← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

فصل في طعام الوثنيين ونكاح نسائهم أخذ الجماهير من مفهوم أهل الكتاب أن طعام الوثنيين لا يحل للمسلمين وكذا نكاح نسائهم سواء منهم من يحتج بمفهوم المخالفة في اللقب كالدقاق وبعض الشافعية ومن لا يحتج به وهم الجمهور، والقرآن لم يحرم طعام الوثنيين ولا طعام مشركي العرب مطلقا كما حرم نكاح نسائهم بل حرم ما أهل به لغير الله في ذبائحهم كما حرم ما كان يأكله بعضهم من الميتة والدم والمسفوح وحرم لحم الخنزير واختلف الفقهاء في المجوس والصابئين، فالصابئون عند أبي حنيفة كأهل الكتاب والمجوس كذلك عند أبي ثور خلافا للجمهور الذين يقولون إنهم يعاملون معاملة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط، ويروون في ذلك حديثا «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم (١)»، ولا يصح هذا الاستثناء كما صرح به المحدثون ولكنه اشتهر عند الفقهاء ويقال إن الفريقين كانا أهل كتاب فقدوه بطول الأمد. وهذا ما كنت أعتقده قبل أن أرى فيه نقلا عن أحد من سلفنا وعلماء الملل والتاريخ منا وذكرته في المنار غير مرة. ثم رأيت في كتاب (الفرق بين الفرق) لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي (المتوفى سنة ٤٢٩) في سياق الكلام على الباطنية " أن المجوس يدعون نبوة (زرادشت) ونزول الوحي عليه من عند الله تعالى، والصائبين يدعون نبوة (هرمس) و (اليس) و (دوريتوس) و (أفلاطون) وجماعة من الفلاسفة، وسائر أصحاب الشرائع كل صنف منهم مقرون بنزول الوحي من السماء على الذين أقروا بنبوتهم ويقولون إن ذلك الوحي شامل للأمر والنهي والخبر عن عاقبة الموت وعن ثواب وعقاب وجنة ونار يكون فيهما الجزاء عن الأعمال السالفة ثم ذكر أن الباطنية ينكرون ذلك. ثم قال: ومن المعلوم أن القرآن صرح بقبول الجزية من أهل الكتاب ولم يذكر أنها تؤخذ من غيرهم، فكان النبي ﷺ والخلفاء ﵃ لا يقبلونها من مشركي العرب وقبلوها من المجوس في البحرين وهجر وبلاد فارس كما في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث. وقد روى أخذ النبي الجزية من مجوس هجر أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه

стр. 2662

شهد لعمر بذلك عندما استشار الصحابة فيه، وروى مالك والشافعي عنه «أنه قال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب (١)» وفي سنده انقطاع، واستدل به صاحب المنتقى وغيره على أنهم لا يعدون أهل كتاب، وليس بقوى فإن إطلاق كلمة أهل الكتاب على الطائفتين من الناس لتحقق أصل كتبهما وزيادة خصائصهما لا يقتضي أنه ليس في العالم أهل كتاب غيرهم مع العلم بأن الله بعث في كل أمة رسلا مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، كما أن إطلاق لقب " العلماء" على طائفة معينة من الناس لها مزايا مخصوصة لا يقتضي انحصار العلم فيهم وسلبه عن غيرهم. وقد ورد في روايات أخرى التصريح بأنهم كانوا أهل كتاب، قال في نيل الأوطار عند قول صاحب المنتقى واستدل بقوله سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا أهل كتاب ما نصه: لكن روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي " كان المجوس أهل كتاب يدرسونه وعلم يقرءونه فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال إن آدم كان ينكح أولاده بناته فأطاعوه وقتل من خالفه فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شيء. وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبرى لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر: اجتمعوا (أي قال للصحابة اجتمعوا للمشاورة كما هي السنة المتبعة والفريضة اللازمة) فقال إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم الجزية ولا من عبدة الأوثان فنجرى عليهم أحكامهم. فقال علي: بل هم أهل كتاب فذكره نحوه لكن قال: فوقع على ابنته وقال في آخره فوضع الأخدود لمن خالفه فهذه حجة من قال كان لهم كتاب، وأما قول ابن بطال: لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم، فالجواب أن الاستثناء وقع تبعا للأمر الوارد لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم بخلاف النكاح فإنه يحتاط له وقال ابن المنذر: ليس تحريم نكاحهم وذبائحهم متفقا عليه ولكن الأكثر من أهل العلم عليه. أهـ. إذا علمت هذا تبين لك أن العلماء لم يجمعوا على أن لفظ (المشركين) و (الذين أشركوا) يتناول جميع الذين كفروا بنبينا ولم يدخلوا في ديننا ولا جميع من عدا اليهود والنصارى منهم، فهذا نقل صحيح في المجوس ومنه تعلم أن للاجتهاد مجالا لجعل لفظ المشركات والمشركين في القرآن خاصا بوثنيي العرب. وأن يقاس عليهم من ليس لهم كتاب ولا شبهة كتاب يقربهم من الإسلام كما أن أهل الكتاب فيه خاص باليهود والنصارى، ويقاس عليهم من عندهم كتب لا يعرف أصلها ولكنها تقربهم من الإسلام بما فيها من الآداب والشرائع كالمجوس وغيرهم ممن على شاكلتهم، وقد صرح قتادة من مفسري السلف بأن المراد بالمشركين والمشركات في الآية العرب كما سيأتي.

стр. 2663

" مذهب الحنفية في ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم " ثم ذكر آراء الفقهاء في الموضوع فقال: جاء في (ص٩٧ من الجزء الثاني من العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية) لابن عابدين الشهير صاحب الحاشية الشهيرة على الدر المختار ما نصه: وسئل في ذبيحة العربي الكتابي هل تحل مطلقا أولا؟. (الجواب) تحل ذبيحة الكتابي لأن شرطها كون الذابح صاحب ملة التوحيد حقيقة كالمسلم أو دعوة كالكتابي ولأنه مؤمن بكتاب من كتب الله تعالى وتحل مناكحته فصار كالمسلم في ذلك ولا فرق في الكتابي بين أن يكون ذميا يهوديا، حربيا أو عربيا أو تغلبيا لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١) والمراد بطعامهم مذكاهم. قال البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه قال ابن عباس ﵄: "طعامهم ذبائحهم" ولأن مطلق الطعام غير المذكى يحل من أي كافر كان بالإجماع، فوجب تخصيصه بالمذكى، وهذا إذا لم يسمع من الكتابي أنه سمى غير الله كالمسيح والعزير وأما لو سمع فلا تحل ذبيحته لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) وهو كالمسلم في ذلك. وهل يشترط في اليهودي أن يكون إسرائيليا وفي النصراني أنه لا يعتقد أن المسيح إله؟ له مقتضى إطلاق الهداية وغيرها وعدم الاشتراط وبه أفتى الجد في الإسرائيلي وشرط في المستصفى لحل مناكحهم عدم اعتقاد النصراني ذلك وكذلك في المبسوط فإنه قال: ويجب أن لا يأكلوا ذبائح أهل الكتاب إن اعتقدوا أن المسيح إله وأن عزيرا إله ولا يتزوجوا نساءهم، لكن في مبسوط شمس الأئمة: وتحل ذبيحة النصراني مطلقا سواء قال ثالث ثلاثة أو لا، ومقتضى إطلاق الآية الجواز كما ذكره التمرتاشي في فتاواه. والأولى أن لا تؤكل ذبيحتهم ولا يتزوج منهم إلا للضرورة كما حققه الكمال بن الهمام، والله ولي الإنعام، والحمد لله علي دين الإسلام، والصلاة والسلام على محمد سيد الأنام. وقال العلامة قاسم في رسائله: قال الإمام ومن دان دين اليهود والنصارى من الصابئة

стр. 2664

والسامرة أكل ذبيحته وحل نساؤه، وحكى عن عمر ﵁ أنه كتب إليهم فيهم أو في أحدهم، فكتب مثل ما قلنا، فإذا كانوا يعترفون باليهودية والنصرانية فقد علمنا أن النصارى فرق، فلا يجوز إذا جمعت النصرانية بينهم أن تزعم أن بعضهم تحل ذبيحته ونساؤه وبعضهم يحرم إلا بخبر ملزم، ولا نعلم في هذا خبرا، فمن جمعته اليهودية والنصرانية فحكمه واحد، اهـ بحروفه، اهـ ما في تنقيح الفتاوى الحامدية بحروفه، وبهذه الفتوى أيد بعض علماء الأزهر الفتوى الترنسفالية للأستاذ الإمام.

стр. 2665

حكم ما خنقه أهل الكتاب عند الحنفية ذكر الشيخ محمد بيرم الخامس الفقيه الحنفي في كتابه صفوة الاعتبار مبحثا طويلا في ذبائح أهل أوربة ونقل عن علماء مذهبه أن ذبائح أهل الكتاب حلال مطلقا وجاء بتفصيل أنواع المأكول في أوربة ثم قال ما نصه: " وأما مسألة الخنق فإن كان لمجرد الشك فلا تأثير له كما تقدم، وإن كان لتحقق فلم أر حكم المسألة مصرحا به عندنا، وقياسها على تحقيق تسمية غير الله أنها محرمة عند الحنفية، وأما عند من يرى الحل في مسألة التسمية كما هو مذهب جمع عظيم من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، فالقياس عليها يفيد الحلية حيث خصصوا بآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وآية: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) الآية ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣) وكذلك تكون مخصصة لآية المنخنقة، ويكون حكم الآيتين خاصا بفعل المسلمين، والإباحة عامة في طعام أهل الكتاب إذ لا فرق بين ما أهل لغير الله وما خنق فإذا أبيح الأول فيما يفعله أهل الكتاب كذلك الثاني. وقد كنت رأيت رسالة لأحد أفاضل المالكية نص فيها على الحل وجلب النصوص من مذهبه بما يثلج به الصدر السليم سيما إذا كان عمل الخنق عندهم من قبيل الذكاة كما أخبر كثير من علمائهم وأن المقصود التوصل إلى قتل الحيوان بأسهل قتلة للتوصل إلى أكله بدون فرق بين طاهر ونجس، مستندين في ذلك لقول الإنجيل على زعمهم فلا مرية في الحلية على هاته المذاهب. فإن قلت كيف يسوغ تقليد الحنفي لغير مذهبه؟ قلت: أما إن كان المقلد من أهل النظر وقلد الحنفي عن ترجيح برهان فهذا ربما يقال: إنه لا يسوغ له ذلك (أي إلا أن يظهر له ترجيح دليل

