بيان من هيئة كبار العلماء
بشأن الاعتداء على
المسجد الحرام
الحمد لله وحده وصلى وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد: -
فبمناسبة انعقاد مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الخامسة عشرة في مدينة الرياض في النصف الأول من شهر صفر عام ١٤٠٠ هـ. للنظر في الأعمال المدرجة في جدول أعمال هذه الدورة رأت الهيئة أن من واجبها إصدار بيان بشأن الاعتداء على المسجد الحرام من قبل الفئة المعتدية الضالة التي كفى الله المؤمنين شر عدوانها فتم القضاء عليها بفضل الله وكرمه فإن هيئة كبار العلماء بهذه المناسبة تستنكر من هذه الفئة الظالمة فعلها الآثم وعدوانها الغادر وتعتبرها بذلك قد ارتكبت عدة جرائم أهمها ما يلي: -
١) انتهاك حرم الله وجعله ميدانا للقتل والقتال وتحويله من حرم آمن إلى ساحة حرب تسوده الفوضى والفزع والاضطرابات والقتل والقتال متجاهلين ما في ذلك من الوعيد الشديد والإجرام البالغ.
стр. 2522
قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقالوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب (٢)».
٢) سفك دماء المسلمين في بلد الله الحرام مكة المكرمة وفي حرمه الآمن حيث قتل فيه على أيديهم وبسبب فتنتهم العشرات من المسلمين معصومي الدم والمال.
٣) الإقدام على القتال في البلد الحرام وفي الشهر الحرام قال تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (٣) الآية.
٤) الخروج على إمام المسلمين وولي أمرهم وهم مع إمامهم وتحت ولايته وسلطانه في حال من الاستقرار والتكاتف والتآلف والتناصح واجتماع الكلمة يحسدهم عليها كثير من شعوب العالم ودوله مستهينين بجريمة الخروج على ولي أمر المسلمين وخلع ما في أعناقهم له من بيعة نافذة جاهلين أو متجاهلين ما في ذلك من النصوص الشرعية من الكتاب والسنة قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤) وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا تنازع الأمر أهله - قال - إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان (٥)».
стр. 2523
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية (١)». ".
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه كائنا من كان (٢)».
٥) التسبب في تعطيل حرم الله مدة اعتدائهم عليه من الشعائر الدينية من صلاة وذكر وطواف وتلاوة لكتاب الله وغير ذلك من أنواع العبادات حتى أنه مضى عليه جمعتان لم تصليا فيه ولم ترفع من مآذنه نداءات الصلاة جمعة وجماعة قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٣) الآية.
٦) التغرير بمجموعة من الأغرار والنساء والسذج وغيرهم بزجهم في حظيرة هذا الطغيان الآثم وتعريضهم لكثير من المآسي وصنوف المشقة والتسبب في قتل بعضهم.
٧) الانقياد لداعي الهوى والضلال حيث قام من تولى كبر هذه الفتنة بالإشارة إلى أحدهم بأنه هو المهدي المنتظر وأعلن المطالبة بمبايعته مع انتفاء ما يدل على ذلك ووجود ما يكذبه.
وبناء على ما تقدم فإن هيئة كبار العلماء تعتبر هذه الفئة فئة ضالة آثمة لاعتدائها على حرم الله وعلى مسجده الحرام وسفكها الدم الحرام وقيامها بما يسبب فرقة المسلمين وشق عصاهم وبذلك دخلت تحت قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٥) الآية (٦).
стр. 2524
والهيئة إذ ترى في هذه الفئة الظالمة هذا الرأي ترى أن في منشوراتها من الشبه الآثمة والتأويلات الباطلة والاتجاهات الضالة ما يعتبر بذور شر وفتنة وضلال وطريقا إلى الفوضى والاضطرابات والتلاعب بمصالح البلاد والعباد بدعاوى قد يغتر بعض السذج بظاهرها وفي بواطنها الشر المستطير وإذ تبين الهيئة ذلك وتستنكره فإنها تحذر المسلمين جميعا مما في تلك المنشورات من الشبه الآثمة والتأويلات الباطلة والاتجاهات السيئة كما أن الهيئة بهذه المناسبة وبمناسبة القضاء على فتنتهم من حكومة جلالة الملك خالد بن عبد العزيز حفظه الله ووفقه وأعانه على كل خير تشكر الله أن يسر أسباب القضاء عليها وتسأله تعالى أن يحمي هذه البلاد وبلاد المسلمين عامة من كل سوء وأن يجمع شملها على الحق ويعين ولاتها ويعزهم بالإسلام ويعز الإسلام بهم ويجعل لهم من البطانة الصالحة من إذا هموا بالخير أعانوهم عليه وإذا جهلوه أرشدوهم إليه وإذا نسوا ذكروهم إياه وأن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون من ظالم وحاقد وماكر وحاسد، وتقدر الهيئة الجهود العظيمة التي بذلتها الحكومة في القضاء على هذه الفتنة بطريقة اتسمت بالقوة والحكمة والبصيرة وتشكر كل من ساهم في القضاء عليها بيده أو لسانه أو قلمه وفي مقدمة هؤلاء جلالة الملك وولي عهده وأعوانه المخلصين والقوات العسكرية بمختلف مسمياتها ورتب أفرادها ونسأل الله لقتلاهم المغفرة والرحمة وجزيل الثواب ولأحيائهم الأجر العظيم والثبات على الحق والهدى والله حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الخامسة عشرة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عبد الله خياط ... محمد بن علي الحركان ... عبد الله بن محمد بن حميد
سليمان بن عبيد ... عبد العزيز بن صالح ... عبد الرزاق عفيفي
راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان
стр. 2525
حديث شريف
قال رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب ذئاب يقول الله : أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيران (٢)»
لجنة الإشراف سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الشيخ إبراهيم بن صالح آل الشيخ
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الفالح
الدكتور محمد بن سعد الشويعر
أشرف على التحرير جمال النهري
عبد الله البعادي
أحمد أبو شلباية
المراسلات: رئيس التحرير
مجلة البحوث الإسلامية
المملكة العربية السعودية - شارع الرياض
جنوب شارع عسير
تليفون: ٤٣٥٩٧١٢ - ٤٥٩٦٠٦٢
стр. 2528
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض
رئيس التحرير
محمد بن سعد الشويعر
الإشراف الفني
جمال النهري
البحوث الإسلامية مجلة فصلية اسلامية تعنى بالبحوث الإسلامية
العدد السادس ١٤٠٢ هـ ربيع الثاني وجمادى الأولى والثانية
стр. 2529
المحتويات
١ الافتتاحية سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
أبحاث هيئة كبار العلماء
٢ كتابة المصحف اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١١
٣ حكم التسعير اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٥١
٤ حكم الذبائح المستوردة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٩٧
٥ بطلان نكاح المتعة بمقتضى الكتاب والسنة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن زيد آل محمود ١٨٧
стр. 2530
٦ بين فقيهين د. محمد رواس قلعجي ٢٠٣
٧ علامة الكيمياء الجلدكي د. علي عبد الله الدفاع ٢١٧
٨ الإسقاط المكي للعالم د. حسين كمال الدين أحمد ٢٢٥
٩ من ملفات الإفتاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٢٤٥
١٠ إيضاحات وتنبيهات سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢٨١
الافتتاحية
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله رب العالمين. . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه وسار على هديه إلى يوم الدين أما بعد.
