(٢) نقط المصحف وشكله وكيفيته، وكراهة العلماء ذلك مطلقا أو جوازه في غير الأمهات، ثم ثبوت الإجماع على جوازه واستمرار العمل عليه إلى عصرنا.
(٣) تخميس القرآن وتعشيره وكتابة أسماء السور وعدد الآيات ورسم علامة بين كل آية وما بعدها وعلامات الوقف وخلاف العلماء في كراهة ذلك وجوازه ثم ثبوت الإجماع على جوازه بعد استمرار العمل به إلى عصرنا.
(٤) تحريم كتابته بغير اللغة العربية كما يحرم قراءته بغير لسان العرب ولقولهم القلم أحد اللسانين، والعرب لا تعرف قلما غير العربي، (١) وقد قال تعالى ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٢) ".
стр. 2557
وكتب رئيس اللجنة المتشكلة لتفتيش رسم المصاحف المطبوعة ببلدة قزان ملا صادق الايمانقولي القزاني إلى الشيخ محمد رشيد رضا ما يأتي:
(بسم الله الرحمن الرحيم. حضرة الأستاذ الفاضل السيد رشيد رضا حفظه الله ومتعنا وسائر المسلمين بعلومه الشريفة.
أما بعد، فإن من المسائل التي تدور بيننا الآن مسألة رسم المصاحف المطبوعة في بلدة قزان حيث إن العلماء صرحوا بأن رسم المصاحف يجب فيه الاتباع لرسم المصاحف التي كتبت بأمر سيدنا عثمان ﵁، وفي رسم المصاحف القزانية مخالفة كثيرة لرسم تلك المصاحف. فتشكلت بقزان لجنة من العلماء والقراء لتفتيش رسم هذه المصاحف ونصوص العلماء فيه وتكلموا في وجوب الاتباع وعدمه فذهب كثير منهم إلى أنه ينبغي اتباع رسم المصاحف العثمانية وأن الرسم سنة متبعة، على ما نص عليه أبو عمرو الداني والشاطبي وابن الجزري والسيوطي والزمخشري وغيرهم. وبعضهم قالوا إنه لا يجب اتباع الرسم محتجين بقول شيخ الإسلام العز بن عبد السلام حيث قال: " أما الآن فلا يجوز كتابة المصحف على المرسوم الأول خشية الالتباس ولئلا يوقع في تغيير من الجهال،
ويجيب الفريق الأول عن هذا بأن المواضع التي يتوهم فيها الالتباس يمكن التخلص منها بالنقط والأشكال. ثم فتشوا المصاحف المطبوعة في الديار الإسلامية من الأستانة ومصر والهند وغيرها فوجدوا فيها أيضا مخالفة كثيرة لرسم المصاحف العثمانية فما ندري ما سبب عدم اعتنائهم في هذا الباب؟
أأهملوا في رسم كتابنا المقدس، أم لا يقولون بلزوم الاتباع؟.
وإذا كان الاتباع واجبا كما يقول به أكثر الأئمة فما ينبغي أن نصنع لنقرأ برواية حفص المعروفة في بلادنا في مثل كلمة آتان في سورة النمل آية ٣٦، فإنه كتب في مصاحف سيدنا عثمان ﵁ كلها بغير "ياء" بعد "النون" في مثل هذه المواضع تخلصا من الالتباس والتلفيق في القراءة.
وهل يجوز مخالفة الرسم لأجل الضرورة في مثل تلك الضرورة؟
وما نصنع في الكلمات التي حذفت فيها الألفات في بعض المصاحف المطبوعة والمكتوبة القديمة مثل كلمة الأعلام والأحلام والأقلام والأزلام والأولاد، وتلك الكلمات كتبت في بعض المصاحف " الأعلم والأحلم والأقلم، بحذف "الألف" بعد "اللام" والحال أن قاعدة الخط العربي تقتضي إثبات الألف في مثلها: وليس فيها نص صريح من علماء الرسم في حق الحذف أو الإثبات هل ينبغي فيها اتباع قاعدة رسم الخط العربي وإثبات الألفات أم نقول: " كانوا يعتبرون الظهور وعدم الالتباس ولهذا كانوا يحذفون الألفات فيما ظهر المراد (منه) مثل الكلمات المذكورة " فنحذف الألفات فيهن. ورسم المصاحف المطبوعة هنا ليس على نسق واحد، وفي بعضها يحذف الألفات. وأن المصحف الذي
стр. 2558
يحفظ في بلدة بترسبورغ عاصمة الروسية في المكتبة الإمبراطورية ويظن كونه واحدا من مصاحف سيدنا عثمان ﵁ قد حذف فيه الألفات في مثل هذه المواضع. والعلامة شهاب الدين المرجاني القزاني الذي أفنى عمره في خدمة العلم، وصنف كتابا مفيدا في رسم المصحف وكان مأمورا بتصحيح المصاحف المطبوعة من جهة الحكومة قد حذف الألفات قصدا في مثل هذه الكلمات ولزيادة الاطمئنان ولكون المسألة عامة مهمة ومتعلقة بعموم أهل الإسلام اتفقنا على المراجعة إلى جنابكم المحترم بالاستفسار في تلك المسألة رجاء أن تتفضلوا بإبداء ملاحظاتكم العالية في صفحات المنار. والسلام والإكرام. .
فأجاب: إن ديننا يمتاز على جميع الأديان بحفظ أصله منذ الصدر الأول، فالذين تلقوا القرآن عمن جاء به من عند الله ﷺ حفظوه وكتبوه وتلقاه عنهم الألوف من المؤمنين، وتسلسل ذلك جيلا بعد جيل. وقد أحسن التابعون وتابعوهم وأئمة العلم في اتباع الصحابة في رسم المصحف وعدم تجويز كتابته بما استحدث الناس من فن الرسم، وإن كان أرقى مما كان عليه الصحابة - رضوان الله عليهم -، لأنه صنعة ترتقي بارتقاء المدنية، إذ لو فعلوا لجاز أن يحدث اشتباه في بعض الكلمات باختلاف رسمها وجهل أصلها. فالاتباع في رسم المصحف يفيد مزيد ثقة واطمئنان في حفظه كما هو يبعد الشبهات أن تحوم حوله، وفيه فائدة أخرى وهي حفظ شئ من تاريخ الملة وسلف الأمة كما هو.
نعم إن تغير الرسم واختلاف الإملاء يجعل قراءة المصحف على وجه الصواب خاصة بمن تلقاه عن القراء ولذلك أحدثوا فيه النقط والشكل وهي زيادة لا تمنع معرفة الأصل على ما كان عليه في عهد الصحابة. ثم إنه يجعل تعليم الصغار عسرا ولذلك أفتى الإمام مالك بجواز كتابة الألواح ومصاحف التعليم بالرسم المعتاد كما نقل.
قال علم الدين السخاوي في شرحه لعقيلة الشاطبي: قال أشهب ﵀: سئل مالك ﵁ أرأيت من استكتبته مصحفا أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟
فقال: لا أرى ذلك ولكن يكتب على الكتبة الأولى. قال مالك: ولا يزال الإنسان يسألني عن نقط القرآن، فأقول له: أما الإمام من المصاحف فلا أرى أن ينقط ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، وأما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان والألواح فلا أرى بأسا. ثم قال: " أشهب " والذي ذهب إليه مالك هو الحق إذ فيه بقاء الحال الأولى إلى أن يعلمها الآخر، وفي خلاف ذلك تجهيل
стр. 2559
الناس بأوليتهم.
وقال أبو عمرو الداني (في كتابه المسمى الحكم في النقط) عقيب قول مالك هذا: ولا مخالف لمالك في ذلك من علماء الأمة، ا. هـ.
فالذي أراه هو أن تطبع المصاحف التي تتخذ لأجل التلاوة برسم المصحف الإمام الذي كتبه الصحابة عليهم الرضوان حفظا لهذا الأثر التاريخي العظيم الذي هو أصل ديننا كما هو، لكن مع النقط والشكل للضبط. ولو كان لمثل الأمة الإنكليزية هذا الأثر، لما استبدلت به ملك كسرى وقيصر، ولا أسطول الألمان الجديد الذي هو شغلها الشاغل اليوم. وأما الألواح والأجزاء وكذا المصاحف التي تطبع لأجل تعليم الصغار بها في الكتاتيب، فلتطبع بالرسم المصطلح عليه اليوم من كل وجه تسهيلا للتعليم، ومتى كبر الصغير وكان متعلما للقرآن بالرسم المشهور لا يغلط إذا هو قرأ في المصاحف المطبوعة برسم الصحابة مع زيادة النقط والشكل. وكذلك يكتب القرآن في أثناء كتب التفسير وغيرها بالرسم الاصطلاحي ليقرأه كل أحد على وجه الصواب. وبهذا تجمع بين حفظ أهم شيء في تاريخ ديننا، وبين تسهيل التعليم وعدم اشتباه القارئين.
أما ما احتج به العز بن عبد السلام على رأيه فليس بشيء، لأن الاتباع إذا لم يكن واجبا من الأصل، فإن فرق بين الآن الذي قال فيه ما قال، وبين ما قبله وما بعده، بل يكتب الناس القرآن في كل زمن بما يتعارفون عليه من الرسم، وإذا كان واجبا في الأصل وهو ما لا ينكره فترك الناس له لا يجعله حراما أو غير جائز، لما ذكره من الالتباس بل لا يزال هذا الالتباس في أنه لا يسلم له.