стр. 2666

الحل ثانيا) وأما إن كان من أهل التقليد البحت كما هو في أهل زماننا فقد نصوا على أن جميع الأئمة بالنسبة إليه سواء، والعامي لا مذهب له وإنما مذهبه مذهب مفتيه، وقوله أنا حنفي أو مالكي كقول الجاهل أنا نحوي، لا يحصل منه سوى مجرد الاسم فبأي العلماء اقتدى فهو ناج على أن الكلام وراء ذلك فقد نصوا على الجواز والوقوع بالفعل في تقليد المجتهد لغيره والكلام مبسوط في ذلك في كثير من كتب الفقه، وقد حرر البحث أبو السعود في شرح الأربعين حديثا النووية وألف في ذلك رسالة عبد الرحيم المكي فليراجعها من أراد الوقوف على التفصيل. فإن قيل: قد ذكرت أن الخنزير محرم وهو من طعامهم فلماذا لا يجعل مخصصا بالحلية بهذه الآية أي آية طعامهم وإذا جعلت آية تحريمه محكمة غير منسوخة فكذلك تكون المنخنقة، ولماذا تقيسها على مسألة التسمية ولا تقيسها على مسألة الخنزير وأي مرجح لذلك؟. فالجواب أن المأكولات منها ما حرم لعينه ومنها ما حرم لغيره، فالخنزير وما شاكله من الحيوانات محرمة لعينها ولهذا تبقى على تحريمها في جميع أطوارها وحالاتها. وأما متروك التسمية أو ما أهل به لغير الله والمنخنقة فإن التحريم أتى فيه لعارض وهو ذلك الفعل ثم أتى نص آخر عام في طعام أهل الكتاب وأنه حلال فأخرج منه محرم العين ضرورة وبالإجماع أيضا وبقى المحرم لغيره. وهو مسألتان: إحداهما مسألة التسمية. والثانية مسألة المنخنقة. فبقينا في محل الشك لتجاذب كل من نص التحريم والإباحة لهما، فوجدنا إحداهما وهي مسألة التسمية وقع الخلاف فيها بين المجتهدين من الصحابة وغيرهم وذهب جمع عظيم منهم إلى الإباحة وبقيت مسألة المنخنقة التي يتخذها أهل الكتاب طعاما لهم مسكوتا عنها فكان قياسها على مسألة التسمية هو المتعين لاتحاد العلة. وأما قياسها على مسألة الخنزير فهو قياس مع الفارق؛ فلا يصح إذ شرط القياس المساواة وإنما أطلنا الكلام في هذا المجال لأنه مهم في هذا الزمان وكلام الناس فيه كثير، والله يؤيد الحق وهو يهدي السبيل أ. هـ.

стр. 2667

مذهب المالكية في طعام أهل الكتاب جاء في كتاب " الذبائح " من (المدونة) ما نصه: قلت: أفتحل لنا ذبائح نساء أهل الكتاب وصبيانهم؟. قال: ما سمعت من مالك فيه شيئا ولكن إذا حل ذبائح رجالهم فلا بأس بذبائح نسائهم وصبيانهم إذا أطاقوا الذبح. قلت: أرأيت ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم أيؤكل؟. قال: قال مالك: أكرهه ولا أحرمه. وتأول مالك فيه ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) وكان يكرهه من غير أن يحرمه. قلت: أرأيت ما ذبحت اليهود من الغنم فأصابوه فاسدا عندهم لا يستحلونه لأجل الرئة وما أشبهها التي يحرمونها في دينهم أيحل أكله للمسلمين؟. قال: كان مالك يجيزه فيما بلغني أ. هـ. (والمدونة) عند المالكية أصل المذهب فهي كالأم عند الشافعية. وجاء في كتاب أحكام القرآن للإمام عبد المنعم بن الفرس الخرزجي الأندلسي المتوفى سنة ٥٩٩ ما نصه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) اتفق على أن ذبائحهم داخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٣) فلا خلاف في أنها حلال لنا وأما سائر أطعمتهم مما يمكن استعمال النجاسات فيه كالخمر والخنزير. فاختلف فيه فذهب الأكثرون إلى أن ذلك من أطعمتهم. وذهب ابن عباس إلى أن الطعام الذي أحل لنا ذبائحهم، فأما ما خيف منهم استعمال النجاسة فيه فيجب اجتنابه. وإذا قلنا إن الطعام يتناول ذبائحهم باتفاق فهل يحمل لفظه على عمومه أم لا؟. فالأكثر إلى أن حمل لفظ الطعام على عمومه في كل ما ذبحوه مما أحل الله لهم أو حرم الله عليهم أو حرموه على أنفسهم وإلى نحو هذا ذهب ابن وهب وابن عبد الحكم. وذهب قوم إلى أن المراد من ذبائحهم ما أحل الله خاصة، وأما ما حرم الله عليهم بأي وجه

стр. 2668

كان فلا يجوز لنا وهذا هو المشهور من مذهب ابن القاسم. وذهب قوم إلى أن المراد بلفظ الطعام ذبائحهم جميعا إلا ما حرم الله عليهم خاصة لا ما حرموه على أنفسهم وعلى نحو هذا ذهب أشهب والذين قالوا إن الله يجوز لنا أكل ما لا يجوز لهم أكله اختلفوا هل ذلك على جهة المنع أو الكراهة وهذا الخلاف كله موجود في المذهب. واختلف أيضا فيما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم أو سموا عليه اسم المسيح هل هو داخل تحت الإباحة أم لا؟ فذهب أشهب إلى أن الآية متضمنة تحليله وأن أكله جائز وكرهه مالك ﵀ وتأول قوله تعالى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) على ذلك. والذين أوتوا الكتاب اختلف العلماء في الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى من هم؟ وقد اختلف في المجوس والصابئة والسامرة هل هم ممن أوتي كتابا أم لا. وعلى هذا يختلف في ذبائحهم ومناكحتهم أ. هـ ملخصا، وفي كتاب أحكام القرآن للقاضي أبي بكر ابن العربي المالكي في تفسير هذه الآية أيضا ما نصه: هذا دليل قاطع على أن الصيد ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٢) من الطيبات التي أباحها الله وهو الحلال المطلق وإنما كرره الله تعالى ليرفع به الشكوك ويزيل الاعتراضات عن الخواطر الفاسدة التي توجب الاعتراضات وتخرج إلى تطويل القول. ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل تؤكل معه أم تؤخذ منه طعاما- وهي المسألة الثامنة - فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا. ولكن أباح لنا طعامهم مطلقا وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه، ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا نساءهم أزواجا فيحل لنا وطؤهن فكيف لا تؤكل ذبائحهم والأكل دون الوطء في الحل والحرمة أ. هـ. وفيما قاله القاضي نوع من التقييد والتشديد إذا اعتبر في طعامهم ما يأكله أحبارهم ورهبانهم، وهذا ما اعتمده الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده مفتي مصر في فتواه الترنسفاليه. وقد أفتى المهدي الوزاني من علماء فاس بمثل ما أفتى به مفتي مصر، ولما علم بمشاغبة أهل الأهواء في فتوى مفتي مصر كتب رسالة في تأييد الفتوى بنصوص كتب المالكية المعتبرة نشرناها في آخر جزء من مجلد المنار السادس ومنها قوله ج. والدليل على صحة ما قاله الإمام ابن العربي ما ذكره العلماء فيما ذبحه أهل الكتاب للصنم فإنه حرام مع المنخنقة وما عطف عليها وقيدوه بما لم يأكلوه وإلا كان حلالا لنا. قال الشيخ بناني على قول المختصر " وذبح لصنم" ما نصه: الظاهر أن المراد بالصنم كل ما عبدوه من دون الله بحيث يشمل الصنم والصليب وغيرهما، وأن هذا شرط في أكل ذبيحة الكتابي كما في التتائي والزرقاني

стр. 2669

وهو الذي ذكره أبو الحسن ﵀ في شرح المدونة وصرح به ابن رشد في سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح ونصه: كره مالك ﵀ ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم وأعيادهم لأنه رآه مضاهيا لقوله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) ولم يحرمه إذ لم ير الآية متناولة له وإنما رآها مضاهية له لأن الآية عنده إنما معناها فيما ذبحوا لآلهتهم مما لا يأكلون. قال وقد مضى هذا المعنى في سماع عبد الملك ا. هـ. وقال في سماع عبد الملك عن أشهب وسألته عما ذبح للكنائس قال لا بأس بأكله. ابن رشد: كره مالك في المدونة أكل ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم، ووجه قول أشهب ما ذبحوا لكنائسهم لما يأكلونه وجب أن تكون حلالا لنا لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) وإنما تأول قول الله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣) فيما ذبحوه لآلهتهم مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه، فهذا حرام علينا بدليل الآيتين جميعا أ. هـ. فتبين أن ذبح أهل الكتاب إذا قصدوا به التقرب لآلهتهم فلا يؤكل لأنهم لا يأكلونه، فهو ليس طعامهم ولم يقصدوا بالذكاة إباحته، وهذا هو المراد هنا. وأما ما يأتي من الكراهة في ذبح الصليب فالمراد به ما ذبحوه لأنفسهم لكن سموا عليه اسم آلهتهم فهذا يؤكل بكره لأنه من طعامهم: هذا الغرض من كلام بناني وسلمة الرهوني بسكوته عنه فهذا شاهد لابن العربي قطعا لأنه علق جواز الأكل على كونه من طعامهم والمنع منه على ضد ذلك، وأيضا ليس كل ما يحرم في ذكاتنا يحرم أكله في ذكاتهم، كمتروك التذكية عمدا؛ فإنها لا تؤكل بذبيحتنا وتؤكل بذبيحتهم حسبما تقدم، فإذا المدار على كونها من طعامهم لا غير والله أعلم " أ. هـ المراد مما كتبه المفتي الوزاني. وقد أطال علماء الأزهر في (إرشاد الأمة الإسلامية، إلى أقوال الأئمة في الفتوى الترنسفالية) القول في مذهب المالكية في طعام أهل الكتاب وفصلوه في بضع فصول، الفصل السابع منها في بيان أن ما أفتى به ابن العربي (أي من حل ما خنقه أهل الكتاب يقصد التذكية لأكله) هو مذهب المالكية قاطبة. والفصل الثامن في رد الرهوني برأيه عليه، والتاسع في تفنيد كلام الرهوني وبيان بطلانه، قالوا في أول الفصل السابع ما نصه: "اعلم أنه أقر ابن العربي على ما أفتى به الوزاني وصاحب المعيار وأحمد بابا وابن عبد السلام وابن عرفه وغيرهم من محققي المالكية كالزياتي وقال: وكفى بهم حجة، وإن رده الرهوني بالأقيسة وما توهمه ابن عبد السلام من التناقض بين كلامي ابن العربي في أحكام القرآن من قوله: " ما أكلوه على غير