فإن العلم بأحكام الله أمر ضروري ليسير العبد المسلم في عبادته لربه على هدى وبصيرة، ولا يمكن للإنسان المسلم أن يفهم دينه ويعمل به إلا إذا عرف أحكام هذا الدين وأولاها اهتمامه وعنايته وبذل جهده وطاقته للإلمام بها؛ لتكون لربه مبنية على أساس صحيح ومتين، ومن وفقه الله لمعرفة أحكام هذا الدين والأخذ بها فقد هدى إلى صراط مستقيم، وحصل على خير كثير، يقول سبحانه ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (١) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) يعني المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله، وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا: «الحكمة القرآن» - يعني تفسيره قال ابن عباس: فإنه
стр. 2533
قد قرأه البر والفاجر. رواه ابن مردويه وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد يعني بالحكمة الإصابة في القول، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ليست بالنبوة ولكنه العلم والفقه والقرآن، وقال أبو العاليه: الحكمة خشية الله فإن خشية الله رأس كل حكمة، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني عن أبي عمار الأسدي عن ابن مسعود مرفوعا «رأس الحكمة مخافة الله» وقال أبو العالية في رواية عنه الحكمة الكتاب والفهم، وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم، وقال أبو مالك: الحكمة السنة، وقال وهب عن مالك قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل، قال مالك: (إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا إذا نظر فيها وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما بأمر دينه بصيرا به يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا فالحكمة الفقه في دين الله) اهـ. . . ولكي ندرك أهمية الفقه في دين الله وأنه نور لحامله والعامل به في الدنيا والآخرة ولكي ندرك أهميته وجدواه نجد النبي ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢)» متفق عليه، ويقول ﵊: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (٣)» رواه البخاري ومسلم. . ويقول ﷺ «لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها (٤)» رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد به.
ولقد برز حبر الأمة وترجمان القرآن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵁ في معرفة الدين فقها وتفسيرا، وتوسع بعلوم الشريعة ووعاها ببركة دعاء رسول الله ﷺ له: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (٥)» إنها دعوة مباركة من رجل مبارك تقبلها الله من نبيه، ونعمة أنعم الله بها على ابن عباس ﵁ وأرضاه - وبرز في عهده وبعده أئمة أفذاذ في أصول
стр. 2534
الدين وفروعه، يحملون أمانة التبليغ والدعوة ويؤدونها أحسن ما يكون الأداء، ويبصرون الناس بدين الإسلام سواء في حلقات الدرس والمذاكرة والإرشاد المنتشرة في بيوت الله أو فيما خلفوه من تراث علمي ومؤلفات قيمة في شتى فروع العلم الشرعي وغيره من العلوم الأخرى التي تخدم الشريعة وتربط بها، وهيأ الله ولاة صالحين يبذلون بسخاء في سبيل نشر العلم وتشجيع العلماء وطلاب العلم.
إن التفقه في الإسلام وما اشتمل عليه من أحكام يقتضي البحث والاطلاع لمعرفة حكم الله في كل قضية تعرض للمسلم في حياته فلا يتجاوز هذه القضية دون بحث واستقصاء ليصل إلى الحكم بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإجماع والقياس الجلي، والدين الإسلامي بحمد الله واضح لا غموض فيه ولا التباس في أحكامه وتشريعاته قد بينها الله في كتابه المبين وسنة رسوله الكريم ﷺ وحمل لواء هذه السنة وبينها ونافح عنها صحابة رسول الله ﷺ والتابعون وسلف الأمة وأئمة الشريعة وعلماؤها جيلا بعد جيل ثم تقاعس الكثير من الناس عن البحث والطلب والتحصيل واكتفوا بالتقليد لغيرهم فوقعوا في أغلاط كثيرة في العقيدة والأحكام، ولقد أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم وهو طريق المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء - والصالحين الذين علموا فعملوا، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق واتبعوا أهواءهم وهم اليهود ومن على شاكلتهم، وأن يجنبنا طريق الضالين وهم الذين جهلوا الحق وهم النصارى ومن على شاكلتهم.
أيها الإخوة المسلمون كيف نعرف أن هذا الماء طاهر أو نجس أو أن هذا الشراب أو الطعام أو الإناء أو الصيد أو السوار أو اللباس مباح أو حرام أو مكروه أو مستحب كيف نعرف أن اقتناء هذا المال أو إنفاقه حلال أو حرام كيف نهتدي إلى العبادات نعرف أوقاتها وطريقة أدائها كيف نعرف قسمة المواريث والفرائض كيف تقام الحدود وكيف نقيم المعاملات فيما بيننا إلى غير ذلك من تفاصيل العبادات والمعاملات وما يسمى اليوم بالأحوال الشخصية كالنكاح والطلاق وغيرهما
стр. 2535
وقد استوعبت ذلك كله - شريعتنا المطهرة ولله الحمد. . إن دين الإسلام الحنيف قد أكمله الله وما من شأن من شئون الدنيا والآخرة إلا وفي هذا الدين له حكم وبيان واضح جلي، فهو دين كامل شامل ليس قاصرا على النواحي التعبدية ولا شأن له بالنواحي المعاشية كما يرميه بذلك أعداؤه ومن نهج نهجهم.