وأما ما طبعه المسلمون من المصاحف في الأستانة وقزان ومصر وغيرها من البلاد غير متبعين فيه رسم المصحف الإمام في كل الكلمات، فسببه التهاون والجهل والاعتماد على بعض المصاحف الخطية التي كتبت قبل عهد الطباعة، فرسم فيها بالرسم المعتاد الكلمات التي يظن أنه يقع الاشتباه فيها إذا هم كتبوها كما كتبها الصحابة كلفظ " الكتاب" بالألف بعد التاء، وهو في المصحف الإمام بغير ألف ليوافق في بعض الآيات قراءة الجمع فكتبوه بالألف. ولم أر مصحفا كتب أو طبع كله بالرسم المعتاد.
ونحمد الله تعالى أن وفق بعض الناس إلى طبع ألوف من المصاحف برسم الصحابة المتبع، وأحسن المصاحف التي طبعت في أيامنا هذه ضبطا وموافقة للمصحف الإمام المتبع هو المصحف المطبوع في مطبعة محمد أبي زيد بمصر سنة ١٣٠٨ إذ وقف على تصحيحه وضبطه الشيخ رضوان بن محمد المخللاتي أحد علماء هذا الشأن وصاحب المصنفات فيه. وقد وضع له مقدمة بين فيها ما يحتاج إليه في ذلك. فالذي أراه أنه ينبغي للجنة القرآنية أن تراجع هذا المصحف، فإنها تجد فيه حل
стр. 2560
عقد المشكلات كلها إن شاء الله تعالى ككلمة الأقلام وأمثالها وهي بغير ألف وكلمة آتاني التي رسمت في المصحف الإمام آتن فيرون أن هذا المصحف وضع فوق "النون" "ياء" صغيرة مفتوحة هي من قبيل الشكل، لتوافق قراءة حفص فهي فيه هكذا آتن.
وجملة القول أننا نرى أن الصواب الذي ينبغي أن يتبع ولا يعدل عنه، هو أن تطبع الأجزاء والمصاحف التي يعلم فيها المبتدئون بالرسم الاصطلاحي لتسهيل التعليم، وهو ما جرت عليه الجمعية الخيرية الإسلامية هنا بإذن الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى -، فهي تطبع أجزاء القرآن كل جزء على حدته بالرسم الاصطلاحي وتوزعها على التلاميذ في مدارسها. وأما سائر المصاحف فيتبع في طبعها رسم المصحف الإمام كالمصحف الذي ذكرناه آنفا. وإذا جرى المسلمون على هذا في الأستانة ومصر وقزان والقريم وسائر البلاد الإسلامية، فلا يمضي جيل أو جيلان إلا وتنقرض المصاحف التي طبع بعض كلماتها بالرسم الاصطلاحي وبعضها برسم الصحابة. ولا ضرر من وجودها الآن إذ هي مضبوطة بالشكل كغيرها، فالاشتباه والخطأ مأمونان في جميع المصاحف ولله الحمد. (١)
стр. 2561
وسئل أيضا: هل هناك مانع شرعا من طبع المصحف الشريف بالكيفية الآتية:
١ - أن يكون بالهجاء الحديث المتبع بالأزهر الشريف وفروعه وجميع معاهد العلم بالديار المصرية وبغيرها من البلاد العربية وغير العربية.
٢ - أن توضع علامات الترقيم الحديثة بين الكلمات، بدلا من وضعها فوق الكتابة بحروف وكلمات غير مفهومة لكثير من البعيدين عن تعليم الأزهر وملحقاته وكثير ما هم.
٣ - أن يوجد بهامش هذا المصحف تفسير عصري مختصر مفيد بمعرفة لجنة من كبار العلماء وكل هذا يراد به فائدة من يطلع على هذا المصحف من عامة الناس وخاصتهم. ومنعهم من الخطأ في التلاوة بسبب تعقيد الكتابة طبقا لقواعد مضى عليها كثير من القرون، وأصبحت غير معمول بها في جميع الأحوال. ولصون الناس عامة من الفهم الخطأ لما يتلونه من آيات الذكر الحكيم.
وذلك تنفيذا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١)﴾.
стр. 2562
هذا ولا يخفى على فضيلتكم أن هذا القرآن إنما هو رسالة الله إلى الناس كافة.
ونرجو نشر الرد بمجلتكم الغراء والإفادة ولكم الشكر من المخلص.
فأجاب بقوله: - من المسائل المتفق عليها بين العلماء أو الإجماعية أن خط المصحف الشريف (أي رسمه) سماعي توقيفي يجب فيه اتباع الكتبة الأولى (بالكسر أي هيئة الكتابة) التي أجمع عليها الصحابة ﵃ ونشروها بالمصاحف الرسمية التي يعبر عن أصلها (بالمصحف الإمام)، ولهذا الاتباع فوائد ودلائل مبسوطة في محلها أولها أن كتاب الله عندنا منقول بالتواتر بلفظه وقراءاته ولهجاته ورسم خطه، وأنه بهذا كله حفظ من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان. حتى إن حروفه قد عدت بهذا الرسم ودون عددها في الكتب ومن فروع ذلك أن لأكثر ما خالف به رسمه الرسم العرفي أسبابا تتعلق بقراءاته ويدخل في هذا ترك نقطه، وشرح ذلك كله يطول.
وكان المسلمون يعتمدون في تعلم القرآن وتلاوته على التلقين والرواية والحفظ من الألواح التي يكتبونها ثم يمحونها بعد حفظ ما فيها ليكتبوا غيره فيها، ثم رأوا أن التلاوة في المصاحف غير المنقوطة يكثر فيها الخطأ لغير الحافظ فاستحدثوا النقط لمنع ذلك، ثم استحدثوا الشكل لضبط الإعراب وصحة النقط، ثم وضعوا علامات وقف للحاجة إليها وكون معرفة ما يحسن الوقف عليه منوطا بالفهم، وما كل قارئ يفهم، وجعلوا لهذه العلامات أشكالا بحسب درجاتها، ثم وضعوا لضبط التلاوة وتجويدها فنا وللوقف والابتداء فنا أفردوا كلا منهما بالتدوين، وجروا عليهما في التلقين وفي كتابة المصاحف، فالغرض من كل هذه المستحدثات ضبط تلاوة القرآن واتقاء الخطأ فيها.
ولكن لا يزال فيه كلام كثير يخطئ في النطق به من لم يلقنه بالحفظ من زيادة حروف ونقص أخرى، وقد صرنا في زمان يقل فيه من القارئين من يتلقى التجويد وعلامات الوقف على حفاظ المقرئين، فكثر الخطأ في القراءة وفي الوقف والابتداء، واشتهر في الخط وصناعة الطبع ترقيم جديد فيه علامات للوقف وللاستفهام والتعجب ألفها الناس بدون حاجة إلى التلقين، فاستغنى بها عن علامات الوقف الكثيرة في المصاحف من الحروف المفردة والمركبة التي صارت منتقدة لعدم فهم الجمهور لها، ولاستغناء الحفاظ عنها، ولأن منها كلمات قد يظن الجاهلون بالقرآن أنها منه ككلمتي صلى وقلى فإنني أستنكر وضعهما في المصاحف أشد الاستنكار.
стр. 2563
ويرى السائل وغيره أنني جريت في تفسيري للقرآن الحكيم المعروف بتفسير المنار ظهر على التزام رسم الإمام في الآيات المضبوطة بالشكل التام مع علامات الترقيم العصرية، ثم رسم الآيات في أثناء تفسيرها بالرسم العرفي الذي يعرفه جميع المتعلمين مع الترقيم فيها وفي تفسيرها، وأخالف الطريق المتبعة في وزارة المعارف والأزهر في الياء المتطرفة فألتزم نقط ما ينطق بها ياء دون ما كانت ألفا منقلبة عنها لكثرة ما يقع من الاشتباه فيهما كالفعل الماضي من الرواية في بنائه للمعلوم والمجهول.
فعلم بهذا أنني لا أرى مانعا شرعيا يمنع مما سأل عنه السائل، بل أرى أنه واجب، ولهذا جريت عليه بالفعل منذ أكثر من ثلث قرن، فإن الخط والطبع صناعتان يقصد بهما أداء الكلام أداء صحيحا. وتصحيح أداء القرآن واجب شرعا، وتحريفه بالنطق محرم شرعا. وقد جرى جميع علماء المسلمين في تفاسيرهم على كتابة القرآن بالرسم العرفي، وهم آمنون على حفظ رسمه الأصلي الذي كتبه به أصحاب النبي ﷺ بأمر الخلفاء الراشدين لكثرة المصاحف فيه، بل خالفوا رسم المصحف الإمام في كثير من الكلمات التي يشتبه في قراءتها الجمهور منذ قرون ولم أقف على تاريخها، وهذا ليس بحجة وإنما الحجة وجوب صيانة القرآن من الخطأ في قراءته، وهي مقدمة على حفظ رسم السلف لو تعذر الجمع بينهما ولا تعذر.
وأما تيسير فهمه على الناس كافة بتفسير سهل العبارة مناسب لحاجة العصر فهو واجب لا معارض له وقد طبع بعض الناس تفسير البيضاوي على حواشي المصحف، وهو تفسير دقيق وجيز وضع لتذكير العلماء بخلاصة ما في أشهر التفاسير، وبعضهم طبع الجلالين وهو مختصر مخل قلما يستفيد منه الدهماء وقد تحريت السهولة واجتناب الاصطلاحات الفنية والعلمية في تفسير المنار ولكنه مطول، وقد كثر اقتراح الناس علي أن أختصره أو أكتب تفسيرا مختصرا فشرعت وعلى الله توكلت.
стр. 2564
ثالثا: الضرورة أو الحاجة التي دعت إلى العدول عن كتابة المصحف بالرسم العثماني إلى كتابته حسب قواعد الإملاء:
(أ) إن القرآن هو الأصل الذي يرجع إليه المسلمون في معرفة عقائدهم وعباداتهم وقد حث الله على تلاوته وتدبر آياته واستنباط الأحكام منه، وتحكيمه في جميع الشئون والأحوال، وبينت السنة النبوية فضائله، وحثت على تعلمه وتعليمه والتعبد بتلاوته والعمل
стр. 2565
بما فيه من أحكام وقد كان السلف ﵏ يعرفون الرسم العثماني، فيسهل عليهم قراءة القرآن بذلك الرسم وقاموا بما وجب عليهم من تدبره وأخذ الأحكام منه وتحكيمه فيما شجر بينهم خير قيام.
