← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذا الموضوع كلام عرض فيه حكم التسعير إذا كان يتضمن العدل، وحكمه إذا كان يتضمن جورا، وذكر نظائر لهذه المسألة ثم تكلم على مسألتين: الأولى: إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك. الثانية: هل يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب. وكذلك لابن القيم كلام في ذلك يتفق من حيث الجملة مع كلام شيخ الإسلام، ثم لسماحة مفتي الديار السعودية ﵀ كتابة في الموضوع رأت اللجنة ذكر جميع ذلك وبالله التوفيق.

стр. 2592

معنى التسعير نذكر فيما يلي معنى التسعير، ثم نذكر المسائل الخمس ثم الكلام المذكور: معنى التسعير لغة واصطلاحا أما معناه لغة: فقد قال فيه ابن منظور: التسعير الذي يقوم عليه الثمن وجمعه أسعار وقد سعروا ومسعروا بمعنى واحد اتفقوا على سعر. . . . والتسعير التقدير (١). وأما معناه اصطلاحا فقد قال فيه الشوكاني هو أن يأمر السلطان ونوابه أو كل من ولي من

стр. 2593

أمور المسلمين أمرا أهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا فيمنعوا من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة (١).

стр. 2594

المسألة الأولى أن يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه اختلف أهل العلم في ذلك فمنعه قوم وجوزه آخرون، وفيه من قال بجوازه إذا تعدى أرباب الطعام، ومن أهل العلم من قال بجوازه عام الغلاء. أما المانعون فبعض الحنفية وقال به مالك ومن وافقه من أصحابه، وهو أحد الأقوال في مذهب الشافعية وهو المقدم عند الحنابلة. جاء في بداية المبتدي: ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس (١). وقال محمد بن الحسن الشيباني بعد سياقه لأثر عمر مع حاطب بن أبي بلتعه قال: وبهذا نأخذ لا ينبغي أن يسعر على المسلمين، فيقال لهم بيعوا كذا وكذا بكذا أو يجبرون على ذلك وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا (٢). وجاء في المنتقى شرح الموطأ بعد ذكره لصورة المسألة قال: فهذا منع منه مالك وبه قال ابن عمر وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد (٣). وجاء في المهذب: لا يحل للسلطان التسعير (٤). وقال عبد الرحمن بن قدامة: وهذا مذهب الشافعي (٥). وقال الرملي ويحرم على الإمام أو نائبه ولو قاضيا التسعير في قوت أو غيره انتهى (٦). وقال النووي ومنها - أي المناهي- التسعير وهو حرام في كل وقت على الصحيح (٧).

стр. 2595

وقال عبد الرحمن بن قدامة: وليس للإمام أن يسعر على الناس بل يبيع الناس أموالهم بما يختارون (١). وقال في الإنصاف: ويحرم التسعير ويكره الشراء به على الصحيح من المذهب (٢). وقال محمد بن الحسن الفراء: ولا يجوز أن يسعر على الناس بالأقوات ولا غيرها في رخص ولا غلاء / انتهى (٣). واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى. أما السنة فما رواه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى في مسانيدهم وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه في سننهم عن أنس ﵁ قال: «قال الناس يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحدكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال (٤)». قال ابن حجر وإسناده على شرط مسلم وصححه أيضا ابن حبان وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد وأبي داود قال: «جاء رجل فقال يا رسول الله سعر فقال بل ادعو الله ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سعر فقل: بل الله يخفض ويرفع (٥)» قال الحافظ وإسناده حسن وعن أبي سعيد عن ابن ماجه والبزار والطبراني نحو حديث أنس ورجاله رجال الصحيح وحسنه الحافظ وعن علي ﵁ عند البزار نحوه وعن ابن عباس عند الطبراني في الصغير وعن أبي جحيفة عنده في الكبير انتهى.

стр. 2596

وجه الدلالة: أنه ﷺ لم يسعر وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه. وأنه علل ذلك بكونه مظلمة والظلم حرام ذكره عبد الرحمن بن قدامة (١) وبسط الشوكاني هذا الوجه الثاني فقال الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم والإمام برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٢) (٣). وقال الشوكاني أيضا وظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص ولا فرق بين المجلوب وغيره وإلى ذلك مال الجمهور. . وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين ما كان قوتا للآدمي ولغيره من الحيوانات وبين ما كان من غير ذلك من الإدامات وسائر الأمتعة (٤). ويمكن أن يجيب المجيزون عن الاستدلال بهذه الأحاديث بوجهين: - الأول: يحتمل أن يكون هذا من تصرفاته ﷺ بمقتضى الأمانة وأنه ﵊ راعى المصلحة التي كانت تدعو إليها تلك الظروف ويمكن أن يدفع ذلك بأن القاعدة العامة في الشريعة أن النصوص عامة في التشريع من حيث الزمان والمكان والأشخاص والأحوال وأنها وحي من الله وحملها على صورة معينة يكون بها الدليل خاصا بزمان ومكان وشخص وحال خلاف الأصل فيحتاج إلى دليل وكذلك حمل الأحاديث على أنها من تصرفاته الاجتهادية ﵊. وثانيا: قوله ﷺ «إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال (٥)» - دليل صريح على أن علة ما قرره في أمر التسعير هو مراعاة أن لا يظلم أحدا من الناس سواء كان بائعا أو مشتريا وهو يكون بالمحافظة على ميزان العدالة بينهم وذلك كما يكون بحماية البائع من إلزام المشتري إياه بسعر دون الذي يريد كذلك يكون بحماية المشتري من إلزام البائع إياه بالغبن الفاحش واستغلال ضرورته لإيقاع المظلمة به ولا ريب أنه ﷺ لو رأى من الباعة ميلا إلى هذا الظلم لأخذ على أيديهم وألزمهم بحد لا يتجاوزونه وذلك بمقتضى قوله «إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال (٦)» وبمقتضى حديث «لا ضرر ولا ضرار (٧)». وأما المعنى فإنه مال فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان كما لو اتفق الجماعة عليه