стр. 2670

وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس ميتة حرام- وقوله- أفتيت بأن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه. وإن لم تكن ذكاة عندنا؛ لأن الله أباح طعامهم مطلقا وكل ما يرونه في دينهم فهو حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه دفعه ابن عرفة بما حاصله أن ما يرونه مذكى عندهم حل لنا أكله وإن لم تكن ذكاته عندنا ذكاة وما لا يرونه مذكى لا يحل ويرجع إلى قصد تذكيته لتحليله وعدمه، كما يعلم ذلك من التتائي على المختصر عند قول المصنف: أو مجوسيا تنصر وذبح لنفسه إلخ ولم يفهم من عبارة أحد من هؤلاء المحققين أن ما أفتى به ابن العربي مذهب له وحده بل كل واحد وافقه على أنه مذهب المالكية، وبيان ذلك أن مبنى مذهب المالكية جميعا العمل بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) فكل ما كان من طعامهم فهو حل لنا سواء كان يحل لنا باعتبار شريعتنا أو لا، فالمعتبر في حل طعامهم ما هو حلال لهم في شريعتهم ولا يعتبر ذلك بشريعتنا ويدل لذلك النصوص والتعاليل الآتية، وهو ما جرى عليه مالك وأصحابه فيما ذبحوه للصليب أو لعيسى أو لكنائسهم. قال الزياتي في شرح القصيدة: الرابع لما ذبح للصليب أو لعيسى أو لكنائسهم يكره أكله. بهرام عن ابن القاسم: وما ذبحوه وسموا عليه باسم المسيح فهو بمنزلة ما ذبحوه لكنائسهم وكذلك ما ذبحوه للصليب. وقال سحنون وابن لبابه هو حرام لأنه مما أهل لغير الله به. وذهب ابن وهب للجواز من غير كراهة أ. هـ. " وفي القلشاني أن أشهب يرى أيضا الكراهة فيما ذبح للمسيح كابن القاسم وقال يباح أكله وقد أباح الله ذبائحهم لنا وقد علم ما يفعلونه. وذكر القلشاني أيضا فيما ذبحوه لكنائسهم ثلاثة أقوال: التحريم، والكراهة، والإباحة، وأن مذهب المدونة الكراهة. ونقل المواق عن مالك كراهة ما ذبح لجبريل ﵇ أ. هـ. وفي منح الجليل عن الرماصي أجاز مالك ﵁ في المدونة أكل ما ذكر عليه اسم المسيح مع الكراهة والإباحة لابن حارث عن رواية ابن القاسم مع رواية أشهب وعنه أباح الله لنا ذبائحهم وعلم ما يفعلونه أ. هـ. وسيقول المصنف فيما ذكره: وذبح لصليب أو عيسى وليس تحريم المذبوح للصنم لكونه ذكر عليه اسمه بل لكونه لم تقصد ذكاته وإلا فلا فرق بينه وبين الصليب. قال التونسي وقال ابن عطية في قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) ذبائح أهل الكتاب عند جمهور العلماء في حكم ما ذكر اسم الله عليه من حيث لهم دين وشرع، وقال قوم نسخ من هذه الآية حل ذبائح أهل الكتاب، قاله عكرمة والحسن بن أبي الحسن وقال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣) قال ابن عباس وغيره: فالمراد ما ذبح للأصنام والأوثان "وأهل" معناه صيحح، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة وغلب في استعماله حتى عبر به عن النية التي هي علة

стр. 2671

التحريم. ثم قال: والحاصل أن ذكر اسم غير الله لا يوجب التحريم عند مالك وفيه عن البناني وصرح ابن رشد في سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح ما نصه: كره مالك ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم وأعيادهم لأنه رآه مضاهيا لقول الله، أو فسقا أهل لغير الله به، ولم يحرمه إذ لم ير الآية متناولة له وإنما رآها مضاهية له؛ لأنها عنده إنما معناها فيما ذبحوه لآلهتهم مما لا يأكلونه، قال وقد مضى هذا المعنى في سماع عبد الملك من كتاب الضحايا، وقال في سماع عبد الملك من أشهب وسألته عما ذبح للكنائس قال لا بأس بأكله. ابن رشد: كره مالك في المدونة أكل ما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم ووجه قول أشهب أن ما ذبحوه لكنائسهم لما كانوا يأكلونه وجب أن يكون حلالا لأن الله قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وإنما تأول قوله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) فيما ذبحوه لآلهتهم مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه فهذا حرام علينا بدليل الآيتين جميعا أ. هـ فتبين أن ذبح أهل الكتاب إن قصدوا به التقرب لآلهتهم فلا يؤكل؛ لأنهم لا يأكلونه، فهو ليس من طعامهم ولم يقصدوا بذكاته إباحته وهذا هو المراد هنا، وأما ما يأتي من المكروه في: وذبح الصليب إلخ، فالمراد به ما ذبحوه لأنفسهم وسموا عليه باسم آلهتهم فهذا يؤكل بكره لأنه من طعامهم أ. هـ. وذكر العلامة التتائي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وأبي أمامة جواز أكل ما ذبح للصنم أ. هـ. وأنت لا يذهب عليك أن ما ذبح للصنم مما أهل به لغير الله، وإنما جوزه هؤلاء الصحابة الأجلاء لكونه من طعام أهل الكتاب تأمله، وقال العلامة التتائي عند قول المصنف: " وذبح لصليب أو لعيسى " أي يكره أكل مذبوح لأجله. محمد وابن حبيب: هو مما أهل به لغير الله وما ترك مالك العزيمة بتحريمه فيما ظننا إلا للآية الأخرى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) فأحل الله تعالى لنا طعامهم وهو يعلم ما يفعلونه، وترك ذلك أفضل. وقال محمد أيضا كره مالك ما ذبحوه للكنائس أو لعيسى أو للصليب، أو ما مضى من أحبارهم، أو لجبريل، أو لأعيادهم، من غير تحريم أ. هـ. ووجه الكراهة قصدهم به تعظيم شركهم مع قصد الذكاة أ. هـ. منه بلفظه وفي بهرام: وذهب ابن وهب إلى جواز أكل ما ذبح للصليب أو غيره من غير كراهة نظرا إلى أنه من طعامهم أ. هـ. وقال في منح الجليل عند ذكر كراهة شحم اليهودي عن البناني ثلاثة أقوال: في شحم اليهود الإجازة والكراهة والمنع، وأنها ترجع إلى الإجازة والمنع لأن الكراهة من قبيل الإجازة، والأصل في هذا اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤) هل المراد بذلك ذبائحهم أو ما يأكلون؟ فمن ذهب إلى أن المراد به ذبائحهم أجاز أكل شحومهم لأنها من ذبائحهم، ومحال أن تقع الذكاة على بعض الشاة دون بعض، ومن قال المراد ما يأكلون لم يجز أكل شحومهم لأنها محرمة عليهم في التوارة على ما أخبر به القرآن فليست مما يأكلون.

стр. 2672

وفي منح الجليل أيضا بعد الكلام على التسمية ما نصه: وقال في البيان والتبيين: ليست التسمية شرطا في صحة الذكاة لأن قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١) معناه لا تأكلوا الميتة التي لم يقصد إلى ذكاتها لأنها فسق، ومعنى قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) كلوا مما قصدتم إلى ذكاته، فكنى عن التذكية بالتسمية كما كنى عن رمي الجمار بذكر اسمه تعالى حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٣) أ. هـ. المقصود منه. وقال في كبير الخرشي ودخل في قول المؤلف " يناكح" أي يحل لنا وطء نسائه في الجملة - المسلم والكتابي معاهدا أو حربيا حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى ولا فرق بين الكتابي الآن ومن تقدم خلافا للطرطوشي في اختصاصه بمن تقدم فإن هؤلاء قد بدلوا فلا نأمن أن تكون الذكاة مما بدلوا. ورد بأن ذلك لا يعلم إلا منهم فهم مصدقون فيه أ. هـ. ومثله في التتائي بلا فرق. وقال في شرح اللمع عند قول المصنف: وأما من يذكي فمن اجتمعت فيه أربعة شروط أن يكون مسلما أو كتابيا إلخ: واعلم أن المؤلف قد أطلق الكلام على صحة ذكاة الكتابي، ولا بد من التفصيل في ذلك ليصير كلامه موافقا للمشهور من المذهب، وتلخيص القول في ذلك أن الكافر إن كان غير كتابي لم تصح ذكاته، وإن كان كتابيا كاليهودي والنصراني سواء كان بالغا أو مميزا ذكرا أو أنثى ذميا كان أو حربيا فإن كان ما ذكاه مما يستحل أكله فذكاته له صحيحة ويجوز لنا الأكل منها وإن كان مالك قد كره الشراء من ذبائحهم. والأصل في ذلك أن الله تعالى قد أباح لنا أكل طعامهم ومن جملة طعامهم ما يذكونه، وإن كان ما ذكاه مما لا يستحله بل مما يقول إنه حرام عليه فإن ثبت تحريمه عليه بنص شريعتنا كذي الظفر في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ (٤) الأنعام فالمشهور عدم جواز أكله وقيل يجوز وقيل يكره وإن لم يثبت تحريمه عليهم بشرعنا بل لم يعرف ذلك إلا من قولهم كالتي يسمونها بالطريقة (بالطاء المهملة) ففي جواز أكلنا منه وكراهته قولان وهما لمالك في المدونة. قال اللخمي: وثبت على الكراهة ولم يحرمه واقتصر الشيخ خليل في مختصره على القول بالكراهة ووجهه ابن بشير باحتمال صدق قولهم. وهذا كله إذا كان الكتابي لا يستبيح أكل الميتة، وأما إن كان ممن يستحل أكلها فقال ابن بشير: فإن غاب الكتابي على ذبيحته فإن علمنا أنهم يستحلون الميتة كبعض النصارى أو شككنا في ذلك لن نأكل ما غابوا عليه، وإن علمنا أنهم يذكون أكلناه أ. هـ. وأما ما يذبحه الكتابي لعيده أو للصليب أو لعيسى أو للكنيسة أو لجبريل أو نحو ذلك فقد كرهه مالك مخافة أن يكون داخلا تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٥) ولم يحرمه لعموم قوله تعالى