ولما طال الأمد، ووضعت قواعد جديدة للإملاء وسار عليها الكتاب، وألفها القراء بكثرة استعمالها كتابة وقراءة شق عليهم أن يقرءوا القرآن بالرسم الذي كتبت به المصاحف العثمانية، فتيسيرا عليهم ودفعا للحرج عنهم يجوز أن يكتب القرآن بالمصاحف وغيرها حسب قواعد الإملاء ليتمكن الجمهور من تلاوته بسهولة تلاوة صحيحة، ويتعبدوا بقراءته دون تحريف، ويتحفظوه على طريق مستقيم فإن الشريعة سمحة سهلة جاءت بالتيسير ورفع الحرج، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) ومن القواعد الثابتة في الشريعة أن المشقة تجلب التيسير.
ب - في عهد بني أمية كثر دخول الأعاجم في الإسلام، واختلط بهم مسلمو العرب، وكثر اللحن، وخيف على كثير من المسلمين أن يلحنوا في قراءة القرآن، فأمر الخليفة عبد الملك بن مروان بنقط المصحف وشكله، صيانة له من اللحن والتحريف في القراءة، وتصدى لذلك الحجاج بن يوسف الثقفي، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر فقاما بنقطه وشكله، ولم يكن ذلك بدعا من القول ولا ابتداعا في الدين، لبنائه على مقاصد الشريعة في حفظ القرآن وتيسير تعلمه وتعليمه وإبلاغه للناس، هداية لهم وإقامة للحجة عليهم، ثم ثبت إجماع الأمة على نقط المصحف وشكله، واستمر العمل على ذلك إلى عصرنا فلم يعرف من أنكر ذلك مع طول العهد.
وقد أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على أن جمع أبي بكر الصديق القرآن أولا وجمع عثمان بن عفان له ثانيا من محامدهما ﵄.
ولا شك أن كتابة المصحف حسب القواعد الإملائية من جنس جمع القرآن أولا وثانيا ومن جنس نقطه وشكله، من جهة البناء على مقاصد الشريعة والاعتماد على
стр. 2566
المصالح العامة، إذ كل منها يرجع في حكمه إلى المصالح العامة التي شهدت لها أدلة الشريعة جملة وإن لم يدل عليها بخصوصها دليل معين. فكانت كتابته حسب القواعد الإملائية مشروعة.
إن القرآن لم ينزل مكتوبا، وإنما نزل وحيا متلوا، فأملاه النبي ﷺ على كتبته وكان أميا، فكتبوه بالرسم المعهود عندهم، وكانوا ضعافا في صناعة الكتابة، ولذا حصل بعض الاختلاف في رسم كتابتهم بل في رسم بعض الكلمات في مصاحف الأمصار المنتسخة من المصحف العثماني، فيجوز أن يكتب أيضا بالرسم الإملائي.
وقد ذكر ذلك الاختلاف الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه المقنع وبين سبب هذا الاختلاف فقال:
стр. 2567
باب ذكر ما اختلفت فيه مصاحف أهل الأمصار بالإثبات والحذف
أخبرني الخاقاني قال حدثنا الأصبهاني قال حدثنا الكسائي عن ابن الصباح قال قال محمد بن عيسى عن نصير وهذا ما اختلف فيه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل المدينة وأهل مدينة السلام وأهل الشام في كتاب المصاحف.
стр. 2568
كتبوا في سورة "البقرة" إلى آخرها في بعض المصاحف " إبرهم" بغير ياء وفي بعضها بالياء قال أبو عمرو وبغير ياء وجدت أنا ذلك في مصاحف أهل العراق في البقرة خاصة وكذلك رسم في مصاحف أهل الشام وقال معلى بن عيسى الوراق عن عاصم الجحدري "إبرهم" في "البقرة" بغير ياء كذلك وجد في الإمام وحدثنا الخاقاني شيخنا قال حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو عبيد قال تتبعت رسمه في المصاحف فوجدته كتب في البقرة خاصة "إبرهم" بغير ياء قال نصير وفي بعضها فيضاعفه (٢٤٥) بالألف وفي بعضها بغير ألف وفي بعضها قل بئس ما يأمركم به (٩٢) مقطوع وفي بعضها بئسما موصولة وفي بعضها ملئكته وكتابه (٢٨٥) بالألف وفي بعضها وكتبه بغير ألف.
وفي آل عمران في بعض المصاحف ويقاتلون الذين (٢١) بالألف وفي بعضها ويقتلون بغير ألف.
وفي " المائدة" في بعض المصاحف نحن ابنؤا الله (١٨) بالواو والألف وفي بعضها أبناء الله بغير واو وفي بعضها نخشا أن تصيبنا دائرة (٥٢) بالألف وفي بعضها بالياء وفي بعضها فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا ساحر مبين (١١٠) بالألف وفي بعضها سحر بغير ألف، وفي بعضها أو (كفارة) طعام مساكين (٩٥) بالألف وفي بعضها مسكين بغير ألف.
وفي الأنعام في بعض المصاحف فالق الحب (٩٥) بالألف وفي بعضها فلق بغير ألف وفي بعض المصاحف وجعل الليل سكنا (٩٦) بغير ألف وفي بعضها وجاعل بالألف وفي بعضها لئن أنجيتنا (٦٣) بالياء والتاء والنون وفي بعضها أنجينا بالياء والنون.
وفي "الأعراف" في بعض المصاحف كل ما دخلت أمة (٣٨) مقطوعة وفي بعضها كلما موصولة وفي بعضها يأتوك بكل سحار عليم (١١٢) الألف بعد الحاء وفي بعضها ساحر الألف قبل الحاء وفي بعضها إذا مسهم طيف (٢٠١) بغير ألف وفي بعضها طائف بألف وفي بعضها وريشا ولباس التقوى (٢٦) بغير ألف وفي بعضها ورياشا بالألف قال أبو عمرو ولم يقرأ بذلك أحد من أئمة العامة إلا ما رويناه عن المفضل بن محمد الضبي عن عاصم وبذلك قرأنا من طريقه.
وفي "براءة" كتبوا في بعض المصاحف ولأوضعوا (٤٧) بغير ألف وفي بعضها ولا أوضعوا بالألف.
وفي "يونس" في بعض المصاحف إن هذا لساحر (٧٦) بالألف وفي بعضها لسحر مبين بغير ألف وفي بعضها وقال فرعون ائتوني بكل سحار (٧٩) الألف بعد الحاء وفي بعضها
стр. 2569
سحر بغير ألف.
وفي "إبراهيم" في بعض المصاحف وذكرهم بأيم الله (٥) قال أبو عمرو يعني بياء من غير ألف وقد رأيته أنا في بعض مصاحف أهل المدينة والعراق وكذلك ذكره الغازي بن قيس في كتابه بياءين من غير ألف قال نصير وفي بعضها بأيام الله بألف وياء واحدة.
وفي "الحجر" في بعض المصاحف وأرسلنا الرياح لواقح (٢٢) بألف على الإجماع وفي بعضها الريح بغير ألف على واحدة.
وفي بني إسرائيل في بعض المصاحف أو كلهما (٢٣) بغير ألف وفي بعضها أو كلاهما بألف وليس في شيء من المصاحف فيها ياء وفي بعضها سبحان ربي (٩٣) بالألف وفي بعضها سبحن بغير ألف ولا يكتب في جميع القرآن بألف غير هذا الحرف اختلفوا فيه.
وفي "الكهف" في بعض المصاحف فله جزاء الحسنى بغير واو وفي بعضها جزؤا "بالواو" وفي بعض المصاحف فهل نجعل لك خراجا (٩٤) بألف وفي بعضها "خرجا" بغير ألف وفي بعض المصاحف تذروه الريح (٤٥) بغير ألف وفي بعضها الرياح بألف.
وفي طه في بعض المصاحف لا تخف دركا (٧٧) بغير ألف وفي بعضها لا تخاف بألف.
وفي "الأنبياء" كتبوا في بعض المصاحف قال ربي (٤) بالألف وفي بعضها قل ربي بغير ألف وفي بعضها أن لا إله إلا أنت (٨٧) وفي بعضها بغير نون وفي بعضها في ما اشتهت أنفسهم (١٠٢) مقطوع وفي بعضها موصول.
وفي "الحج" في بعض المصاحف إن الله يدافع (٣٨) بالألف وفي بعضها بغير ألف.
وفي المؤمنون في بعض المصاحف قال كم لبثتم (١١٢) بألف وفي بعضها قل بغير ألف وفي بعضها قل إن لبثتم إلا قليلا (١١٤) بغير ألف وفي بعضها قال بالألف وفي بعضها سيقولون لله لله لله (٨٩، ٨٧، ٨٥) ثلاثتها بغير ألف وفي بعضها الأول (لله "بغير ألف والاثنان بعده "الله الله" وفي بعض المصاحف كل ما جاء أمة رسولها (٤٤) مقطوع وفي بعضها كلما موصولة وفي بعضها أم تسئلهم خراجا (٧٢) بألف وفي بعضها خرجا بغير ألف وكتبوا فخراج ربك ٧٢) في جميع المصاحف بالألف.
وفي "الفرقان" في بعض المصاحف فيها سرجا (٦١) بغير ألف وفي بعضها سراجا بالألف.