إن دين الإسلام يربط المخلوق بخالقه برباط متين كما يقيم أفضل علاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان قائمة على المحبة والترابط والتسامح والتعاون على البر والتقوى. . . أوضح كيف تعامل الحيوان الأعجم بالرفق والرحمة والإحسان قبل أن تتظاهر أوربا بالرفق بالحيوان من خلال جمعيات أنشأتها لهذا الغرض وهي لم ترفق بعد بالإنسان ولم ترع حقوقه. . فالواجب على المسلمين التفقه في دينهم وأن لا يتجاوزوا حدود ما أنزل الله، وأن يحرصوا على فهم أحكام دينهم قبل أي شيء، فإن بعض الناس هداهم الله ووفقهم قد يحيط بعلوم كثيرة من علوم الحياة ويبرز فيها ولكنه لا يعلم شيئا من أحكام دينه وأسرار شريعته، وهذا هو الجهل الفاضح والمصيبة العظمى؛ فإن العلم بأحكام الله يجب أن يكون مقدما على المعارف الأخرى، ولا مانع من التزود بالعلوم والمعارف الأخرى، ولكن لا بد من تقديم الأصل الأصيل والركيزة الأساسية للعلوم كلها وهو معرفة الدين عقيدة وسلوكا وعبادة وأحكاما مما لا يسع المسلم جهله. كما أن الواجب على المسلمين أن يتمسكوا بدينهم بصدق ويتقبلوا ما يأمرهم به فيعملوا به ويطبقوه في شئون حياتهم كلها دون تمييز وليعلموا أنهم إن فعلوا ذلك سيسعدون ويفلحون في الدنيا والآخرة، وهذه الأمة شرفها الله بهذا الدين وأعزها به فإذا تخاذلت عن ذلك فلا قيمة لها ولا عزة ولا سعادة.
فنسأل الله أن يوفقنا والمسلمين جميعا لما فيه رضاه، وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن ومن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.،،،
стр. 2536
كتابة المصحف
стр. 2537
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. . وبعد: ففي الدورة الاستثنائية الثالثة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض من غرة صفر إلى السابع منه عام ١٣٩٩ هـ اطلع المجلس على المعاملة المتعلقة بكتابة المصحف حسب قواعد الإملاء وإن خالف ذلك الرسم العثماني واقترح إعداد بحث في ذلك، وبناء عليه أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في هذا الموضوع مشتملا على ما يأتي: -
١ - تمهيد يشتمل على أمرين:
أ - بيان نوع الكتابة التي كانت عند العرب وقت نزول القرآن.
ذكر أمثلة يتبين منها مدى التغيير الذي يحدث عند كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء.
٢ - نقول عن العلماء والأولين يتبين منها رأيهم في ذلك مع ما استدلوا أو عللوا به.
٣ - الضرورة أو الحاجة التي دعت إلى العدول بالمصحف عن الرسم العثماني إلى كتابته حسب قواعد الإملاء ومناقشة ذلك.
٤ - الموانع التي تمنع من ذلك، وبيان ما قد يترتب عليه من تحريف ونحوه.
وفيما يلي تفصيل ذلك. . . والله الموفق.
стр. 2538
كتابة المصحف أولا التمهيد ويشتمل على أمرين:
بيان نوع الكتابة التي كانت معهودة عند العرب وقت نزول القرآن الكريم
إن الكتابة في العرب كانت قليلة جدا، وقد تعلموها من أهل الأنبار، وكان الذي يغلب على زمان السلف الكتابة المتكوفة إلى أن هذبها أبو علي بن مقله، ثم قربها علي بن هلال البغدادي،
стр. 2539
وسلك الناس طريقته، ولم تكن محكمة جدا في ذلك الزمان، ولهذا وقع اختلاف في كتابة المصاحف من جهة الصناعة لا من جهة المعنى، وألف العلماء في ذلك واعتنوا به.
قال ابن كثير وقد كانت الكتابة في العرب قليلة جدا، وإنما أول ما تعلموا ذلك ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره أن بشر بن عبد الملك أخا أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية وتعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب، وقيل: إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من طيء من قرية هناك يقال لها بقة ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب فتعلمه الناس، ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود: ثنا عبد الله بن محمد الزهري ثنا سفيان عن مجاهد عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة، قالوا من أهل الأنبار.
قال ابن كثير (١): والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المتكوفة، ثم هذبها أبو علي بن مقلة الوزير وصار له في ذلك نهج وأسلوب في الكتابة، ثم قربها علي ابن هلال البغدادي المعروف بابن البواب، وسلك الناس وراءه وطريقته في ذلك واضحة جيدة، والغرض أن الكتابة لما كانت في ذلك لم تحكم جيدا وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى، وصنف الناس في ذلك، واعتنى بذلك الإمام الكبير القاسم بن سلام ﵀ في كتابه فضائل القرآن، والحافظ أبو بكر بن أبي داود وذكرا قطعة صالحة هي من صناعة القرآن ليست مقصدنا هنا ولهذا الغرض نص الإمام مالك على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام، ورخص غيره في ذلك. واختلفوا في الشكل والنقط فمن مرخص ومن مانع.
وذكر ابن كثير (٢) أن عثمان ﵁ عهد إلى زيد بن ثابت الأنصاري وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي وسعيد بن العاص بن أمية القرشي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام
стр. 2540
القرشي أن يكتبوا القرآن حينما اختلف الناس في القراءة بالحروف التي بها نزل القرآن، وتنازعوا فيما بينهم، فأمر هؤلاء أن يكتبوا القرآن على حرف واحد من الحروف التي بها نزل القرآن منعا للاختلاف، فجلس هؤلاء الأربعة يكتبون القرآن نسخا وإذا اختلفوا في موضع الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان ﵃ كما اختلفوا في التابوت أيكتبونه بالتاء أم بالهاء، فقال زيد بن ثابت: إنما هو التابوه، وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت، فرجعوا إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم ". اهـ.
والذي يعنينا هنا أن الكتابة كانت معروفة عند العرب قبل رسالة محمد ﷺ وعند نزول الوحي وإن كان ذلك قليلا، وأنها كانت تختلف من حيث الصناعة وأنها كتب بها القرآن عند نزوله، وأن عثمان ﵁ أمر الذين أسند إليهم جمع القرآن إذا اختلفوا في صناعة الكتابة أن يكتبوه بلغة قريش، لأن القرآن بها نزل، وقد علم الله ذلك من كتبة الوحي، ولم ينكر على رسوله ولا على كتبته، وعلم الصحابة صنيع عثمان ومن جمع القرآن بأمره ولم ينكروا عليه ولا عليهم ﵃ أجمعين -، فكانت كتابته على هذا النحو دون غيره سنة متبعة.
