، وحيث كانوا يسلمون بذلك ولا ينازعون فيه، فإن نفوسهم تكون بهذا التمهيد قد بدأت النظر للموضوع نظرة تختلف عن نظرتها قبله، وبهذا يكون من أهم العوامل في تغيير مجرى تفكيرهم، وفي جذبهم إلى موضوع الخطبة بعقل مقتنع مقدما بأن الذي يخاطبهم صاحب أفضال بالغة العظم، ولا يقلل من عظم هذه الأفضال ما يقدمونه له وللإسلام.

стр. 2331

فهذا التمهيد ليس من باب المن والتفضل، وإنما هو سرد حقائق واضحة دعت إليها ضرورة التخاصم أو التجادل، وبدون هذا التمهيد يصعب الوصول إلى إقناع بعض السامعين، خاصة في هذا الوقت المضطرب الذي يموج بالفتنة، ومعظمهم حينئذ كان يربط بين نصيبه من الغنيمة ومنزلته في الإسلام وفي نفس الرسول. ٢ - وحتى يقتلع النبي ﷺ كل جذور الفتنة، وحتى يسد كل منابع الوساوس والهواجس في نفوس الأنصار فقد آثر أن ينهج معهم من حيث الشكل المظهري منهج الخصومة. فقد صورهم في صورة الخصم الذي يدافع عن حقه وعن وجهة نظره، ولكن حكمة الرسول البالغة السمو تجعله ينوب عنهم في هذه الخصومة، مدافعا عنهم، وعارضا وجهة نظرهم كاملة، مع أن المفروض أنها خصومة ضده هو. وذلك ليقتلع من نفوسهم كل الوساوس والشكوك. فصورهم في صورة الخصم الذي يشحذ كل فكره ليستجمع حججه وأسلحته في الخصومة وأخذ هو يعرض هذه الحجج على طريقة العرب في المفاخرة والمنافرة. وقد آثر النبي ﷺ أن يخاطبهم بالمألوف والمتداول في المجتمع، حتى يعطيهم حقهم كاملا في الخصومة، وحتى يشعروا بأنهم أدلوا بكل ما لديهم من حجج. وهذا الوضع هو الذي يريح نفوسهم، ويستل كل ما فيها. ولذلك بعد أن عرض النبي فضله عليهم فيما ساقه من التمهيد، كأنه انتظر أن ينوب عنهم شخص يوضح موقفهم في الخصومة، بأن يعرض فضلهم على الرسول وعلى الإسلام. ولما لم يتقدم أحد، قال ﷺ : «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار (١)» يعني ألا تردون علي كما يرد الخصم على خصمه؟ ولكن الأنصار أبوا أن يقفوا من النبي موقف الخصم، وإذا كل ردهم «بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل (٢)» ولكن حكمة الرسول ونفاذ بصيرته تعلم أن هذه إجابة الإيمان، وإجابة العقل والمنطق، ثم تبقى بعد ذلك في النفس الأمارة بالسوء وساوسها. فلا بد أن يبرز هذه الوساوس على السطح، وذلك بإبراز العوامل أو الأسباب التي تستند إليها. ولذلك ناب هو عنهم بأبلغ ما كان يمكن أن يتمثلوا به هم، فقال لهم ما مضمونه: إنكم تستطيعون أن تقولوا وأنتم صادقون: إن أهلك وقومك وأقرب الناس منك كذبوك فصدقناك نحن، وأتيتنا مستضعفا مغلوبا فنصرناك، وأتيتنا طريدا فآويناك وأسبغنا عليك الأمن والقوة، وجئتنا فقيرا محتاجا فساعدناك ومسحنا عنك الفقر والفاقة. ولنا أن نتصور الأنصار وقد أخذت منهم الدهشة، وبلغ منهم الذهول، فهم لو وقفوا من الرسول موقف الخصومة، ومهما حشدوا من حجة، فلن يأتوا بمثل هذه الحجج أو لن يزيدوا عليها في أقصى الفروض.