стр. 2597

والظاهر أنه سبب الغلاء لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعتهم على بلد يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون. ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها ويطلبها المحتاج ولا يجدها إلا قليلا فيرفع في ثمنها ليحصلها فتغلو الأسعار ويحصل الإضرار بالجانبين جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه فيكون حراما انتهى ذكر ذلك ابن قدامة (١). القول الثاني: أنه يجوز التسعير وهذا القول رواه أشهب عن مالك. قال الباجي: وروى أشهب عن مالك في العتبية في صاحب السوق يسعر على الجزارين لحم الضأن ثلث رطل ولحم الإبل نصف رطل وإلا أخرجوا من السوق قال إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ولكن أخاف أن يقوموا من السوق (٢). ووجه هذا القول ما يجب من النظر في مصالح العامة والمنع من إغلاء السعر عليهم والإفساد عليهم وليس يجبر الناس على البيع وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده الإمام على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمبتاع ولا يمنع البائع ربحا ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس انتهى (٣). القول الثالث: إنه يجوز إذا تعدى أرباب الطعام تعديا فاحشا وبهذا قال بعض الحنفية ومن وافقهم من أهل العلم جاء في كنز الدقائق وشرحه تبيين الحقائق: ولا يسعر السلطان إلا أن يتعدى أرباب الطعام عن القيمة تعديا فاحشا انتهى (٤) وفي إتحاف ذوي الأبصار والبصائر: بتبويب كتاب الأشباه والنظائر: وقال في التنبيه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام وعليه فروع: منها التسعير عند تعدي أرباب الطعام في بيعه بغبن فاحش (٥). وجاء في توجيه ذلك أن الثمن حق البائع فكان إليه تقديره فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقه إلا إذا كان أرباب الطعام يتحكمون على المسلمين ويتعدون تعديا فاحشا وعجز السلطان عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير فلا بأس به بمشورة أهل الرأي والنظر (٦). انتهى. ويمكن أن يستدل لذلك أيضا بنهيه ﷺ عن الاحتكار وعلة النهي ظلم الناس بمنعهم عن الوصول إلى ما يحتاجونه من أقوات وشبهها وهل علة منصوصة في هذا الباب فيقاس التسعير على الاحتكار بجامع هذه العلة وهي رفع الأسعار دون موجب.

стр. 2598

القول الرابع: أنه يجوز في وقت الغلاء دون الرخص وهذا قول في مذهب مالك والشافعي جاء في الدر المنتقى شرح الملتقى: وقال مالك على الموالي التسعير عام الغلاء (١) وقال النووي: والثاني يجوز في وقت الغلاء دون الرخص (٢).

стр. 2599

المسألة الثانية: من أراد أن يزيد عن سعر الناس أو ينقص هل يلزم بأن يبيع كالناس؟ في المسألة خلاف - فقوم قالوا إنه يلزم بأن يبيع كالناس وآخرون قالوا إنه لا يلزم وممن قال بأنه يلزم مالك ووجه في مذهب أحمد قال الباجي تحت ترجمة: الباب الأول في تبيين السعر الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق به". قال: أي يختص به في ذلك من السعر هو الذي عليه جمهور الناس فإذا انفرد عنهم الواحد أو العدد بحط السعر أمر من حطه باللحاق بسعر الناس أو ترك البيع. مسألة: فإن زاد في السعر أو عدد يسير لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره أو الامتناع من البيع لأن من باع به من الزيادة ليس بالسعر المتفق عليه ولا بما تقام به المبيعات وإنما يراعى في ذلك حال الجمهور ومعظم الناس وفي المدونة من رواية ابن القاسم عن مالك لا يقام لخمسة قال القاضي أبو الوليد وعندي أنه يجب النظر في ذلك إلى قدر الأسواق (١). وقال ابن العربي وإذا كان السعر فأراد أحد أن يزيد فإن كان جالبا فله أن يبيع كيف شاء وإن كان بلديا قيل له بع بسعر الناس أو تخرج من السوق [وكان الخليفة ببغداد إذا غلا السعر أمر بفتح مخازنه وأن يباع بأقل مما يبيع الناس حتى يرجع الناس إلى ما رسم من الثمن، ثم يأمر أيضا أن يباع بأقل من ذلك حتى يرجع السعر إلى أوله أو إلى القدر الذي يصلح بالناس ويغلب الجالبين والمحتكرين بهذا الفعل وكان ذلك من حسن نظره (٢).

стр. 2600

وقال عبد الرحمن بن قدامة: وكان مالك يقول لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس بع كالناس وإلا فاخرج عنا (١) وقال في الإنصاف وفي وجه لا يحرم (٢) وقال أيضا وأوجب الشيخ تقي الدين إلزامهم المعاوضة بمثل الثمن وقال لا نزاع فيه لأنها مصلحة عامة لحق الله تعالى (٣). واستدل لهذا القول بما روى الشافعي وسعيد بن منصور عن داود بن صالح الثمار عن القاسم بن محمد عن عمر ﵁ أنه أمر بحاطب بن أبي بلتعه في سوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له مدين بكل درهم فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك فإما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك فتبيعه كيف شئت. ويجاب عن هذا بثلاثة أجوبة: الأول: أن هذا الاجتهاد من عمر ﵁ في مقابل نص وهو ما يدل على امتناعه ﷺ عن التسعير ولا اجتهاد مع النص. الثاني: أن عمر ﵁ رجع عن قوله هذا قال ابن قدامة فأما حديث عمر فقد روى فيه سعيد والشافعي أن عمر لما رجع حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شئ أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع كيف شئت وهذا رجوع إلى ما قلنا أي القول بعدم التسعير انتهى (٤). الثالث: أن هذا السند عن عمر ضعيف لانقطاعه فإن القاسم لم يدرك عمر ﵁ واستدل لذلك من جهة المعنى بأن في ذلك إضرارا إذا زاد وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع. وأجاب ابن قدامة عن ذلك فقال: وما ذكره عن الضرر موجود فيما إذا باع في بيته ولا يمنع منه. القول الثاني: إنه لا يلزم بأن يبيع كالناس وهذا هو المقدم عند الحنابلة قال في الإنصاف ويحرم قوله بع كالناس على الصحيح من المذاهب (٥) وقال أيضا وكره الإمام أحمد البيع والشراء من مكان ألزم الناس بهما فيه لا الشراء ممن اشترى منه (٦). ويستدل لذلك بالأدلة على منع التسعير وقد سبقت مع مناقشتها.

стр. 2601

المسألة الثالثة: في بيان ما يختص به ذلك من البائعين عند القائلين بالتسعير سبق الخلاف في التسعير وهذه المسألة مبنية على قول القائلين بالتسعير وقد بسط الكلام عليها الباجي ﵀ فقال: لا خلاف في أن ذلك حكم أهل السوق والباعة وأما الجالب ففي كتاب محمد لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس وقال ابن حبيب لا يبيعون ما عدا القمح والشعير إلا بمثل سعر الناس وإلا رفعوا كأهل الأسواق وجه ما في كتاب محمد أن الجالب يسامح ويستدام أمره ليكثر ما يجلبه مع أن ما يجلب ليس من أقوات البلد وهو يدخل الرفق عليهم بما يجلب فربما أدى التحجير عليه إلى قطع الميرة والبائع بالبلد إنما يبيع أقواتهم المختصة بهم ولا يقدر على العدول بها عنهم في الأغلب ولهذا فرقنا بينهما في الحكرة وقت الضرورة ووجه ما قاله ابن حبيب أن هذا البائع في السوق فلم يكن له أن يحط عن سعره لأن ذلك مفسد لسعر الناس كأهل البلد قال فأما جالب القمح والشعير فقال ابن حبيب يبيع كيف شاء إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق وإن أرخص بعضهم تركوا إن قل من حط السعر وإن كثر المرخصون قيل لمن بقي إما أن تبيع كبيعهم وإما أن ترفع. (مسألة) إذا ثبت ذلك فإن كان البائع للطعام من أهل السوق هل يمنع من بيعه في داره بسعر السوق وقال ابن حبيب وينبغي في الطعام أن يخرج إلى السوق كما جاء الحديث ووجه ذلك أن بيعه في الدور إعزاز له وسبب إلى غلائه وتطرق لبيع البائع كيف شاء بدون سعر أهل السوق إذا لم يعرف له ذلك في السوق فإن كان جالبا فليبعه في السوق أو في الدار إن شاء على يده (١).