стр. 2541
ب- أمثلة يتبين منها مدى التغيير الذي يحدث من كتابة المصحف حسب قواعد الإملاء
... الرسم العثماني ... موضع التغيير ... الرسم الإملائي ... وضع التغيير ... السورة
١ ... الصلوة: ... كتبت بالواو بعد اللام ... الصلاة ... كتبت بالألف بعد اللام ... في سور كثيرة
٢ ... الزكوة: ... كتبت بالواو بعد الكاف ... الزكاة ... كتبت بالألف بعد الكاف ... " "
٣ ... الحيوة: ... كتبت بالواو بعد الياء ... الحياة ... كتبت بالألف بعد الياء ... " "
٤ ... شفعؤنا: ... كتبت بلا ألف بعد العين ... شفعاؤنا ... كتبت بالألف بعد العين ... "يونس"
٥ ... أم لهم شركؤا: ... كتبت بلا ألف بعد الكاف وبهمزة على واو بعدها ألف ... أم لهم شركاء ... كتبت بالألف بعد الكاف ثم همزة مفردة فقط ... "الشورى"
٦ ... يبدؤا الخلق: ... همزة على واو بعدها ألف ... يبدأ الخلق ... همزة على ألف ... "يونس"
٧ ... ويدرؤا عنها: ... همزة على واو بعدها ألف (بلا ألف بعد اللام) ... ويدرأ ... همزة على ألف ... "النور"
٨ ... لهوا لبلؤا: ... وزيادة واو بعد الهمزة (وزيادة ألف بعد الواو) ... البلاء ... بألف بعد اللام وهمزة مفردة ... "الصافات"
٩ ... نبؤا الخصم: ... بزيادة واو بعدها ألف ... نبأ ... بهمزة على الألف فقط ... "
١٠ ... الربوا: ... بواو بعد الياء بعدها ألف ... الربا ... بألف بعد الياء فقط ... "البقرة وغيرها"
١١ ... لا أذبحنه ... بزيادة ألف قبل الذال ... لأذبحنه ... بلا زيادة ألف ... "النمل"
١٢ ... وتمت كلمة ربك ... بتاء مفتوحة ... كلمة ربك ... بتاء مربوطة ... "الأنعام"
١٣ ... إن رحمت الله ... " " ... رحمة الله ... " " ... "الأعراف"
١٤ ... لعنت: ... " " ... لعنة ... " " ... "النور"
١٥ ... ورحمت ربك ... " " ... ورحمة ربك ... " " ... "الزخرف"
١٦ ... الكتب: ... بلا ألف بعد التاء ... الكتاب ... بألف بعد التاء ... في سور كثيرة
١٧ ... الإنسن: ... بلا ألف بعد السين ... الإنسان ... بألف بعد السين ... " "
١٨ ... لا يهدي من هو كذب ... بلا ألف بعد الكاف ... كاذب ... بألف بعد الكاف ... "الزمر"
стр. 2542
الرسم العثماني ... موضع التغيير ... الرسم الإملائي ... وضع التغيير ... السورة
١٩ ... الجهلين ... بلا ألف بعد الجيم ... الجاهلين ... بألف بعد الجيم ... "الأنعام وغيرها"
٢٠ ... اتيهم ... بلا ألف بعد التاء ... اتاهم ... بألف بعد التاء ... "الأحزاب"
٢١ ... السبيلا ... بألف بعد اللام ... السيل ... بلا ألف بعد اللام ... "الأحزاب"
٢٢ ... سلسلا ... بألف بعد اللام الثانية وبدونها بعد الأولى ... سلاسل ... بلا ألف بعد اللام الثانية وبألف بعد الأولى ... "الدهر"
٢٣ ... قواريرا ... بألف بعد الراء الثانية ... قوارير ... بلا ألف بعد الراء ... " "
٢٤ ... الشيطن ... بلا ألف بعد الطاء ... الشيطان ... بألف بعد الطاء ... في سور كثيرة
٢٥ ... وأغللا ... بلا ألف بعد اللام الأولى ... أغلالا ... بألف بعد اللام الأولى ... "الدهر"
٢٦ ... من نبأي المرسلين ... بياء بعد الهمزة ... من نبأ المرسلين ... بلا ياء بعد الهمزة ... "الأنعام"
٢٧ ... بأييد ... بياءين قبل الدال ... بأيد ... بياء فقط قبل الدال ... "الذاريات"
وسيأتي كثير من الأمثلة في النقل عن المقنع لأبي عمرو الداني، والنقل عن كتاب الإتقان للسيوطي إن شاء الله.
стр. 2543
ثانيا: نقول من العلماء يتبين منها رأيهم في كتابة المصحف بغير الرسم العثماني:
إن الحديث عن كتابة المصحف بغير الرسم العثماني قديم فقد بحثه أئمة السلف قبل أكثر من ألف سنة وألف فيه علماء القراءة والرسم كتبا وحكموا فيه بما ظهر لهم من الكراهة أو التحريم، وقد جمع الجلال السيوطي نقولا عنهم في الموضوع يتبين منها ما حكموا به في ذلك فرأينا إثباتها فيما يلي:
قال الجلال السيوطي: (فصل) القاعدة العربية أن اللفظ يكتب بحروف هجائية مع مراعاة الابتداء به والوقوف عليه وما مهد له النحاة أصولا وقواعد، وقد خالفها في بعض الحروف خط المصحف الإمام، وقال أشهب سئل مالك: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟
فقال: لا. إلا على الكتبة الأولى. رواه الداني في المقنع ثم قال ولا مخالف له من علماء الأمة.
وقال في موضع آخر: سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف أترى أن يغير من المصحف إذا وجد فيه كذلك قال لا قال أبو عمرو يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو أولو.
وقال الإمام أحمد يحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك.
وقال البيهقي في شعب الإيمان من يكتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوا شيئا فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم.
قلت وينحصر أمر الرسم في ست قواعد الحذف والزيادة والهمز والبدل والوصل والفصل وما فيه قراءتان فكتب على إحداهما.
стр. 2544
القاعدة الأولى:
في الحذف تحذف الألف من ياء النداء نحو يا أيها الناس وهاء التنبيه نحو هؤلاء هأنتم ومن ذلك
стр. 2545
وأولئك ولكن وتبارك وفروع الأربعة والله وإله كيف وقع والرحمن وسبحان كيف وقع إلا قل سبحان ربي.
وتحذف الياء من كل منقوص منون رفعا وجرا نحو باغ ولا عاد والمضاف لها إذا نودي إلا يا عبادي الذين أسرفوا يا عبادي الذين آمنوا في العنكبوت أولم يناد. إلا قل لعبادي أسر بعبادي في "طه" وحم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ومع مثلها نحوان ولي والحوارين.
وتحذف الواو مع أخرى نحو لا يستون وإذا المؤدة (يؤسا) وتحذف اللام مدغمة في مثلها نحو الليل والذي إلا الله واللهم واللعنة وفروعه واللهو واللغو واللؤلؤ واللات واللهم واللعب واللطيف واللوامة. . وساق كثيرا من الأمثلة للحذف.