стр. 2332

وهناك فوق ذلك أمر يملأ نفوسهم عجبا، ويأخذ على قلوبهم وعقولهم كل أقطارها إعجابا بخلق الرسول وحبا له، وهو أن الرسول يشعر بأن الأنصار لهم كل هذه الأفضال والأنعم عليه، فأقصى ما قد يشعر به الأنصار أنهم أحسنوا إلى الرسول وإلى الإسلام، أما هذا الفيض العظيم الذي يعدده الرسول من أفضالهم عليه فهذا ما لم تتحدث به ألسنتهم وإن كان أقصى أمانيهم أن يكون في نفس الرسول شعور بأن لهم هذا الفضل. ومن الواضح حينئذ أن النبي ﷺ بهذا العنصر قد جعل نفوس الأنصار وقلوبهم في أقصى حالات التهيؤ والانشراح لكل ما يقول، فقد أذهب كل ما فيها من موجدة. وإذا كان هناك بقية من وساوس فإن أي قول يصدر منه بعد ذلك في معالجة هذه الوساوس سيكون مقبولا. وهذا هو عنصر (التهيؤ). ٣ - وتأتي بعد ذلك مناقشة الموضوع الأساسي للخطبة، وقد أصبحت نفوسهم بالعنصر السابق مستعدة كل الاستعداد لكل ما يقوله الرسول حول هذا الموضوع وأما النبي ﷺ فقد جعل المناقشة شاملة على إيجازها، ومستوعبة للموضوع من كل جوانبه كما يلي: أ- غضب الأنصار لقلة نصيبهم من الغنائم، وتوهمهم أن ذلك قد يصغر من شأنهم بين الناس، وقد ناقش النبي هذا الجانب بعرضه في صورة أدبية تجسده في النفوس، حيث شبه كل هذه الغنائم والأموال التي يتزاحمون عليها بشيء من النبات الضعيف الصغير وهو اللعاعة بضم اللام، مشيرا إلى أن متاع الدنيا كله تافه يسير لا ينبغي أن يكون موضع التزاحم والتخاصم. ثم بين الحكمة في إيثار بعض القبائل الأخرى على الأنصار في أنصبة الغنائم، وهي " تألفت بها قوما ليسلموا " أما الأنصار فهو واثق من إسلامهم، ولذلك لم يكونوا في حاجة إلى أن يعطيهم ما يستميلهم به، ولذلك يقول لهم: " ووكلتكم إلى إسلامكم " فقد ساق لهم النبي في هذه الفقرة ثلاثة معان: أحدها تفاهة متاع الدنيا مهما كثر، والثاني أن كثرة العطاء ليست دليلا على علو الشأن، بل على العكس دليل على عدم الثقة في إيمان معطاها. الثالث أن النبي مطمئن إلى إسلام الأنصار، ولذلك لم يكن في حاجة إلى أن يتألف قلوبهم. ب- خوف الأنصار من أن يتركهم النبي ويقيم في مكة موطنه الأصلي. فقد سرى الهمس، وتزايدت وساوس الأنصار ومخاوفهم من أن النبي وقد فتح مكة قد يترك المدينة ويعود إليها حيث منبته وأهله ومرتع صباه وشبابه. وهذا المعنى جانب أساسي من الموضوع الذي تعالجه الخطبة. وهي تحسم هذا المعنى بأسلوب لا تعرف الخطابة أشد منه وقعا في النفوس وأبلغ منه تغلغلا في