стр. 2602

المسألة الرابعة: بيان ما يدخله التسعير من المبيعات وهل يجوز تحديد أجور العقارات اختلف في تحديد ذلك فالحنفية يقولون بالتعميم في كل ما أضر بالعامة، والمالكية يخصونه بالمكيل والموزون ويرى الشافعية أنه في الأقوات خاصة سواء كانت للآدميين أو للبهائم.

стр. 2603

القول الأول: أن التسعير يجري في كل ما أضر بالعامة: - جاء في الدر المنتقى شرح الملتقى بعد كلام سبق: إلا إذا تعدى أرباب الطعام وغيره في القيمة للقوتين - ومضى إلى أن قال - وأفاد أن التسعير في القوتين فقط لا غير وبه صرح العتابي والحسامي وغيرهما لكنه إذا تعدى أرباب غير القوتين وظلموا على العادة فيسعر عليهم الحاكم بناء على ما قال أبو يوسف ينبغي أن يجوز ذكره القسهتاني، قلت وقد قدمنا أن أبا يوسف يعتبر حقيقة الضرر فتدبر (١). وجاء أيضا في رد المختار على قوله " في القوتين" أي قوت البشر وقوت البهائم لأنه ذكر التسعير في بحث الاحتكار تأمل. وقال أيضا بناء على قوله: " بناء على ما قال أبو يوسف " [أي من أن كل ما أضر بالعامة حبسه فهو احتكار ولو ذهبا أو فضة أو ثوبا] قال "ط" وفيه أن هذا في الاحتكار لا في التسعير اهـ. قلت نعم ولكنه يؤخذ منه قياسا واستنباطا بطريق المفهوم ولذا قال بناء على ما قال أبو يوسف ولم يجعله قوله. تأمله على أن ما تقدم أن الإمام يرى الحجر إذا عم الضرر كما في المغني الماجن والمكاري المفلس والطيب الجاهل وهذه قضية عامة فتدخل مسألتنا فيها لأن التسعير حجر معنى لأنه منع عن البيع بزيادة فاحشة وعليه فلا يكون مبنيا على قول أبي يوسف فقط كذا ظهر لي فتأمل (٢).

стр. 2604

القول الثاني أنه خاص بالمكيل والموزون وبه قال المالكية: - قال الباجي: قال ابن حبيب إن ذلك في المكيل والموزون مأكولا كان أو غير مأكول دون غيره من المبيعات التي لا تكال ولا توزن. ووجه ذلك أن المكيل والموزون مما يرجع فيه إلى المثل فلذلك وجب أن يحمل الناس فيه على سعر واحد وغير المكيل والموزون لا يرجع فيه إلى المثل وإنما يرجع فيه إلى القيمة ويكثر اختلاف الأغراض في أعيانه فلما لم يكن متماثلا لم يصح أن يحمل الناس فيه على سعر واحد وهذا إذا كان المكيل والموزون متساويين في الجودة فإذا اختلف صنفه لم يؤمر من باع الجيد أن يبيع بمثل سعر ما هو أدون لأن الجودة لها حصة من الثمن كالمقدار.

стр. 2605

القول الثالث: أنه خاص بالأقوات قال النووي وحيث جوز التسعير فذلك في الأطعمة ويلحق بها علف الدواب - ذكر ذلك في الروضه.

стр. 2606

تحديد أجور العقارات يتضح من كلام الحنفية جوازه عند الحاجة إليه إذا رأى ولي الأمر ذلك لأنهم عمموا التسعير بالأطعمة وغيرها مما يدفع الضرر عن المسلمين. وأما عند من يخص التسعير بالأقوات أو بالمكيل والموزون فإنه يلزم على قوله تحريم تسعير أجور العقارات - من البيوت وغيرها وسيأتي التصريح بحكم ذلك فيما كتبه سماحة الشيخ / محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀. وفيما يلي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم كلام ابن القيم، ثم كتابة سماحة المفتي ﵀.

стр. 2607

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ومثل ذلك الاحتكار لما يحتاج الناس إليه، روى مسلم في صحيحه عن معمر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «لا يحتكر إلا خاطئ (١)» فإن المتحكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم وهو ظالم للخلق المشترين، ولهذا كان لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، ولهذا قال الفقهاء من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره. ومن هنا يتبين أن التسعير منه ما هو ظلم لا يجوز، ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم

стр. 2608

وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب. فأما الأول فمثل ما روى أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت؟ فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال (١)» رواه أبو داود والترمذي وصححه. فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به. وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع، إما ظلما لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم لما في ذلك من الفساد، فهاهنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء؛ لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما اختاروا أو اشتروا بما اختاروا كان ذلك ظلما للخلق من وجهين: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال، وظلما للمشترين منهم، والواجب إذا لم يكن دفع جميع الظلم أن يدفع الممكن منه، فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته: إلزامهم أن لا يبيعوا أو لا يشتروا إلا بثمن المثل. وهذا واجب في مواضع كثيرة من الشريعة، فإنه كما أن الإكراه على البيع لا يجوز إلا بحق، يجوز الإكراه على البيع بحق في مواضع مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة، ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير، فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل لا بأكثر، ونظائره كثيرة. وكذلك السراية في العتق كما قال النبي ﷺ : من أعتق شركا له في عبد وكان له من

стр. 2609

المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق. وكذلك من وجب عليه شراء شيء للعبادات، كآلة الحج، ورقبة العتق، وماء الطهارة؛ فعليه أن يشتريه بقيمة المثل، ليس له أن يمتنع عن الشراء إلا بما يختار. وكذلك فيما يجب عليه من طعام أو كسوة لمن عليه نفقته إذا وجد الطعام، أو اللباس الذي يصلح له في العرف بثمن المثل، لم يكن له أن ينتقل إلى ما هو دونه حتى يبذل له ذلك بثمن يختاره، ونظائره كثيرة؛ ولهذا منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسام الذين يقسمون العقار وغيره بالأجر أن يشتركوا لأنهم إذا اشتركوا والناس محتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجر، فمنع البائعين الذين تواطئوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولى، وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا على أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولى أيضا. فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها قد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل المعروف، ويزيدون ما يبيعونه بأكثر من الثمن المعروف، وينموا ما يشترونه، كان هذا أعظم عدوانا من تلقي السلع، ومن بيع الحاضر للبادي، ومن النجش، ويكونون قد اتفقوا على ظلم الناس حتى يضطروا إلى بيع سلعهم وشرائها بأكثر من ثمن المثل، والناس يحتاجون إلى ذلك وشرائه، وما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس، فإنه يجب أن لا يباع إلا بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة. ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة، والنساجة، والبناية؛ فإن الناس لا بد لهم من طعام يأكلونه، وثياب يلبسونها، ومساكن يسكنونها، فإذا لم يجلب لهم من الثياب ما يكفيهم كما كان يجلب إلى الحجاز على عهد رسول الله ﷺ ، كانت الثياب تجلب إليهم من اليمن ومصر والشام وأهلها كفار وكانوا يلبسون ما نسجه الكفار ولا يغسلونه، فإذا لم يجلب إلى ناس البلد ما يكفيهم احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب، ولا بد لهم من طعام إما مجلوب من غير بلدهم، وإما من زرع بلدهم، وهذا هو الغالب وكذلك لا بد لهم من مساكن يسكنونها، فيحتاجون إلى البناء، فلهذا قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبي حامد الغزالي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها، كما أن الجهاد فرض على الكفاية، إلا أن يتعين فيكون فرضا على الأعيان، مثل أن يقصد العدو بلدا، أو مثل أن يستنفر الإمام أحدا. وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله

стр. 2610

به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١)»، وكل من أراد الله به خيرا لا بد أن يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرا، والدين ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدا ﷺ فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر تصديقا عاما وطاعة عامة، ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلا، وإذا كان مأمورا من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة، وكذلك غسل الموتى، وتكفينهم، والصلاة عليهم، ودفنهم؛ فرض على الكفاية. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، والولايات كلها: الدينية، مثل إمرة المؤمنين وما دونها من ملك، ووزارة، وديوانية، سواء كانت كتابة خطاب أو كتابة حساب لمستخرج، أو مصروف في أرزاق المقاتلة أو غيرهم، ومثل إمارة حرب، وقضاء، وحسبة، وفروع هذه الولايات، إنما شرعت للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وكان رسول ﷺ في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور، ويولي في الأماكن البعيدة عنه، كما ولى على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص، وبعث عليا ومعاذا وأبا موسى إلى اليمن، وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث على الأموال الزكوية السعاة فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن، فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط، لا يأتي إلى -النبي ﷺ بشيء إذا وجد لها موضعا يضعها فيه. وكان النبي ﷺ يستوفي الحساب على العمال، يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي «أن النبي ﷺ استعمل رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقات، فلما رجع حاسبه. فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي. فقال النبي ﷺ : ما بال الرجل نستعمله على العمل بما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدى إلي؟، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟، والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرا له رغاء، وإن كانت بقرة لها خوار، وإن كانت شاة تيعر، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم هل بلغت؟، اللهم هل بلغت؟. قالها مرتين أو ثلاثا (٢)».

стр. 2611

والمقصود هنا: أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غيره عاجزا عنها، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم، أو نساجتهم، أو بنائهم؛ صار هذا العمل واجبا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم ألزم من صناعته الفلاحة بأن يصنعها لهم، فإن الجند يلزمون بأن لا يظلموا الفلاح كما ألزم الفلاح أن يفلح للجند. والمزارعة جائزة في أصح قولي العلماء، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم، وعهد خلفائه الراشدين، وعليها عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي، وغيرهم من بيوت المهاجرين، وهي قول أكابر الصحابة، كابن مسعود، وهي مذهب فقهاء الحديث، كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود بن علي، والبخاري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر، وغيرهم، ومذهب الليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم من فقهاء المسلمين، وكان النبي ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات، ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر من خيبر، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان البذر منهم لا من النبي ﷺ ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن البذر يجوز أن يكون من العامل، بل طائفة من الصحابة قالوا لا يكون البذر إلا من العامل. والذي نهى عنه النبي ﷺ من المخابرة، وكراء الأرض، قد جاء مفسرا بأنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة معينة، ومثل هذا الشرط باطل بالنص وإجماع العلماء، وهو كما لو شرط في المضاربة لرب المال دراهم معينة، فإن هذا لا يجوز بالاتفاق، لأن المعاملة مبناها على العدل، وهذه المعاملات من جنس المشاركات، والمشاركة إنما تكون إذا كان لكل من الشريكين جزء شائع كالثلث والنصف، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر لم يكن ذلك عدلا، بل كان ظلما. وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه المشاركات من باب الإجارات بعوض مجهول، فقالوا: القياس يقتضي تحريمها، ثم منهم من حرم المساقاة، والمزارعة، وأباح المضاربة استحبابا للحاجة، لأن الدراهم لا يمكن إجارتها كما يقول أبو حنيفة، ومنهم من أرباح المساقاة إما مطلقا كقول مالك والقديم للشافعي، أو على النخل والعنب كالجديد للشافعي، لأن الشجر لا يمكن إجارتها بخلاف الأرض، وأباحوا ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة، فأباحوا المزارعة تبعا للمساقاة كقول الشافعي إذا كانت الأرض أغلب، أو قدروا ذلك بالثلث كقول مالك، وأما جمهور السلف وفقهاء الأمصار فقالوا: هذا من باب المشاركة لا من باب الإجارة التي يقصد فيها العمل، فإن مقصود كل منهما ما يحصل من الثمر والزرع، وهما

стр. 2612

متشاركان، وهذا ببدنه، وهذا ببدنه، وهذا بماله، كالمضاربة. ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء: أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب نصيب المثل لا أجرة المثل، فيجب من الربح أو النماء إما ثلثه وإما نصفه، كما جرت العادة في مثل ذلك، ولا يجب أجرة مقدرة، فإن ذلك قد يستغرق المال وأضعافه، وإنما يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح، والواجب في الصحيح ليس هو أجرة مسماة، بل جزء شائع من الربح مسمى فيجب في الفاسدة نظير ذلك، والمزارعة آصل من المؤاجرة، وأقرب إلى العدل والأصول، فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة والمستأجر قد يحصل له زرع وقد لا يحصل، والعلماء مختلفون في جواز هذا، وجواز هذا، والصحيح جوازهما. وسواء كانت الأرض مقطعة أو لم تكن مقطعة، وما علمت أحدا من علماء المسلمين- لا أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم- قال: إن إجارة الإقطاع لا تجوز، وما زال المسلمون يؤجرون الأرض المقطعة من زمن الصحابة إلى زمننا هذا، لكن بعض أهل زماننا ابتدعوا هذا القول، قالوا: لأن المقطع لا يملك المنفعة، فيصير كالمستعير إذا أكرى الأرض المستعارة، وهذا القياس خطأ لوجهين: أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له، وإنما تبرع له المعير بها، وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم يقسم بينهم حقوقهم ليس متبرعا لهم كالمعير، والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى، وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على أصح قولي العلماء، فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أو غير ذلك بطريق الأولى والأحرى. الثاني: أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة مثل الإجارة في الاقطاع، وولي الأمر يأذن للمقطعين في الإجارة، وإنما أقطعهم لينتفعوا بها، إما بالمزارعة وإما بالإجارة، ومن حرم الانتفاع بها بالمؤاجرة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم، فإن المساكن كالحوانيت والدور ونحو ذلك لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة، وأما المزارع والبساتين فينتفع بها بالإجارة وبالمزارعة والمساقاة في الأمر العام، والمرابعة نوع من المزارعة، ولا تخرج عن ذلك إلا إذا استكرى بإجارة مقدرة من يعمل له فيها، وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس، لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء، بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم، فهو أقرب إلى العدل، فلهذا تختاره الفطر السليمة، وهذه المسائل لبسطها موضع آخر. والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل، فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن

стр. 2613

ذلك، ولا يمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل، وهذا من التسعير الواجب، وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل، لا يمكن المستعملون من ظلهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم، فهذا تسعير في الأعمال. وأما في الأموال فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد فعلى أهل السلاح أن يبيعوه بعوض المثل، ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون، والإمام لو عين أهل الجهاد للجهاد تعين عليهم، كما قال النبي ﷺ : «وإذا استنفرتم فانفروا (١)» أخرجاه في الصحيحين، وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه (٢)». فإذا وجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله، فكيف لا يجب عليه أن يبيع ما يحتاج إليه في الجهاد بعوض المثل؟ والعاجز عن الجهاد بنفسه يجب عليه الجهاد بماله في أصح قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فإن الله أمر بالجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٤)» أخرجاه في الصحيحين، فمن عجز عن الجهاد بالبدن لم يسقط عنه الجهاد بالمال، كما أن من عجز عن الجهاد بالمال لم يسقط عنه الجهاد بالبدن، ومن أوجب على المعضوب أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب الجهاد على المستطيع بماله فقوله ظاهر التناقض. ومن ذلك إذا كان الناس محتاجين إلى من يطحن لهم ومن يخبز لهم؛ لعجزهم عن الطحن والخبز في البيوت، كما كان أهل المدينة على عهد رسول الله ﷺ فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا ولا خبزا، بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم، فلم يكونوا يحتاجون إلى التسعير، وكان من قدم بالحب باعه فيشتريه الناس من الجالبين، ولهذا قال النبي ﷺ : «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون (٥)» وقال: «لا يحتكر إلا خاطئ (٦)» رواه مسلم في صحيحه، وما يروى عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن قفيز الطحان» فحديث ضعيف بل باطل، فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز لعدم حاجتهم إلى ذلك، كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون كلهم كفارا، لأن المسلمين كانوا مشتغلين بالجهاد. ولهذا لما فتح النبي ﷺ خيبر أعطاها لليهود يعملونها فلاحة، لعجز الصحابة عن فلاحتها،

стр. 2614

لأن ذلك يحتاج إلى سكناها، وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا نحو ألف وأربعمائة، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر، فهؤلاء هم الذين قسم النبي ﷺ بينهم أرض خيبر، فلو أقام طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وفتحت البلاد وكثر المسلمون استغنوا عن اليهود فأجلوهم، وكان النبي ﷺ قد قال: «نقركم فيها ما شئنا (١)» - وفي رواية - ما أقركم الله وأمر بإجلائهم منها عند موته ﷺ فقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب (٢)». ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر، وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه. والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على وجهين: أحدهما: أن يحتاجوا إلى صناعتهم، كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت، فهؤلاء يستحقون الأجرة وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصناع. والثاني: أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع، فيحتاجوا إلى من يشتري الحنطة ويطحنها وإلى من يخبزها ويبيعها خبزا، لحاجة الناس إلى شراء الخبز من الأسواق، فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة ويبيعوا الدقيق والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ضررا عظيما، فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين، كما يجب على كل من اشترى شيئا يقصد أن يبيعه بربح، سواء عمل فيه عملا أو لم يعمل، وسواء اشترى طعاما أو ثيابا أوحيوانا، وسواء كان مسافرا ينقل ذلك من بلد إلى بلد، أو كان متربصا به يحبسه إلى وقت النفاق، أو كان مديرا يبيع دائما ويشتري كأهل الحوانيت فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجارة، وإذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما تقدم، أو دخلوا طوعا فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام لواحد منهم بعينه، فعلى التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار بهم ولا بالناس.

стр. 2615

وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين: إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع منه في السوق في مذهب مالك. وهل يمنع النقصان؟ على قولين لهم. وأما الشافعي وأصحاب أحمد كأبي حفص العكبري، والقاضي أبي يعلي،

стр. 2616

والشريف أبي جعفر وأبي الخطاب، وابن عقيل وغيرهم فمنعوا من ذلك. واحتج مالك بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا. وأجاب الشافعي وموافقوه بما رواه فقال: حدثنا الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم بن محمد، عن عمر: أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما؟ فسعر له مدين لكل درهم. فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك. فإما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت. فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس بمعرفة منى ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع. قال الشافعي: هذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما رواه مالك، ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه أقول، لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم، إلا في المواضع التي تلزمهم، وهذا ليس منها قلت: وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور الناس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور، لأن المراعى حال الجمهور، وبه تقوم المبيعات. وروى ابن القاسم عن مالك لا يقام الناس لخمسة. قال: وعندي أنه يجب أن ينظر في ذلك إلى قدر الأسواق، وهل يقام من زاد في السوق- أي في قدر المبيع- بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه؟ قال أبو الحسن بن القصار المالكي: اختلف أصحابنا في قول مالك، ولكن من حط سعرا، فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية، وقال قوم من المصريين: أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة. قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان، لأن من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم، فربما أدى إلى الشغب والخصومة ففي منع الجميع مصلحة، قال أبو الوليد: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق. وأما الجالب ففي كتاب محمد: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون الناس، وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير إلا بسعر الناس وإلا رفعوا، قال: وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن أرخص بعضهم تركوا، وإن كثر المرخص قيل لمن

стр. 2617

بقي: إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا. قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون مأكولا أو غير مأكول، دون ما لا يكال ولا يوزن لأن غيره لا يمكن تسعيره؛ لعدم التماثل فيه. قال أبو الوليد: يريد إذا كان المكيل والموزون متساويا، فإذا اختلف لم يؤمر بائع الجيد أن يبيعه بسعر الدون.

стр. 2618

قلت: والمسألة الثانية التي تنازع فيها العلماء في التسعير: أن يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب. فهذا منع منه جمهور العلماء، حتى مالك نفسه في المشهور عنه، ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد، وذكر أبو الوليد عن سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعن يحيى بن سعيد أنهم أرخصوا فيه، ولم يذكر ألفاظهم. وروى أشهب بن مالك، في صاحب السوق يسعر على الجزارين، لحم الضأن ثلث رطل، ولحم الإبل نصف رطل، وإلا خرجوا من السوق. قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به، ولكن أخاف أن يقوموا من السوق. واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم ولا فساد عليهم، قالوا: ولا يجبر الناس على البيع، إنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري، ولا يمنع البائع ربحا ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس. وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي ﷺ ، وقد رواه أيضا أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له يا رسول الله، سعر لنا فقال: بل ادع الله ثم جاء رجل فقال رسول الله سعر لنا فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة (١)». قالوا: ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب، أو منعهم مما يباح شرعا: ظلم لهم، والظلم حرام. وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم، فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟

стр. 2619

فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا، ولا يجبرون على التسعير، ولكن عن رضا. قال وعلى هذا أجازه من أجازه. قال أبو الوليد: ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس. قلت: فهذا الذي تنازع فيه العلماء. وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه، وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع أن يبيع إلا بأكثر منه، فهنا يؤمر بما يجب عليه، ويعاقب على تركه بلا ريب. ومن منع التسعير مطلقا محتجا بقول النبي ﷺ : «إن الله هو المسعر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال (١)» فقد غلط فإن هذه قضية معينة ليست لفظا عاما، وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل. ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم، والمدينة كما ذكرنا إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبا من الجلب، وقد يباع فيها شيء يزرع فيها، وإنما كان يزرع فيها الشعير، فلم يكن البائعون ولا المشترون ناسا معينين، ولم يكن هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله ليجبر على عمل أو على بيع، بل المسلمون كلهم من جنس واحد، كلهم يجاهدون في سبيل الله ولم يكن من المسلمين البالغين القادرين على الجهاد إلا من يخرج في الغزو، وكل منهم يغزو بنفسه وماله، أو بما يعطاه من الصدقات أو الفيء، أو ما يجهزه به غيره، وكان إكراه البائعين على أن لا يبيعوا سلعهم إلا بثمن معين إكراها بغير حق، وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل البيع فإكراههم على تقدير الثمن كذلك لا يجوز. وأما من تعين عليه أن يبيع فكالذي كان النبي ﷺ قدر له الثمن الذي يبيع به ويسعر عليه، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط، (٢)» فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد فهذا لما وجب عليه أن يملك شريكه عتق نصيبه الذي لم يعتقه ليكمل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل لا وكس ولا شطط، ويعطي قسطه من القسمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد، ولهذا قال هؤلاء: كل ما لا يمكن قسمه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ويجبر الممتنع على

стр. 2620

البيع، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا، لأن حق الشريك في نصف القيمة كما دل عليه هذا الحديث الصحيح، ولا يمكن إعطاؤه ذلك إلا ببيع الجميع، فإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك، وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة، فكيف بمن كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام واللباس وغير ذلك. وهذا الذي أمر به النبي ﷺ من تقويم الجميع بقيمة المثل هو حقيقة التسعير، وكذلك يجوز للشريك أن ينزع النصف المشفوع من يد المشتري بمثل الثمن الذي اشتراه به، لا بزيادة للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة، وهذا ثابت بالسنة المستفيضة وإجماع العلماء، وهذا إلزام له بأن يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة، لأجل تحصيل مصلحة التكميل لواحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك ولم يكن له أن يبيعه للشريك بما شاء، بل ليس له أن يطلب من الشريك زيادة على الثمن الذي حصل له به، وهذا في الحقيقة من نوع التولية، فإن التولية أن يعطي المشترى السلعة لغيره بمثل الثمن الذي اشتراها به وهذا أبلغ من البيع بثمن المثل، ومع ها فلا يجبر المشتري على أن يبيعه لأجنبي غير الشريك إلا بما شاء إذ لا حاجة بذلك إلى شرائه كحاجة الشريك. فأما إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكنى في بيت إنسان إذا لم يجدوا مكانا يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم، وكذلك لو احتاجوا إلى أن يعيرهم ثيابا يستدفئون بها من البرد، أو إلى آلات يطبخون بها، أو يبنون أو يسقون: يبذل هذا مجانا، وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا يستقون به، أو قدرا يطبخون فيها، أو فأسا يحفرون به، فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة؟. فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، والصحيح وجوب بذل ذلك مجانا إذا كان صاحبها مستغنيا عن تلك المنفعة وعوضها، كما دل عليه الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٣) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٤) وفي السنن عن ابن مسعود قال: كنا نعد " الماعون" عارية الدلو والقدر والفأس. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه لما ذكر الخيل قال: «هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي هي له ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها (٥)» وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «من حق الإبل إعارة دلوها وأضراب فحلها (٦)» وثبت عنه ﷺ أنه «نهى عن عسب الفحل (٧)» وفي الصحيحين عنه أنه قال: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره (٨)» وإيجاب بذل هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره.

стр. 2621

ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض، فهل يجبر؟، على قولين للعلماء، هما روايتان عن أحمد، والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن الخطاب قال للممتنع: والله لتجرينها ولو على بطنك. ومذهب غير واحد من الصحابة والتابعين: أن زكاة الحلي عاريته، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره. والمنافع التي يجب بذلها نوعان: منها ما هو حق المال، كما ذكره في الخيل والإبل وعارية الحلي، ومنها ما يجب لحاجة الناس. وأيضا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم، وإفتاء الناس وأداء الشهادة والحكم بينهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد وغير ذلك من منافع الأبدان فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) وقال: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ (٢) من وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره. أحدها: أنه لا يجوز مطلقا. والثاني: لا يجوز إلا عند الحاجة. والثالث: يجوز إلا أن يتعين عليه. والرابع: يجوز، فإن أخذ أجرا عند العمل لم يأخذ عند الأداء، وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر. والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر، إما بثمن المثل، وإما بالثمن الذي اشتراه به، لم يحرم مطلقا تقدير الثمن، ثم إن ما قدر به النبي ﷺ في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية وذلك حق الله، وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله، ولهذا يجعل العلماء هذه حقوقا لله تعالى، وحدودا لله، بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم، وذلك مثل حقوق المساجد ومال الفيء، والصدقات، والوقف على أهل الحاجات، والمنافع العامة ونحو ذلك، ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر، فإن الذي يقتل شخصا لأجل المال يقتل حتما باتفاق العلماء، وليس لورثة المقتول العفو عنه، بخلاف من يقتل شخصا لغرض خاص، مثل خصومة بينهما، فإن هذا حق لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، باتفاق المسلمين وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن

стр. 2622

تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر ما شاء، وهنا عموم الناس عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم، فلو مكن من يحتاج إلى سلعته أن لا يبيع إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم. ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له بثمن المثل فيجب الفرق بين من عليه أن يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع، وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة، ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة، فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار، فإن رفع التاجر فيه إليه ثانيا حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرا له أو دفعا للضرر عن الناس، فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة وإذا تعدى أحد بعدما فعل ذلك أجبره القاضي، وهذا على قول أبي حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر، وكذا عندهما، أي عند أبي يوسف ومحمد، إلا أن يكون الحجر على قوم معينين، ومن باع منهم بما قدره الإمام صح، لأنه غير مكره عليه. وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟، قيل: هو على الاختلاف المعروف في مال المديون، وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق، لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام. والسعر لما غلا في عهد النبي ﷺ وطلبوا منه التسعير فامتنع، لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كانوا يبيعون الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، لكن نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد، نهاه أن يكون له سمسارا وقال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (١)» وهذا ثابت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه، فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة، لأنه إذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري، فنهاه عن التوكل له -مع أن جنس الوكالة مباح- لما في ذلك من زيادة السعر على الناس. «ونهى النبي ﷺ عن تلقي الجلب، (٢)» وهذا أيضا ثابت في الصحيح من غير وجه، وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار، ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه، فأثبت النبي ﷺ الخيار لهذا البائع، وهل هذا الخيار فيه ثابت مطلقا أو إذا غبن؟، قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد، أظهرها أنه إنما يثبت له الخيار إذا غبن، والثاني يثبت له الخيار