وفي "الشعراء" في بعض المصاحف أتتركون فيما ههنا آمنين (١٤٦) موصولة وفي بعضها
стр. 2570
في ما مقطوعة وفي بعضها فارهين (١٤٩) بألف وفي بعضها فرهين بغير ألف وكذلك حاذرون (٥٦) وحذرون.
وفي "النمل" في بعض المصاحف تهدى العمي (٨١) بالتاء بغير ألف وفي بعضها بهادي بألف وياء بعد الدال وفي بعضها فناظرة (٣٥) بالألف وفي بعضها فنظرة بغير ألف.
وفي "القصص" في بعض المصاحف قالوا ساحران تظاهرا (٤٨) بألف وفي بعضها سحران بغير ألف بعد السنين.
وفي "الروم" في بعض المصاحف وما أنت تهد العمي (٥٣) بغير ألف ولم يثبتوا فيها ياء وفي بعضها بهاد بألف وليس فيها ياء. التي في "الروم" ليس فيها في شئ من المصاحف ياء والتي في النمل (٨١) فيها ياء في جميع المصاحف وفي بعضها وما آتيتم من ربا (٣٩) بالألف بغير واو وفي بعضها ربوا بالواو.
وفي "الأحزاب" في بعض المصاحف يسئلون عن أنبائكم (٢٠) بغير ألف وفي بعضها يسألون بالألف قال أبو عمرو ولم يقرأ بذلك أحد من أئمة القراء إلا ما رويناه من طريق محمد بن المتوكل رويس عن يعقوب الحضرمي وبذلك قرأنا في مذهبه وحدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا ابن منير قال حدثنا عبد الله بن عيسى قال حدثنا ابن مينا قالون عن نافع أن ذلك في الكتاب بغير ألف.
وفي "يس" في بعض المصاحف وما عملت أيديهم (٣٥) بالتاء من غير هاء وفي بعضها وما عملته بالهاء وفي بعضها في شغل فاكهون (٥٥) بالألف وفي بعضها فكهون بغير ألف.
وفي "المؤمن" في بعض المصاحف وكذلك حقت كلمت ربك (٦) بالتاء وفي بعضها كلمة بالهاء وفي بعضها إذ القلوب لدا الحناجر (١٨) بالألف وفي بعضها لدى بالياء.
وفي "الدخان" في بعض المصاحف فيها فاكهين (٢٧) بالألف وفي بعضها فكهين بغير ألف.
وفي "الأحقاف" في بعض المصاحف ووصينا الإنسن بوالديه إحسنا (١٥) يجعلون أمام الحاء ألفا كذا قال وصوابه قبل الحاء وفي بعضها حسنا بغير ألف.
وفي الطور في بعض المصاحف فاكهين (١٨) بالألف وفي بعضها فكهين بغير ألف.
وفي اقتربت في بعض المصاحف خاشعا (٧) بالألف وفي بعضها خشعا بغير ألف.
وفي الرحمن كتبوا في بعض المصاحف فبأي ءالاء ربكما تكذبان بالألف وفي بعضها
стр. 2571
تكذبن بغير ألف من أول السورة إلى آخرها وفي بعض المصاحف وجنا الجنتين دان (٥٤) بالألف وفي بعضها وجنى بالياء.
وفي الواقعة في بعض المصاحف فلا أقسم بموقع النجوم (٧٥) بغير ألف وفي بعضها بمواقع بالألف.
وفي الحديد في بعض المصاحف فيضعفه (١١) بغير ألف وفي بعضها فيضاعفه بالألف وفي بعضها يضاعف لهم (١٨) بالألف وفي بعضها يضعف بغير ألف.
وفي المنافقون في بعض المصاحف وأنفقوا من ما رزقنكم (١٠) مقطوع وفي بعضها مما موصول، وفي الملك في بعض المصاحف كل ما ألقي فيها فوج (٨) مقطوع وفي بعضها كلما موصول.
وفي قل أوحي في بعض المصاحف قل إنما أدعوا ربي (٢٠) بغير ألف وقال أبو عمر وقال الكسائي قال الجحدري هو في الإمام قل قاف لام، وفي المرسلات في بعض المصاحف جمالت (٣٣) بألف بعد الميم وفي بعضها جملت بغير ألف قال أبو عمرو وليس في شيء منها ألف قبل التاء وفي المطففين في بعض المصاحف فكهين (٣١) بغير ألف وفي بعضها فاكهين بالألف وفي أرأيت في بعض المصاحف أريت (١) بغير ألف وفي بعضها أرأيت بالألف وفي بعض المصاحف أرأيتم بالألف وفي بعضها أريتم بغير ألف في جميع القرآن.
قال أبو عمرو ورأيت أبا حاتم قد حكى عن أيوب بن المتوكل أنه رأى في مصاحف أهل المدينة إنا لنصر رسلنا في غافر بنون واحدة ولم نجد ذلك كذلك في شيء من المصاحف وبالله التوفيق. . ".
стр. 2572
باب ذكر ما اختلفت فيه مصاحف أهل الحجاز والعراق والشام المنتسخة من الإمام بالزيادة والنقصان
وهذا الباب سمعناه من غير واحد من شيوخنا من ذلك في البقرة في مصاحف أهل الشام قالوا اتخذ الله ولدا (١١٦) بغير واو قبل قالوا وفي سائر المصاحف وقالوا بالواو،
стр. 2573
وفي مصاحف أهل المدينة والشام وأوصى بها (١٣٢) بألف بين الواوين قال أبو عبيد وكذلك رأيتها في الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ وفي سائر المصاحف ووصى بغير ألف وفي آل عمران في مصاحف أهل المدينة والشام سارعوا إلى مغفرة (١٣٣) بغير واو قبل السين في سائر المصاحف وسارعوا بالواو وفيها في مصاحف أهل الشام وبالزبر وبالكتب (١٨٤) بزيادة باء في الكلمتين كذا رواه لي خلف بن إبراهيم عن أحمد بن محمد عن علي عن أبي عبيد عن هشام بن عمار عن أيوب بن تميم عن يحيى بن الحرث عن ابن عامر، وعن هشام عن سويد بن عبد العزيز عن الحسن بن عمران عن عطية بن قيس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن مصاحف أهل الشام وكذلك حكى أبو حاتم أنهما مرسومان بالباء في مصحف أهل حمص الذي بعث عثمان به إلى الشام وقال هرون ابن موسى الأخفش الدمشقي إن الباء زيدت في الإمام يعني الذي وجه به إلى الشام في وبالزبر وحدها وروى الكسائي عن أبي حيوه شريح بن يزيد أن ذلك كذلك في المصحف الذي بعث به عثمان إلى الشام والأول أعلى إسنادا وهما في سائر المصاحف بغير باء وفي النساء قال الكسائي والفراء في بعض مصاحف أهل الكوفة والجار ذا القربى (٣٦) بألف ولم نجد ذلك كذلك في شيء من مصاحفهم ولا قرأ به أحد منهم وفي مصاحف أهل الشام ما فعلوه إلا قليلا منهم (٦٦) بالنصب وفي سائر المصاحف إلا قليل بالرفع وفي المائدة في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام يقول الذين آمنوا (٥٣) بغير واو قبل يقول وفي مصاحف أهل الكوفة والبصرة وسائر العراق ويقول بالواو وفيها في مصاحف أهل المدينة والشام من يرتدد منكم (٥٤) بدالين قال أبو عبيد وكذا رأيتها في الإمام بدالين وفي سائر المصاحف يرتد بدال واحدة وفي الأنعام في مصاحف أهل الشام ولدار الآخرة (٣٢) بلام واحدة وفي سائر المصاحف بلامين وفيها في مصاحف أهل الكوفة لئن أنجينا من هذه ٦٣) بياء من غير تاء وفي سائر المصاحف لئن أنجيتنا بالياء والتاء وليس في شيء منها ألف بعد الجيم وفيها في مصاحف أهل الشام وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركائهم (١٣٧) بالياء وفي سائر المصاحف شركاؤهم بالواو وفي الأعراف في مصاحف أهل الشام قليلا ما يتذكرون (٣) بالياء والتاء وفي سائر المصاحف تذكرون بالتاء من غير ياء وفيها في مصاحف أهل الشام ما كنا لنهتدي (٤٣) بغير واو قبل ما وفي سائر المصاحف وما بالواو وفيها في مصاحف أهل الشام في قصة صالح وقال الملأ الذين استكبروا (٧٥) بزيادة واو قبل قال وفي سائر المصاحف قال بغير واو وفيها في مصاحف أهل الشام وإذ أنجاكم من آل فرعون (١٤١) بألف من غير ياء ولا نون وفي سائر المصاحف أنجينكم بالياء والنون من غير ألف وفي براءة في مصاحف أهل المدينة والشام الذين اتخذوا مسجدا ضرارا (١٠٧) بغير
стр. 2574
واو قبل الذين وفي سائر المصاحف والذين بالواو وفيها في مصاحف أهل مكة تجري من تحتها الأنهر بزيادة " من" وفي سائر المصاحف بغير "من" وفي يونس في مصاحف أهل الشام هو الذي ينشركم في البر والبحر (٢٢) بالنون والشين وفي سائر المصاحف يسيركم بالسين والياء وفي سبحان في مصاحف أهل مكة والشام قال سبحان ربي هل كنت (٩٣) بألف وفي سائر المصاحف قل بغير ألف وفي الكهف في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام خيرا منهما منقلبا (٣٦) بزيادة ميم بعد الهاء على التثنية وفي سائر مصاحف أهل العراق منها بغير ميم على التوحيدة وفيها في مصاحف أهل مكة ما مكني فيه ربي (٩٥) بنونين وفي سائر المصاحف مكني بنون واحدة، وفي الأنبياء في مصاحف أهل الكوفة قال ربي يعلم القول (٤) بألف وفي سائر المصاحف قل ربي بغير ألف وفيها في مصاحف أهل مكة ألم ير الذين كفروا (٣٠) بغير واو بين الهمزة واللام وفي سائر المصاحف أولم ير الذين بالواو وفي المؤمنون في مصاحف أهل البصرة سيقولون الله قل أفلا تتقون (٨٧) سيقولون الله قل فأنى تسحرون (٨٩) بالألف في الاسمين الأخيرين وفي سائر المصاحف ("لله" فيهما قال أبو عبيد وكذلك رأيت ذلك في الإمام، وقال هرون الأعور عن عاصم الجحدري كانت في الإمام "لله "لله" وأول من ألحق هاتين الألفين نصر بن عاصم الليثي، وقال أبو عمرو كان الحسن يقول الفاسق عبيد الله بن زياد زاد فيهما ألفا وقال يعقوب الحضرمي أمر عبيد الله بن زياد أن يزاد فيها ألف.