стр. 2333

المشاعر، فالنبي ﷺ لا يكتفي بأن يقول لهم: إنه سيرجع معهم إلى المدينة، وإنما يقارن كسب الأنصار في رجوعه معهم بكسب غيرهم من شياه الغنائم وإبلها، حيث يقول في صورة السؤال الذي يجسد هذا المعنى في نفوسهم: «ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ (١)». وبهذا تكون الخطبة قد حسمت الموضوع بصورة تقلب كيان تفكير الأنصار كله، حيث بينت لهم من حيث الغنائم أن أنصبة الغنائم لعاعة تسخر لخدمة الإسلام، فلا ينبغي للمؤمن أن يجعلها هدفا وغاية لجهاده في سبيل الله ومن حيث الإقامة بينت لهم الخطبة عظم نصيبهم إذا قارنوا استئثارهم بشخص النبي في إقامته بينهم بنصيب غيرهم من الإبل والغنم. ج- وهو لا يكتفي باقتناعهم بأنهم كانوا مخطئين في ظنونهم وهواجسهم، وأنهم من تلقاء أنفسهم سيعودون إلى ما كانوا عليه من حبهم للنبي وتفانيهم في هذا الحب بل يخشى أن يظن الأنصار أن موقفهم هذا قد يغير قليلا أو كثيرا من حب النبي وإيثاره لهم فيؤكد لهم بأكثر من صورة أنه لم يغير رأيه فيهم، ولا موقفه منهم، بل يكشف لهم عن جوانب من حبه لهم لعله لم يكشفها لهم قبل اليوم بهذه الصورة أو بهذه الدرجة من الوضوح، فيقول لهم: «فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار (٢)» فماذا يتمنى الأنصار أبعد من هذا، وأي حلم يراود أمانيهم أعظم من أن الرسول يتمنى أن يكون واحدا منهم لولا أن الهجرة في سبيل الله منزلة رفعها الله وهو فيها، فلا يملك خفض شيء رفعه الله. وأي خيال في الأماني والأحلام راود نفوسهم أعظم من أنهم لو كانوا في طريق والناس جميعا في طريق آخر، فالنبي يترك طريق الناس جميعا ويختار طريقهم؟ د- بل إن الخطبة تراعي أبعد جوانب الموقف واحتمالاته فقد يتوهم بعضهم أن هذا الرضا من جانب النبي منصب على الرجال الكبار من الأنصار الذين تربطهم بالنبي صلة مباشرة وثيقة، وأن الشباب والصغار قد لا يكونون في حسبان النبي أو فيمن يعنيهم بهذه الخطبة، فيبين لهم النبي ضمنا أنهم أيضا في حسبانه وفيمن يعنيهم، بل تذهب الخطبة إلى أبعد الاحتمالات في كسب القلوب، حيث تراعي جيلا قادما من الأنصار لم يوجد بعد. هذا الجيل سينقل إليه هذا الموقف من أجداده الأنصار، وقد يقولون أو يقال لهم لعل النبي وجد في نفسه شيئا من موقف آبائكم أو أن موقف أجدادكم كان كذا وكذا، فالخطبة قد تشير إلى مراعاة هذا المدى البعيد بالإضافة إلى كسب قلوب الأنصار أنفسهم بالدعاء لأبنائهم وأبناء أبنائهم، فيقول لهم ﷺ : «اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار (٣)».

стр. 2334

هـ - ولهذا كان أبلغ ما أجاب به الأنصار النبي هو دموعهم الغزيرة التي تدفقت من قلوب ملأها الحب والإيمان، وهزها الندم والتأثر، وإذا هذه الدموع تظل تنسكب حتى تبلل اللحى، ثم يقولون: (رضينا برسول الله قسما وحظا).

стр. 2335

لاحظ أن الخطبة اشتملت على سمات يحتاجها الأسلوب الخطابي، ويمتاز به من غيره من الأساليب، وقد بلغت الخطبة من هذه السمات الخطابية ذروة واضحة وإذا ذهبنا نتبين أبرز هذه السمات، نجدها كما يلي: ١ - تخصيص الخطاب: ومما تعتمد عليه الخطبة اعتمادا أساسيا التخصيص في الخطاب، فليس الكلام موجها إلى كل سامع، وإنما هو موجه إلى الأنصار بالذات، بحيث يشعرون أن هذا الكلام خاص بهم، وموجه إليهم، وهذا أساس هام من الأسس التي يمتاز بها أسلوب الخطابة عن غيره من أساليب الأدب، فالأسلوب العادي يكفي فيه أن يكون الكلام موجها إلى أي سامع؛ أما الخطابة فلكي تكون مؤثرة ينبغي أن يشعر السامع أنه معني بهذا الكلام بصفة خاصة، وأن ما يقال موجه إليه دون غيره، أو قبل غيره على الأقل فهذا الشعور يملأ نفس السامع اهتماما وإصغاء. والخطبة تحفل بتذكير الأنصار بأنهم هم المخاطبون فابتدأت بعبارة " يا معشر الأنصار " ثم تكرر هذا التعبير. وتكرر ذكر الأنصار مرات عديدة، وكأن الخطبة تراعي أنهم كلما استغرقوا في تعميق المعاني ومتابعة الخطبة، أعادهم هذا النداء " يا معشر الأنصار " إلى التنبه والتيقظ، فضلا عن إشعارهم بأنهم المخاطبون والمعنيون. ٢ - الأسئلة: ومما تعتمد عليه الخطبة أيضا تكرار توجيه السؤال إلى المخاطبين فإن توجيه الأسئلة إلى السامعين يحقق للخطيب عدة أهداف، منها أن المسئول دائما في موقف أضعف من موقف السائل، من حيث إن السؤال يتطلب جوابا، وليس من المؤكد أن يحسن المسئول كل الإحسان في الإجابة، وإذا أحسن في بعضها فقد يسيء أو يقصر في بعض آخر، وضعف موقف المسئول في ظروف الخطابة يهيئ نفسه للاستجابة، بل إلى الانقياد إذا أحسن الخطيب القياد، ومما تحققه الأسئلة من أهداف أنها توقظ عقول السامعين، وتثير حماسهم واهتمامهم للبحث عن إجابة فيما بينهم وبين أنفسهم، وهذه اليقظة يحتاجها الخطيب ليعوا كلامه وأهدافه، والواقع أن الخطيب لا ينتظر من السامعين الإجابة ولا يتوقعها بل هو الذي سيجيب عن أسئلته، لأنها أسئلة هادفة، صاغها بطريقة معينة في تسلسل وترتيب يؤدي بها عادة إلى إجابة تلقائية يريدها الخطيب. والخطبة حافلة بالأسئلة العديدة المتنوعة، بل تكاد الأسئلة تكون أبرز ما فيها فقد استهلها النبي - صلى