стр. 2673

﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وهذا من طعامهم. قال ابن يونس واستخفه غير واحد من الصحابة والتابعين وقالوا قد أحل لنا ذلك وهو عالم بما يفعلونه أ. هـ. وأما ما ذبحوه للأصنام فلا يجوز أكله. قال ابن عبد السلام باتفاق لأنه مما أهل به لغير الله. قال اللخمي في تبصرته فيما ذبحه أهل الكتاب لعيدهم وكنائسهم وصلبانهم وما أشبه ذلك الصحيح أنه حلال، والمراد بما أهل لغير الله به ما ذبح على النصب والأصنام وهي ذبائح المشركين. قال أصبغ في ثمانية أبي زيد وما ذبح على النصب هي الأصنام التي كانوا يعبدون في الجاهلية، قال وأهل الكتاب ليسوا أصحاب أصنام. وفي البخاري قال زيد بن عمرو بن نفيل: إنا لا نأكل مما تذبحون لأنصابكم يعني الأصنام. وأما ما ذبحه أهل الكتاب فلا يراعى ذلك فيهم وقد جعل الله سبحانه لهم حرمة فأجاز مناكحتهم وذبائحهم لتعلقهم بشيء من الحق وهو الكتاب الذي أنزل عليهم وإن كانوا كافرين، ولو كان يحرم ما ذبح باسم المسيح لم يجز أن يؤكل شيء من ذبائحهم إلا أن يسأل هل سمي عليه المسيح أو ذبح للكنيسة بل لا يجوز. وإن أخبر أنه لم يسم المسيح لأنه غير صادق وإذا لم يجب ذلك حلت ذبائحهم كيف كانت أ. هـ. فانظر كيف تضافرت كل هذه النصوص كباقي نصوص جميع المالكية على إناطة الحل والحرمة بكونه حلالا عندهم، أي يأكلونه وعدمه، وهذا بعينه هو ما قصد إليه ابن العربي والحفار وقال أهل المذهب كلهم يقولون ويفتون بحل طعام أهل الكتاب ومن جهة أخرى تعلم أن الذبح للصليب لم يكن من الشريعة المسيحية الحقة لأنه حادث بعدها إذ منشؤه حادثة الصلب المشهورة، فكل هذا يفيد أن المعتبر عند المالكية هو حلال عند أهل الكتاب في شريعتهم التي هم عليها، ومنه يعلم أيضا ما هو المراد من الميتة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) وأنها التي لم يقصد ذكاتها كما يعلم أنه يجب تقييد المنخنقة وما معها بما لم تقصد ذكاته ويكون هذا في المنخنقة وما معها بدليل ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٣) كما سبق، ومنه يتضح أن المراد بالميتة في قولهم: إن كان الكتابي يأكل الميتة فلا تأكل ما غاب إلخ إنها لم تقصد ذكاتها لأن القصد إلى الذكاة لا بد منه من مسلم أو كتابي حتى لو قطع رقبة الحيوان بقصد تجريب السيف أو اللعب لا يحل كما تقدم، ومنه يعلم أن الميتة المذكورة بالنسبة للكتابي هي الميتة عنده، وهي التي لم يقصد ذكاتها لا الميتة عندنا، ويتبين منه أيضا أن الشروط المذكورة للفقهاء في الذبائح والذكاة إنما هي بيان ما يلزم في الإسلام بالنسبة للمسلم لا لغيره ا. هـ.

стр. 2674

" مذهب الشافعي في طعام أهل الكتاب " قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتاب الصيد والذبائح من الأم ما نصه: (١) أحل الله طعام أهل الكتاب وكان طعامهم عند بعض من حفظت عنه أهل التفسير ذبائحهم. وكانت الآثار تدل على إحلال ذبائحهم فإن كانت ذبائحهم يسمونها بالله تعالى فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر يسمون عليه غير اسم الله مثل: اسم المسيح، أو يذبحونه باسم دون الله تعالى؛ لم يحل هذا من ذبائحهم. ولا أثبت أن ذبائحهم هكذا. فإن قال قائل: وكيف زعمت أن ذبائحهم صنفان وقد أبيحت مطلقة. قيل: قد يباح الشيء مطلقا وإنما يراد بعضه دون بعض فإذا زعم زاعم أن المسلم إذا نسي اسم الله أكلت ذبيحته، وإن تركه استخفافا لم تؤكل ذبيحته وهو لا يدعه للشرك كان من يدعه على الشرك أولى أن تترك ذبيحته- وقد أحل الله لحوم البدن (الإبل) مطلقة فقال: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾ (١) أي سقطت ﴿جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٢) ووجدنا بعض المسلمين يذهب إلى أنه لا يؤكل من البدنة التي هي نذر ولا جزاء صيد ولا فدية، فلما احتملت هذه الآية ذهبنا إليه وتركنا الجملة لا أنها خلاف للقرآن ولكنها محتملة، ومعقول أن من وجب عليه شيء في ماله لم يكن له أن يأخذ منه شيئا لأنا إذا جعلنا له أن يأخذ منه شيئا فلم نجعل عليه الكل إنما جعلنا عليه البعض الذي أعطى فهكذا ذبائح أهل الكتاب بالدلالة على شبيه ما قلناه، أ. هـ. بحروفه (ص١٩٦ ج٢ من الأم). أقول: إنه -رحمه الله تعالى- حرم ما ذكروا اسم غير الله عليه بأقيسة على مسائل خلافية جعلها نظيرا للمسألة وقيد بها إطلاق القرآن، ومخالفوه في ذلك كمالك وغيره لا يجيزون تخصيص الآية بمثل هذه الأقيسة التي غاية ما تدل عليه أن تخصيص القرآن جائز بالدليل، ولهم أن يقولوا لنا لا نسلم أن المسلم الذي يترك التسمية تهاونا واستخفافا لا تحل ذبيحته، وإذا سلمناه جدلا تمنع قياس الكتابي عليه فيما ذكره، ولا محل هنا لبيان المنع بالتفصيل في هذا القياس وفيما بعده وهو أبعد منه، والظاهر ما تقدم من نصوص المالكية من أن ما ذبحوه لغير الله إن كانوا لا يأكلونه فهو غير حل للمسلم وإن كانوا

стр. 2675

يأكلونه فهو من طعامهم الذي أطلق الله تعالى حله وهو يعلم ما يقولون وما يفعلون، وهذا القول يظهر لنا نكتة التعبير بالطعام دون المذبوح أو المذكى، لأن من المذكى ما هو عبادة محضة لا يذكونه لأجل أكله. (٢) ذهب الشافعي إلى أن ذبائح نصارى العرب لا تؤكل، واحتج بأثر رواه عن عمر ﵁ قال: " ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما تحل لنا ذبائحهم، وما أنا بتاركهم حتى يسلموا، أو أضرب أعناقهم" وبقول علي المشهور في بني تغلب. فأما أثر علي -كرم الله وجهه- وقد تقدم، فهو حجة على الشافعي لا له، لأنه خاص ببعض العرب مصرح فيه بأنهم ليسوا نصارى، وأما أثر عمر ﵁ فرواه في الأم عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى وقد ضعفه الجمهور وصرح بعضهم بكذبه وممن طعن فيه مالك وأحمد، ومما قيل فيه أنه جمع أصول البدع فكان قدريا جهميا معتزليا رافضيا، وقد سئل الربيع حين نقل عن الشافعي أنه كان قدريا: ما حمل الشافعي على أن روى عنه؟ فأجاب بأنه كان يبرئه من الكذب ويرى أنه ثقة في الحديث. أي والعبرة في الحديث بالصدق لا بالمذهب. وقال ابن حبان بعد أن وصفه بالبدعة وبالكذب في الحديث: وأما الشافعي فإنه كان يجالس إبراهيم في حداثته ويحفظ عنه؛ فلما دخل مصر في آخر عمره وأخذ يصنف الكتب احتاج إلى الأخبار ولم تكن كتبه معه فأكثر ما أودع الكتب من حفظه وربما كنى عن اسمه، وقال إسحاق بن راهويه: ما رأيت أحدا يحتج بإبراهيم بن أبي يحيى مثل الشافعي، قلت للشافعي: وفي الدنيا أحد يحتج بإبراهيم بن أبي يحيى؟ أ. هـ. ملخصا من تهذيب التهذيب. ومما يدل على عدم صحة الأثر عدم العمل به، على أنه رأي صحابي خالفه فيه الجمهور فلا يحتج به وإن صح. (٣) قال الشافعي في (باب الذبيحة وفيه من يجوز ذبحه) من الأم (٢٠٥ و٢٠٦ج٢): وذبح كل من أطاق الذبح من امرأة حائض وصبي من المسلمين أحب إلي من ذبح اليهودي والنصراني، وكل حلال الذبيحة غير أني أحب للمرء أن يتولى ذبح نسكه (أي كالأضحية والهدي) فإنه يروي «أن النبي ﷺ قال لامرأة من أهله فاطمة أو غيرها أحضري ذبح نسيكتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة منها». قال الشافعي: وإن ذبح النسيكة غير مالكها أجزأت لأن النبي نحر بعض هديه، ونحر بعضه غيره. وأهدى هديا فإنما نحره من أهداه معه، غير أني أكره أن يذبح شيئا من النسائك مشرك لأن يكون ما تقرب به إلى الله على أيدي المسلمين، فإن ذبحها مشرك تحل ذبيحته أجزأت مع كراهتي لما وصفت. "ونساء أهل الكتاب إذا أطقن الذبح كرجالهم، وما ذبح اليهود والنصارى لأنفسهم مما يحل للمسلمين أكله من الصيد أو بهيمة الأنعام، وكانوا يحرمون منه شحما أو حوايا (أي ما يحوى الطعام

стр. 2676

كالأمعاء) أو ما اختلط بعظم أو غيره إن كانوا يحرمونه فلا بأس على المسلمين في أكله لأن الله إذا أحل طعامهم، فكان ذلك عند أهل التفسير ذبائحهم فكل ما ذبحوا لنا ففيه شيء مما يحرمونه فلو كان يحرم علينا إذا ذبحوه لأنفسهم من أصل دينهم بتحريمهم لحرم علينا إذا ذبحوه لنا، ولو كان يحرم علينا بأنه ليس من طعامهم وإنما أحل لنا طعامهم وكان ذلك على ما يستحلون كانوا قد يستحلون محرما علينا يعدونه لهم طعاما، فكان يلزمنا لو ذهبنا هذا المذهب أن نأكله لأنه من طعامهم الحلال لهم عندهم، ولكن ليس هذا معنى الآية، معناها ما وصفنا والله أعلم ". هذا نص الشافعية فمذهبه أن المراد بطعامهم في الآية ذبائحهم خاصة لا عموم الطعام فما ذبحوه مما هو حلال لنا كذبائحنا لا فرق بين ما حرم عليهم منه وما حل لهم، وما حرم علينا لا يحل إذا كان من طعامهم، وهو مخالف في هذا للمذاهب الأخرى التي أخذت بعموم لفظ الآية وعدتها كالاستثناء مما حرم علينا إلا الميتة ولحم الخنزير فإنهما محرمان لذاتهما لا لمعنى يتعلق بالتذكية أو بما يذكر عليها، وقد تقدم ذلك. وقد شرح كون ما أحل لنا مما حرم عليهم لا يحرم من ذبائحهم في موضع آخر (٢٠٩ و٢١٠ منه) وبين هنا أنه يجب على كل عاقل بلغته دعوة محمد ﷺ أن يتبعه في أصول شرعه وفروعه وحلاله وحرامه فما كان حراما عليهم صار حلا لهم بشرعه، وحلا لنا بالأولى.