قال أبو عمرو وهذه الأخبار عندنا لا تصح لضعف نقلتها واضطرابها وخروجها عن العادة إذ غير جائز أن يقدم نصر وعبيد الله هذا الإقدام من الزيادة في المصاحف مع علمهما بأن الأمة لا تسوغ لهما ذلك بل تنكره وترده وتحذر منه ولا تعمل عليه وإذا كان ذلك بطل إضافة زيادة هاتين الألفين إليهما وصح أن إثباتهما من قبل عثمان والجماعة رضوان الله عليهم على حسب ما نزل به من عند الله تعالى وما أقرأه رسول الله ﷺ واجتمعت المصاحف على أن الحرف الأول سيقولون لله (٥٨) بغير ألف قبل اللام وفيها في مصاحف أهل الكوفة قل كم لبثتم (١١٢) ووقل إن لبثتم (١١٤) بغير ألف في الحرفين وفي سائر المصاحف (قال) بالألف في الحرفين وينبغي أن يكون الحرف الأول في مصاحف أهل مكة بغير ألف والثاني بالألف لأن قراءتهم فيهما كذلك ولا خبر عندنا في ذلك عن مصاحفهم إلا ما رويناه عن أبي عبيد أنه قال ولا أعلم مصاحف أهل مكة إلا عليها يعني على إثبات الألف في الحرفين وفي الفرقان في مصاحف أهل مكة وننزل الملائكة تنزيلا (٢٥) بنونين وفي سائر المصاحف ونزل بنون واحدة وفي الشعراء في مصاحف أهل المدينة والشام فتوكل على العزيز الرحيم (٢١٧)
стр. 2575
بالفاء وفي سائر المصاحف وتوكل بالواو وفي النمل في مصاحف أهل مكة وليأتينني بسلطن مبين (٢١) بنونين وفي سائر المصاحف بنون واحدة وفي القصص في مصاحف أهل مكة قال موسى ربي أعلم (٣٧) بغير واو قبل قال وفي سائر المصاحف وقال بالواو وفي يس في مصاحف أهل الكوفة وما عملت أيديهم (٣٥) بغير هاء بعد التاء وفي سائر المصاحف وما عملته بالهاء وفي الزمر في مصاحف أهل الشام تأمرونني أعبد (٦٤) بنونين وفي سائر المصاحف تأمروني أعبد بنون واحدة وفي المؤمن في مصاحف أهل الشام كانوا هم أشد منكم (٢١) بالكاف وفي سائر المصاحف أشد منهم بالهاء وفيها في مصاحف أهل الكوفة أو أن يظهر في الأرض الفساد بزيادة الألف قبل الواو وروى هرون عن صخر بن جويرية وبشار الناقط عن أسيد أن ذلك كذلك في الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ وفي سائر المصاحف وأن يظهر بغير ألف وفي الشورى في مصاحف أهل المدينة والشام بما كسبت أيديكم (٣٩) بغير فاء قبل الباء وفي سائر المصاحف فبما كسبت بزيادة فاء وفي الزخرف في مصاحف أهل المدينة والشام يعبادي لا خوف عليكم (٦٨) بالياء وفي مصاحف أهل العراق يعباد بغير الياء وكذا ينبغي أن يكون في مصاحف أهل مكة لأن قراءتهم فيه كذلك ولا نص عندنا في ذلك في مصاحفهم إلا ما حكاه ابن مجاهد أن ذلك في مصاحفهم بغير ياء ورأيت بعض شيوخنا يقول إن ذلك في مصاحفهم بالياء وأحسبه أخذ ذلك من قول أبي عمرو إذ حكى أنه رأى الياء في ذلك ثابتة في مصاحف أهل الحجاز ومكة من الحجاز والله أعلم.
وحدثنا محمد بن علي قال حدثنا محمد بن قطن قال حدثنا سليمان بن خلاد قال حدثنا اليزيدي قال أبو عمرو يعبادي رأيتها في مصاحف أهل المدينة والحجاز بالياء وفيها في مصاحف أهل المدينة والشام ما تشتهيه الأنفس (٧١) بهائين ورأيت في بعض شيوخنا يقول إن ذلك كذلك في مصاحف أهل الكوفة وهو غلط قال أبو عبيد وبهاءين رأيته في الإمام وفي سائر المصاحف تشتهي بهاء واحدة وفي الأحقاف في مصاحف أهل الكوفة بولديه إحسانا (١٥) بزيادة ألف قبل الحاء وبعد السين وفي سائر المصاحف حسنا بغير ألف وفي القتال قال خلف بن هشام البزار في مصاحف أهل مكة والكوفيين فهل ينظرون إلا الساعة إن تأتيهم (١٨) بالكسر مع الجزم وفي الرحمن في مصاحف أهل الشام والحب ذا العصف والريحان (١٢) بالألف والنصب وفي سائر المصاحف ذو العصف بالواو والرفع قال أبو عبيد وكذلك رأيتها في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان ﵁، وفيها في مصاحف أهل الشام ذو الجلل والإكرام (٧٨) آخر السورة بالواو وفي سائر المصاحف ذي الجلل والاكرام بالياء والحرف الأول (٢٧) في كل المصاحف بالواو وفي
стр. 2576
الحديد في مصاحف أهل الشام وكل وعد الله الحسنى (١٠) بالرفع وفي سائر المصاحف وكلا بالنصب وفيها في مصاحف أهل المدينة والشام فإن الله الغني الحميد بغير "هو" وفي سائر المصاحف هو الغني بزيادة "هو" وفي الشمس في مصاحف أهل المدينة والشام فلا يخاف عقبها (١٥) بالفاء وفي سائر المصاحف ولا يخاف بالواو حدثنا ابن خاقان قال حدثنا أحمد المكي قال حدثنا علي قال حدثنا أبو عبيد قال هذه الحروف التي اختلفت في مصاحف الأمصار مثبتة بين اللوحين وهي كلها منسوخة من الإمام الذي كتبه عثمان ثم بعث إلى كل أفق مما نسخ بمصحف وهي كلها كلام الله .
حدثنا خلف بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا القسم بن سلام قال حدثنا إسمعيل بن جعفر المدني أن أهل الحجاز وأهل العراق اختلفت مصاحفهم في هذه الحروف قال القسم وهي اثنا عشر حرفا: كتب أهل المدينة في سورة البقرة وأوصى بها إبراهيم بنيه (١٣٢) بألف وكتب أهل العراق ووصى بغير ألف وفي آل عمران كتب أهل المدينة سارعو إلى مغفرة (١٣٣) بغير واو وأهل العراق وسارعوا بالواو وفي المائدة كتب أهل المدينة يقول الذين آمنوا (٥٣) بغير واو وأهل العراق ويقول بالواو وفيها أيضا كتب أهل المدينة من يرتدد منكم (٥٤) بدالين وأهل العراق من يرتد بدال واحدة وفي براءة أهل المدينة الذين اتخذوا مسجدا (١٠٧) بغير واو وأهل العراق والذين بالواو وفي الكهف أهل المدينة خيرا منهما منقلبا (٣٦) على اثنين وأهل العراق خيرا منها على واحدة وفي الشعراء أهل المدينة فتوكل على العزيز الرحيم (٢١٧) بالفاء وأهل العراق وتوكل بالواو وفي المؤمن أهل المدينة وأن يظهر في الأرض الفساد (٢٦) بغير ألف وأهل العراق أو أن بألف وفي عسق أهل المدينة بما كسبت أيديكم (٣٠) بغير فاء وأهل العراق فبما بالفاء وفي الزخرف أهل المدينة تشتهيه الأنفس (٧١) بهاءين وأهل العراق تشتهي بهاء واحدة وفي الحديد أهل المدينة فإن الله الغني الحميد (٢٤) بغير "هو" وفي الشمس وضحيها أهل المدينة فلا يخاف عقبها (١٥) بالفاء وأهل العراق ولا يخاف بالواو حدثنا أحمد بن عمر قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا عبد الله بن عيسى قال حدثنا قالون عن نافع أن الحروف المذكورة في مصاحف أهل المدينة على ما ذكر إسماعيل سواء.
حدثنا محمد بن علي قال حدثنا ابن مجاهد قال في مصاحف أهل مكة في التوبة تجري من تحتها الأنهر بزيادة "من" وفي سبحان قال سبحان ربي (٩٣) بألف وفي الكهف ما مكنني فيه (٩٥) بنونين وفي الأنبياء ألم ير الذين كفروا (٣٠) بغير واو وفي الفرقان وننزل الملئكة
стр. 2577
(٢٥) بنونين وفي النمل أو ليأتينني (٢١) بنونين وفي القصص قال موسى ربي أعلم (٣٧) بغير واو.
