← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

يبيعوا إلا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء. لأنه إذا منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا: كان ذلك ظلما للناس: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك السلع، وظلما للمشترين منهم. فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع. وحقيقته: إلزامهم بالعدل، ومنعهم من الظلم. وهذا كما أنه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حق، فيجوز أو يجب الإكراه عليه بحق، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة، ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس، ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير. فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل. ومثل الأخذ بالشفعة. فإن للشفيع أن يتملك الشقص بثمنه قهرا. وكذلك السراية في العتق. فإنها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرا. وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرا. وكل من وجب عليه شيء من الطعام واللباس والرقيق والمركوب- بحج أو كفارة أو نفقه- فمتى وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه، وأجبر على ذلك. ولم يكن له أن يمتنع حتى يبذل له مجانا، أو بدون ثمن المثل. فصل: ومن هاهنا: منع غير واحد من العلماء- كأبي حنيفة وأصحابه- القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجره: أن يشتركوا. فإنهم إذا اشتركوا- والناس يحتاجون إليهم- أغلوا عليهم الأجرة. قلت: كذلك ينبغي لوالي الحسبة: أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم. وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم، كالشهود والدلالين وغيرهم، على أن في شركة الشهود مبطلا آخر. فإن عمل كل واحد منهم متميز عن عمل الآخر، لا يمكن الاشتراك فيه. فإن الكتابة متميزة، والتحمل متميز، والأداء متميز، لا يقع في ذلك اشتراك ولا تعاون فبأي وجه يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه؟ وهذا بخلاف الاشتراك في سائر الصنائع. فإنه يمكن أحد الشريكين أن يعمل بعض العمل والآخر بعضه. ولهذا إذا اختلفت الصنائع: لم تصح الشركة على أحد الوجهين لتعذر اشتراكهما في العمل. ومن صححها نظر إلى أنهما يشتركان فيما تتم به صناعة كل واحد منهما من الحفظ والنظر إذا خرج لحاجة. فيقع الاشتراك فيما يتم به عمل كل صاحب السلعة في بيعها. فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلا له فيما وكل فيه. فإن قلنا: ليس للوكيل أن يوكل: لم تصح الشركة. وإن قلنا: له أن يوكل: صحت. فعلى والي الحسبة: أن يعرف هذه الأمور، ويراعيها، ويراعي مصالح الناس وهيهات هيهات ذهب ما هنالك.

стр. 2627

والمقصود: أنه إذا منع القسامون ونحوهم من الشركة، لما فيها من التواطؤ على إغلاء الجرة، فمنع البائعين الذين تواطئوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدره أولى وأحرى. وكذلك يمنع والي الحسبة المشترين من الاشتراك في شيء لا يشتريه غيرهم. لما في ذلك من ظلم البائع. وأيضا: فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها: قد تواطئوا على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل، ويبيعون ما يبيعونه بأكثر من ثمن المثل، ويقتسمون ما يشتركون فيه من الزيادة كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان. وقد قال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) ولا ريب أن هذا أعظم إثما وعدوانا من تلقي السلع، وبيع الحاضر للبادي، ومن النجش. فصل: ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة - كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك - فلولي الأمر: أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك. ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد والشافعي: إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية، لحاجة الناس إليها. وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم، وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها. وكان النبي ﷺ يتولى أمر ما يليه بنفسه. ويولي فيما بعد عنه، كما ولى على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص الثقفي، وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص. وبعث عليا ومعاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن. وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث السعاة على الأموال الزكوية، فيأخذونها ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها. فيرجع الساعي على المدينة وليس معه إلا سوطه، ولا يأتي بشيء من الأموال إذا وجد لها موضعا يضعها فيه. فصل: وكان النبي ﷺ يستوفي الحساب على عماله، يحاسبهم على المستخرج والمصروف كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ استعمل رجلا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية، على الصدقات فلما رجع حاسبه. فقال: هذا لكم. وهذا أهدى إلي. فقال النبي ﷺ : «ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله، فيقول: هذا لكم وهذا أهدى إلي؟، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه، فينظر: أيهدي إليه أم لا؟

стр. 2628

والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء. وأن كانت بقرة لها خوار. وإن كانت شاة تيعر. ثم رفع يديه إلى السماء. وقال: اللهم هل بلغت؟. قالها مرتين، أو ثلاثا (١)». والمقصود: أن هذه الأعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرض عين عليه. فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم، أو نساجتهم، أو بنائهم؛ صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل. ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل. ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم وألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها: ألزم الجند بأن لا يظلموا الفلاح، كما يلزم الفلاح بأن يفلح. ولو اعتمد الجند والأمراء مع الفلاحين: ما شرعه الله ورسوله، وجاءت به السنة وفعله الخلفاء الراشدون؛ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض. وكان الذي يحصل لهم من المغل أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان. ولكن يأبى لهم جهلهم وظلمهم إلا أن يركبوا الظلم والإثم. فيمنعوا البركة وسعة الرزق. فيجمع لهم عقوبة الآخرة، ونزع البركة في الدنيا. فإن قيل: وما الذي شرعه الله ورسوله، وفعله الصحابة، حتى يفعله من وفقه الله؟. قيل: المزارعة العادلة، التي يكون المقطع والفلاح فيها على حد سواء من العدل، لا يختص أحدهما عن الآخر بشيء من هذه الرسوم التي ما أنزل الله بها من سلطان. وهي التي خربت البلاد وأفسدت العباد ومنعت الغيث، وأزالت البركات، وعرضت أكثر الجند والأمراء لأكل الحرام. وإذا نبت الجسد على الحرام فالنار أولى به. وهذه المزارعة العادلة: هي عمل المسلمين على عهد النبي ﷺ ، وعهد خلفائه الراشدين، وهي عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي، وغيرهم من بيوت المهاجرين. وهي قول أكابر الصحابة، كابن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وغيرهم. وهي مذهب فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وداود بن علي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر، ومحمد بن نصر المروزي. وهي مذهب عامة أئمة المسلمين كالليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن وغيرهم. وكان النبي ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات. ولم تزل

стр. 2629

تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر. وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان البذر منهم، لا من النبي ﷺ . ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء: أن البذر يجوز أن يكون من العامل كما مضت به السنة، بل قد قالت طائفة من الصحابة: لا يكون البذر إلا من العامل، لفعل النبي ﷺ . ولأنهم أجروا البذر مجرى النفع والماء. والصحيح: أنه يجوز أن يكون من رب الأرض، وأن يكون من العامل، وأن يكون منهما. وقد ذكر البخاري في صحيحه: (أن عمر بن الخطاب ﵁ عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده: فله الشطر. وإن جاءوا بالبذر: فلهم كذا). والذين منعوا المزارعة: منهم من احتج بأن النبي ﷺ «نهى عن المخابرة (١)» ولكن الذي نهى عنه هو الظلم؛ فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها. ويشترطون ما على الماذيانات وإقبال الجداول، وشيئا من التبن يختص به صاحب الأرض. ويقتسمان الباقي. وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع، فإن المعاملة مبناها على العدل من الجانبين وهذه المعاملات من جنس المشاركات، لا من باب المعاوضات. والمشاركة العادلة: هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلما. فهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ ، كما قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك: أمر إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه: علم أنه لا يجوز. وأما ما فعله هو وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة: فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه. فصل: وقد ظن طائفة من الناس: أن هذه المشاركات من باب الإجارة بعوض مجهول. فقالوا: القياس- يقتضي تحريمها. ثم منهم من حرم المساقاة والمزارعة، وأباح المضاربة استحسانا للحاجة. لأن الدراهم لا تؤجر كما يقول أبو حنيفة. ومنهم من أباح المساقاة: إما مطلقا، كقول مالك والشافعي في القديم، أو على النخل والعنب خاصة، كالجديد له. لأن الشجر لا يمكن إجارته، بخلاف الأرض. وأباح ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة. ثم منهم من قدر ذلك بالثلث، كقول مالك. ومنهم من اعتبر كون الأرض أغلب كقول