стр. 2677

مذهب أحمد وأصحابه في طعام أهل الكتاب والتسمية على الذبيحة قال الشيخ الموفق عبد الله بن قدامة (المقنع- ٥٣١ ج٢) ما نصه: " ويشترط للذكاة شروط أربعة: أحدها أهلية الذابح، وهو أن يكون عاقلا مسلما أو كتابيا فتباح ذبيحته ذكرا كان أو أنثى، وعنه لا تباح ذبيحة نصارى بني تغلب ولا من أحد أبويه غير كتابي ". وذكر في حاشيته أن الصحيح من المذهب إباحة ذبيحة بني تغلب. قال: " وأما من أحد أبويه غير كتابي فقدم المصنف أنها تباح وبه قال مالك وأبو ثور واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم. والثانية لا تباح وهو المذهب وبه قال الشافعي لأنه وجد ما يقتضي الإباحة والتحريم فغلب التحريم كما لو جرحه

стр. 2678

(أي الصيد) مسلم ومجوسي" أهـ أقول وللشافعي قول آخر: هو أن العبرة بالأب وكان اللائق بقول الشافعية أن الولد يتبع أشرف الأبوين في الدين أن يجعلوا ذبح الصغير كذبح أشرف والديه، وأما البالغ فلا وجه للبحث عن أبويه فإنه إذا كان كتابيا كان داخلا في عموم الآية. ثم قال (في ص٥٣٧ منه): " وإذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه كذي الظفر (أي عند اليهود) لم يحرم علينا وإن ذبح حيوانا غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم وهو شحم الثرب (أي الكرش) والكليتين في ظاهر كلام أحمد ﵀ واختاره ابن حامد وحكاه عن الخرقي في كلام مفرد. واختار أبو الحسن التميمي والقاضي تحريمه. وإن ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لم يحرم نص عليه " اهـ أي نص عليه الإمام أحمد وهو المذهب وإن روى عنه التحريم وهو موافق فيه لمذهب مالك -رحمهم الله تعالى-. وقال: (في ص٥٣٥منه) " الرابع (أي من شروط التذكية) أن يذكر اسم الله عند الذبح وهو أن يقول باسم الله لا يقوم مقامها غيرها إلا الأخرس فإنه يومي إلى السماء. فإن ترك التسمية عمدا لم تبح وإن تركها ساهيا أبيحت وعنه تباح في الحالتين وعنه لا تباح فيهما ". قال في حاشيته: " قوله فإن ترك التسمية عمدا إلخ هذا هو المذهب فيهما وذكره ابن جرير إجماعا في سقوطها سهوا، وروى ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وإسحاق. وممن أباح ما نسيت التسمية عليه عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد، وعن أحمد تباح في الحالين وبه قال الشافعي واختاره أبو بكر لحديث البراء مرفوعا: «المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم» وحديث أبي هريرة أنه سئل فقيل: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله؟ فقال: اسم الله في قلب كل مسلم. رواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي وضعفه، ولنا ما روى الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد مرفوعا: «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم ما لم يتعمد» لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١) وجوابه أنها محمولة على ما إذا ترك اسم التسمية عمدا بدليل قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٢) والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق لقوله ﵇: «عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان (٣)» اهـ. أقول من عجائب انتصار الإنسان لما يختاره جعل الفسق هنا بمعنى ترك التسمية عمدا، والظاهر فيه ما قاله الشافعي من أنه ما أهل لغير الله به أخذا من قوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٤) وقد تقدم. وفي الباب من كتاب بلوغ المرام للحافظ ابن حجر ما نصه: وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «والمسلم يكفيه اسمه فإن نسي أن يسمى الله حين يذبح فليسم ثم ليأكل» أخرجه

стр. 2679

الدارقطني، وفيه راو في حفظه ضعف وفي إسناده محمد بن يزيد بن سنان وهو صدوق ضعيف الحفظ وأخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح إلى ابن عباس موقوفا عليه وله شاهد عند أبي داود في مراسيله بلفظ: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليها أم لم يذكر» ورجاله موثوقون اهـ. وتقدم حديث عائشة عند البخاري قالت: «إن قوما يؤتون باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال ﷺ سموا الله عليه أنتم وكلوه (١)» اهـ. وقد جعل علماء الأزهر الفصل الأول من كتاب (إرشاد الأمة الإسلامية) الذي تقدم ذكره في بيان مذهب الحنابلة في الذبيحة التي أفتى بها مفتي مصر قالوا: "ذهب الحنابلة إلى أن المعتبر في حل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع أن تذكى وفيها حياة وإن قلت كالمريض، وهو قول علي وابن عباس والحسن وقتادة والسيدين الباقر والصادق وإبراهيم وطاوس والضحاك وابن زيد. والتسمية عندهم ليست بشرط فيحل متروك التسمية عمدا أو سهوا من مسلم أو كتابي على رواية. وفي رواية عن أحمد تشترط من مسلم لا من كتابي وعنه عكسها. ثم أيدوا هذه الخلاصة بنقل من كتاب (دقائق أولى النهى على متن المنتهى) ومن غيره.

стр. 2680

صفوة الخلاف بين الفقهاء والمختار منه في طعام أهل الكتاب من تأمل ما نقلناه من كتب المذاهب الأربعة المشهورة، وما تخلله وسبقه من كلام غيرهم من أئمة السلف يظهر له أن المتفق عليه أن يحرم علينا من طعام أهل الكتاب ما حرم علينا في ديننا لذاته وهو الميتة ولحم الخنزير كذا الدم المسفوح قطعا وإن لم يذكر فيما تقدم من النقل ولا نعلم أن أحدا منهم يأكله أو يشربه وكذلك الميتة كلهم يحرمونها" ولحم الخنزير محرم بنص التوراة إلى اليوم، وقد استباحه النصارى بإباحة مقدسهم بولس. وقد اختلف الفقهاء فيما عدا ذلك كما علمت فكل ما أكلناه مما عدا ذلك من طعامهم نكون موافقين فيه لقول بعض فقهائنا الذين شدد بعضهم فخفف بعض من هذه المسائل، وأشد الفقهاء تشديدا في ذلك وفي أكثر الأحكام الشافعية. ومن تأمل أدلة الجميع رأى أن أظهرها قول الذين أخذوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) ولم يخصصوه بذبحائهم فضلا عن تخصيصه بحبوبهم كالشيعة. ولا يشترط في حل طعامهم أن

стр. 2681

يأكل منه أحبارهم ورهبانهم كما قال ابن العربي. واختاره شيخنا الأستاذ مفتي مصر في الفتوى الترنسفالية فهو تشديد لا مستند له- وفي غير ما أهل به لغير الله- إلا الثقة بأن يكون ما يأكلونه غير محرم عليهم في كتبهم، وقد نسخت شريعتنا كتبهم كما قال الشافعي وغيره فلا عبرة بما حرم عليهم فيها وقد قال الله تعالى في صفات خاتم النبيين: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) ولا يشترط أيضا أن يكون طعامهم موافقا لشريعتنا سواء كانوا مخاطبين بفروعها قبل الإيمان كما يقول الشافعي، أو غير مخاطبين بها إلا بعد الإيمان كما يقول الجمهور، إذ لو كان هذا شرطا لما كان لإباحة طعامهم فائدة. قال ابن رشد في بداية المجتهد ما نصه: ومن فرق بين ما حرم عليهم من ذلك في أصل شرعهم، وبين ما حرموا على أنفسهم قال ما حرم عليهم هو أمر حق فلا تعمل فيه الذكاة، وما حرموا على أنفسهم أمر باطل فتعمل فيه التذكية. قال القاضي: والحق أن ما حرم عليهم أو حرموه على أنفسهم هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع فيجب أن لا يراعى اعتقادهم في ذلك ولا يشترط أيضا أن يكون اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين ولا اعتقاد شريعتهم لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبحائهم بوجه من الوجوه لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم، وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به فذبائحهم - والله أعلم- جائزة على الإطلاق وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة. فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم. أهـ. والأمر كما قال القاضي -رحمه الله تعالى- ومراده بذبحائهم مذكاهم كيفما كانت تذكيته عندهم. وقد تقدم تحقيق معنى التذكية وأنها عبارة عن قتل الحيوان بقصد أكله، وأقوال علماء السلف ومحققي المالكية في ذلك، فلله در مالك والمالكية، إن كلامهم في هذه المسألة أظهر من كلام مخالفهم دليلا وأليق بيسر الحنيفية السمحة. ومن العجائب أن كثيرا من الناس يحبون أن تكون الشريعة عسرا لا يسرا. وحرجا لا سعة، وإن هم لم يلتزموها إلا فيما يوافق أهواءهم، فمن شدد على نفسه فذاك ذنب عقابه فيه، ومن شدد على الأمة حثونا التراب في فيه، والله أعلم وأحكم.

стр. 2682

ورد إلى فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي مصر سابقا أسئلة من شاب مسلم مقيم بالولايات المتحدة عن حكم أكل الدم وذبائح أهل الكتاب. ١ - نصها: (١) أنه يجد في لحوم البقر التي تقدم إليه للغذاء شيئا من الدم فهل يحل أكلها مع ذلك؟. ٢ - ثم هو لا يدري أذكر على الذبيحة اسم الله أم لا، والقوم في تلك البلاد أهل كتاب، فهل يحل

стр. 2683

أكل ذبائحهم مع ذلك؟. ٣ - وقد يكون الذبح عندهم ببتر الرأس مرة واحدة بآلات حادة دون مراعاة طريقة الذبح المعروفة عندنا بمصر، فهل يحل أكل الذبيحة مع ذلك؟. (الجواب) نقصر الكلام في هذه الفتيا على ما أباح الله تعالى أكله من الحيوان البري المقدور عليه فنقول: ١ - تحريم الدم: ١ قد جعل الله تعالى الذكاة شرطا لحل الأكل من هذا الحيوان كالإبل والبقر والغنم والأوز والبط ونحوها. والذكاة الاختيارية إنما تكون بالذبح فيما يذبح من الغنم والبقر ونحوهما، وبالنحر فيما ينحر وهو الإبل، وبها يطيب اللحم ويحل لخروج الدم بها من الحيوان، وهو مادة مستقذرة بالطبع حرمها الله تعالى في آيات كثيرة من القرآن الكريم، فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (١). وفي سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢). وفي سورة النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣). وقال في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٤) فنفى سبحانه في هذه الآية حرمة سائر الدماء إلا ما كان مسفوحا، هو المصبوب السائل الذي يخرج بالذبح أو النحر ونحوه. وكان العرب في الجاهلية يضعونه في أمعاء الحيوان ويشوونه ثم يأكلونه، فحرم الله أكله والانتفاع به. روى عن قتادة أنه قال: حرم الله من الدم ما كان مسفوحا، وأما اللحم يخالطه الدم فلا بأس به. وعن عكرمة أنه قال: لولا آية الأنعام لاتبع المسلمون من العروق ما اتبع اليهود. وسئلت عائشة عن