стр. 2336

الله عليه وسلم -: «ما قالة بلغتني عنكم؟ (١)» ثم يواصل الأسئلة: «ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ " ثم: " ألا تجيبونني يا معشر الأنصار (٢)»؟ " وهكذا. ٣ - التفريغ النفسي: ومما تعتمد عليه الخطبة تفريغ نفوس المخاطبين مما يثقلها فيما يتعلق بالموقف والموضوع، وذلك بموافقة المخاطبين في أهم ما يثير نفوسهم، فالخطبة لا تعارض المخاطبين ولا تخالفهم على طول الخط، فضلا عن أن تخطئهم من كل وجه أو تسفه موقفهم، ولو عمدت أي خطبة إلى هذا المسلك، لما وجدت طريقا واحدا مفتوحا إلى قلوب السامعين. فليس من الحكمة أن يلتزم أي خطيب أسلوب التعارض أو العداء مع المخاطبين، وإلا لأوصد قلوبهم وعقولهم دون كلامه، وإنما الحكمة أن يكتسب عواطفهم أولا بأي صورة، ثم يقودهم إلى الفكرة أو الاتجاه الذي يريد وقد يصل كسب عواطفهم إلى درجة مجاراة السامعين ولو في الخطأ، من باب الافتراض أو الجدل ثم يدور بهم الخطيب المحاور إلى الطريق المنشود، بل إن إبراهيم ﵇ بلغ من الحكمة إلى درجة أن جارى سامعيه في الكفر شوطا، ليعود بهم إلى طريق الإيمان، لأنه لو عارضهم بادئ ذي بدء فسينفرون منه أما مجاراتهم هذا الشوط فإنها تؤلف بينه وبينهم حيث أصبحوا جميعا في طريق واحد، هو طريق الكفر في بدايته، وقد صور القرآن الكريم هذا الموقف من إبراهيم فيما ساقته سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٣). حيث يوافقهم أولا على أن هذا الكوكب هو الإله، ليمضي بهم من هذه النقطة الكافرة إلى طريق الإيمان وهكذا. وهذه الخطبة التي معنا تمتص كل ما في نفوس المخاطبين من غضب وموجدة، وتفرغ هذه النفوس من كل ما تضيق به بالنسبة لهذا الموقف، حتى لا يبقى جانب أو هاجس يوسوس فيها مع الخطبة أو بعدها، فيسلم لهم النبي ﷺ بأنهم أصحاب فضل عليه وعلى المسلمين ويعدد لهم كل ما في نفوسهم أو أكثر مما في نفوسهم من هذا الفضل، ويسلم لهم ضمنا بأنه أعطى أكثر مما أعطاهم لمن هم دونهم إسلاما وفضلا، ويسلم لهم ضمنا بغير هذا أيضا، وهذه الأمور التي يسلم لهم بها ويوافقهم عليها هي ما تشغل نفوسهم، وتثير مشاعرهم، ولكن هذا التسليم يطفئ كل ما في نفوسهم من حرارة وتوتر، ويجرهم إلى قياده، ولو بقي أمر ذو أهمية يقتنعون به ويخالفهم فيه الخطيب من أساسه دون إقناعهم لظلت نفوسهم في هواجسها، ولكن الخطبة تفرغ كل ما في النفوس، مسلمة به من حيث المبدأ ولكنها تقودهم مع ذلك إلى الطريق المنشود، وكأنه بقوله لهم: أنا مسلم بما تقولون فلست مكذبا لكم، ولا منكرا عليكم هذا، وإنما أنكر