стр. 2630

الشافعي. وأما جمهور السلف والفقهاء، فقالوا: ليس ذلك من باب الإجارة في شيء بل هو من باب المشاركات التي مقصود كل منهما مثل مقصود صاحبه، بخلاف الإجارة. فإن هذا مقصوده العمل، وهذا مقصوده الأجرة. ولهذا كان الصحيح أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب فيها نصيب المثل، لا أجرة المثل. فيجب من الربح والنماء في فاسدها نظير ما يجب في صحيحها، لا أجرة مقدرة. فإن لم يكن ربح ولا نماء: لم يجب شيء. فإن أجرة المثل قد تستغرق رأس المال وأضعافه وهذا ممتنع. فإن قاعدة الشرع: أنه يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح منها. كما يجب في النكاح الفاسد مهر المثل. وهو نظير ما يجب في الصحيح. وفي البيع الفاسد إذا فات: ثمن المثل. وفي الإجارة الفاسدة. أجرة المثل. فكذلك يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل وفي المساقاة والمزارعة الفاسدة: نصيب المثل. فإن الواجب في صحيحها ليس هو أجرة مسماة. فيجب في فاسدها أجرة المثل، بل هو جزء شائع من الربح. فيجب في الفاسدة نظيره. قال شيخ الإسلام وغيره من الفقهاء والمزارعة أحل من المؤاجرة. وأقرب إلى العدل. فإنهما يشتركان في المغرم والمغنم بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة. والمستأجر قد يحصل له زرع، وقد لا يحصل. والعلماء مختلفون في جواز هذا وهذا. والصحيح: جوازهما، سواء كانت الأرض إقطاعا أو غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما علمت أحدا من علماء الإسلام- من الأئمة الأربعة ولا غيرهم- قال: إجارة الإقطاع لا تجوز. وما زال المسلمون يؤجرون إقطاعاتهم قرنا بعد قرن، من زمن الصحابة إلى زمننا هذا، حتى حدث بعض أهل زمننا فابتدع القول ببطلان إجارة الإقطاع. وشبهته: أن المقطع لا يملك المنفعة. فيصير كالمستعير. لا يجوز أن يكرى الأرض المعارة. وهذا قياس خطأ من وجهين. أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له. إنما تبرع المعير بها. وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم بينهم حقوقهم. ليس متبرعا لهم كالمعير. والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق، كما يستوفي الموقوف عليه منافع الموقوف وأولى. وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على الصحيح- فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أولى. الثاني أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة، وولي الأمر يأذن للمقطع في الإجارة. فإنه إنما أقطعهم لينتفعوا بها: إما بالمزارعة، وإما بالإجارة. ومن منع الانتفاع بها بالإجارة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم. وألزم الجند والأمراء أن يكونوا هم الفلاحين. وفي ذلك من الفساد ما فيه. وأيضا: فإن الإقطاع قد يكون دورا وحوانيت، لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة. فإذا لم تصح

стр. 2631

إجارة الإقطاع تعطلت منافع ذلك بالكلية، وكون الإقطاع معرضا لرجوع الإمام فيه. مثل كون الموهوب للولد معرضا لرجوع الوالد فيه وكون الصداق قبل الدخول معرضا نصفه أو كله إلى الزوج، وذلك لا يمنع صحة الإجارة بالاتفاق. فليس مع المبطل نص ولا قياس، ولا مصلحة، ولا نظر. وإذا أبطلوا المزارعة والإجارة ولم يبق بيد الجند إلا أن يستأجروا من أموالهم من يزرع الأرض ويقوم عليها. وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس. لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم. فهي أقرب إلى العدل. وهذه المسألة ذكرت استطرادا. وإلا فالمقصود: أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات- كالفلاحين وغيرهم - أجبروا على ذلك بأجرة المثل. وهذا من التسعير الواجب. فهذا تسعير في الأعمال. وأما التسعير في الأموال: فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلات. فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل، ولا يمكنوا من حبسه إلا بما يريدونه من الثمن. والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته؟ ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير: فقوله ظاهر التناقض. وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وهو الصواب. فصل: وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي ﷺ بالمدينة. لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا وخبزا. بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم. وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد، بل يشتريه الناس من الجلابين. ولهذا جاء في الحديث: «الجالب مرزوق. والمحتكر ملعون (١)». وكذلك لم يكن في المدينة حائك. بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما. فيشترونها ويلبسونها.

стр. 2632

فصل: وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين: إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب، فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك. فإنه يمنع من ذلك عند مالك وهل يمنع من النقصان؟ على قولين لهم. واحتج مالك ﵀ بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب: (أن عمر

стр. 2633

ابن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبا له بالسوق. فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا). قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس: لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس، وإما رفعت. وإما أن يقول للناس كلهم- يعني: لا تبيعوا إلا بسعر كذا- فليس ذلك بالصواب. وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل الأبلة، حين حط سعرهم لمنع البحر. فكتب (خل بينهم وبين ذلك. فإنما السعر بيد الله). قال ابن رشد في كتاب البيان: أما الجالبون فلا خلاف أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه للبيع وإنما يقال لمن شذ منهم، فباع بأغلى مما يبيع به العامة: إما أن تبيع بما تبيع به العامة، وإما أن ترفع من السوق كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له: (إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا)، لأنه كان يبيع بالدرهم الواحد أقل مما كان يبيع به أهل السوق. وأما أهل الحوانيت والأسواق الذين يشترون من الجلابين وغيرهم جملة، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا، مثل اللحم والأدم، والفواكه- فقيل: إنهم كالجلابين، لا يسعر لهم شيء من بياعاتهم. وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إما أن تبيع كما يبيع الناس، وإما أن ترفع من السوق وهو قول مالك في هذه الرواية. وممن روى عنه ذلك من السلف: عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله. قيل: إنهم في هذا بخلاف الجالبين، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس، ولم يقتنعوا من الربح بما يشبهه. وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به. فيجعل لهم من الربح ما يشبهه وينهاهم أن يزيدوا على ذلك. ويتفقد السوق أبدا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق وهذا قول مالك في رواية أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب. وقال به ابن المسيب، ويحيى بن سعيد، والليث بن سعد، وربيعة. ولا يجوز عند أحد العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن أو أقل. وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون: لم يتركهم أن يغلوا في الشراء، وإن لم يزيدوا في الربح على القدر الذي حد لهم. فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم. وأما الشافعي: فإنه عارض في ذلك بما رواه عن الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن

стр. 2634

القاسم بن محمد عن عمر ﵁ (أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما). فقال له: مدين لكل درهم. فقال عمر: قد حدثت بعير جاءت من الطائف تحمل زبيبا وهم يغترون بسعرك. فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه. ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس عزمة مني، ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد. فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع). قال الشافعي: وهذا الحديث مستفيض. وليس بخلاف لما رواه مالك. ولكنه روى بعض الحديث، أو رواه عنه من رواه. وهذا أتى بأول الحديث وآخره. وبه أقول. لأن الناس مسلطون على أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم الأخذ فيها. وهذا ليس منها. وعلى قول مالك: فقال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر به من حط عنه أن يلحق به: هو السعر الذي عليه جمهور الناس. فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر. أمروا باللحاق بسعر الناس، أو ترك البيع. فإن زاد في السعر واحد، أو عدد يسير: لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره. لأن المراعى حال الجمهور. وبه تقوم المبيعات. وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم- كما يقام من نقص منه؟. قال ابن القصار المالكي: اختلف أصحابنا في قول مالك (ولكن من حط سعرا) فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم، والناس يبيعون ثمانية. وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية، والناس يبيعون خمسة. فيفسد على أهل السوق بيعهم. وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية، والناس يبيعون خمسة. فيفسد على أهل السوق بيعهم. وربما أدى إلى الشغب والخصومه. قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان. لأن من باع ثمانية - والناس يبيعون خمسة- أفسد على أهل السوق بيعهم. وربما أدى إلى الشغب والخصومة. فمنع الجميع مصلحة. قال أبو الوليد: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق. وأما الجالب: ففي كتاب محمد: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس. وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير بسعر الناس، وإلا رفعوا. وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء، إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن أرخص بعضهم تركوا، وإن أرخص أكثرهم، قيل لمن بقي إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا.

стр. 2635

قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون، مأكولا كان أو غيره، دون ما لا يكال ولا يوزن. لأنه لا يمكن تسعيره، لعدم التماثل فيه. قال أبو الوليد: هذا إذا كان المكيل والموزون متساويين. أما إذا اختلفا، لم يؤمر صاحب الجيد. أن يبيعه بسعر الدون.

стр. 2636

فصل: وأما المسألة الثانية - التي تنازعوا فيها من التسعير: فهي أن يحد لأهل السوق حدا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب. فهذا منع منه الجمهور، حتى مالك نفسه في المشهور عنه. ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم، والقاسم بن محمد. وروى أشهب عن مالك - في صاحب السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن بكذا، ولحم الإبل بكذا، وإلا أخرجوا من السوق - قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم، فلا بأس به ولكن لا يأمرهم أن يقوموا من السوق. واحتج أصحاب هذا القول بأن في هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم. ولا يجبر الناس على البيع وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر، على حساب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري. وأما الجمهور: فاحتجوا بما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، سعر لنا. فقال: بل ادعوا الله. ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر لنا. فقال: بل الله يرفع ويخفض. وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة (١)». قالوا: ولأن إجبار الناس على ذلك ظلم لهم. فصل: وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم، استظهارا على صدقهم، فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا به. ولا يجبرهم على التسعير، ولكن عن رضى.

стр. 2637

قال أبو الوليد: ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين. ويجعل الباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم. ولا يكون فيه إجحاف بالناس. وإذا سعر عليهم من غير رضى، بما لا ربح لهم فيه: أدى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس. قال شيخنا: فهذا الذي تنازعوا فيه. وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه: فهنا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه. وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع. ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النبي ﷺ «إن الله هو المسعر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال (١)» قيل له: هذه قضية معينة. وليست لفظا عاما. وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه. ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه. فإذا بذله صاحبه- كما جرت العادة، ولكن الناس تزايدوا فيه- فهنا لا يسعر عليهم. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك، فقال: «من أعتق شركا به في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، لا وكس ولا شطط (٢)». فأعطى شركاءه حصصهم. وعتق عليه العبد فلم يكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد. فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد: قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل، ويعطيه قسطه من القيمة. فإن حق الشريك في نصف القيمة، لا في قيمة النصف عند الجمهور. وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه، فإنه يباع ويقسم ثمنه، إذا طلب أحد الشركاء ذلك. ويجبر الممتنع على البيع. وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا. وصار أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل، لا بما يزيد عن الثمن. وصار أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه، للمصلحة الراجحة، كما في الشفعة. وصار أصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. والمقصود: أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل، لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم، وهم إليها أضر؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره. وهذا الذي أمر به النبي ﷺ من تقويم الجميع قيمة المثل: هو حقيقة التسعير. وكذلك سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع فيه من يد المشتري بثمنه الذي ابتاعه به لا بزيادة عليه، لأجل مصلحة التكميل لواحد. فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الذي

стр. 2638

وقع عليه العقد لا بما شاء المشتري من الثمن، لأجل هذه المصلحة الجزئية. فكيف إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب؟ وكذلك إذا اضطر الحاج إلى ما عند الناس من آلات السفر وغيرها. فعلى ولي الأمر أن يجبرهم على ذلك بثمن المثل، لا بما يريدونه من الثمن. وحديث العتق أصل في ذلك كله. فصل: فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان، لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك: وجب على صاحبه بذله بلا نزاع. لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا؟ فيه قولان للعلماء. وهما وجهان لأصحاب أحمد. ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل قال شيخنا: والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا، كما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٣) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٤) قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة (وهو إعارة القدر والدلو والفأس ونحوها) وفي الصحيحين عن النبي ﷺ - وذكر الخيل- «قال هي لرجل أجر. ولرجل ستر. وعلى رجل وزر. فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله. وأما الذي هي له ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا. ولم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها (٥)». وفي الصحيحين عنه أيضا «من حق الإبل إعارة دلوها، وإطراق فحلها (٦)» وفي الصحيحين عنه أنه «نهى عن عسب الفحل (٧)» أي عن أخذ الأجرة عليه، والناس يحتاجون إليه. فأوجب بذله مجانا. ومنع من أخذ الأجرة عليه. وفي الصحيحين عنه أنه قال: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره (٨)». ولو احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره، من غير ضرر لصاحب الأرض فهل يجبر على ذلك؟ روايتان عن أحمد والإجبار: قول عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة ﵃. وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين (أن زكاة الحلي عاريته. فإذا لم يعره فلا بد من زكاته). وهذا وجه في مذهب أحمد. قلت: وهو الراجح، وأنه لا يخلو الحلى من زكاة أو عارية والمنافع التي يجب بذلها نوعان منها:

стр. 2639

ما هو حق المال، كما ذكرنا في الخيل، والإبل، والحلي. ومنها: ما يجب لحاجة الناس. وأيضا: فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة، كتعليم العلم، وإفتاء الناس، والحكم بينهم، وأداء الشهادة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من منافع الأبدان. وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه. فإن ترك ذلك- مع قدرته عليه- أثم وضمنه. فلا يمتنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج. وقد قال تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) وقال: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ (٢). وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال: وهي أربعة أوجه في مذهب أحمد أحدها: أنه لا يجوز مطلقا. والثاني: أنه يجوز عند الحاجة. والثالث: أنه لا يجوز إلا أن يتعين عليه. والرابع: أنه يجوز. فإن أخذه عند التحمل لم يأخذه عند الأداء. والمقصود: أن ما قدره النبي ﷺ من الثمن في سراية العتق: هو لأجل تكميل الحرية وهو حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله. وذلك في الحقوق والحدود. فأما الحقوق: فمثل حقوق المساجد، ومال الفيء، والوقف على أهل الحاجات، وأموال الصدقات، والمنافع العامة. وأما الحدود: فمثل حد المحاربة، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر المسكر. وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك: مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحد بعينه فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع: أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، ولو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر. فإنه يطلب ما شاء. وهنا عموم الناس يشترون الطعام والثياب لأنفسهم وغيرهم. فلو مكن من عنده سلع يحتاج الناس إليها أن يبيع بما شاء: كان ضرر الناس أعظم. ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير: وجب عليه بذله له بثمن المثل. وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها: هو الشافعي. ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه: أن يبذله له بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز تسعير الطعام، إذا كان بالناس إليه حاجة ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفه: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس، إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة فإذا رفع إلى القاضي: أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته وقوت أهله، على اعتبار السعر في ذلك، ونهاه عن الاحتكار. فإن أبى: حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرا له، ودفعا للضرر عن الناس.

