← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

* التعريف بتفسيره وطريقته فيه: تفسير ابن كثير من أشهر ما دون في التفسير بالمأثور، ويعتبر الكتاب الثاني بعد كتاب ابن جرير الطبري، اعتنى فيه مؤلفه بالرواية عن مفسري السلف. وقد قدم له بمقدمة طويلة هامة تعرض فيها لكثير من الأمور التي لها تعلق واتصال بالقرآن وتفسيره، ولكن أغلب هذه المقدمة مأخوذ بنصه من كلام شيخه ابن تيمية الذي ذكره في كتابه أصول التفسير. وطريقته في تفسيره أنه يفسر الآية بأسلوب سهل واضح، ويذكر وجوه القراءات بدون إسراف، ويشير إلى الإعراب إن كان له تعلق بتفسير الآية، ثم يفسر الآية بآية أخرى إن أمكن، ويسرد في ذلك الآيات التي تناسبها، وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، وقد اشتهر ابن كثير بذلك، ثم يذكر الأحاديث المرفوعة المتعلقة بتفسير الآية وما روي عن الصحابة والتابعين في ذلك، ويعني بتصحيح الأسانيد أو تضعيفها مع بيان سبب الضعف، وترجيح بعض الأقوال على بعض مع توجيه ذلك. وكثيرا ما نجده ينقل من تفسير ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وابن عطية والفخر الرازي وغيرهم ممن تقدمه، وقد يتعقب أقوالهم. ومما يمتاز به تفسيره أنه ينبه على ما في تفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات، ويحذر منها على وجه الإجمال تارة، وعلى وجه التعيين لبعض منكراتها تارة أخرى، مع نقد أسانيدها ومتونها، ويذكر مناقشات الفقهاء وآرائهم وأدلتهم عندما يشرح آية من آيات الأحكام من غير إسراف ولا استطراد. وبالجملة فإن هذا التفسير من خير كتب التفسير بالمأثور، وقد شهد له بعض العلماء فقال السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ والزرقاني في شرح المواهب: إنه لم يؤلف على نمط مثله (١)

стр. 3187

٥ - الدرر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي * التعريف بمؤلف هذا التفسير: هو الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي الشافعي المسند المحقق صاحب المؤلفات الفائقة النافعة، حفظ القرآن وهو ابن ثماني سنين، وحفظ كثيرا من المتون، وأخذ عن شيوخ كثيرين عدهم الداودي فبلغ بهم واحدا وخمسين كما عد مؤلفاته فبلغ بها ما يزيد على خمسمائة مؤلف ولد سنة ٨٤٩هـ. وتوفي سنة ٩١١ هـ. بالقاهرة، ومن مؤلفاته: ١ - الجامع الصغير في الحديث، مطبوع. ٢ - حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، مطبوع. ٣ - همع الهوامع في النحو، مطبوع. ٤ - الإتقان في علوم القرآن، مطبوع. ٥ - الدر المنثور في التفسر بالمأثور، مطبوع (١). * التعريف بتفسيره وطريقته فيه: عرف السيوطي تفسيره في مقدمته فقال: فلما ألفت كتاب ترجمان القرآن وهو التفسير المسند عن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ وتم بحمد الله في مجلدات فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرج منها واردات، رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله فلخصت منه هذا المختصر مقتصرا فيه على متن الأثر مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر وسميته: بالدر المنثور في التفسير المأثور (٢).

стр. 3188

فالسيوطي يسرد في الروايات عن السلف في التفسير بدون أن يعقب عليها، فلا يعدل ولا يجرح ولا يضعف ولا يصحح إلا في حالات نادرة، وقد أخذ هذه الروايات من البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد وأبي داود وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وغيرهم. ونلاحظ أن تفسير السيوطي هو الوحيد الذي اقتصر على التفسير بالمأثور من بين التفاسير السابقة التي تحدثنا عنها، فلم يخلط بالروايات التي نقلها شيئا من عمل الرأي كما فعل غيره.

стр. 3189

ب- أشهر كتب التفسير بالرأي ١ - مفاتيح الغيب للفخر الرازي * التعريف بمؤلف هذا التفسير: هو محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن فخر الدين الرازي أبو عبد الله القرشي التميمي من ذرية أبي بكر الصديق ﵁ المفسر الفقيه المتكلم، إمام وقته في العلوم العقلية، ولد في رمضان سنة ٥٤٤هـ. طلب العلم على والده ضياء الدين عمر، وأتقن علوما كثيرة وبرز فيها، وتخرج عليه طلاب كثيرون، حكي أنه إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاثمائة تلميذ فقهاء وغيرهم، وصنف في فنون كثيرة، وقيل إنه ندم على دخوله في علم الكلام، روي عنه أنه قال: لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا، ورأيت أصح الطرق طريقة القرآن، توفي بهراة سنة ٦٠٦هـ وخلف مصنفات كثيرة منها: ١ - كتاب المحصول في أصول الفقه، مطبوع. ٢ - كتاب شرح أسماء الله الحسنى، مطبوع.