стр. 2337

عليكم ألا تحاولوا فهم الحكمة من وراء ما أفعل. ٤ - الشمول: ومما يعتمد عليه نجاح أي خطبة شمولها واستيعابها لجوانب الموضوع، وموقف كموقف الأنصار الذي تعددت فيه العوامل والهواجس، يحتاج فيه السامعون إلى إجابة عن عدة أسئلة ماثلة في النفوس ولو بقي سؤال واحد لم تعالجه الخطبة لبقيت في النفوس بعض الهواجس والوساوس. ومن هذه الأسئلة الماثلة في نفوس الأنصار أو نفوس كثير منهم: لماذا أعطى الرسول أغلبية الناس من الغنائم أكثر مما أعطى الأنصار؟ وهل سيعود الرسول مع الأنصار إلى المدينة أم يستقر في مكة؟ وهل هناك علاقة بين الأنصبة والإيمان، بمعنى أن كثرة النصيب تدل على الإيمان والعكس بالعكس، أم لا توجد بينهما علاقة؟ وهل غضب الأنصار من أجل الغنائم سيترك أثرا في نفس الرسول ﷺ أم سيظل راضيا عنهم، محبا لهم؟ وقد رأينا فيما سبق كيف أن الخطبة استوعبت كل هذه الجوانب، فأجابت عنها إجابة شاملة مقنعة، ملأت نفوس الأنصار راحة واطمئنانا ورضا، حتى بلغوا من تأثرهم أن تبللت لحاهم بالدموع، ولو بقي شيء من هذه التساؤلات دون أن تناقشه الخطبة أو تجيب عنه لبقيت نفوسهم مهومة بعض التهويم في آفاق التردد والتساؤل. ٥ - الإقناع: ومما يعتمد عليه نجاح الخطبة الإقناع، بمعنى أن يكون منطق الخطيب مقنعا، قوي الحجة، فمن الواضح أن عدم اقتناعهم يفقد الخطبة تأثيرها وقيمتها، حيث لا يتحقق للخطيب ما يهدف إليه من استجابة السامعين. وفي هذه الخطبة نجد الإقناع يبلغ قمة ما يرجى منه، حيث لا يترك مجالا للتردد أو التساؤل، فضلا عن الخلاف والمعارضة، ويمكن أن نلتمس أبرز جوانب الإقناع فيما يأتي. ١ - اعتمدت الخطبة على المعاني والجوانب العامة التي يسلم بها الأنصار جميعا مهما تفاوتوا في التفكير أو السن أو حتى درجة التدين، دون الدخول في التفاصيل التي تحتمل الجدل والنقاش.

стр. 2338

٢ - أغلق النبي ﷺ باب الجدل والخلاف حين سلم للأنصار تسليما كاملا، بأهم نقطة اعتمد عليها موقفهم كله، وهي فضلهم في الإسلام، وأياديهم الطولى على المسلمين، فقد كان هذا الشعور في نفوس الأنصار هو مثار الفتنة، حيث حسبوا أن أفضليتهم في الإسلام تقتضي زيادة أنصبتهم من الغنائم، فاعترف لهم النبي بأفضليتهم في صورة لعلها أكبر بكثير مما راود نفوسهم، ولكنه علمهم أن الإيمان شيء، ومتاع الدنيا شيء آخر.