وحدثنا ابن غلبون قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أحمد بن أنس قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا سويد بن عبد العزيز وأيوب بن تميم عن يحيى بن الحرث عن عبد الله بن عامر (ح) وحدثنا الخاقاني قال حدثنا أحمد قال حدثنا علي قال حدثنا أبو عبيد واللفظ له قال هشام (ح) وحدثنا سويد بن عبد العزيز أيضا عن الحسن بن عمران عن عطية بن قيس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء أن هذه الحروف في مصاحف أهل الشام وهي ثمانية وعشرون حرفا في مصاحف أهل الشام: في البقرة قالوا اتخذ الله ولدا (١١٦) بغير واو وفي آل عمران سارعوا (١٣٣) بغير واو وفيها بالبينات وبالزبر وبالكتب (٨٤) ثلاثتهن بالباء وفي النساء إلا قليلا منهم (٦٦) بالنصب وفي المائدة يقول الذين آمنوا (٥٣) بغير واو وفيها من يرتدد منكم عن دينه (٥٤) بدالين وفي الأنعام والدار الآخرة (٣٢) بلام واحدة وفيها قتل أولادهم شركائهم (١٣٧) بنصب "الأولاد" وخفض "الشركاء" وفي الأعراف قليلا ما يتذكرون (٣) وفيها ما كنا لنهتدي (٤٣) بغير واو وفيها في قصة صالح وقال الملأ (٧٥) بالواو وفيها وإذ أنجكم (١٤١) بغير نون وفي براءة الذين اتخذوا (١٠٧) بغير واو وفي يونس هو الذي ينشركم (٢٢) بالنون والشين وفيها إن الذين حقت عليهم كلمت ربك (٩٦) على الجمع وفي بني إسرائيل قال سبحان ربي (٩٣) على الخبر وفي الكهف خيرا منهما (٣٦) على اثنين وفي المؤمنون سيقولون لله (٨٥ و٨٧ و٨٩)، ثلثتهن بغير ألف وفي الشعراء فتوكل على العزيز (٢١٧) بالفاء وفي النمل إننا لمخرجون (٦٧) على نونين وفي المؤمن أشد منكم (٢١) بالكاف وفيها وأن يظهر في الأرض (٢٦) بغير ألف وفي عيسق بما كبست أيديكم (٣٠) بغير فاء وفي الرحمن والحب ذا العصف والريحان (١٢) بالنصب وفيها تبرك اسم ربك ذو الجلل والإكرام (٨٧) بالرفع وفي الحديد فإن الله الغني الحميد (٢٤) بغير "هو" وفي والشمس فلا يخاف عقبها (١٥) بالفاء.
حدثنا الخاقاني قال حدثنا أحمد قال حدثنا علي قال قال أبو عبيد اختلفت مصاحف أهل العراق والكوفة والبصرة في خمسة أحرف: كتب الكوفيون في الأنعام لئن أنجينا (٦٣) بغير تاء وفي الأنبياء قال ربي يعلم (٤) بالألف وفي المؤمنون قل كم لبثتم (١١٢) قل إن لبثتم (١١٤) بغير ألف فيهما وفي الأحقاف بولديه إحسانا (١٥) بألف قبل الحاء وأخرى بعد السين وكتبها المصريون لئن أنجيتنا بالتاء قل ربي يعلم بغير ألف قال كم لبثتم قال إن لبثتم " بالألف"
стр. 2578
بولديه حسنا بغير ألف.
قال أبو عمرو وروي لنا عن ابن القسم وأشهب وابن وهب أنهم رأوا في مصحف جد مالك ابن أنس الذي كتبه حين كتب عثمان بن عفان ﵁ المصاحف أخرجه إليهم مالك في حم عسق فبما كسبت (٣٠) بالفاء وفي الزخرف ما تشتهي الأنفس (٧١) وفي الحديد فإن الله هو الغني الحميد (٢٤) بزيادة "هو" وفي الشمس ولا يخاف (١٥) بالواو وسائر الحروف على ما رواه إسماعيل عن مصاحف أهل المدينة وروى خارجة بن مصعب عن نافع أنه قال في الإمام في الحديد هو الغني بزيادة "هو" وفي الشمس ولا يخاف بالواو وقد ذكرنا حكاية أبي عبيد عن الإمام في رسم هذه الحروف وغيرها فأغنى ذلك عن الإعادة.
وقال أبو حاتم في مصحف أهل المدينة في يوسف وقال الملك اتون (٥٤) بنقصان ياء وفي مصحف أهل مكة في آخر النساء فآمنوا بالله ورسوله (١٧١) وفي مصحف أهل حمص الذي بعث به في المصحف الذي بعث به عثمان إلى الشام ثم كيدوني بالياء وما كان للنبي بلامين وفي الكهف للتخذت عليه.
قال أبو عمرو فهذا جميع ما انتهى إلينا بالروايات من الاختلاف بين مصاحف أهل الأمصار وقد مضى من ذلك حروف كثيرة في الأبواب المتقدمة والقطع عندنا على كيفية ذلك في مصاحف أهل الأمصار على قراءة أيمتهم غير جائز إلا برواية صحيحة عن مصاحفهم بذلك إذ قراءتهم في كثير من ذلك قد تكون على غير مرسوم مصحفهم ألا ترى أن أبا عمرو قرأ يعبادي لا خوف عليكم (١٦٨) في الزخرف بالياء وهو في مصاحف أهل البصرة بغير ياء فسئل عن ذلك فقال إني رأيته في مصاحف أهل المدينة بالياء فترك ما في مصحف أهل بلده واتبع في ذلك مصاحف أهل المدينة وكذلك قراءته في الحجرات لا يألتكم من أعملكم شيئا (١٤) بالهمزة التي صورتها ألف وذلك مرسوم في جميع المصاحف بغير ألف وكذلك قراءته أيضا في المنافقون وأكون من الصلحين (١٠) بالواو والنصب وذلك في كل المصاحف بغير واو مع الجزم قال أبو عبيد وكذا رأيته في الإمام قال واتفقت على ذلك المصاحف وكذلك أيضا قراءته في المرسلات وإذا الرسل وقتت (١١) بالواو من الوقت وذلك في الإمام وفي كل المصاحف بالألف وكذلك قراءته وقراءة ابن كثير في البقرة أو ننسأها (١٠٦) بهمزة ساكنة بين السين والهاء وصورتها ألف وليست كذلك في مصاحف أهل مكة ولا في غيرها وكذلك قراءة ابن عامر وعاصم من رواية حفص بن سليمان في الزخرف قال أولو جئتكم (٢٤) بالألف ولا خبر عندنا إن ذلك كذلك مرسوم في مصاحف أهل الشام ولا في غيرها وكذلك أيضا قراءة عاصم من الطريق المذكور في الأنبياء قال رب احكم بالحق (١١٢) بالألف
стр. 2579
ولا رواية عندنا أن ذلك كذلك مرسوم في شيء من المصاحف في نظائر لذلك كثيرة ترد عن أئمة القراءة بخلاف مرسوم مصحفهم وإنما بينت هذا الفصل ونبهت عليه لأني رأيت بعض من أشار إلى جمع شيء من هجاء المصاحف من منتحلي القراءة من أهل عصرنا قد قصد هذا المعنى وجعله أصلا فأضاف بذلك ما قرأ به كل واحد من الأئمة من الزيادة والنقصان في الحروف المتقدمة وغيرها إلى مصاحف أهل بلده وذلك من الخطأ الذي يقود إليه إهمال الرواية وإفراط الغباوة وقلة التحصيل إذ غير جائز القطع على كيفية ذلك إلا بخبر منقول عن الأئمة السالفين رواية صحيحة عن العلماء المختصين بعلم ذلك المؤتمنين على نقله وإيراده لما بيناه من الدلالة وبالله التوفيق.
قال أبو عمرو فإن سأل سائل عن السبب الموجب لاختلاف مرسوم هذه الحروف الزوائد في المصاحف قلت السبب في ذلك عندنا أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ لما جمع القرآن في المصاحف ونسخها على صورة واحدة وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها مما لا يصح ولا يثبت نظرا للأمة واحتياطا على أهل الملة وثبت عنده أن هذه الحروف من عند الله كذلك منزلة ومن رسول الله ﷺ مسموعة وعلم أن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال غير ممكن إلا بإعادة الكلمة مرتين وفي رسم ذلك كذلك من التخليط والتغيير للمرسوم ما لا خفاء به ففرقها في المصاحف لذلك فجاءت مثبتة في بعضها ومحذوفة في بعضها لكي تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله وعلى ما سمعت رسول الله ﷺ فهذا سبب اختلاف مرسومها في مصاحف أهل الأمصار.
فإن قال قائل فما تقول في الخبر الذي رويتموه عن يحيى بن يعمر وعكرمة مولى ابن عباس عن عثمان ﵁ أن المصاحف لما نسخت عرضت عليه فوجد فيها حروفا من اللحن فقال اتركوها فإن العرب ستقيمها أو ستعربها بلسانها إذ ظاهره يدل على خطأ في الرسم قلت هذا الخبر عندنا لا يقوم بمثله حجة ولا يصح به دليل من جهتين إحداهما أنه مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه مرسل لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئا ولا رأياه وأيضا فإن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان ﵁ لما فيه من الطعن عليه مع محله من الدين ومكانه من الإسلام وشدة اجتهاده في بذل النصيحة واهتمامه بما فيه الصلاح للأمة فغير ممكن أن يتولى لهم جمع المصحف مع سائر الصحابة الأخيار الأتقياء الأبرار نظرا لهم ليرتفع الاختلاف في القرآن بينهم ثم يترك لهم فيه مع ذلك لحنا وخطأ يتولى تغييره من يأتي بعده ممن لا شك أنه لا يدرك مداه ولا يبلغ غايته ولا غاية من شاهده، هذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله ولا يحل لأحد أن يعتقده.