стр. 2546
القاعدة الثانية:
في الزيادة زيدت ألف بعد الواو آخر اسم مجموع نحو بنو إسرائيل، ملاقوا ربهم أولو الألباب بخلاف المفرد لذو علم إلا الربا وإن امرؤ هلك. . . . . وساق أمثلة كثيرة في الهمزة.
стр. 2547
القاعدة الثالثة:
في الهمزة يكتب الساكن بحرف حركة ما قبله أولا ووسطا وآخرا نحو ايذن واوتمن والبأساء واقرأ وجيناك وهىء والموتون وتسؤهم إلا فأدارأتم ورئيا والرياء وشطئه فحذف فيها وكذا أول الأمر بعد فاء نحو فأتوا أو واو نحو واشربوا والمتحرك إن كان أولا أو اتصل به حرف زائد بألف مطلقا أي سواء كان فتحا أو ضما أو كسرا نحو أيوب إذا أولو سأصرف فبأي سأنزل إلا مواضع أئنكم لتكفرون أئنا لمخرجون في النمل أئنا لتاركوا آلهتنا أئن لنا في الشعراء أئذا متنا أئن ذكرتم أئنا أئمة لئلا لئن يومئذ يفرح فيكتب فيها بالياء قل أؤنبئكم وهؤلاء فكتب بالواو وإن كان وسطا فبحرف حركته نحو سأل سئل نقرؤه إلا جزاؤه الثلاثة يوسف. . . وساق أمثلة كثيرة للهمزة.
стр. 2548
القاعدة الرابعة:
في البدل تكتب بالواو للتفخيم ألف الصلاة والزكاة والحياة والربا غير مضافات والغاء ومشكاة والنجاة ومناة (وبالياء) كل ألف منقلبة عنها نحو يتوفيكم في اسم أو فعل اتصل به ضمير أم لا بقي ساكنا أم لا ومنه يا حسرتا يا أسفا ألا تترى وكلتا وهداني وعصاني والأقصى (وأقصى المدينة وطغا الماء وسيماهم وإلا ما قبلها ياء كالدنيا والحوايا إلا يحيى اسما وفعلا ويكتب بها إلى وعلى وأنى بمعنى
стр. 2549
كيف ومتى ويلى وحتى ولدى إلا لدا الباب (ويكتب) بالألف الثلاثي الواوي اسما (أو فعلا نحو الصفا وشفا وعفا الأضحى كيف وقع وما زكى منكم ودحاها وتلاها وطحاها وسجا. . .) وساق أمثلة كثيرة للبدل.
стр. 2550
القاعدة الخامسة:
في الوصل والفصل توصل ألا بالفتح إلا عشرة أن لا أقول أن لا يقولوا في الأعراف أن لا ملجأ وفي هود أن لا إله أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف أن لا تشرك في الحج أن لا تعبدوا في يس أن لا تعلوا في الدخان أن لا يشركن في الممتحنة أن لا يدخلنها في ن (ومما) إلا من ما ملكت في النساء والروم ومن ما رزقناكم في المنافقين (وممن) مطلقا وعما إلا عن ما نهوا عنه وإما بالكسر إلا وإما نرينك في الرعد وأما بالفتح مطلقا وعمن إلا ويصرفه عن من يشاء في النور عن من تولى في النجم (وأمن) إلا أم من يكون في النساء أم من أسس أم من خلقنا في الصافات أم من يأتي آمنا (وإلم) بالكسرة إلا فإن لم يستجيبوا لك في القصص وفيما إلا أحد عشر في ما فعلن الثاني في البقرة ليبلوكم في ما في المائدة والأنعام قل لا أجد في ما أوحي في ما اشتهت في الأنبياء في ما أفضتم في ما ههنا في الشعراء في ما رزقناكم في الروم في ما هم فيه في ما كانوا فيه كلاهما في الزمر وننشئكم في ما لا تعلمون (وإنما) إلا إن ما توعدون لآت في الأنعام وأنما بالفتح إلا إن ما يوعدون في الحج ولقمان (وكلما) إلا كل ما ردوا إلى الفتنة من كل ما سألتموه وبئسما إلا مع اللام ونعما ومهما وربما وكأنما ويكأن وتقطع حيثما وإن لم بالفتح وإن لن إلا في الكهف والقيامة وأين ما إلا فأينما تولوا أينما يوجهه واختلف في أينما تكونوا يدرككم أينما كنتم تعبدون في الشعراء أينما تقفوا في الأحزاب ولكي لا إلا في آل عمران والحج والحديد والثاني في الأحزاب ويوم هم ونحو فمال ولات حين وابن أم إلا في طه فكتبت الهمزة حينئذ واوا وحذفت همزة ابن فصارت هكذا يبنؤم. .) وساق أمثلة كثيرة للوصل وللفصل.
стр. 2551
القاعدة السادسة:
فيما فيه قراءتان فكتبت على إحداهما ومرادنا غير الشاذ من ذلك مالك يوم الدين يخادعون واعدنا والصاعقة والرياح وتفادوهم وتظاهرون ولا تقاتلوهم ونحوها ولولا دفاع فرهان طائرا في آل عمران والمائدة مضاعفة ونحوه عاقدت أيمانكم الأوليان لامستم. . . . (فائدة) كتبت فواتح السور على صورة الحروف أنفسها لا على صورة النطق بها اكتفاء بشهرتها وقطعت حم عسق دون المص وكهيعص طردا للأولى بأخواتها الستة). . . إلى أن قال وأخرج ابن اشتة عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أعماله
стр. 2552
إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن (وأخرج) عن زيد بن ثابت أنه كان يكره أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم ليس لها سين "وأخرج" عن يزيد بن أبي حبيب أن كاتب عمرو بن العاص كتب إلى عمر فكتب بسم الله ولم يكتب لها سينا فضربه عمر فقيل له فيم ضربك أمير المؤمنين قال ضربني في سين " وأخرج" عن ابن سيرين أنه يكره أن تمد الياء إلى الميم حتى تكتب السين "وأخرج" ابن أبي داود في المصاحف عن ابن سيرين أنه كره أن يكتب المصحف مشقا قيل لم قال لأن فيه نقصا). . إلى أن قال " وأخرج أبو عبيدة عن عمر بن عبد العزيز قال لا تكتبوا القرآن حيث يوطأ وهل تجوز كتابته بقلم غير العربي قال الزركشي لم أر فيه كلاما لأحد من العلماء قال ويحتمل الجواز لأنه قد يحسنه من يقرأ بالعربية والأقرب المنع كما تحرم قراءته بغير لسان العرب ولقولهم القلم أحد اللسانين والعرب لا تعرف قلما غير العربي وقد قال تعالى بلسان عربي مبين اهـ.