стр. 2623

مطلقا، وهو ظاهر مذهب الشافعي. وقال طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشترى إذا تلقاه المتلقي فاشتراه ثم باعه، وفي الجملة فقد نهي النبي ﷺ عن البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل، ويعلم المشتري بالسلعة وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع كما يقول، وللبادي أن يوكل الحاضر. ولكن الشارع رأى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل فيكون المشتري غارا له، ولهذا ألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل، والمسترسل: الذي لا يماكس الجاهل بقيمة المبيع، فإنه بمنزلة الجالبين الجاهلين بالسعر، فتبين أنه يجب على الإنسان أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف، وهو ثمن المثل، وإن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك البائع، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير مماكسين له، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى، فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك، وإذا لم يرض بثمن المثل لم يلتفت إلى سخطه. ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس، فإن الأصل في البيع الصحة وأن يكون الباطن كالظاهر، فإذا اشترى على ذلك فما عرف رضاه إلا بذلك، فإذا تبين أن في السلعة غشا أو عيبا فهو كما لو وصفها بصفة وتبينت بخلافها فقد يرضى وقد لا يرضى، فإن رضي وإلا فسخ البيع وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي ﷺ أنه قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما (١)»، وفي السنن «أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فأمره أن يقبل منه بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض في قلعها، وقال لصاحب الشجرة: إنما أنت مضار» فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها، فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري. وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام؟. ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن والخبز، ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك، وهو إنما ضمنها ليتجر فيها، فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم يحتاجون لم يمكن من ذلك، وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل، كما يلزم الذي يشتري الحنطة ويطحنها ليتجر فيها، والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس إلى ما عنده، بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى، بل إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر

стр. 2624

الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم، وإذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن المعروف لم يحتج إلى تسعير، وإما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس، ولا شطط (١). انتهى كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى -.

стр. 2625

وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: (١). وأما التسعير: فمنه ما هو ظلم محرم. ومنه ما هو عدل جائز. فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم. فهو حرام. وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل. فهو جائز، بل واجب. فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال: «غلا السعر على عهد النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت لنا؟. فقال: إن الله هو القابض الرازق، الباسط المسعر. وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال (٢)» رواه أبو داود والترمذي وصححه. فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر - إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق - فهذا إلى الله. فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها: إكراه بغير حق. وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها، مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل. ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل. والتسعير هاهنا إلزام - بالعدل الذي ألزمهم الله به. فصل: ومن أقبح الظلم: إيجار الحانوت على الطريق، أو في القرية، بأجرة معينة على أن لا يبيع أحد غيره- فهذا ظلم حرام على المؤجر والمستأجر. وهو نوع من أخذ أموال الناس قهرا، وأكلها بالباطل. وفاعله قد تحجر واسعا. فيخاف عليه أن يحجر الله عنه رحمته. كما حجر على الناس فضله ورزقه. فصل: ومن ذلك: أن يلزم الناس أن لا يبيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون. فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب. فهذا من البغي في الأرض والفساد، والظلم الذي يحبس به قطر السماء. وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وأن لا

стр. 2626

يبيعوا إلا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء. لأنه إذا منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا: كان ذلك ظلما للناس: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك السلع، وظلما للمشترين منهم. فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع. وحقيقته: إلزامهم بالعدل، ومنعهم من الظلم. وهذا كما أنه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حق، فيجوز أو يجب الإكراه عليه بحق، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة، ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس، ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير. فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل. ومثل الأخذ بالشفعة. فإن للشفيع أن يتملك الشقص بثمنه قهرا. وكذلك السراية في العتق. فإنها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرا. وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرا. وكل من وجب عليه شيء من الطعام واللباس والرقيق والمركوب- بحج أو كفارة أو نفقه- فمتى وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه، وأجبر على ذلك. ولم يكن له أن يمتنع حتى يبذل له مجانا، أو بدون ثمن المثل. فصل: ومن هاهنا: منع غير واحد من العلماء- كأبي حنيفة وأصحابه- القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجره: أن يشتركوا. فإنهم إذا اشتركوا- والناس يحتاجون إليهم- أغلوا عليهم الأجرة. قلت: كذلك ينبغي لوالي الحسبة: أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم. وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم، كالشهود والدلالين وغيرهم، على أن في شركة الشهود مبطلا آخر. فإن عمل كل واحد منهم متميز عن عمل الآخر، لا يمكن الاشتراك فيه. فإن الكتابة متميزة، والتحمل متميز، والأداء متميز، لا يقع في ذلك اشتراك ولا تعاون فبأي وجه يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه؟ وهذا بخلاف الاشتراك في سائر الصنائع. فإنه يمكن أحد الشريكين أن يعمل بعض العمل والآخر بعضه. ولهذا إذا اختلفت الصنائع: لم تصح الشركة على أحد الوجهين لتعذر اشتراكهما في العمل. ومن صححها نظر إلى أنهما يشتركان فيما تتم به صناعة كل واحد منهما من الحفظ والنظر إذا خرج لحاجة. فيقع الاشتراك فيما يتم به عمل كل صاحب السلعة في بيعها. فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلا له فيما وكل فيه. فإن قلنا: ليس للوكيل أن يوكل: لم تصح الشركة. وإن قلنا: له أن يوكل: صحت. فعلى والي الحسبة: أن يعرف هذه الأمور، ويراعيها، ويراعي مصالح الناس وهيهات هيهات ذهب ما هنالك.

стр. 2627

والمقصود: أنه إذا منع القسامون ونحوهم من الشركة، لما فيها من التواطؤ على إغلاء الجرة، فمنع البائعين الذين تواطئوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدره أولى وأحرى. وكذلك يمنع والي الحسبة المشترين من الاشتراك في شيء لا يشتريه غيرهم. لما في ذلك من ظلم البائع. وأيضا: فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها: قد تواطئوا على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل، ويبيعون ما يبيعونه بأكثر من ثمن المثل، ويقتسمون ما يشتركون فيه من الزيادة كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان. وقد قال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) ولا ريب أن هذا أعظم إثما وعدوانا من تلقي السلع، وبيع الحاضر للبادي، ومن النجش. فصل: ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة - كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك - فلولي الأمر: أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك. ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد والشافعي: إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية، لحاجة الناس إليها. وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم، وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها. وكان النبي ﷺ يتولى أمر ما يليه بنفسه. ويولي فيما بعد عنه، كما ولى على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص الثقفي، وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص. وبعث عليا ومعاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن. وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث السعاة على الأموال الزكوية، فيأخذونها ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها. فيرجع الساعي على المدينة وليس معه إلا سوطه، ولا يأتي بشيء من الأموال إذا وجد لها موضعا يضعها فيه. فصل: وكان النبي ﷺ يستوفي الحساب على عماله، يحاسبهم على المستخرج والمصروف كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ استعمل رجلا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية، على الصدقات فلما رجع حاسبه. فقال: هذا لكم. وهذا أهدى إلي. فقال النبي ﷺ : «ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله، فيقول: هذا لكم وهذا أهدى إلي؟، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه، فينظر: أيهدي إليه أم لا؟