стр. 2339

ومع أن كثيرا مما سبق يعتبر في حقيقته مزايا أدبية، إلا أننا نشير هنا إلى الطابع الأدبي الواضح في أسلوب الخطبة من حيث إنه كلام أدبي بصرف النظر عن كونه خطبة أو غير خطبة. ومن هذه المزايا الأدبية: ١ - الإيجاز: فمن الواضح في الخطبة هذا الإيجاز المستوعب، فإننا لو تأملنا لوجدناها تعرض مجملا لتاريخ الإسلام في مكة، وفي المدينة خلال حياة النبي ﷺ ثم جوانب من الخلق العظيم الذي تحلى به صلوات الله عليه، ومن آثاره هذا الوفاء العظيم الذي يحمله للأنصار، وكل ذلك تعرضه الخطبة واضحا مفصلا في هذا الإيجاز البليغ. ٢ - تحديد العناصر: ومن الواضح في الخطبة تحديد عناصرها، وعدم تداخل هذه العناصر أو تكرار شيء منها، وهذا التمايز بين العناصر يعين السامع على حسن الاستيعاب، ويجعل المعاني واضحة بارزة مؤثرة. ٣ - تجسيد المعاني: ومن أهم ما يتميز به الطابع الأدبي للخطبة تصويرها للمعاني في قوالب تجعلها مجسدة في ذهن السامع، وكأنها حينئذ ليست معاني فحسب، وإنما هي شخوص ماثلة أو مناظر محددة مرئية، ومن ذلك حديثه عن الغنائم التي أثارت الموجدة في نفوسهم فلم يذكرها قط حينئذ بأنها غنائم أو مال أو نحو ذلك، وإنما كان كل حديثه عنها بأنها «لعاعة من الدنيا (١)» والسامعون يعرفون أن اللعاعة بضم اللام نبات ضعيف صغير، فتمحى من أذهانهم صورة الغنائم ببريقها وإغرائها، ولا يبقى فيها إلا صورة هذا النبات الضعيف الذي لا يستحق التنافس عليه.

стр. 2340

ومن تجسيد المعاني في الخطبة هذه المقارنة بين نصيب الأنصار وغيرهم من سائر الناس، والمقارنة حقيقية وواقعية، ولكن الطريف المثير هو تصويرها، فقد صور النبي ﷺ الأنصار في جانب والناس في جانب، وقد أخذوا جميعا نصيبهم فأما الأنصار فكان نصيبهم شخص النبي نفسه. فأخذوه ورجعوا به إلى رحالهم، وأما أنصبة الناس فكانت شياها وبعرانا، هذا يعود إلى رحله بشاة، وذلك يعود ببعير، ولنتأمل أي روعة بيانية، وأي تأثير عاطفي، تثيره هذه المقارنة في نفوس الأنصار حين يتصورون مجرد تصوير، هذه المقابلة بين نصيبهم العظيم، وتفاهة أي نصيب آخر حينئذ مهما عظم. ومن هذا التجسيد للمعاني تعبيره ﷺ عن ميله للأنصار وإيثاره لصحبتهم على صحبة سائر الناس، فقد جسدت الخطبة صورة أخرى من صور المقارنة بين الأنصار وغيرهم افتراضا. فالأنصار وحدهم في طريق، والناس جميعا يسلكون طريقا آخر، وإذا النبي يؤثر طريق الأنصار على كل طريق آخر وهذه مقابلة أخرى ترتسم مجسمة في نفوس الأنصار، حين يتمثلون أنفسهم في طريق خاصة بهم، وقد انحاز إليهم النبي ﷺ والناس جميعا محرومون مما حظي به الأنصار. والخطبة بعد ذلك مليئة بالأساليب البلاغية والصور الفنية الرائعة. لاحظ الاستفهام في " ألم آتكم ضلالا إلخ " وغرضه التقريري: ولاحظ التوافق الموسيقي في تقسيم الجمل، وما فيها من مقابلات «ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله (١)». . إلخ. وكيف أسند الهداية والغنى وتأليف القلوب إلى الله، مع أنه يبين موقفه منهم: إنه يشير بهذا إلى أن ذلك فضل الله، وأنه بشر مثلهم، ولكنه يتصرف بإلهام منه، واستهداف لرضاه. وفي الخطبة من أساليب التأكيد اللازمة للإقناع مثل " أما والله- فوالذي نفس محمد بيده. . إلخ ". وفي التعبير بلفظ " معشر " في " يا معشر الأنصار " استمالة لهم وإشعار بأنهم معشره وهو منهم. وفي " والذي نفس محمد بيده " كناية عن الله سبحانه. هكذا نرى الهدي النبوي في أروع صوره، ونتمثل بلاغته في قمة إعجازها، ونستجلي حكمته البالغة في المثل الصائب، والحجة المقنعة، والكياسة الرشيدة، والقيادة الحكيمة لأزمة النفوس الشاردة، وأعنة القلوب الجامحة. . . صلى الله عليك يا خاتم الأنبياء، وأفصح الفصحاء.