стр. 2684

الدم يكون في اللحم والمذبح فقالت: إنما نهى الله عن الدم المسفوح. وسئلت عن الدم في أعلى القدر فلم تر به بأسا وقرأت آية الأنعام حتى بلغت ﴿مَسْفُوحًا﴾ (١) ولتخصيص التحريم بالمسفوح أحل الله دمين غير مسفوحين وهما الكبد والطحال كما في الحديث المشهور، وأحل أكل اللحم مع بقاء أجزاء من الدم في العروق لأنه غير مسفوح. وقال الإمام الجصاص: لا خلاف بين الفقهاء في جوازه ا. هـ. وإلى هذا ذهب جمهور الأئمة فقالوا: إن الدم المحرم هو الدم المسفوح لا مطلق الدم، فيحمل الدم المطلق في الآيات السابقة على المقيد في آية الأنعام. وذهب ابن حزم إلى أن جملة الدم محرم مسفوحا وغير مسفوح، وأن الله تعالى حرم المسفوح منه في مكة بآية الأنعام، ثم حرم بالمدينة الدم جملة بآية المائدة وهي آخر سور القرآن نزولا. ومع هذا وافق الجمهور في أن ما يبقى من الدم في الحيوان المذكى في عروقه وفي خلال لحمه ليس من الدم المحرم، وقال: إنه حلال ا. هـ. ولولا ذلك لوجب تتبعه في العروق واللحم لاستئصاله، وفي ذلك عسر يأباه يسر الشريعة السمحة. فلا جناح في أكل اللحم المذكى مع وجود بقايا الدم فيه، لأن ذلك معفو عنه شرعا. والله أعلم. ٢ - التسمية على الذبيحة: وحرم الله تعالى من الذبائح في الآيات السابقة ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٢) وهو ما ذكر عليه غير اسمه تعالى. وأصل الإهلال رفع الصوت، وكل رافع صوته فهو مهل. وكان العرب في الجاهلية يرفعون أصواتهم عند الذبح بأسماء أصنامهم وأوثانهم. فذلك هو الإهلال. والمراد من الغير في الآية الصنم والوثن وغيرهما كالعزير والمسيح والصليب والكعبة، فلا يحل شيء من الذبائح التي أهل لغير الله تعالى. ومنه ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ (٣) وهي أحجار كانت لهم منصوبة حول الكعبة يذبحون عليها، ولعل ذبحهم عليها كان علامة لكونه للأصنام ونحوها. وقيل هي الأصنام تنصب فتعبد من دون الله تعالى. وقد روي عن عمر وابنه وعلي وعائشة كراهة ما أهل به لغير الله (والمراد حرمته) وعن النخعي

стр. 2685

والحسن والثوري مثله. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يؤكل ما سمي المسيح عليه. وقال الشافعي وأحمد: لا يحل ما ذبح لغير الله، ولا ما ذبح للأصنام أ. هـ. وقد سمى الله ذلك (فسقا) أي خروجا من الحلال إلى الحرام، قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١) وكما حرم الله ما أهل به لغير الله، حرم ما لم يذكر اسم الله عليه وجعل ذكر اسمه تعالى وحده على الذبيحة شرطا في حل أكلها، سواء كان الذابح مسلما أو كتابيا، وإليه ذهب الحنفية وأحمد والثوري والحسن بن صالح لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٢) فنهي عن الأكل من متروك التسمية وعن تركها، وأخبر بأنه فسق، وهو ظاهر في حالة ترك التسمية عمدا لا سهوا؛ لأن الناس لا تلحقه سمة الفسق كما ذكره الجصاص وغيره. وذهب داود والشعبي وهو مروي عن مالك وأبي ثور إلى أن التسمية شرط مطلق؛ لعدم فصل الأدلة بين حالتي العمد والسهو، وإليه ذهب ابن حزم في المحلى. وذهب ابن عباس وأبو هريرة وطاوس والشافعي وهو مروي أيضا عن مالك وأحمد إلى أن التسمية ليست شرطا لحل الأكل بل هي سنة. فمن تركها عمدا أو سهوا لم يقدح ذلك في حل أكل ذبيحته لحديث عائشة: «أن قوما قالوا يا رسول الله: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوا وكانوا حديثي عهد بكفر (٣)». - رواه البخاري والنسائي وابن ماجه -كما في المنتقى، وذلك لأن التسمية على الأكل سنة، فلو كانت التسمية على الذبيحة فرضا لم تنب السنة عن الفرض؛ لأن السنة لا تنوب عن الفرض كما في الشوكاني. ولعل حكمة تحريم ما أهل به لغير الله، وما لم يذكر اسم الله عليه أن الحيوان مملوك لله تعالى كسائر المخلوقات. وليس للعبد أن يتصرف في ملك سيده بغير إذنه وإباحته. وإذ قد أذن الله تعالى للإنسان أن يقتات ببعض الحيوان، أوجب عليه إذا أراد الانتفاع به على الوجه الأكمل أن يذكيه؛ ليكون له منه قوت طيب خالص من شوائب القذر والدنس، وتلك نعمة يجب عليه أن يشكر المنعم المتفضل بها، وهو إنما يكون بتمجيد الله تعالى وذكر اسمه وحده عند الذبح، والإعلام بأنه إنما أقدم عليه بإذن الله وإباحته. وروى عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وأبي أمامة الترخيص في ذبائح أهل الكتاب إذا ذكروا عليها اسم غير الله. وإليه ذهب عطاء والشعبي والليث وفقهاء الشام؛ الأوزاعي ومكحول وسعيد بن عبد العزيز، وقالوا: إن التحريم في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٤) مقصور على ذبائح عبدة الأوثان الذين يهلون عند الذبح بأوثانهم، كما كان يفعله العرب.

стр. 2686

أما أهل الكتاب فإن الله سبحانه أحل ذبائحهم بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) والمراد ذبائحهم كم ذهب إليه ابن عباس وجمهور المفسرين، مع علمه تعالى بأنهم يهلون على ذبائحهم باسم المسيح، وأنهم لا يزالون يقولون ذلك. فعلى هذا القول تحل ذبيحة الكتابي سواء سمى المسيح أو الصليب، ذبحها لعيد أو كنيسة؛ لأنه كتابي قد ذبح لدينه، وكانت هذه ذبائحهم قبل نزول القرآن وأحلها في كتابه أ. هـ. من العمدة للعيني، وأحكام القرآن للجصاص، والمغني لابن قدامة، والمحلى لابن حزم، وروح المعاني للألوسي المفسر وغيرهم. وقد رجح مذهب الجمهور بأن حل ذبائح أهل الكتاب في آية المائدة مشروط بالإهلال عليه باسم الله وحده جمعا بين الآيتين، فإذا أهل باسمه تعالى حلت ذبيحته كالمسلم سواء، وإذا أهل بغيره تعالى حرمت كالمسلم سواء، وإذا لم يعلم هل سمى الله وحده أو سمى الله مع غيره أو سمى غير الله فقط حلت ذبيحته، ففي الألوسي قال الحسن: إذا ذبح اليهودي أو النصراني فذكر غير الله تعالى وأنت تسمع فلا تأكل فإذا غاب عنك فكل، فقد أحل الله ذلك أ. هـ أي بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) وفي صحيح البخاري عن الزهري قال: " لا بأس بذبيحة نصارى العرب وإن سمعته يسمى غير الله فلا تأكل، وإن لم تسمعه فقد أحله الله وعلم كفرهم" أهـ. رواه مالك في الموطأ مرفوعا. وعن النخعي: إذا توارى عنك فكل. وعن حماد: كل ما لم تسمعه أهل به لغير الله. وفي البدائع للكاساني من أئمة الحنفية: وتؤكل ذبيحة الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) والمراد ذبائحهم وإنما تؤكل ذبيحته إذا لم يشهد ذبحه ولم يسمع منه شيء، أو سمع وشهد تسمية الله تعالى وحده؛ لأنه إذا لم يسمع منه شيء يحمل على أنه سمى الله تعالى وجرد التسمية تحسينا للظن به كما بالمسلم، فأما إذا سمع منه أنه سمى المسيح وحده أو مع الله فإنه لا تؤكل ذبيحته لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٤) أ. هـ. ملخصا.

стр. 2687

وفي المغني لابن قدامة: فإن لم يعلم أسمى الذابح أم لا، أو ذكر اسم غير الله أم لا، فذبيحته حلال؛ لأن الله تعالى أباح لنا أكل ذبيحة المسلم والكتابي وقد علم أننا لا نقف على كل ذابح. أ. هـ. وفي المحلى لابن حزم: وكل ما غاب عنا مما ذكاه مسلم فاسق أو جاهل أو كتابي فحلال أكله؛ لما أخرجه البخاري عن عائشة: «أن قوما قالوا للنبي ﷺ : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال ﵊: سموا الله أنتم وكلوا. قالت عائشة: وكانوا حديثي عهد بكفر (١)» أ. هـ. حيث أباح لهم أكله بدون اهتمام بالسؤال عنه، والتحقق من حصول التسمية وندبهم إلى التسمية عند الأكل إقامة للسنة كما أشار إليه الطيبي. وجملة القول في ذبيحة الكتابي أنها تحل، ولو علم أنه سمى عليها غير الله فيما ذهب إليه بعض الأئمة، وتحل عند الجمهور إذا لم يسمع وهو يهل بها لغير الله، بخلاف ما إذا سمع فإنها تحرم، فما يذبحه إذا لم يعلم أنه ذكر اسم الله عليه أو لم يذكره حلال باتفاق، والله اعلم. ٣ - كيفية الذبح: وقد اختلفت أقوال الأئمة والفقهاء في كيفية الذبح وآلته اختلافا كثيرا، وللإمام ابن حزم في ذلك قول حقيق بالقبول مؤيد بالدليل القوي من السنة الصحيحة. قال: إن كمال الذبح باتفاق هو أن يقطع الودجان (عرقان في جانبي ثغرة النحر) والحلقوم والمريء (مجرى الطعام والشراب من الحلق) (٢) فإن قطع بعض من هذه الاراب، فاسرع الموت كما يسرع في قطع كلها فأكلها حلال، فإن لم يسرع الموت فليعد القطع ولا يضره ذلك شيئا، وأكله حلال سواء ذبح من الحلق أعلاه وأسفله، وسواء رميت العقدة إلى فوق أو أسفل، أو قطع كل ذلك من العنق وسواء أبين الرأس أم لم يبن، كل ذلك حلال، وممن ذهب إلى حل الذبيحة إذا أبين رأسها: ابن عمر وعلي

стр. 2688

وعمران بن الحصين وأنس وابن عباس وعطاء ومجاهد وطاوس والحسن والنخعي والشعبي والزهري والضحاك، وبعضهم أكل ما لم يقطع أوداجه وما ذبح من قفاه. وأما آلة التذكية فهي كل شيء يقطع قطع السكين، أو ينفذ نفاذ الرمح. سواء في ذلك كله العود المحدد والحجر الحاد والقصب الحاد، وكل شيء سوى السن والظفر، وما عمل منها إلى آخر ما ذكره في المحلى جـ٧. فالذبح بآلة حادة تقطع العنق وتفصل الرأس ولو كان من القفا جائز شرعا عنده، والله أعلم.