стр. 2640

قالوا: فإن تعدى أرباب الطعام، وتجاوزوا القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: سعره حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة وهذا على أصل أبي حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر. ومن باع منهم بما قدره الإمام: صح. لأنه غير مكره عليه. قالوا: وهل يبيع القاضي على المتحكر طعامه من غير رضاه؟ فعلى الخلاف المعروف في بيع مال المدين. وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق. لأن أبا حنيفه يرى الحجر لدفع الضرر العام، والسعر لما غلا على عهد النبي ﷺ وطلبوا منه التسعير فامتنع، لم يذكر: أنه كان هناك من عنده طعام امتنع عن بيعه، بل عامة من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق. ولكن نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد، أي أن يكون سمسارا. وقال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (١)» فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة لأنه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة الناس- أغلى الثمن على المشترى فنهاه عن التوكل له، مع أن جنس الوكالة مباح، لما في ذلك من زيادة السعر على الناس. ونهى عن تلقي الجلب، وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار. ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا. فإذا لم يكن قد عرف السعر، وتلقاه المتلقى قبل إتيانه إلى السوق: اشتراه المشتري بدون ثمن المثل فغبنه. فأثبت النبي ﷺ لهذا البائع الخيار. ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم. إحداهما: أن الخيار يثبت له مطلقا، سواء غبن أو لم يغبن وهو ظاهر مذهب الشافعي. والثانية: أنه إنما يثبت له عند الغبن. وهي ظاهر المذهب. وقالت طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشترى إذا تلقاه المتلقي، فاشترى متاعه في الجملة. فقد نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء الذي جنسه حلال، حتى يعلم البائع السعر وهو ثمن المثل، ويعلم المشترى بالسلعة. وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشترى أن يشترى حيث شاء. وقد اشترى من البائع، كما يقول: له أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر، ولكن الشارع راعى المصلحة العامة. فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل. فيكون المشتري غارا له. وألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل. فإنه بمنزلة الجاهل بالسعر. فتبين أنه يجب على الإنسان: أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف. وهو ثمن المثل، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة، أو غير مماكسين. والبيع يعتبر فيه الرضا. والرضا يتبع العلم. ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى، وقد لا يرضى. فإذا علم أنه غبن ورضى، فلا بأس بذلك. وفي السنن «أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر

стр. 2641

بدخول صاحب الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأمره أن يقبل بدلها، أو يتبرع له بها، فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض. أن يقلعها، وقال لصاحب الشجرة. إنما أنت مضار». وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب عليه أن يبيع شجرته، ولا يتبرع بها. ولا يجوز لصاحب الأرض أن يقلعها. لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإجبار على المعاوضة عليه. وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يقلعها لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرض (بخلاصه من تأذيه) بدخول صاحب الشجرة ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة، وإن كان عليه في ذلك ضرر يسير، فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه أعظم. فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما. فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة وإن أباه من أباه. والمقصود: أن هذا دليل على وجوب البيع لحاجة المشتري، وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره؟. والحكم في المعارضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها- كمنافع الدور، والطحن، والخبز، وغير ذلك- حكم المعاوضة على الأعيان. وجماع الأمر: أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير: سعر عليهم تسعير عدل، ولا وكس ولا شطط وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه: لم يفعل، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-.

стр. 2642

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى-: الحمد لله وحده وبعد: فقد جرى بيننا وبين بعض إخواننا طلبة العلم بحث في مسألة التسعير وحكمه ورغب إلى الكتابة فيه فاستعنت الله تعالى وأمليت فيها ما يلي: - الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد فغير خاف أن التسعير من المسائل التي اختلف في حكمها العلماء. فذهب جمهورهم إلى منعه مطلقا مستدلين على ذلك بما روي أبو داود وغيره عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل ادعوا الله، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل الله يرفع ويخفص وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة (١)». وبما روى أبو

стр. 2643

داود والترمذي وصححه عن أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله لو سعرت فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة (١)». وهذا قول الشافعي وهو قول أصحاب الإمام أحمد كأبي حفص العكبري والقاضي أبي يعلي والشريف أبي جعفر وأبي الخطاب وابن عقيل وغيرهم قال في الشرح الكبير: وليس للإمام أن يسعر على الناس بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون وهذا مذهب الشافعي وكان مالك يقول: يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس بع كما يبيع الناس وإلا فاخرج عنا احتج بما روى الشافعي وسعيد بن منصور عن داود بن صالح عن القاسم بن محمد عن عمر أنه مر بحاطب في سوق المعلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له مدين بكل درهم فقال له عمر قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك فتبيعه كيف شئت لأن في ذلك إضرارا بالناس إذا زاد وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع ولنا ما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه أنه «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا. فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم (٢)» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن أبي سعيد مثله. فوجه الدلالة من وجهين أحدهما إنه لم يسعر وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه، الثاني أنه علل بكونه مظلمة والظلم حراما إلى آخر ما ذكره. وأجابوا عن منع عمر ﵁ حاطب بن أبي بلتعة أن يبيع زبيبه بأقل من سعر السوق بأن في الأثر أن عمر لما رجع حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال إن الذي قلت لك ليس بمعرفة مني ولا قضاء وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع. وقالوا بعد ذلك في توجه المنع بأن الناس مسلطون على أموالهم فإجبارهم على بيع لا يجب أو منعهم مما يباح شرعا ظلم لهم والظلم حرام فالتسعير بمثابة الحجر عليهم والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن وإذا تقابل الأمران وجب تمكن الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). وذهب بعضهم إلى جواز التسعير إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك أو بأنقص واحتجوا بما رواه مالك في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب

стр. 2644

أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق فقال له عمر إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا. قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس لرأيت أن يقال له إما لحقت بسعر الناس وإما رفعت. وإما أن يقول للناس كلهم يعني لا تبيعوا إلا بسعر كذا فليس ذلك بالصواب كما ذهب بعضهم إلى أن للإمام أن يحد لأهل السوق حدا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب روى أشهب عن مالك في صاحب السوق يسعر على الجزارين لحم الضأن بكذا ولحم الإبل بكذا وإلا أخرجوا من السوق قال إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ولكن لا يأمرهم أن يقوموا من السوق واحتجوا على جواز ذلك بأن فيه مصلحة للناس بالمنع من غلاء السعر عليهم ولا يجبر الناس على البيع وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي حده ولي الأمر على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري. وردوا على المانعين منه مطلقا أن الاستدلال بقوله ﷺ «إن الله هو المسعر القابض الباسط (١)» إلى آخره قضية معينة وليست لفظا عاما وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه بل جاء في حديث أنس التصريح بداعي طلب التسعير وهو ارتفاع السعر في ذلك وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك فقال: «من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط (٢)» فأعطى شركاءه حصتهم وعتق عليه العبد. قال ابن القيم ﵀ في كتابه الطرق الحكمية فلم يكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل ويعطيه قسطا من القيمة فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند الجمهور. وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ويجبر الممتنع على البيع وحكى بعض المالكيين ذلك إجماعا. وصار ذلك أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل لا بما يزيد عن الثمن. وصار أصلا في جواز إخراج الشيء عن ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة كما في الشفعة وصار أصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. والمقصود أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم وهم إليها أضر مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره وهذا الذي أمر به النبي ﷺ من تقويم الجميع قيمة المثل هو حقيقة التسعير. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه على التسعير في الجزء الثامن والعشرين من فتاواه الكبرى والمقصود هنا أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن

стр. 2645

يبيع ما له بثمن مقدر إما بثمن المثل وإما بالثمن الذي اشتراه به لم يحرم مطلقا تقدير الثمن. ثم إن ما قدر به النبي ﷺ في شراء نصيب المعتق هو لأجل تكميل الحرية وذلك حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله- إلى أن قال- وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة وليس الحق فيها لواحد بعينه فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية (إلى أن قال وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة وإذا تعدى أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي. أ- هـ كلامه ﵀،،،. والذي يظهر لنا وتطمئن إليه نفوسنا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من التسعير ما هو ظلم ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير الحق على البيع بثمن لا يرضون أو منعهم مما أباحه الله لهم فهو حرام وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب. فما قدره النبي ﷺ من الثمن في سراية العتق هو لأجل تكميل الحرية وهو حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله فحاجة المسلمين إلى الطعام والشراب واللباس ونحو هذه الأمور مصلحة عامة ليس فيها الحق لواحد بعينه فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية. فالتسعير جائز بشرطين أحدهما أن يكون التسعير فيما حاجته عامة لجميع الناس، والثاني ألا يكون سببا لغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب فمتى تحقق فيه الشرطان كان عدلا وضربا من ضروب الرعاية العامة للأمر كتسعيرة اللحوم والأخباز والأدوية ونحو هذه الأمور مما هي مجال للتلاعب بأسعارها وظلم الناس في بيعها وإن تخلفا أو أحدهما كان ذلك ظلما وداخلا فيما نص عليه حديثا أنس وأبي

стр. 2646

هريرة المتقدمان وهو عين ما نهى عنه عمر بن عبد العزيز عامله على الأبلة حين حط سعرهم لمنع البحر فكتب إليه: خل بينهم وبين ذلك فإنما السعر بيد الله. والخلاصة أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير فعلى ولي الأمر أن يسعر عليهم فيما تحقق فيه الشرطان المتقدمان تسعير عدل لا وكس ولا شطط فإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل. بقيت الإشارة إلى: حكم التسعير في أجور العقار وهل هو داخل في حكم الممنوع أم الجائز. تقدم فيما سبق أن التسعير لا يجوز إلا بتحقيق شرطي، أحدهما: أن يكون فيها حاجة عامة لجميع الناس، الثاني: أن لا يكون سببا لغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب. والمساكن المعدة للكراء ليست فيها حاجة عامة لجميع الأمة بل الغالب من الناس يسكنون في مساكن يملكونها وإذا كان هناك غلاء في أجرة المساكن المعدة للكراء في مدن المملكة فليست نتيجة اتفاق أصحابها على رفع إجار سكناها ولا الامتناع من تأجيرها وإنما سببه في الغالب قلة العقار المعد للكراء والكثرة الكاثرة من طالبي الاستئجار أو هما جميعا. فتسعير إجار العقار ضرب من الظلم والعدوان فضلا على أنه يحد من نشاط الحركة العمرانية في البلاد وذلك لا يتفق مع مصلحة البلاد وما تتطلبه عوامل نموها وتطورها. وبالله التوفيق قال ذلك وأملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف مصليا على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا ما تيسر إيراده وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه،،،،، حرر في ٢١/ ٧ / ٩٦ اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء. عضو - عبد الله بن سليمان بن منيع عضو - عبد الله بن عبد الرحمن الغديان نائب الرئيس - عبد الرزاق عفيفي الرئيس - عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2647

عن عبد الله بن مسعود: قال قال رسول الله ﷺ : «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم (١)». قال يزيد: أحسبه قال «وأسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (٢)». «وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس فقال: والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا (٣)».

стр. 2648

حكم الذبائح المستوردة

стр. 2649

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد. . . ففي الدورة الاستثنائية الثالثة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض ابتداء من يوم السبت الموافق ١ من شهر صفر إلى السابع منه عام ١٣٩٩ هـ اقترح المجلس إعداد بحث في حكم الذبائح التي تستورد إلى المملكة العربية السعودية من بلاد الكفار، فأعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته ما يأتي: ١ - تمهيد يعتبر مدخلا للموضوع. ٢ - ذكر طريقة الذبح الشرعية وما صدر من فتاوى في تلك الذبائح. ٣ - ذكر ما ورد إلى هذه الرئاسة عن كيفية الذبح في تلك البلاد. ٤ - تطبيق القواعد الشرعية على هذه الذبائح على ضوء ما عرف عنها من المشاهدات ونحوها. ٥ - حل المشكلة وطريق الخلاص منها. وفيما يلي تفصيل ذلك بحول الله وتوفيقه. . .

стр. 2650

حكم الذبائح المستوردة أولا: تمهيد يعتبر مدخلا إلى بحث الموضوع: إن الحكم على ما يقع في الكون من جزئيات يتوقف على تشخيصها وشرح حالاتها ثم تطبيق القواعد الكلية التي تناسبها عليها ثم إبداء الحكم عليها وصدروه ممن نظر فيها، فالحكم على الذبائح المستوردة من دول كافرة بحل أو حرمة يتوقف: أولا: * على معرفة الذبائح. * كيفية الذبح ونوع الآلة التي بها ذبحت. * ذكر اسم الله أو غيره عليها أو عدم ذكر شيء من ذلك. * والغرض الذي من أجله حصل الذبح. * إلى غير ذلك مما له صلة بحل الذبيحة أوحرمتها.

стр. 2651

ثانيا: * معرفة ضوابط الذبح الشرعي وما يشترط فيه من شروط. * بتطبيق ذلك على ما عرف من واقع الذبائح يمكن الحكم عليها بحل أو حرمة. لذا كان الحديث على هذه الأمور لزاما ليصدر الحكم عليها عن بينة وبصيرة. ثانيا: ذكر طريقة الذبح الشرعية وما صدر من فتاوى في تلك الذبائح من علماء العصر. صدر في ذلك بيان عن طريقة الذبح وفتاوى من علماء العصر مستقاة من فقه الشريعة الإسلامية فيما يحل وما يحرم من الذبائح المستوردة من بلاد الكفار نثبتها فيما يلي: -

стр. 2652

الصفة المشروعة في الذبح والنحر بين سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية سابقا صفة الذكاة الشرعية فقال: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الناصح الأمين وعلى آله وأصحابه الغر المحجلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. . أما بعد:

стр. 2653

فإنه ورد إلى هذه الديار أسئلة عن الصفة المشروعة في الذبح والنحر ويذكر من سأل عن ذلك أنه شاهد وعلم ما لا يتفق مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونظرا إلى أن هذا يشترك فيه الخاص والعام رأينا أن تكون الإجابة خارجة مخرج التبليغ للعموم أداء للأمانة ونصحا للأمة فنقول: اعلم وفقنا الله وإياك أن الذكاة المشروعة لها شروط وسنن ونقدم لذلك حديثا عاما ثم نذكر بعده الشروط ثم السنن. أما الحديث فروى مسلم وأصحاب السنن عن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته (١)».