فإن قال فما وجه ذلك عندك لو صح عن عثمان ﵁ قلت وجهه أن يكون
стр. 2580
عثمان ﵁ أراد باللحن المذكور فيه التلاوة دون الرسم إذ كان كثير منه لو تلي على حال رسمه لانقلب بذلك معنى التلاوة وتغيرت ألفاظها ألا ترى قوله أولأ اذبحنه ولا أوضعوا ومن نباءى المرسلين وسأوريكم والربوا وشبهه مما زيدت الألف والياء والواو في رسمه لو تلاه تال لا معرفة له بحقيقة الرسم على حال صورته في الخط لصير الإيجاب نفيا ولزاد في اللفظ ما ليس فيه ولا من أصله فأتى من اللحن بما لا خفاء به على من سمعه مع كون رسم ذلك كذلك جائزا مستعملا فأعلم عثمان ﵁ إذ وقف على ذلك أن من فاته تمييز ذلك وعزبت معرفته عنه ممن يأتي بعده سيأخذ ذلك عن العرب إذ هم الذين نزل القرآن بلغتهم فيعرفونه بحقيقة تلاوته ويدلونه على صواب رسمه فهذا وجهه عندي والله أعلم.
فإن قيل فما معنى قول عثمان ﵁ في آخر هذا الخبر لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف قلت معناه أي لم توجد فيه مرسومة بتلك الصور المبنية على المعاني دون الألفاظ المخالفة لذلك إذ كانت قريش ومن ولي نسخ المصاحف من غيرها قد استعملوا ذلك في كثير من الكتابة ولسلكوا فيها تلك الطريقة ولم تكن ثقيف وهذيل مع فصاحتهما يستعملان ذلك فلو أنهما وليتا من أمر المصاحف ما وليه من تقدم من المهاجرين والأنصار لرسمتا جميع تلك الحروف على حال استقرارها في اللفظ ووجودها في المنطق دون المعاني والوجوه إذ ذلك هو المعهود عندهما والذي جرى عليه استعمالها هذا تأويل قول عثمان عندي لو ثبت وجاء مجيء الحجة وبالله التوفيق.
حدثنا خلف بن إبراهيم المقرئ قال حدثنا أحمد بن محمد المكي قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا القسم بن سلام قال حدثنا حجاج عن هرون قال أخبرني الزبير بن الخريت عن عكرمة قال لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان ﵁ فوجد فيها حروفا من اللحن فقال لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال ستعربها بألسنتها لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف.
حدثنا عبد الرحمن بن عثمان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال حدثنا عمران القطان عن قتادة عن نصير بن عاصم عن عبد الله بن أبي فطيمة عن يحيى بن يعمر قال قال عثمان بن عفان ﵁ في القرآن لحن تقيمه العرب بألسنتها.
قال قيل فما تأويل الخبر الذي رويتموه أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه أنه سأل عائشة ﵂ عن لحن القرآن عن قوله إن هذان لساحران (٢٠ - ٦٣) وعن والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة (٤ - ١٦٢) وعن إن الذين آمنوا والذين هادوا. . والصبئون (٥ - ٦٣)
стр. 2581
فقالت ياابن أختي هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتابة. قلت تأويله ظاهر وذلك أن عروة لم يسأل عائشة فيه عن حروف الرسم التي تزاد فيها لمعنى وتنقص منها لآخر تأكيدا للبيان وطلبا للخفة وإنما سألها فيه عن حروف من القراءة المختلفة الألفاظ المحتملة الوجوه على اختلاف اللغات التي أذن الله لنبيه ﵇ ولأمته في القراءة بها واللزوم على ما شاءت منها تيسيرا لها وتوسعة عليها وما هذا سبيله وتلك حاله فعن اللحن والخطأ والوهم والزلل بمعزل لفشوه في اللغة ووضوحه في قياس العربية وإذا كان الأمر في ذلك كذلك فليس ما قصدته فيه بداخل في معنى المرسوم ولا هو من سببه في شيء وإنما سمى عروة ذلك لحنا وأطلقت عائشة على مرسومه كذلك الخطأ على جهة الاتساع في الأخبار وطريق المجاز في العبارة إذا كان ذلك مخالفا لمذهبهما وخارجا عن اختيارهما وكان الأوجه والأولى عندهما والأكثر والأفشى لديهما لا على وجه الحقيقة والتحصيل والقطع لما بيناه قبل من جواز ذلك وفشوه في اللغة واستعمال مثله في قياس العربية مع انعقاد الإجماع على تلاوته كذلك دون ما ذهبا إليه إلا ما كان من شذوذ أبي عمرو بن العلاء في إن هذين (٢٠ - ٦٣) خاصة هذا الذي يحمل عليه هذا الخبر ويتأول فيه دون أن يقطع به على أن أم المؤمنين ﵂ مع عظيم محلها وجليل قدرها واتساع علمها ومعرفتها بلغة قومها لحنت الصحابة وخطأت الكتبة وموضعهم من الفصاحة والعلم باللغة موضعهم الذي لا يجهل ولا ينكر هذا ما لا يسوغ ولا يجوز قد تأول بعض علمائنا قول أم المؤمنين أخطئوا في الكتاب أي أخطئوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة يجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز لأن ما لا يجوز مردود بإجماع وإن طالت مدة وقوعه وعظم قدر موقعه وتأول اللحن إنه القراءة واللغة كقول عمر ﵁ أبي أقرؤنا وإنا لندع بعض لحنه أي قراءته ولغته فهذا بين وبالله التوفيق.
حدثنا الخاقاني قال حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه قال سألت عائشة ﵂ عن لحن القرآن عن قول الله إن هذان لسحران وعن قوله والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة وعن قوله ﵎ إن الذين آمنوا والذين هادوا. . والصبئون فقالت يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب.
فإن قال قائل: فإذ قد أوضحت ما سئلت عنه من تأويل هذين الخبرين فعرفنا بالسبب الذي دعا عثمان ﵁ إلى جمع القرآن في المصاحف وقد كان مجموعا في الصحف على ما رويته لنا في حديث زيد بن ثابت المتقدم قلت: السبب في ذلك بين فذلك الخبر على قول بعض العلماء وهو أن أبا بكر ﵁ كان قد جمعه أولا على السبعة الأحرف التي أذن الله للأمة في التلاوة بها
стр. 2582
ولم يخص حرفا بعينه فلما كان زمان عثمان ووقع الاختلاف بين أهل العراق وأهل الشام في القراءة وأعمله حذيفة بذلك رأى هو ومن بالحضرة من الصحابة أن يجمع الناس على حرف واحد من تلك الأحرف وأن يسقط ما سواه فيكون ذلك مما يرتفع به الاختلاف ويوجب الاتفاق إذا كانت الأمة لم تؤمر بحفظ الأحرف السبعة وإنما خيرت في أيها شاءت لزمته وأجزأها كتخييرها في كفارة اليمين بالله بين الإطعام والكسوة والعتق لا أن يجمع ذلك كله فكذلك السبعة الأحرف.
وقيل إنما جمع المصحف في مصحف واحد لما في ذلك من حياطة القرآن وصيانته وجعل المصاحف المختلفة مصحفا واحدا متفقا عليه وأسقط ما لا يصح من القراءات ولا يثبت من اللغات وذلك من مناقبه وفضائله ﵁). اهـ. وإذا ثبت ذلك فلم لا يجوز أن يكتب المصحف بالرسم الإملائي بعد إحكامه وضبط قواعده، بل هو أولى منه وأدق وأحسن نظاما وأوضح قراءة وأسهل تلاوة.
ونوقش ذلك بما يأتي:
أ - وقد يقال: لا حرج في قراءة القرآن بالرسم العثماني، فإن سهولة القراءة تدور على معرفة الرسم والتمرين على القراءة به أيا كان، فإذا عني الإنسان بالرسم العثماني وتعهده بالقراءة سهلت عليه القراءة به كالقراءة حسب قواعد الإملاء، فإنها سهلت بمعرفة الرسم الإملائي وتطبيقه كتابة وقراءة، وهذا أمر عام في جميع اللغات، فإن مبناها المعرفة والمحاكاة والتلقي.
ويشهد لذلك سهولة القراءة في المصحف بالرسم العثماني على من تعلموا طوال القرون الماضية في الكتاتيب إلى العصر الحاضر مع انتشار قواعد الإملاء والعمل بها تأليفا وقراءة، فالسهولة والصعوبة والوضوح والاشتباه ليس ذاتيا لهذا أو ذاك، وإنما يرجع ذلك إلى التعهد والعناية، والإهمال والإعراض.
ب - على أن هناك كلمات تكتب في الرسم الإملائي على طريقة الرسم العثماني مستثناة من القواعد الإملائية ولم يعق ذلك العصريين عن قراءتها أو كتابتها ولم يشق عليهم متابعة الرسم العثماني فيها مثل حذف الألف من ذلك، وهذا، وهؤلاء، ولكن، وأولئك. . . الخ ومثل زيادة الواو في أولئك، وأولو الألباب، وأولي أجنحة، وزيادة الألف في مائة.
ت - إن المشقة التي يعانيها من لم يعرف الرسم العثماني في تلاوة القرآن ليست من جنس الضرورة إلى جمع القرآن ولا من جنس الحاجة إلى نقطه وشكله، فإنه يمكن القضاء على تلك المشقة بمعرفة الرسم العثماني والتمرس بالقراءة على مقتضاه كما تقدم بيانه، بخلاف الضرورة إلى جمع القرآن أولا وثانيا فإنها لا ترتفع إلا بجمعه ولا يقضى عليها إلا به، وكذا الحال في الحاجة إلى نقطه وشكله، فإنها لا تزول إلا بذلك ولا تندفع إلا به، إذ العجمة تتزايد بدخول الأعاجم في الإسلام، وضعف اللسان
стр. 2583
العربي، وكثرة اللحن تتزايد أيضا مع طول الزمن وكثرة الاختلاط بالأعاجم، فلم يكن هناك مناص من الجمع والنقط والشكل، لعدم وجود بديل يقوم مقام ذلك.