стр. 2628

والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء. وأن كانت بقرة لها خوار. وإن كانت شاة تيعر. ثم رفع يديه إلى السماء. وقال: اللهم هل بلغت؟. قالها مرتين، أو ثلاثا (١)». والمقصود: أن هذه الأعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرض عين عليه. فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم، أو نساجتهم، أو بنائهم؛ صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل. ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل. ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم وألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها: ألزم الجند بأن لا يظلموا الفلاح، كما يلزم الفلاح بأن يفلح. ولو اعتمد الجند والأمراء مع الفلاحين: ما شرعه الله ورسوله، وجاءت به السنة وفعله الخلفاء الراشدون؛ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض. وكان الذي يحصل لهم من المغل أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان. ولكن يأبى لهم جهلهم وظلمهم إلا أن يركبوا الظلم والإثم. فيمنعوا البركة وسعة الرزق. فيجمع لهم عقوبة الآخرة، ونزع البركة في الدنيا. فإن قيل: وما الذي شرعه الله ورسوله، وفعله الصحابة، حتى يفعله من وفقه الله؟. قيل: المزارعة العادلة، التي يكون المقطع والفلاح فيها على حد سواء من العدل، لا يختص أحدهما عن الآخر بشيء من هذه الرسوم التي ما أنزل الله بها من سلطان. وهي التي خربت البلاد وأفسدت العباد ومنعت الغيث، وأزالت البركات، وعرضت أكثر الجند والأمراء لأكل الحرام. وإذا نبت الجسد على الحرام فالنار أولى به. وهذه المزارعة العادلة: هي عمل المسلمين على عهد النبي ﷺ ، وعهد خلفائه الراشدين، وهي عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي، وغيرهم من بيوت المهاجرين. وهي قول أكابر الصحابة، كابن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وغيرهم. وهي مذهب فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وداود بن علي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر، ومحمد بن نصر المروزي. وهي مذهب عامة أئمة المسلمين كالليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن وغيرهم. وكان النبي ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات. ولم تزل

стр. 2629

تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر. وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان البذر منهم، لا من النبي ﷺ . ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء: أن البذر يجوز أن يكون من العامل كما مضت به السنة، بل قد قالت طائفة من الصحابة: لا يكون البذر إلا من العامل، لفعل النبي ﷺ . ولأنهم أجروا البذر مجرى النفع والماء. والصحيح: أنه يجوز أن يكون من رب الأرض، وأن يكون من العامل، وأن يكون منهما. وقد ذكر البخاري في صحيحه: (أن عمر بن الخطاب ﵁ عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده: فله الشطر. وإن جاءوا بالبذر: فلهم كذا). والذين منعوا المزارعة: منهم من احتج بأن النبي ﷺ «نهى عن المخابرة (١)» ولكن الذي نهى عنه هو الظلم؛ فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها. ويشترطون ما على الماذيانات وإقبال الجداول، وشيئا من التبن يختص به صاحب الأرض. ويقتسمان الباقي. وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع، فإن المعاملة مبناها على العدل من الجانبين وهذه المعاملات من جنس المشاركات، لا من باب المعاوضات. والمشاركة العادلة: هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلما. فهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ ، كما قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك: أمر إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه: علم أنه لا يجوز. وأما ما فعله هو وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة: فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه. فصل: وقد ظن طائفة من الناس: أن هذه المشاركات من باب الإجارة بعوض مجهول. فقالوا: القياس- يقتضي تحريمها. ثم منهم من حرم المساقاة والمزارعة، وأباح المضاربة استحسانا للحاجة. لأن الدراهم لا تؤجر كما يقول أبو حنيفة. ومنهم من أباح المساقاة: إما مطلقا، كقول مالك والشافعي في القديم، أو على النخل والعنب خاصة، كالجديد له. لأن الشجر لا يمكن إجارته، بخلاف الأرض. وأباح ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة. ثم منهم من قدر ذلك بالثلث، كقول مالك. ومنهم من اعتبر كون الأرض أغلب كقول

стр. 2630

الشافعي. وأما جمهور السلف والفقهاء، فقالوا: ليس ذلك من باب الإجارة في شيء بل هو من باب المشاركات التي مقصود كل منهما مثل مقصود صاحبه، بخلاف الإجارة. فإن هذا مقصوده العمل، وهذا مقصوده الأجرة. ولهذا كان الصحيح أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب فيها نصيب المثل، لا أجرة المثل. فيجب من الربح والنماء في فاسدها نظير ما يجب في صحيحها، لا أجرة مقدرة. فإن لم يكن ربح ولا نماء: لم يجب شيء. فإن أجرة المثل قد تستغرق رأس المال وأضعافه وهذا ممتنع. فإن قاعدة الشرع: أنه يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح منها. كما يجب في النكاح الفاسد مهر المثل. وهو نظير ما يجب في الصحيح. وفي البيع الفاسد إذا فات: ثمن المثل. وفي الإجارة الفاسدة. أجرة المثل. فكذلك يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل وفي المساقاة والمزارعة الفاسدة: نصيب المثل. فإن الواجب في صحيحها ليس هو أجرة مسماة. فيجب في فاسدها أجرة المثل، بل هو جزء شائع من الربح. فيجب في الفاسدة نظيره. قال شيخ الإسلام وغيره من الفقهاء والمزارعة أحل من المؤاجرة. وأقرب إلى العدل. فإنهما يشتركان في المغرم والمغنم بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة. والمستأجر قد يحصل له زرع، وقد لا يحصل. والعلماء مختلفون في جواز هذا وهذا. والصحيح: جوازهما، سواء كانت الأرض إقطاعا أو غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما علمت أحدا من علماء الإسلام- من الأئمة الأربعة ولا غيرهم- قال: إجارة الإقطاع لا تجوز. وما زال المسلمون يؤجرون إقطاعاتهم قرنا بعد قرن، من زمن الصحابة إلى زمننا هذا، حتى حدث بعض أهل زمننا فابتدع القول ببطلان إجارة الإقطاع. وشبهته: أن المقطع لا يملك المنفعة. فيصير كالمستعير. لا يجوز أن يكرى الأرض المعارة. وهذا قياس خطأ من وجهين. أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له. إنما تبرع المعير بها. وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم بينهم حقوقهم. ليس متبرعا لهم كالمعير. والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق، كما يستوفي الموقوف عليه منافع الموقوف وأولى. وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على الصحيح- فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أولى. الثاني أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة، وولي الأمر يأذن للمقطع في الإجارة. فإنه إنما أقطعهم لينتفعوا بها: إما بالمزارعة، وإما بالإجارة. ومن منع الانتفاع بها بالإجارة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم. وألزم الجند والأمراء أن يكونوا هم الفلاحين. وفي ذلك من الفساد ما فيه. وأيضا: فإن الإقطاع قد يكون دورا وحوانيت، لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة. فإذا لم تصح
следующие страницы →