стр. 2654

وأما الشروط فأربعة: الأول: أهلية المذكي بأن يكون عاقلا ولو مميزا مسلما أو كتابيا أبواه كتابيان والأصل في هذا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (١)» الحديث وما ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع (٢)» فكل من البالغ والمميز يوصف بالعقل ولهذا يصح من المميز قصد العبادة وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ أنه فسر طعامهم بذبحائهم. الثاني: الآلة فتباح بكل ما أنهر الدم بحده إلا السن والظفر والأصل في هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله

стр. 2655

عليه فكل ليس السن والظفر (١)». الثالث: قطع الحلقوم وهو مجرى النفس والمريء وهو مجرى الطعام والودجين، والأصل في هذا ما ثبت في سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى الرسول ﷺ عن شرطة الشيطان وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفري الأوداج (٢)» ومعلوم أن نهي النبي ﷺ في الأصل يقتضي التحريم وفي سنن سعيد بن منصور عن ابن عباس ﵄ قال: «إذا أهريق الدم وقطع الودج فكل» إسناده حسن. ومحل قطع ما ذكر الحلق واللبة وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر ولا يجوز في غير ذلك بالإجماع، قال عمر النحر في اللبة والحلق وثبت في سنن الدارقطني عن أبي هريرة ﵁ قال «بعث النبي ﷺ بديل بن ورقاء يصيح في فجاج منى ألا إن الذكاة في الحلق واللبة». الرابع: التسمية فيقول الذابح عند حركة يده بالذبح بسم الله الأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤) فالله جل وعلا غاير بين الحالتين وفرق بين الحكمين لكن إن ترك التسمية نسيانا حلت ذبيحته لما رواه سعيد بن منصور في سننه عن النبي ﷺ قال: «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد». فإن اختل شرط من هذه الشروط فإن الذبيحة لا تحل.

стр. 2656

وأما السنن فهي ما يلي: ٢، ١: أن تكون الآلة حادة وأن يحمل عليها بقوة لقوله ﷺ : «وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته (١)». ٤، ٣: حد الآلة والحيوان الذي يراد ذبحه لا يبصره، ومواراة الذبيحة عن البهائم وقت الذبح لما ثبت في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵁ «أمر رسول الله ﷺ أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم (٢)» وما ثبت في معجمي الطبراني الكبير والأوسط ورجاله رجال

стр. 2657

الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها. قال: أفلا قبل هذا أو تريد أن تميتها موتتين». ٥: توجيهها إلى القبلة لأن الرسول ﷺ ما ذبح ذبيحة أو نحر هديا إلا وجهه إلى القبلة وتكون الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، والغنم والبقر على جنبها الأيسر. ٦: تأخير كسر عنقه وسلخه حتى يبرد أي بعد خروج روحه لحديث أبي هريرة ﵁ «بعث النبي ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى بكلمات منها لا تعجلوا الأنفاس قبل أن تزهق». رواه الدارقطني. هذا ونسأل الله أن يرزق المسلمين التمسك بدينهم على الوجه الذي يرضاه حتى يلقوه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. . وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره آية ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١). بعد ذكر مناسبتها لما قبلها: وفسر الجمهور الطعام هنا بالذبائح أو اللحوم لأن غيرها حلال بقاعدة أصل الحل ولم تحرم من المشركين وإلا فالظاهر أنه عام يشملها ومذهب الشيعة أن المراد بالطعام الحبوب أو البر لأنه الغالب فيه، وقد سئلت عن هذا في مجلس كان أكثره منهم وذكرت الآية، فقلت: ليس هذا هو الغالب في لغة القرآن فقد قال الله تعالى في هذه السورة أي المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٢) ولا يقول أحد إن الطعام من صيد البحر هو البر أو الحبوب.

стр. 2658

وقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ (١) من الآية ٩٣ آل عمران ولم يقل أحد إن المراد بالطعام هنا البر أو الحب مطلقا إذ لم يحرم شيء منه على بني إسرائيل لا قبل التوراة ولا بعدها. فالطعام في الأصل كل ما يطعم، أي يذاق أو يؤكل قال تعالى في ماء النهر حكاية عن طالوت: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٢) وقال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (٣) أي أكلتم وليس الحب مظنة التحليل والتحريم وإنما اللحم هو الذي يعرض له ذلك لوصف حسي كموت الحيوان حتف أنفه وما في معناه أو معنوي كالتقريب إلى غير الله عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٤)، وكله يتعلق بالحيوان، وهو نص في حصر التحريم فيما ذكر فتحريم ما عداه يحتاج إلى نص. وقد شدد الله فيما كان عليه مشركو العرب من أكل الميتة بأنواعها المتقدمة والذبح للأصنام لئلا يتساهل به المسلمون الأولون تبعا للعادة. وكان أهل الكتاب أبعد منهم عن أكل الميتة والذبح لغير الله، ولأنه كان من سياسة الدين التشديد في معاملة مشركي العرب حتى لا يبقى في الجزيرة منهم أحد إلا ويدخل في الإسلام. وخفف في معاملة أهل الكتاب استمالة لهم، حتى إن ابن جرير روى عن أبي الدرداء وابن زيد أنهما سئلا عما ذبحوه للكنائس فأفتيا بأكله قال ابن زيد: أحل الله طعامهم ولم يستثن منه شيئا، وأما أبو الدرداء فقد سئل عن كبش ذبح للكنيسة يقال لها جرجس أهدوه لها أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء للسائل: اللهم عفوا إنما هم أهل كتاب طعامهم حل لما وطعامنا حل لهم وأمره بأكله. وروى ابن جرير أيضا وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٥) قال: ذبائحهم وروى مثله عبد بن حميد عن مجاهد وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي. وقد أجمع الصحابة والتابعون على هذا وأكل النبي ﷺ من الشاة التي أهدتها إليه اليهودية ووضعت له السم في ذراعها. وكان الصحابة يأكلون من طعام النصارى في الشام بغير نكير ولم ينقل عن أحد منهم خلاف إلا في بني تغلب وهو بطن من العرب انتسبوا إلى النصارى ولم يعرفوا من دينهم شيئا فنقل عن علي -كرم الله وجهه- أنه لم يجز أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم معللا بأنهم لم يأخذوا من النصارى إلا شرب الخمر، يعني أنهم على شركهم لم يصيروا أهل الكتاب، واكتفى جمهور الصحابة بانتمائهم إلى النصرانية. روى ابن جرير عن