стр. 2341

عن أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ أخذ سيفا يوم أحد فقال: " من يأخذ مني هذا" فبسطوا أيديهم. كل إنسان منهم يقول: أنا أنا فقال: " فمن يأخذه بحقه؟ " فأحجم القوم. فقال أبو دجانة ﵁: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين (١)» رواه مسلم اسم أبي دجانة: سماك بن خرشة. قوله أحجم القوم": أي توقفوا. وفلق به": أي شق " هام المشركين" أي رءوسهم.

стр. 2342

أقباس من العسكرية الإسلامية في القرآن الكريم محمود شيت خطاب (١). أردت أن أتحدث في الندوة العالمية عن موضوع لا يزال بكرا هو: العسكرية الإسلامية في القرآن الكريم. ولكن لم يكن في الندوة متسع من الوقت فقد خصصت ساعتين لمعالجة قضيتين هامتين حيويتين هما: القرآن الكريم أولا، ومشكلة القدس وفلسطين ثانيا. . . وكل قضية من هاتين القضيتين بحاجة إلى أمسيات أربعة أيام من أيام الندوة، لإشباعهما بحثا وتمحيصا. وكان البحث عن: العسكرية الإسلامية في القرآن الكريم، جزءا من ساعة واحدة خصصت للقرآن الكريم لذلك لم أستطع أن أتحدث في الوقت المخصص لي في الندوة، وهي عشرون دقيقة (فقط)، إلا عن رؤوس المواضيع لهذا البحث المستفيض. ولست أريد هنا أن أوفي الموضوع حقه، حسبي أن أدل على الكنوز العسكرية في القرآن الكريم ولئن جعل الله في العمر بقية، وأمدني بعون من عنده، فسأنهض بإذن الله بمهمة عرض هذا الموضوع في كتاب خاص؛ بعد

стр. 2343

أن عالجت الجانب اللغوي من العسكرية الإسلامية في الكتاب العزيز بكتابي المصطلحات العسكرية في القرآن الكريم، في جزأين كبيرين.

стр. 2344

التدريب الفردي التدريب الفردي للمسلم عسكريا، هو غرس الخصال العسكرية في خلق الجندي المسلم وسلوكه غرسا يجعل منه مقاتلا من الطراز الأول. وقد جاء في كتاب الخدمة السفرية، وهو أوثق المصادر العسكرية: أن الجندي لا بد أن يتمتع بالطاعة والصبر والشجاعة والثبات، وأن يضحي بماله ونفسه في سبيل تحقيق أهداف أمته ومصلحتها العليا. حث الإسلام على (الطاعة) وهي الضبط والنظام كما نطلق عليها في التعابير العسكرية الحديثة. وقد وردت (طاع) ومشتقاتها في تسع وعشرين ومائة آية من آيات الذكر الحكيم. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١). وأشاع الإسلام معاني الخلق الكريم، ومنه الصبر الجميل، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (٤). وغرس الإسلام روح الشجاعة والإقدام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٦).

стр. 2345

والتولي يوم الزحف من الكبائر، كما نص على ذلك حديث رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام). . . وأمر الإسلام بالثبات في ميدان القتال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (١). ودعا الإسلام إلى الجهاد بالأموال والأنفس لإعلاء كلمة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) وفي هذه الآية سبق المسلمون العالم إلى مفهوم الحرب الإجماعية التي تنص على: إعداد الأمة بطاقاتها المعنوية والمادية للحرب. وبين الإسلام أن المصلحة العليا لا بد أن تكون لها الأسبقية على كل شيء في الدنيا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٤). وجعل الإسلام مقام الشهداء من أعظم المقامات، وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٧). ولا أعلم عقيدة عسكرية في العالم، جعلت الحياة المستمرة الدائمة للشهيد غير العقيدة العسكرية الإسلامية.

стр. 2346

الحوافز المادية ولكن القول بأن الحوافز الروحية وحدها هي التي تؤجج في المؤمن الحق روح القتال قول غير كاف بل الواقع أن في الإسلام حوافز (مادية) لا تقل أهمية عن الحوافز (الروحية) تعمل جنبا لجنب لترصين تكوين الجندي المسلم الذي لا يهزم أبدا. ومن أهم الحوافز المادية: عدم الاستهانة بالعدو أولا، والإعداد الحربي تدريبا وتسليحا وتنظيما وتجهيزا وقيادة ثانيا. لقد استهان المسلمون بعدوهم يوم (حنين) فغلبوا على أمرهم في الصفحة الأولى من صفحات ذلك اليوم العصيب. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١). والحذر واليقظة من مظاهر عدم الاستهانة بالعدو، قال تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٥). إن الاستهانة بالعدو، تؤدي حتما إلى الاندحار، وما أصدق المثل العربي القائل: " إذا كان عدوك نملة، فلا تنم له". والإعداد الحربي إعدادا متكاملا، يرفع المعنويات، ويقوي الثقة بالنفس، ويلهب مزايا الجندي الحق قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٧).