(فائدة) أخرج ابن أبي داود عن إبراهيم التيمي قال قال عبد الله لا يكتب المصاحف إلا مضري قال ابن أبي داود هذا من أجل اللغات.
стр. 2553
(مسألة) اختلف في نقط المصحف وشكله ويقال أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان وقيل الحسن البصري ويحيى بن يعمر وقيل نصر بن عاصم الليثي وأول من وضع الهمزة والتشديد والروم والإشمام الخليل وقال قتادة بدءوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا وقال غيره أول ما أحدثوا النقط عند آخر الآي ثم الفواتح والخواتم وقال يحيى بن أبي كثير ما كانوا يعرفون شيئا مما أحدث في المصاحف إلا النقط الثلاث على رءوس الآي أخرجه ابن أبي دواد وقد أخرج أبو عبيد وغيره عن ابن مسعود قال جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء (وأخرج) عن النخعي أنه كره نقط المصاحف وعن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم وعن ابن مسعود ومجاهد أنهما كرها التعشير (وأخرج) ابن أبي داود عن النخمي أنه كان يكره العواشر والفواتح وتصغير المصحف وأن يكتب فيه سورة كذا وكذا (وأخرج) عنه أنه أتى بمصحف مكتوب فيه سورة كذا وكذا آية فقال امح هذا فإن ابن مسعود كان يكرهه (وأخرج) عن أبي العالية أنه كان يكره الجمل في المصحف وفاتحة سورة كذا وخاتمة سورة كذا وقال مالك لا بأس بالنقط في المصاحف التي تتعلم فيها العلماء أما الأمهات فلا، وقال الحليمي تكره كتابة الأعشار والأخماس وأسماء السور وعدد الآيات فيه لقوله جردوا القرآن وأما النقط فيجوز لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا وإنما هي دلالات على هيئة المقروء فلا يظهر إثباتها لمن يحتاج إليها.
قال البيهقي: من آداب القرآن أن يفخم فيكتب مفرجا بأحسن خط فلا يصغر ولا يقرمط حروفه ولا يخط به ما ليس منه كعدد الآيات والسجدات والعشرات والوقوف واختلاف
стр. 2554
القراءات ومعاني الآيات وقد أخرج ابن أبي داود عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا لا بأس بنقط المصاحف (وأخرج) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال لا بأس بشكله.
وقال النووي نقط المصحف وشكله مستحب لأنه صيانة له من اللحن والتحريف، وقال ابن مجاهد ينبغي أن لا يشكل إلا ما يشكل وقال إلا أني لا أستجيز النقط بالسواد لما فيه من التغيير لصورة الرسم ولا أستحيز جمع قراءات شتى في مصحف واحد بألوان مختلفة لأنه من أعظم التخليط والتغيير المرسوم وأرى أن تكون الحركات والتنوين والتشديد والسكون والمد بالحمرة والهمزات بالصفرة، وقال الجرجاني من أصحابنا في الشافي " من المذموم كتابة تفسير كلمات القرآن بين أسطره ".
(فائدة) كان الشكل في الصدر الأول نقطا فالفتحة نقطة على أول الحرف والضمة على آخره والكسرة تحت أوله وعليه مشى الداني والذي اشتهر الآن الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف وهو الذي أخرجه الخليل وهو أكثر وأوضح وعليه العمل فالفتح شكله مستطيلة فوق الحرف والكسر كذلك تحته والضم واو صغرى فوقه والتنوين زيادة مثلها فإن كان مظهرا وذلك قبل حرف حلق ركبت فوقها وإلا جعلت بينهما وتكتب الألف المحذوفة والبدل منها في محلها حمراء والهمزة المحذوفة تكتب همزة بلا حرف حمراء أيضا وعلى النون والتنوين قبل الباء علامة الإقلاب حمراء وقبل الحلق سكون وتعرى عند الإدغام والإخفاء ويسكن كل مسكن ويعرى المدغم ويشدد ما بعده إلا الطاء قبل التاء فيكتب عليها السكون نحو فرطت ومطة الممدود لا تجاوزه.
(فائدة) قال الحربي في غريب الحديث قول ابن مسعود جردوا القرآن يحتمل وجهين أحدهما جردوه في التلاوة ولا تخلطوا به غيره.
(والثاني) جردوه في الخط من النقط والتعشير، وقال البيهقي الأبين أنه أراد لا تخلطوا به غيره من الكتب لأن ما خلا القرآن من كتب الله إنما يؤخذ عن اليهود والنصارى وليسوا بمأمونين عليها) اهـ. من الإتقان.
وسئل أبو العباس ابن تيمية ﵀ عمن يقول عن الإمام مالك ﵀ أنه قال: من كتب مصحفا على غير رسم المصحف العثماني فقد أثم، أو قال: كفر فهل هذا صحيح، وأكثر المصاحف اليوم على غير المصحف العثماني، فهل يحل لأحد كتابته على غير المصحف العثماني بشرط ألا يبدل لفظا ولا يغير معنى أو لا (١).
فأجاب أما هذا النقل عن مالك في تكفير من فعل ذلك فهو كذب على مالك سواء أريد منه رسم الخط أم رسم اللفظ، فإن مالكا كان يقول عن أهل الشورى: إن لكل منهم مصحفا يخالف رسم مصحف عثمان، وهم أجل من أن يقال فيهم مثل هذا الكلام، وهم علي بن أبي طالب
стр. 2555
والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعثمان ﵃، وأيضا فلو قرأ رجل بحرف من حروفهم التي تخرج عن مصحف عثمان ففيه روايتان عن مالك وأحمد وأكثر العلماء يحتجون بما ثبت من ذلك عنهم، فكيف يكفر فاعل ذلك. وأما اتباع رسم الخط بحيث يكتبه بالكوفي فلا يجب عند أحد من المسلمين وكذلك اتباعه فيما كتبه بالواو والألف هو حسن لفظ رسم خط الصحابة (١).
وأما تكفير من كتب ألفاظ المصحف بالخط الذي اعتاده فلا أعلم أحدا قال بتكفير من فعل ذلك، لكن متابعة خطهم أحسن هكذا نقل عن مالك وغيره. . . والله أعلم.
وسئل أبو العباس بن تيمية أيضا ﵀ عمن يقول: إن الشكل والنقط من كلام الله تعالى هل ذلك حق أو باطل. . الخ (٢).