د- نعم إن القرآن نزل على رسول الله ﷺ غير مكتوب، ولكن نوعا من الكتابة كان معهودا عند العرب وكتب به القرآن حين نزوله، ولم ينكر الله على رسوله ولا على كتبته تقييده بهذا النوع من الكتابة بل تحرى عثمان ﵁ أن يكتب في الجمع الثاني بلغة قريش خاصة لكونه نزل بلغتهم واستمر العمل على ذلك قبل وضع قواعد الإملاء وبعد وضعها، فكان ذلك تقريرا لأمر عثمان وطبقه كتبة المصحف حينما كتبوه في عهده، وإجماع عصور من الأمة على ذلك وصار بذلك سنة متبعة.
стр. 2584
رابعا: بيان ما يوجب بقاء كتابة المصاحف بالرسم العثماني، وما قد يترتب على العدول عنه من تحريف ونحوه.
أولا: ثبت أن كتابة المصحف بالرسم العثماني كانت في خلافة عثمان ﵁ بأمره، وأنه أمر كتبة المصحف أن يكتبوا ما اختلفوا فيه بلغة قريش وذلك مما يدل على القصد إلى رسم معين ووافقه على ذلك الصحابة ﵃، وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا رغم وضع قواعد الإملاء، والعمل بمقتضاها في التأليف والقراءة وكتابة الرسائل، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، فكانت المحافظة على كتابة المصحف بهذا الرسم واجبة: أو سنة متبعة، اقتداء بعثمان وعلي وسائر الصحابة ﵃ وعملا بالإجماع.
стр. 2585
ثانيا: إن الرسم الإملائي نوع من الاصطلاح في الخط فهو قابل للتغيير والتبديل باصطلاح آخر مرة بعد أخرى كسائر رسوم الخطوط في اللغة العربية وغيرها، فإذا عدلنا عن الرسم العثماني إلى الرسم الإملائي الموجود حاليا تسهيلا للقراءة فقد يفضي ذلك إلى التغيير كلما تغير الاصطلاح في الكتابة لنفس العلة وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن، بتبديل بعض الحروف من بعض، والزيادة فيها والنقص فيها، ويخشى أن تختلف القراءة تبعا لذلك ويقع فيها التخليط على مر الأيام والسنين. ويجد عدو الإسلام مدخلا للطعن في القرآن بالاختلاف والاضطراب بين نسخه، وهذا من جنس البلاء الذي أصيبت به الكتب الأولى حينما عبثت بها الأيدي والأفكار وقد جاءت شريعة الإسلام بسد الذرائع والقضاء عليها، محافظة على الدين ومنعا للشر والفساد.
стр. 2586
ثالثا: يخشى إذا وقع ذلك أن يصير كتاب الله - القرآن- ألعوبة بأيدي الناس ، كلما عن لإنسان فكرة في كتابة القرآن اقترح تطبيقها فيه، فيقترح بعضهم كتابته باللاتينية وآخرون كتابته بالعبرية. . وهكذا مستندين في ذلك إلى ما استند إليه من اقترح كتابته حسب قواعد الإملاء من التيسير ورفع الحرج والتوسع في الاطلاع وإقامة الحجة وفي هذا ما فيه من الخطر وقد نصح مالك بن أنس الرشيد أو جده المنصور ألا يهدم الكعبة ليعيدها إلى بنائها الذي قام به عبد الله بن الزبير حيث بناها على قواعد إبراهيم الخليل ﵊ خشية أن تصير الكعبة ألعوبة بين أيدي الولاة.
стр. 2587
قال تقي الدين الفاسي في كتابه شفاء الغرام ويروي (١) أن الخليفة الرشيد أو جده المنصور أراد أن يغير ما صنعه الحجاج بالكعبة وأن يردها إلى ما صنعه ابن الزبير فنهاه عن ذلك الإمام مالك بن أنس ﵀، وقال له: نشدتك الله لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره، فتذهب هيبته من قلوب الناس انتهى بالمعنى ثم قال: وكان مالك لحظ في ذلك أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح وهي قاعدة مشهورة معتمدة. اهـ.
وخلاصة القول أن لكل من القول بجواز كتابة المصحف - القرآن - على مقتضى قواعد الإملاء والمنع من ذلك وحرمته وجهة نظر، غير أن مبررات الجواز فيها مآخذ ومناقشات تقدم بيانها، وقد لا تنهض معها لدعم القول بالجواز، ومع ذلك قد عارضها ما تقدم ذكره من الموانع، وجريا على القاعدة المعروفة من تقديم الحظر على الإباحة.
وترجيح جانب درء المفاسد على جلب المصالح عند التعادل أو رجحان جانب المفسدة قد يقال: إن البقاء على ما كان عليه المصحف من الرسم العثماني أولى وأحوط على الأقل، وعلى كل حال فالمسألة محل نظر واجتهاد والخير في اتباع ما كان عليه الصحابة وأئمة السلف ﵃. . والله الموفق - وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه -.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2588
عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا عليه فيه مقالا ثم لا يقوله فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه؟
فيقول: رب خشيت الناس!!
فيقول: وأنا أحق أن يخشى؟ (١)»
стр. 2589
حكم التسعير
стр. 2590
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد: بناء على ما تقرر في الدورة الثامنة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الرياض في النصف الثاني من ربيع الأول عام ١٣٩٦هـ. من إعداد بحث في التسعير أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك يشتمل على:
* تعريف التسعير: وهل يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه ومن أراد أن يزيد عن سعر الناس أو ينقص هل يلزم بأن يبيع كما يبيع الناس.
* وبيان من يختص به التسعير من البائعين، وما يدخله التسعير من المبيعات.
* وهل يجوز إلزام الناس بسعر محدد في تأجير عقاراتهم.
стр. 2591
لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذا الموضوع كلام عرض فيه حكم التسعير إذا كان يتضمن العدل، وحكمه إذا كان يتضمن جورا، وذكر نظائر لهذه المسألة ثم تكلم على مسألتين:
الأولى: إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك.
الثانية: هل يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب. وكذلك لابن القيم كلام في ذلك يتفق من حيث الجملة مع كلام شيخ الإسلام، ثم لسماحة مفتي الديار السعودية ﵀ كتابة في الموضوع رأت اللجنة ذكر جميع ذلك وبالله التوفيق.
стр. 2592
معنى التسعير
نذكر فيما يلي معنى التسعير، ثم نذكر المسائل الخمس ثم الكلام المذكور:
معنى التسعير لغة واصطلاحا
أما معناه لغة: فقد قال فيه ابن منظور: التسعير الذي يقوم عليه الثمن وجمعه أسعار وقد سعروا ومسعروا بمعنى واحد اتفقوا على سعر. . . . والتسعير التقدير (١).
وأما معناه اصطلاحا فقد قال فيه الشوكاني هو أن يأمر السلطان ونوابه أو كل من ولي من
стр. 2593
أمور المسلمين أمرا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا فيمنعوا من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة (١).
стр. 2594
المسألة الأولى
أن يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه
اختلف أهل العلم في ذلك فمنعه قوم وجوزه آخرون، وفيه من قال بجوازه إذا تعدى أرباب الطعام، ومن أهل العلم من قال بجوازه عام الغلاء.
أما المانعون فبعض الحنفية وقال به مالك ومن وافقه من أصحابه، وهو أحد الأقوال في مذهب الشافعية وهو المقدم عند الحنابلة.
جاء في بداية المبتدي: ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس (١).
وقال محمد بن الحسن الشيباني بعد سياقه لأثر عمر مع حاطب بن أبي بلتعه قال: وبهذا نأخذ لا ينبغي أن يسعر على المسلمين، فيقال لهم بيعوا كذا وكذا بكذا أو يجبرون على ذلك وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا (٢).
وجاء في المنتقى شرح الموطأ بعد ذكره لصورة المسألة قال: فهذا منع منه مالك وبه قال ابن عمر وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد (٣).
وجاء في المهذب: لا يحل للسلطان التسعير (٤).
وقال عبد الرحمن بن قدامة: وهذا مذهب الشافعي (٥).
وقال الرملي ويحرم على الإمام أو نائبه ولو قاضيا التسعير في قوت أو غيره انتهى (٦).
وقال النووي ومنها - أي المناهي- التسعير وهو حرام في كل وقت على الصحيح (٧).
стр. 2595
وقال عبد الرحمن بن قدامة: وليس للإمام أن يسعر على الناس بل يبيع الناس أموالهم بما يختارون (١).
وقال في الإنصاف: ويحرم التسعير ويكره الشراء به على الصحيح من المذهب (٢).
وقال محمد بن الحسن الفراء: ولا يجوز أن يسعر على الناس بالأقوات ولا غيرها في رخص ولا غلاء / انتهى (٣).
واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى.
أما السنة فما رواه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى في مسانيدهم وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه في سننهم عن أنس ﵁ قال: «قال الناس يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحدكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال (٤)».
قال ابن حجر وإسناده على شرط مسلم وصححه أيضا ابن حبان وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد وأبي داود قال: «جاء رجل فقال يا رسول الله سعر فقال بل ادعو الله ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سعر فقل: بل الله يخفض ويرفع (٥)»
قال الحافظ وإسناده حسن وعن أبي سعيد عن ابن ماجه والبزار والطبراني نحو حديث أنس ورجاله رجال الصحيح وحسنه الحافظ وعن علي ﵁ عند البزار نحوه وعن ابن عباس عند الطبراني في الصغير وعن أبي جحيفة عنده في الكبير انتهى.