стр. 2659

عكرمة قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب فقرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١) وفي رواية له عنه أنه قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم فإن الله تعالى قال وقرأ الآية - فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم، أي يكفي في كونهم منهم نصرهم لهم وتوليهم إياهم في الحرب. ولما كان من شأن كثير من الناس التعمق في الأشياء وحب التشديد مع المخالفين استنبط بعض الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد، وهي هل العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب (كالتوراة والإنجيل) كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم، أم العبرة باتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل وبأهله الأصليين كالإسرائيليين من اليهود. المتبادر من نص القرآن ومن السنة وعمل الصحابة أنه لا وجه لهذه المسألة ولا محل فالله تعالى قد أحل أكل طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم على الحال التي كانوا عليها في زمن التنزيل، وكان هذا من آخر ما نزل من القرآن، وكان أهل الكتاب من شعوب شتى وقد وصفهم بأنهم حرفوا كتبهم ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (٢) في هذه السورة نفسها كما وصفهم بمثل ذلك فيما نزل قبلها، ولم يتغير يوم استنبط الفقهاء تلك المسألة شيء من ذلك. وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٣) أن سبب نزولها محاولة بعض الأنصار إكراه أولاد لهم كانوا تهودوا على الرجوع إلى الإسلام فلما نزلت أمرهم النبي ﷺ بتخييرهم، ولا شك أنه كان في يهود المدينة وغيرهم كثير من العرب الخلص ولم يفرق النبي ﷺ ولا الخلفاء الراشدين بينهم في حكم من الأحكام. واستنبط بعضهم علة أخرى لتحريم طعام أهل الكتاب والتزوج منهم وهي إسناد الشرك إليهم في سورة التوبة بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤) مع قوله في سورة البقرة: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٥) وهذا هو عمدة الشيعة في هذه المسألة، وأجيب عنه (أولا) بأن الشرك المطلق في القرآن إذا كان وصفا أو عد أهله صنفا من أصناف الناس لا يدخل فيه أهل الكتاب بل يعدون صنفا آخر مغايرا لهذا الصنف كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٦)

стр. 2660

وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١) الآية. (وثانيا) بأننا إذا فرضنا أن المشركين في آية البقرة عام، فلا مندوحة لنا عن القول بأن هذه الآية قد خصصته أو نسخته لتأخرها بالاتفاق ولجريان العمل عليها، ومنه أن حذيفة بن اليمان من أكبر علماء الصحابة قد تزوج بيهودية ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. ثم قال: مجمل معنى الآية: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢) من الطعام فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) بمقتضى الأصل لم يحرمه الله عليكم قط، وطعامكم حل لهم كذلك أيضا، فلكم أن تأكلوا من اللحوم التي ذكوا حيوانها أو صادوه كيفما كانت تذكيته وصيده عندهم، وأن تطعموهم مما تذكون وتصطادون، ويدخل في ذلك لحم الأضحية خلافا لمن منعه، ولا يخرج منه إلا ما كان خاصا بقوم لا يشملهم وصفهم كالمنذور على أناس معينين بالذاوت أو بالوصف. والمحصنات من المؤمنات ومن الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، حل لكم كذلك بمقتضى الأصل وما قرره في آية النساء ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٤) لم يحرمهن الله عليكم إذا أعطيتموهن مهورهن التي تفرضونها لهن عند العقد- وإلا وجب لهن مهر المثل- بشرط أن تكونوا قاصدين بالزواج إحصان أنفسكم وأنفسهن لا الفجور المراد به سفح الماء جهرا ولا سرا وسيأتي بيان ما هو الاحتياط وبحث اختلاف الزمان في المسألة، والتعبير بقوله ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٥) إنشاء لحلها العام الدائم كما تقدم، ولكنه لم يقل مثل ذلك فيما بعده بل قال: ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٦) وهو خبر مقرر للأصل في المسألتين - مسألة مؤاكلة أهل الكتاب، ومسألة نكاح نسائهم - فلم يكن شيء منها محرما من قبل وأحل في ذلك اليوم لا بتحريم من الله ولا بتحريم من الناس على أنفسهم كما حرموا بعض الطيبات فهذا ما ظهر لنا من نكتة اختلاف التعبير وسكت عنه الباحثون في نكت البلاغة الذين اطلعنا على كلامهم. وحكمة النص على هذا الحل قطع الطريق على الغلاة أن يحرموا باجتهادهم أو أهوائهم، على أن منهم من حرمه مع النص الصريح ونص على أن طعامنا حل لهم دون نسائنا فليس لنا أن نزوجهم منا، لأن كمال الإسلام وسماحته لا يظهران من المرأة لسلطان الرجل عليها، هذا هو المتبادر لمن يفهم العبارة مجردا من تقاليد المذاهب، فمن فهم مثل فهمنا ففهمه حاكم عليه ولا نجيز لأحد أن يقلدنا فيه تقليدا.

стр. 2661

فصل في طعام الوثنيين ونكاح نسائهم أخذ الجماهير من مفهوم أهل الكتاب أن طعام الوثنيين لا يحل للمسلمين وكذا نكاح نسائهم سواء منهم من يحتج بمفهوم المخالفة في اللقب كالدقاق وبعض الشافعية ومن لا يحتج به وهم الجمهور، والقرآن لم يحرم طعام الوثنيين ولا طعام مشركي العرب مطلقا كما حرم نكاح نسائهم بل حرم ما أهل به لغير الله في ذبائحهم كما حرم ما كان يأكله بعضهم من الميتة والدم والمسفوح وحرم لحم الخنزير واختلف الفقهاء في المجوس والصابئين، فالصابئون عند أبي حنيفة كأهل الكتاب والمجوس كذلك عند أبي ثور خلافا للجمهور الذين يقولون إنهم يعاملون معاملة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط، ويروون في ذلك حديثا «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم (١)»، ولا يصح هذا الاستثناء كما صرح به المحدثون ولكنه اشتهر عند الفقهاء ويقال إن الفريقين كانا أهل كتاب فقدوه بطول الأمد. وهذا ما كنت أعتقده قبل أن أرى فيه نقلا عن أحد من سلفنا وعلماء الملل والتاريخ منا وذكرته في المنار غير مرة. ثم رأيت في كتاب (الفرق بين الفرق) لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي (المتوفى سنة ٤٢٩) في سياق الكلام على الباطنية " أن المجوس يدعون نبوة (زرادشت) ونزول الوحي عليه من عند الله تعالى، والصائبين يدعون نبوة (هرمس) و (اليس) و (دوريتوس) و (أفلاطون) وجماعة من الفلاسفة، وسائر أصحاب الشرائع كل صنف منهم مقرون بنزول الوحي من السماء على الذين أقروا بنبوتهم ويقولون إن ذلك الوحي شامل للأمر والنهي والخبر عن عاقبة الموت وعن ثواب وعقاب وجنة ونار يكون فيهما الجزاء عن الأعمال السالفة ثم ذكر أن الباطنية ينكرون ذلك. ثم قال: ومن المعلوم أن القرآن صرح بقبول الجزية من أهل الكتاب ولم يذكر أنها تؤخذ من غيرهم، فكان النبي ﷺ والخلفاء ﵃ لا يقبلونها من مشركي العرب وقبلوها من المجوس في البحرين وهجر وبلاد فارس كما في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث. وقد روى أخذ النبي الجزية من مجوس هجر أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه

стр. 2662

شهد لعمر بذلك عندما استشار الصحابة فيه، وروى مالك والشافعي عنه «أنه قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب (١)» وفي سنده انقطاع، واستدل به صاحب المنتقى وغيره على أنهم لا يعدون أهل كتاب، وليس بقوى فإن إطلاق كلمة أهل الكتاب على الطائفتين من الناس لتحقق أصل كتبهما وزيادة خصائصهما لا يقتضي أنه ليس في العالم أهل كتاب غيرهم مع العلم بأن الله بعث في كل أمة رسلا مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، كما أن إطلاق لقب " العلماء" على طائفة معينة من الناس لها مزايا مخصوصة لا يقتضي انحصار العلم فيهم وسلبه عن غيرهم. وقد ورد في روايات أخرى التصريح بأنهم كانوا أهل كتاب، قال في نيل الأوطار عند قول صاحب المنتقى واستدل بقوله سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا أهل كتاب ما نصه: لكن روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي " كان المجوس أهل كتاب يدرسونه وعلم يقرءونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال إن آدم كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه وقتل من خالفه فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شيء. وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبرى لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر: اجتمعوا (أي قال للصحابة اجتمعوا للمشاورة كما هي السنة المتبعة والفريضة اللازمة) فقال إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم الجزية ولا من عبدة الأوثان فنجرى عليهم أحكامهم. فقال علي: بل هم أهل كتاب فذكره نحوه لكن قال: فوقع على ابنته وقال في آخره فوضع الأخدود لمن خالفه فهذه حجة من قال كان لهم كتاب، وأما قول ابن بطال: لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم، فالجواب أن الاستثناء وقع تبعا للأمر الوارد لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم بخلاف النكاح فإنه يحتاط له وقال ابن المنذر: ليس تحريم نكاحهم وذبائحهم متفقا عليه ولكن الأكثر من أهل العلم عليه. أهـ. إذا علمت هذا تبين لك أن العلماء لم يجمعوا على أن لفظ (المشركين) و (الذين أشركوا) يتناول جميع الذين كفروا بنبينا ولم يدخلوا في ديننا ولا جميع من عدا اليهود والنصارى منهم، فهذا نقل صحيح في المجوس ومنه تعلم أن للاجتهاد مجالا لجعل لفظ المشركات والمشركين في القرآن خاصا بوثنيي العرب. وأن يقاس عليهم من ليس لهم كتاب ولا شبهة كتاب يقربهم من الإسلام كما أن أهل الكتاب فيه خاص باليهود والنصارى، ويقاس عليهم من عندهم كتب لا يعرف أصلها ولكنها تقربهم من الإسلام بما فيها من الآداب والشرائع كالمجوس وغيرهم ممن على شاكلتهم، وقد صرح قتادة من مفسري السلف بأن المراد بالمشركين والمشركات في الآية العرب كما سيأتي.

стр. 2663

" مذهب الحنفية في ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم " ثم ذكر آراء الفقهاء في الموضوع فقال: جاء في (ص٩٧ من الجزء الثاني من العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية) لابن عابدين الشهير صاحب الحاشية الشهيرة على الدر المختار ما نصه: وسئل في ذبيحة العربي الكتابي هل تحل مطلقا أولا؟. (الجواب) تحل ذبيحة الكتابي لأن شرطها كون الذابح صاحب ملة التوحيد حقيقة كالمسلم أو دعوة كالكتابي ولأنه مؤمن بكتاب من كتب الله تعالى وتحل مناكحته فصار كالمسلم في ذلك ولا فرق في الكتابي بين أن يكون ذميا يهوديا، حربيا أو عربيا أو تغلبيا لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١) والمراد بطعامهم مذكاهم. قال البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه قال ابن عباس ﵄: "طعامهم ذبائحهم" ولأن مطلق الطعام غير المذكى يحل من أي كافر كان بالإجماع، فوجب تخصيصه بالمذكى، وهذا إذا لم يسمع من الكتابي أنه سمى غير الله كالمسيح والعزير وأما لو سمع فلا تحل ذبيحته لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) وهو كالمسلم في ذلك. وهل يشترط في اليهودي أن يكون إسرائيليا وفي النصراني أنه لا يعتقد أن المسيح إله؟ له مقتضى إطلاق الهداية وغيرها وعدم الاشتراط وبه أفتى الجد في الإسرائيلي وشرط في المستصفى لحل مناكحهم عدم اعتقاد النصراني ذلك وكذلك في المبسوط فإنه قال: ويجب أن لا يأكلوا ذبائح أهل الكتاب إن اعتقدوا أن المسيح إله وأن عزيرا إله ولا يتزوجوا نساءهم، لكن في مبسوط شمس الأئمة: وتحل ذبيحة النصراني مطلقا سواء قال ثالث ثلاثة أو لا، ومقتضى إطلاق الآية الجواز كما ذكره التمرتاشي في فتاواه. والأولى أن لا تؤكل ذبيحتهم ولا يتزوج منهم إلا للضرورة كما حققه الكمال بن الهمام، والله ولي الإنعام، والحمد لله علي دين الإسلام، والصلاة والسلام على محمد سيد الأنام. وقال العلامة قاسم في رسائله: قال الإمام ومن دان دين اليهود والنصارى من الصابئة

стр. 2664

والسامرة أكل ذبيحته وحل نساؤه، وحكى عن عمر ﵁ أنه كتب إليهم فيهم أو في أحدهم، فكتب مثل ما قلنا، فإذا كانوا يعترفون باليهودية والنصرانية فقد علمنا أن النصارى فرق، فلا يجوز إذا جمعت النصرانية بينهم أن تزعم أن بعضهم تحل ذبيحته ونساؤه وبعضهم يحرم إلا بخبر ملزم، ولا نعلم في هذا خبرا، فمن جمعته اليهودية والنصرانية فحكمه واحد، اهـ بحروفه، اهـ ما في تنقيح الفتاوى الحامدية بحروفه، وبهذه الفتوى أيد بعض علماء الأزهر الفتوى الترنسفالية للأستاذ الإمام.

стр. 2665

حكم ما خنقه أهل الكتاب عند الحنفية ذكر الشيخ محمد بيرم الخامس الفقيه الحنفي في كتابه صفوة الاعتبار مبحثا طويلا في ذبائح أهل أوربة ونقل عن علماء مذهبه أن ذبائح أهل الكتاب حلال مطلقا وجاء بتفصيل أنواع المأكول في أوربة ثم قال ما نصه: " وأما مسألة الخنق فإن كان لمجرد الشك فلا تأثير له كما تقدم، وإن كان لتحقق فلم أر حكم المسألة مصرحا به عندنا، وقياسها على تحقيق تسمية غير الله أنها محرمة عند الحنفية، وأما عند من يرى الحل في مسألة التسمية كما هو مذهب جمع عظيم من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، فالقياس عليها يفيد الحلية حيث خصصوا بآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وآية: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) الآية ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣) وكذلك تكون مخصصة لآية المنخنقة، ويكون حكم الآيتين خاصا بفعل المسلمين، والإباحة عامة في طعام أهل الكتاب إذ لا فرق بين ما أهل لغير الله وما خنق فإذا أبيح الأول فيما يفعله أهل الكتاب كذلك الثاني. وقد كنت رأيت رسالة لأحد أفاضل المالكية نص فيها على الحل وجلب النصوص من مذهبه بما يثلج به الصدر السليم سيما إذا كان عمل الخنق عندهم من قبيل الذكاة كما أخبر كثير من علمائهم وأن المقصود التوصل إلى قتل الحيوان بأسهل قتلة للتوصل إلى أكله بدون فرق بين طاهر ونجس، مستندين في ذلك لقول الإنجيل على زعمهم فلا مرية في الحلية على هاته المذاهب. فإن قلت كيف يسوغ تقليد الحنفي لغير مذهبه؟ قلت: أما إن كان المقلد من أهل النظر وقلد الحنفي عن ترجيح برهان فهذا ربما يقال: إنه لا يسوغ له ذلك (أي إلا أن يظهر له ترجيح دليل
следующие страницы →