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، المصاحف التي كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفها ولم ينقطوها فإنهم كانوا عربا لا يلحنون، ثم بعد ذلك في آخر عصر الصحابة لما نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف ويشكلونها وذلك جائز عند أكثر العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وكرهه بعضهم، والصحيح أنه لا يكره، لأن الحاجة داعية إلى ذلك ولا نزاع بين العلماء أن حكم الشكل والنقط حكم الحروف المكتوبة فإن النقط تميز بين الحروف كما أن الشكل يبين الإعراب لأنه كلام من تمام الكلام ويروى عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه، فإذا قرأ القارئ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) كانت الضمة والفتحة والكسرة من تمام لفظ القرآن. . . " اهـ المقصود.
يتبين مما ذكر ما يأتي:
(١) ضابط ما يحذف مما يزاد في رسم المصحف العثماني من الحروف وما يتسثنى من ذلك وما يبدل من غيره وما يرسم ألفا من ذلك وما يرسم ياء، ومنع التغيير فيما ثبت من الرسم العثماني.
стр. 2556
(٢) نقط المصحف وشكله وكيفيته، وكراهة العلماء ذلك مطلقا أو جوازه في غير الأمهات، ثم ثبوت الإجماع على جوازه واستمرار العمل عليه إلى عصرنا.
(٣) تخميس القرآن وتعشيره وكتابة أسماء السور وعدد الآيات ورسم علامة بين كل آية وما بعدها وعلامات الوقف وخلاف العلماء في كراهة ذلك وجوازه ثم ثبوت الإجماع على جوازه بعد استمرار العمل به إلى عصرنا.
(٤) تحريم كتابته بغير اللغة العربية كما يحرم قراءته بغير لسان العرب ولقولهم القلم أحد اللسانين، والعرب لا تعرف قلما غير العربي، (١) وقد قال تعالى ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٢) ".
стр. 2557
وكتب رئيس اللجنة المتشكلة لتفتيش رسم المصاحف المطبوعة ببلدة قزان ملا صادق الايمانقولي القزاني إلى الشيخ محمد رشيد رضا ما يأتي:
(بسم الله الرحمن الرحيم. حضرة الأستاذ الفاضل السيد رشيد رضا حفظه الله ومتعنا وسائر المسلمين بعلومه الشريفة.
أما بعد، فإن من المسائل التي تدور بيننا الآن مسألة رسم المصاحف المطبوعة في بلدة قزان حيث إن العلماء صرحوا بأن رسم المصاحف يجب فيه الاتباع لرسم المصاحف التي كتبت بأمر سيدنا عثمان ﵁، وفي رسم المصاحف القزانية مخالفة كثيرة لرسم تلك المصاحف. فتشكلت بقزان لجنة من العلماء والقراء لتفتيش رسم هذه المصاحف ونصوص العلماء فيه وتكلموا في وجوب الاتباع وعدمه فذهب كثير منهم إلى أنه ينبغي اتباع رسم المصاحف العثمانية وأن الرسم سنة متبعة، على ما نص عليه أبو عمرو الداني والشاطبي وابن الجزري والسيوطي والزمخشري وغيرهم. وبعضهم قالوا إنه لا يجب اتباع الرسم محتجين بقول شيخ الإسلام العز بن عبد السلام حيث قال: " أما الآن فلا يجوز كتابة المصحف على المرسوم الأول خشية الالتباس ولئلا يوقع في تغيير من الجهال،
ويجيب الفريق الأول عن هذا بأن المواضع التي يتوهم فيها الالتباس يمكن التخلص منها بالنقط والأشكال. ثم فتشوا المصاحف المطبوعة في الديار الإسلامية من الأستانة ومصر والهند وغيرها فوجدوا فيها أيضا مخالفة كثيرة لرسم المصاحف العثمانية فما ندري ما سبب عدم اعتنائهم في هذا الباب؟
أأهملوا في رسم كتابنا المقدس، أم لا يقولون بلزوم الاتباع؟.
وإذا كان الاتباع واجبا كما يقول به أكثر الأئمة فما ينبغي أن نصنع لنقرأ برواية حفص المعروفة في بلادنا في مثل كلمة آتان في سورة النمل آية ٣٦، فإنه كتب في مصاحف سيدنا عثمان ﵁ كلها بغير "ياء" بعد "النون" في مثل هذه المواضع تخلصا من الالتباس والتلفيق في القراءة.
وهل يجوز مخالفة الرسم لأجل الضرورة في مثل تلك الضرورة؟
وما نصنع في الكلمات التي حذفت فيها الألفات في بعض المصاحف المطبوعة والمكتوبة القديمة مثل كلمة الأعلام والأحلام والأقلام والأزلام والأولاد، وتلك الكلمات كتبت في بعض المصاحف " الأعلم والأحلم والأقلم، بحذف "الألف" بعد "اللام" والحال أن قاعدة الخط العربي تقتضي إثبات الألف في مثلها: وليس فيها نص صريح من علماء الرسم في حق الحذف أو الإثبات هل ينبغي فيها اتباع قاعدة رسم الخط العربي وإثبات الألفات أم نقول: " كانوا يعتبرون الظهور وعدم الالتباس ولهذا كانوا يحذفون الألفات فيما ظهر المراد (منه) مثل الكلمات المذكورة " فنحذف الألفات فيهن. ورسم المصاحف المطبوعة هنا ليس على نسق واحد، وفي بعضها يحذف الألفات. وأن المصحف الذي
стр. 2558
يحفظ في بلدة بترسبورغ عاصمة الروسية في المكتبة الإمبراطورية ويظن كونه واحدا من مصاحف سيدنا عثمان ﵁ قد حذف فيه الألفات في مثل هذه المواضع. والعلامة شهاب الدين المرجاني القزاني الذي أفنى عمره في خدمة العلم، وصنف كتابا مفيدا في رسم المصحف وكان مأمورا بتصحيح المصاحف المطبوعة من جهة الحكومة قد حذف الألفات قصدا في مثل هذه الكلمات ولزيادة الاطمئنان ولكون المسألة عامة مهمة ومتعلقة بعموم أهل الإسلام اتفقنا على المراجعة إلى جنابكم المحترم بالاستفسار في تلك المسألة رجاء أن تتفضلوا بإبداء ملاحظاتكم العالية في صفحات المنار. والسلام والإكرام. .
فأجاب: إن ديننا يمتاز على جميع الأديان بحفظ أصله منذ الصدر الأول، فالذين تلقوا القرآن عمن جاء به من عند الله ﷺ حفظوه وكتبوه وتلقاه عنهم الألوف من المؤمنين، وتسلسل ذلك جيلا بعد جيل. وقد أحسن التابعون وتابعوهم وأئمة العلم في اتباع الصحابة في رسم المصحف وعدم تجويز كتابته بما استحدث الناس من فن الرسم، وإن كان أرقى مما كان عليه الصحابة - رضوان الله عليهم -، لأنه صنعة ترتقي بارتقاء المدنية، إذ لو فعلوا لجاز أن يحدث اشتباه في بعض الكلمات باختلاف رسمها وجهل أصلها. فالاتباع في رسم المصحف يفيد مزيد ثقة واطمئنان في حفظه كما هو يبعد الشبهات أن تحوم حوله، وفيه فائدة أخرى وهي حفظ شئ من تاريخ الملة وسلف الأمة كما هو.