стр. 2347

معادلة الحرب النفسية إن الهدف الحيوي من الحرب، هو تحطيم الطاقات المادية والمعنوية للعدو، فإذا انتصر عليه في ميدان الحرب، واستطاع أن يحطم طاقاته المادية، فلا بد من جهود أخرى لتحطيم طاقاته المعنوية ليكون النصر كاملا يؤدي إلى الاستسلام. وهنا يبدأ دور الحرب النفسية، التي تستهدف الطاقات المعنوية بالدرجة الأولى. وفي تاريخ الحروب أمثلة لا تعد ولا تحصى عن انتصارات استطاعت القضاء على الطاقات المادية، ولكنها لم تستطع القضاء على الطاقات المعنوية، فكانت انتصارات ناقصة استمرت مدة من الزمن - ثم أصبح المهزوم منتصرا وأصبح المنتصر مهزوما. فكيف يصاول القرآن الكريم الحرب النفسية، ليصون معنويات المسلمين من الانهيار؟ كيف يحافظ القرآن الكريم على المعنويات العالية للمسلمين في أيام الحرب والسلام على حد سواء. ولعل من أهم أهداف الحرب النفسية هي: التخويف من الموت والفقر ومن القوة الضاربة للمنتصر ومحاولة جعل النصر حاسما، والدعوة إلى الاستسلام وبث الإشاعات والأراجيف، وإشاعة الاستعمار الفكري بالغزو الحضاري، وإشاعة اليأس والقنوط. المؤمن حقا لا يخشى الموت، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ (٥). إن المؤمن حقا، يعتقد اعتقادا راسخا؛ بأن الآجال بيد الله ، وما أصدق قولة خالد بن الوليد ﵁: " ما في جسمي شبر إلا وفيه طعنة رمح أو سيف، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".

стр. 2348

والمؤمن حقا لا يخاف الفقر لأنه يعتقد اعتقادا راسخا بأن الأرزاق بيد الله ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤). والمؤمن حقا لا يخشى قوات العدو الضاربة، فما انتصر المسلمون في أيام الرسول القائد -عليه أفضل الصلاة والسلام- وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم بعدة أو عدد، بل كان انتصارهم انتصار عقيدة لا مراء. . قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٧) ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٨). والمؤمن حقا لا يقر بانتصار أحد عليه ما دام في حماية عقيدته، لذلك فهو موقن بأن الانتصار في معركة قد يدوم ساعة، ولكنه لا يدوم إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٩). والمؤمن حقا لا يستسلم بعد هزيمته، لأنه يعلم بأن بعد العسر يسرا، وأن العزة لله ولرسوله والمؤمنين، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٠)، وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١١). والمؤمن حقا لا يصدق الإشاعات والأراجيف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١٢)

стр. 2349

وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٢). والمؤمن حقا يقاوم الاستعمار الفكري ويصاول الغزو الحضاري، لأن له من مقومات دينه وتراث حضارته ما يصونه من تيارات المبادئ الوافدة التي تذيب شخصيته وتمحو آثاره من الوجود. والمؤمن حقا لا يقنط ولا ييأس من نصر الله ورحمته، قال تعالى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (٦).

стр. 2350

حرب عادلة فإذا تذكرنا أن الجهاد في الإسلام، يهدف إلى حماية حرية نشر الدعوة الإسلامية، وإلى نشر السلام، وإلى الدفاع عن دار السلام. وإذا تذكرنا أن تعاليم القتال في القرآن الكريم، تنص على الوفاء بالعهود، واحترام المواثيق، والترفع عن الظلم والعدوان، وإقرار السلام. إذا علمنا أهداف القتال في الإسلام وتعاليمه، علمنا بأن المسلم يؤمن إيمانا عميقا بأنه يخوض (حربا عادلة) وهذه الحرب حافز جديد تجعل من المؤمن مقاتلا رهيبا كما يعبر عنه العسكريون المحدثون.
следующие страницы →