стр. 2689

وسئل سماحة رئيس المجلس الأعلى للقضاء في المملكة العربية السعودية: الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد عن حكم اللحوم المستوردة من الخارج معلبة وغير معلبة والتي كثر انتشارها في المدن والقرى وعمت البلوى بها فلا يكاد بيت يسلم منها- هل الأصل فيها الإباحة أم الحظر نرجو بيان ذلك مفصلا ولكم الأجر. فأجاب حفظه الله: الأصل في الأبضاع والحيوانات التحريم فلا يحل البضع إلا بعقد صحيح مستجمع لأركانه وشروطه كما لا يباح أكل لحوم الحيوانات إلا بعد تحقق تذكيتها من أهل للتذكية فإن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وحرم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إلا ما ذكي. فهذا يدل على أن الأصل في الحيوان التحريم إلا ما ذكاه المسلمون أو أهل الكتاب بقطع الحلقوم وهو مجرى النفس. والمريء وهو مجرى الطعام والماء مع قطع الودجين في قول طائفة من أهل العلم. فما يرد من اللحوم المعلبة إن كان استيرادها من بلاد إسلامية أو من بلاد أهل الكتاب أو معظمهم وأكثرهم أهل كتاب وعادتهم يذبحون بالطريقة الشرعية فلا شك في حله. وإن كانت تلك اللحوم المستوردة تستورد من بلاد جرت عادتهم أو أكثرهم أنهم يذبحون بالخنق أو بضرب الرأس أو بالصاعقة الكهربائية ونحو ذلك فلا شك في تحريمها وكذلك ما يذبحه غير المسلمين وغير أهل الكتاب من وثني أو مجوسي أو قادياني أو شيوعي ونحوهم فلا يباح ما

стр. 2690

ذكوه؛ لأن التذكية المبيحة لأكل ما ذكى لا بد أن تكون من مسلم أو كتابي عاقل له قصد وإرادة. وغير هؤلاء لا يباح تذكيتهم أما إذا جهل الأمر في تلك اللحوم ولم يعلم عن حالة أهل البلد التي وردت منها تلك اللحوم، هل يذبحون بالطريقة الشرعية أم بغيرها؟ ولم يعلم حالة المذكين وجهل الأمر فلا شك في تحريم ما يرد من تلك البلاد المجهول أمر عادتهم في الذبح تغليبا لجانب الحظر وهو أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر سواء أكان في الذبائح أو الصيد ومثله النكاح كما قرره أهل العلم- منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والحافظ ابن رجب وغيرهم من الحنابلة وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام النووي وغيرهم كثير- مستدلين بما في الصحيحين وغيرهما من حديث عدي بن حاتم: أن النبي ﷺ قال له: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل. فإن وجدت معه كلبا آخر فلا تأكل (١)». فالحديث يدل على أنه إذا وجد مع كلبه المعلم كلبا آخر أنه لا يأكله تغليبا لجانب الحظر. فقد اجتمع في هذا الصيد مبيح وهو إرسال الكلب المعلم وغير مبيح وهو اشتراك الكلب الآخر. لهذا منع الرسول ﷺ من أكله وقال أيضا ﷺ : «إذا أصبته بسهمك فوقع في الماء فلا تأكل (٢)». متفق عليه. وفي رواية عند الترمذي: «إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل (٣)». وقال: حسن صحيح عن عدي بن حاتم. قال ابن حجر في الصيد: إن الأثر الذي يوجد فيه من غير سهم الرامي أعم من أن يكون أثر سهم رام آخر أو غير ذلك من الأسباب القاتلة فلا يحل أكله مع التردد. وقال أيضا عند قوله: «وإن وقع في الماء فلا تأكل (٤)» لأنه حينئذ يقع التردد هل قتله السهم أو الغرق في الماء. فلو تحقق أن السهم أصابه فمات فلم يقع في الماء إلا بعد أن قتله السهم فهذا يحل أكله، قال النووي في شرح مسلم: إذا وجد الصيد في الماء غريقا حرم بالاتفاق- أ. هـ. وقد صرح الرافعي بأن محله ما لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم مثلا فقد تمت ذكاته. ويؤيده قوله ﷺ : «فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك (٥)». فدل على أنه إذا علم أن سهمه هو الذي قتله أنه يحل- انتهى ملخصا من فتح الباري. وقال الخطابي: إنما نهاه عن أكله إذا وجده في الماء لإمكان أن يكون الماء قد غرقه فيكون هلاكه من الماء لا من قبل الكلب الذي هو آلة الذكاة. وكذلك إذا وجد فيه أثرا لغير سهمه. والأصل أن الرخص تراعى شرائطها التي بها وقعت الإباحة فمهما أخل بشيء منها عاد الأمر إلى التحريم الأصلي أ. هـ.

стр. 2691

مما تقدم يتضح تحريم اللحوم المستوردة من الخارج على الصفة التي سبق بيانها وأن مقتضى قواعد الشرع يدل على تحريمها كما في حديث عدي وغيره في اشتراك الكلب المعلم مع غيره. وفيما رماه الصائد بسهمه فوقع في الماء لاحتمال أن الماء قتله. وفيما رواه الترمذي وصححه: «إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع (١)». فدل على أنه لو رأى فيه أثر سبع أنه لا يأكله. فإنك ترى من هذا أنه إذا تردد الأمر بين شيئين مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر. وليس في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما: «أن قوما حديثي عهد بإسلام يأتوننا باللحوم فلا ندري أذكروا اسم الله عليه أو لا. فقال النبي ﷺ : سموا الله أنتم وكلوا- لأن الحديث في قوم مسلمين- إلا أنهم حديثوا عهد بكفر (٢)» بخلاف تلك اللحوم المستوردة من الخارج فإن الذابح لها ليس بمسلم ولا كتابي بل مجهول الحال. كما بينا فيما تقدم من أهل البلد إذا كانت حالتهم أو معظمهم يذبحون بالطريقة الشرعية وهم مسلمون أو أهل كتاب فيباح لنا ما ذبحوه وإن كانوا يذبحون بغير الطريقة الشرعية بل بخنق أو بضرب رأس أو بصاعقة كهربائية فهو محرم. وإن جهل أمرهم ولم تعلم حالتهم بما يذبحونه فلا يحل ما ذبحوه تغليبا لجانب الحظر. ولا عبرة بما عليه أكثر الناس اليوم من أكلهم لتلك اللحوم من غير مبالاة بتذكيتها من عدمها- والله المستعان.

стр. 2692

ولفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فتوى تحت عنوان: حكم ذبائح أهل الكتاب وغيرهم من الكفار نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المحترم سلمه الله وتولاه آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . . أما بعد فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ ٥/ ٣ / ١٣٨٦ وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من السؤال عن حكم اللحوم التي تباع في أسواق الدول غير الإسلامية وما يعانيه موظفو

стр. 2693

السفارات الإسلامية والطلبة المسلمون من المشقة في هذا الباب (وما تضمنه من السؤال) كان معلوما. والجواب: قد أجمع علماء الإسلام على تحريم ذبائح المشركين من عباد الأوثان ومنكري الأديان ونحوهم من جميع أصناف الكفار غير اليهود والنصارى والمجوس. وأجمعوا على إباحة ذبيحة أهل الكتاب من اليهود والنصارى واختلفوا في ذبيحة المجوس عباد النار. فذهب الأئمة الأربعة والأكثرون إلى تحريمها إلحاقا للمجوس بعباد الأوثان وسائر صنوف الكفار من غير أهل الكتاب. وذهب بعض أهل العلم إلى حل ذبيحتهم إلحاقا لهم بأهل الكتاب، وهذا قول ضعيف جدا بل باطل والصواب ما عليه جمهور أهل العلم من تحريم ذبيحة المجوس كذبيحة سائر المشركين لأنهم من جنسهم فيما عدا الجزية وإنما شابه المجوس أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم فقط، والحجة في ذلك قول الله سبحانه في كتابه الكريم من سورة المائدة ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١) الآية فصرح سبحانه بأن طعام أهل الكتاب حل لنا وطعامهم ذبحائهم كما قال ابن عباس وغيره من أهل العلم ومفهوم الآية أن طعام غير أهل الكتاب من الكفار حرام علينا وبذلك قال أهل العلم قاطبة إلا ما عرفت من الخلاف الشاذ الضعيف في ذبيحة المجوس. إذا علم هذا فاللحوم التي تباع في أسواق الدول غير الإسلامية إن علم أنها من ذبائح أهل الكتاب فهي حل للمسلمين إذا لم يعلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي إذ الأصل حلها بالنص القرآني فلا يعدل عن ذلك إلا بأمر متحقق يقتضي تحريمها أما إن كانت اللحوم من ذبائح بقية الكفار فهي حرام على المسلمين ولا يجوز لهم أكلها بالنص والإجماع ولا تكفي التسمية عليها عند غسلها ولا عند أكلها، وأما ما يتعلق به من قال ذلك فهو وارد في شأن أناس من المسلمين كانوا حديثي عهد بالكفر فسأل بعض الصحابة ﵃ النبي ﷺ عن ذلك فقالوا: «يا رسول الله إن قوما حديثي عهد بالكفر يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي ﷺ : سموا الله عليه أنتم وكلوا (٢)». رواه البخاري من حديث عائشة ﵂ وبذلك يعلم أنه لا شبهة لمن استباح اللحوم التي تجلب في الأسواق من ذبح الكفار غير أهل الكتاب بالتسمية عليها؛ لأن حديث عائشة المذكور وارد في المسلمين لا في الكفار فزالت الشبهة لأن أمر المسلم يحمل على السداد