نعم إن تغير الرسم واختلاف الإملاء يجعل قراءة المصحف على وجه الصواب خاصة بمن تلقاه عن القراء ولذلك أحدثوا فيه النقط والشكل وهي زيادة لا تمنع معرفة الأصل على ما كان عليه في عهد الصحابة. ثم إنه يجعل تعليم الصغار عسرا ولذلك أفتى الإمام مالك بجواز كتابة الألواح ومصاحف التعليم بالرسم المعتاد كما نقل.
قال علم الدين السخاوي في شرحه لعقيلة الشاطبي: قال أشهب ﵀: سئل مالك ﵁ أرأيت من استكتبته مصحفا أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟
فقال: لا أرى ذلك ولكن يكتب على الكتبة الأولى. قال مالك: ولا يزال الإنسان يسألني عن نقط القرآن، فأقول له: أما الإمام من المصاحف فلا أرى أن ينقط ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، وأما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان والألواح فلا أرى بأسا. ثم قال: " أشهب " والذي ذهب إليه مالك هو الحق إذ فيه بقاء الحال الأولى إلى أن يعلمها الآخر، وفي خلاف ذلك تجهيل
стр. 2559
الناس بأوليتهم.
وقال أبو عمرو الداني (في كتابه المسمى الحكم في النقط) عقيب قول مالك هذا: ولا مخالف لمالك في ذلك من علماء الأمة، ا. هـ.
فالذي أراه هو أن تطبع المصاحف التي تتخذ لأجل التلاوة برسم المصحف الإمام الذي كتبه الصحابة عليهم الرضوان حفظا لهذا الأثر التاريخي العظيم الذي هو أصل ديننا كما هو، لكن مع النقط والشكل للضبط. ولو كان لمثل الأمة الإنكليزية هذا الأثر، لما استبدلت به ملك كسرى وقيصر، ولا أسطول الألمان الجديد الذي هو شغلها الشاغل اليوم. وأما الألواح والأجزاء وكذا المصاحف التي تطبع لأجل تعليم الصغار بها في الكتاتيب، فلتطبع بالرسم المصطلح عليه اليوم من كل وجه تسهيلا للتعليم، ومتى كبر الصغير وكان متعلما للقرآن بالرسم المشهور لا يغلط إذا هو قرأ في المصاحف المطبوعة برسم الصحابة مع زيادة النقط والشكل. وكذلك يكتب القرآن في أثناء كتب التفسير وغيرها بالرسم الاصطلاحي ليقرأه كل أحد على وجه الصواب. وبهذا تجمع بين حفظ أهم شيء في تاريخ ديننا، وبين تسهيل التعليم وعدم اشتباه القارئين.
أما ما احتج به العز بن عبد السلام على رأيه فليس بشيء، لأن الاتباع إذا لم يكن واجبا من الأصل، فإن فرق بين الآن الذي قال فيه ما قال، وبين ما قبله وما بعده، بل يكتب الناس القرآن في كل زمن بما يتعارفون عليه من الرسم، وإذا كان واجبا في الأصل وهو ما لا ينكره فترك الناس له لا يجعله حراما أو غير جائز، لما ذكره من الالتباس بل لا يزال هذا الالتباس في أنه لا يسلم له.
وأما ما طبعه المسلمون من المصاحف في الأستانة وقزان ومصر وغيرها من البلاد غير متبعين فيه رسم المصحف الإمام في كل الكلمات، فسببه التهاون والجهل والاعتماد على بعض المصاحف الخطية التي كتبت قبل عهد الطباعة، فرسم فيها بالرسم المعتاد الكلمات التي يظن أنه يقع الاشتباه فيها إذا هم كتبوها كما كتبها الصحابة كلفظ " الكتاب" بالألف بعد التاء، وهو في المصحف الإمام بغير ألف ليوافق في بعض الآيات قراءة الجمع فكتبوه بالألف. ولم أر مصحفا كتب أو طبع كله بالرسم المعتاد.
ونحمد الله تعالى أن وفق بعض الناس إلى طبع ألوف من المصاحف برسم الصحابة المتبع، وأحسن المصاحف التي طبعت في أيامنا هذه ضبطا وموافقة للمصحف الإمام المتبع هو المصحف المطبوع في مطبعة محمد أبي زيد بمصر سنة ١٣٠٨ إذ وقف على تصحيحه وضبطه الشيخ رضوان بن محمد المخللاتي أحد علماء هذا الشأن وصاحب المصنفات فيه. وقد وضع له مقدمة بين فيها ما يحتاج إليه في ذلك. فالذي أراه أنه ينبغي للجنة القرآنية أن تراجع هذا المصحف، فإنها تجد فيه حل
стр. 2560
عقد المشكلات كلها إن شاء الله تعالى ككلمة الأقلام وأمثالها وهي بغير ألف وكلمة آتاني التي رسمت في المصحف الإمام آتن فيرون أن هذا المصحف وضع فوق "النون" "ياء" صغيرة مفتوحة هي من قبيل الشكل، لتوافق قراءة حفص فهي فيه هكذا آتن.
وجملة القول أننا نرى أن الصواب الذي ينبغي أن يتبع ولا يعدل عنه، هو أن تطبع الأجزاء والمصاحف التي يعلم فيها المبتدئون بالرسم الاصطلاحي لتسهيل التعليم، وهو ما جرت عليه الجمعية الخيرية الإسلامية هنا بإذن الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى -، فهي تطبع أجزاء القرآن كل جزء على حدته بالرسم الاصطلاحي وتوزعها على التلاميذ في مدارسها. وأما سائر المصاحف فيتبع في طبعها رسم المصحف الإمام كالمصحف الذي ذكرناه آنفا. وإذا جرى المسلمون على هذا في الأستانة ومصر وقزان والقريم وسائر البلاد الإسلامية، فلا يمضي جيل أو جيلان إلا وتنقرض المصاحف التي طبع بعض كلماتها بالرسم الاصطلاحي وبعضها برسم الصحابة. ولا ضرر من وجودها الآن إذ هي مضبوطة بالشكل كغيرها، فالاشتباه والخطأ مأمونان في جميع المصاحف ولله الحمد. (١)