стр. 2694

والاستقامة ما لم يعلم منه خلاف ذلك ولعل النبي ﷺ أمر هؤلاء الذين سألوه بالتسمية عند الأكل من باب الحيطة وقصد إبطال وساوس الشيطان، لا لأن ذلك يبيح ما كان محرما من ذبحائهم والله أعلم. وأما كون المسلم في تلك الدول غير الإسلامية يشق عليه تحصيل اللحم المذبوح على الوجه الشرعي ويمل أكل لحم الدجاج ونحوه فهذا ونحوه لا يسوغ له أكل اللحوم المحرمة، ولا يجعله في حكم المضطر بإجماع المسلمين فينبغي التنبه لهذا الأمر والحذر من التساهل الذي لا وجه له. هذا ما ظهر لي في هذه المسألة التي قد عمت بها البلوى، وأسأل الله أن يوفق المسلمين لما فيه صلاح دينهم ودنياهم وأن يعمر قلوبهم بخشيته وتعظيم حرماته والحذر مما يخالف شرعه إنه على كل شيء قدير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2695

ولفضيلته فتوى أخرى في الموضوع نصها: - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ فؤاد توفيق زاده الله من العلم النافع والإيمان آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . أما بعد فقد وصلني كتابكم في ١٥/ ١١ / ٨٧هـ وصلكم الله بهداه وما تضمنه من السؤال كان معلوما. وقد تضمن خطابكم المذكور السؤال عن مسألتين إحداهما عما يتعلق بذبح الغنم والدجاج ونحوهما في المجازر المسيحية في معظم البلاد الأوروبية والأمريكية وقد ذكرتم أنها درجت في ذبح الخرفان بواسطة الصرع الكهربائي وعلى ذبح الدجاج بواسطة قصف الرقبة. والثانية عن حكم شحم الخنزير وذكرتم أنه بلغكم عن بعض علماء العصر حل ذلك. والجواب عن المسألة الأولى أن يقال قد دل كتاب الله العزيز وإجماع المسلمين على حل طعام أهل الكتاب بقول الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١)

стр. 2696

الآية من سورة المائدة. هذه الآية الكريمة قد دلت على حل طعام أهل الكتاب والمراد من ذلك ذبائحهم وهم بذلك ليسوا أعلى من المسلمين بل هم في هذا الباب كالمسلمين فإذا علم أنهم يذبحون ذبحا يجعل البهيمة في حكم الميتة حرمت كما لو فعل ذلك المسلم لقول الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ (١) الآية. فكل ذبح من مسلم أو كتابي يجعل الذبيحة في حكم المنخنقة والموقوذة أو المتردية أو النطيحة فهو ذبح يحرم البهيمة ويجعلها في عداد الميتات لهذه الآية الكريمة، وهذه الآية يخص بها عموم قوله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) كما يخص بها الأدلة الدالة على حل ذبيحة المسلم إذا وقع منه الذبح على وجه يجعل ذبيحته في حكم الميتة، أما قولكم إن المجازر المسيحية درجت على ذبح الخرفان بواسطة الصرع الكهربائي وفي ذبح الدجاج بواسطة قصف الرقبة فقد سألت بعض أهل الخبرة عن معنى الصرع والقصف لأنكم لم توضحوا معناهما فأجابنا المسئول بأن الصرع هو إزهاق الروح بواسطة الكهرباء من غير ذبح شرعي وأما القصف فهو قطع الرقبة مرة واحدة فإن كان هذا هو المراد من الصرع والقصف فالذبيحة بالصرع ميتة لكونها لم تذبح الذبح الشرعي الذي يتضمن قطع الحلقوم والمريء وإسالة الدم وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر (٣)». وأما القصف بالمعنى المتقدم فهو يحل الذبيحة لأنه مشتمل على الذبح الشرعي وهو قطع الحلقوم والمريء والودجين وفي ذلك إنهار الدم مع قطع ما ينبغي أما إن كان المراد بالصرع والقصف لديكم غير ما ذكرنا فنرجو الإفادة عنه حتى يكون الجواب على ضوء ذلك وفق الله الجميع لإصابة الحق. المسألة الثانية وهي شحم الخنزير فالجواب عن ذلك أن الذي عليه الأئمة الأربعة وعامة أهل العلم هو تحريم شحمه تبعا للحمه وحكاه الإمام القرطبي والعلامة الشوكاني إجماع الأمة الإسلامية لأنه إذا نص على تحريم الأشرف فالأدنى أولى بالتحريم ولأن الشحم تابع للحم عند الإطلاق فيعمه النهي

стр. 2697

والتحريم ولأنه متصل به اتصال خلقة فيحصل به الضرر ما يحصل بملاصقه وهو اللحم ولأنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ما يدل على تحريم الخنزير بجميع أجزائه والسنة تفسر القرآن وتوضح معناه، ولم يخالف في هذا أحد فيما نعلم ولو فرضنا وجود خلاف لبعض الناس فهو خلاف شاذ مخالف للأدلة والإجماع الذي قبله فلا يلتفت إليه. ومما ورد من السنة في ذلك ما رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ «خطب الناس يوم الفتح فقال: إن الله ورسوله حرم عليكم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (١)». الحديث فجعل الخنزير قرين الخمر والميتة لم يستثن شحمه بل أطلق تحريم بيعه كما أطلق تحريم بيع الخمر والميتة وذلك نص ظاهر في تحريمه كله والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد كتبنا جوابا في حكمة تحريم الخنزير نرسل لكم نسخة منه مع نسختين من كتابين آخرين في الموضوع للاطلاع عليها والله المسئول أن يوفقنا جميعا للفقه في دينه والنصح له ولعباده والدعوة إليه على بصيرة إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2698

جاء إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الاستفتاء الآتي: ما حكم اللحم الذي يوجد في الأسواق وقد ذبح في الخارج هل يجوز الأكل منه أو لا؟ فأجابت عنه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بما نصه في الفتوى رقم ١٢١٦ وتاريخ ١٣٩٦هـ: إن كان مذكي الأنعام أو الطيور غير كتابي ككفار روسيا وبلغاريا وما شابهها في الإلحاد ونبذ الديانات فلا تؤكل ذبيحته سواء ذكر اسم الله عليها أم لا. لأن الأصل حل ذبائح المسلمين فقط

стр. 2699

واستثنى ذبائح أهل الكتاب بالنص وإن كان من ذكاها من أهل الكتاب اليهود أو النصارى فإن كانت تذكيته إياها بذبح في رقبتها أو نحر في لبتها وهي حية وذكر اسم الله عليها أكلت اتفاقا، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وإن لم يذكر اسم الله عليها عمدا ولا اسم غيره ففي جواز أكلها خلاف. وإن ذكر اسم غير الله عليها لم تؤكل. وهي ميتة لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٢) وإن ضربها في رأسها بمسدس أو سلط عليها تيارا كهربائيا مثلا فماتت من ذلك فهي موقوذة ولو قطع رقبتها بعد ذلك وقد حرمها الله في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ (٣) إلا إذا أدركت حية بعد ضرب رأسها مثلا وذكيت فتؤكل. لقوله تعالى في آخر هذه الآية: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٤) فاستثنى سبحانه من المحرمات ما ذكى منها إذا أدرك حيا. لأن التذكية لا تأثير لها في الميتة أما ما خنق منها حتى مات أو سلط عليه تيار كهربائي حتى مات فلا يؤكل بالاتفاق وإن ذكر اسم الله عليه حين خنقه أو تسليط الكهرباء عليه أو عند أكله أما قول رسول الله ﷺ : «سموا الله وكلوا (٥)». فإنه كان من ذبائح ذبحها قوم أسلموا لكنهم حديثوا عهد بجاهلية ولم يعلم أذكروا اسم الله عليها أم لا فأمر المسلمين الذين شكوا في تسمية هؤلاء الذابحين بالبناء على الأصل وهو ما عهد في المسلمين من التسمية عند الذبح وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وجاء أيضا في استفسار آخر مضمونه: أن جماعة من طلبة العلم يزعمون حل ذبائح من يستغيث بغير الله ويدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله إذا ذكروا عليها اسم الله مستدلين بعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٦) الآية وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (٧) ويرون من يحرم ذلك من المعتدين الذين يضلون بأهوائهم بغير علم، ويقولون إن الله فصل لنا ما حرم علينا في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٨) الآية وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٩) الآية إلى أمثال ذلك من الآيات التي فصلت ما حرم من الذبائح ولم يذكر فيها تحريم شيء مما ذكر اسم الله عليه ولو كان الذابح وثنيا أو مجوسيا ويزعمون أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان يأكل من

стр. 2700

ذبائح الذين يدعون زيد بن الخطاب إذا ذكروا اسم الله. فهل قولهم هذا صحيح، وما نجيب عما استدلوا به إن كانوا مخطئين وما هو الحق في ذلك مع الدليل. وقد أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية بالفتوى رقم ١٤٢٣ وتاريخ ٢٨/ ١٢ / ٩٦ بما يلي: يختلف حكم الذبائح حلا وحرمة باختلاف حال الذابحين فإن كان الذابح مسلما ولم يعلم عنه أنه أتى بما ينقض أصل إسلامه وذكر اسم الله على ذبيحته أو لم يعلم أذكر اسم الله عليه أم لا فذبيحته حلال بإجماع المسلمين ولعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢) الآية. وإن كان الذابح كتابيا يهوديا أو نصرانيا وذكر اسم الله على ذبيحته فهي حلال بإجماع ولقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) وإن لم يذكر اسم الله ولا اسم غيره ففي حل ذبيحته خلاف فمن أحلها استدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤) ومن حرمها استدل بعموم أدلة وجوب التسمية على الذبيحة والصيد والنهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه في قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٥) الآية وهذا هو الظاهر وإن ذكر الكتابي اسم غير الله عليها كأن يقول باسم العزير أو باسم المسيح أو الصليب لم يحل الأكل منها، لدخولها في عموم قوله تعالى في آية ما حرم من الطعام: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٦) إذ هي مخصصة لعموم قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٧) وإن كان الذابح مجوسيا لم تؤكل سواء ذكر اسم الله عليها أم لا بلا خلاف فيما نعلم إلا ما نقل عن أبي ثور من إباحته صيده وذبيحته، لما روى عنه ﷺ أنه قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب (٨)» ولأنهم يقرون على دينهم بالجزية كأهل الكتاب فيباح صيدهم وذبائحهم وقد أنكر عليه العلماء ذلك واعتبروه خلافا لإجماع من سبقه من السلف قال ابن قدامة في المغني قال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع قال أحمد: هاهنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأسا ما أعجب هذا - يعرف بأبي ثور. وممن رويت عنه كراهية ذبائحهم ابن مسعود وابن عباس وعلي وجابر وأبو برزة وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن بن محمد وعطاء ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن
следующие страницы →