стр. 3190

٣ - كتاب من إعجاز القرآن. ٤ - كتاب المطالب العالية في ثلاثة مجلدات ولم يتمه وهو من آخر تصانيفه. ٥ - تفسيره: مفاتيح الغيب (١). * * * التعريف بتفسيره وطريقته فيه: تفسير الفخر الرازي: "مفاتيح الغيب" من التفاسير المطولة، ويقع في اثنين وثلاثين جزءا في طبعة دار المصحف، وهذا التفسير لم يتمه الفخر الرازي، ذكر حاجي خليفة في: كشف الظنون، أنه وصل فيه إلى تفسير سورة الأنبياء ثم أتمه نجم الدين أحمد بن محمد القمولي المتوفي سنة ٧٢٧هـ. وقاضي القضاة شهاب الدين بن خليل الخوى أكمل ما نقص منه أيضا توفي سنة ٦٣٩هـ. وذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، أن الذي أكمله نجم الدين القمولي. فلعل الشيخين اشتركا في تكملته بوجه من الوجوه أو أن كل واحد منهما ألف تكملة له، (٢) ومسألة تكملة تفسير الفخر الرازي والموضع الذي انتهى إليه الفخر الرازي في تفسيره مسألة فيها خلاف قديم بين العلماء ولم تحقق إلى الآن، وطريقة الفخر الرازي في تفسيره أنه يعني بذكر مناسبة السور بعضها لبعض، ومناسبة الآيات بعضها لبعض، فيذكر أكثر من مناسبة، ويلاحظ على بعض هذه المناسبات بعيدة أو فيها تكلف، كما أنه يعني بذكر أسباب النزول، فيذكر للآية الواحدة سببا أو أكثر من سبب حسب ما روي فيها، ويذكر وجوه القراءات ووجوه الإعراب، ويعني باللغة، فتجد له مباحث لغوية قصيرة لتحقيق بعض اللغويات،

стр. 3191

ويشير إلى القواعد الأصولية، ويتوسع في المباحثات الفقهية، فيعني كثيرا بمذهب الشافعي وتحقيقه وترجيح آرائه والرد على مخالفيها، كما أنه في مسألة آيات الصفات يجريها على طريقة الأشعري في مذهبه، ويرد على أقوال المعتزلة في مسألة الصفات وغيرها، ويفند أقوالهم، وكذلك يعني بذكر آراء الفلاسفة ونظرياتهم في الكون ويفندها، وقد استطرد في المباحث الفلسفية والكلامية فطغت على تفسيره، فهو مرجع في هذا الباب إلا أنه يؤخذ عليه أن يورد شبه الجاحدين والمخالفين يوردها ويحققها ويتوسع في تحقيقها أكثر من أصحابها ثم يرد عليها ردا ضعيفا لأنه قد استنفذ طاقته في التوسع في تحقيقها حتى قال عنه بعض المغاربة: يورد الشبه نقدا ويحللها نسيئة، فنلاحظ من هذا الاستعراض السريع لطريقة الفخر الرازي في تفسيره أنه جمع في تفسيره علوما كثيرة، واستطرد في بعضها مما جعله يخرج عن التفسير، ولذا قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير، وهذا القول وإن كان فيه مبالغة إلا أنه يشعر باستطرادات الفخر الرازي في تقرير بعض قضايا التفسير (١) * * *

стр. 3192

٢ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي التعريف بمؤلف هذا التفسير * التعريف بمؤلف هذا التفسير: هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح بإسكان الراء والحاء المهملة الأنصاري الخزرجي القرطبي، كان من العباد الصالحين والعلماء العارفين الزاهدين في الدنيا، وكان متواضعا، وكانت أوقاته كلها معمورة بالتوجه إلى الله بالعبادة

стр. 3193

تارة وبالتصنيف تارة أخرى، حتى أخرج للناس كتبا انتفعوا بها، توفي سنة ٦٧١هـ. بمنية بني خصيب بصعيد مصر، ومن مصنفاته: ١ - كتاب شرح أسماء الله الحسنى. ٢ - كتاب التذكار في أفضل الأذكار، مطبوع. ٣ - كتاب التذكرة في أمور الآخرة، مطبوع. ٤ - تفسيره: الجامع لأحكام القرآن (١). التعريف بتفسيره وطريقته فيه * التعريف بتفسيره وطريقته فيه: قال في مقدمة تفسيره يبين السبب الذي دفعه إلى تأليفه فالطريقة التي سار عليها فقال: وبعد، فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع الذي استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض رأيت أن أشتغل به مدى عمري واستفرغ فيه منتى (٢) بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا يتضمن نكتا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ونزول الآيات جامعا بين معانيها ومبينا ما أشكل منها بأقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف. . . وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله، وكثيرا ما يجيء الحديث في كتب الفقه والتفسير مبهما لا يعرف من أخرجه إلا من اطلع على كتب الحديث، فيبقى من لا خبرة له بذلك حائرا لا يعرف الصحيح من السقيم، ومعرفة ذلك علم جسيم، فلا يقبل منه الاحتجاج به ولا الاستدلال حتى يضيفه إلى من خرجه من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام، ونحن نشير إلى جمل من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأضرب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، إلا ما لا بد منه ولا غنى عنه للتبيين واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تسفر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمت كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما زاد

стр. 3194

مسائل نبين فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير الغريب، والحكمة، فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل. وهكذا إلى آخر الكتاب، وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان (١). فنلاحظ من هذه المقدمة الطريقة التي سار عليها القرطبي في تفسيره حيث إنه يذكر آية أو مجموعة من الآيات متصلة في المعنى، فيجعل تفسيره لهذه الآيات في جملة مسائل تكون مسألتين، وقد تصل إلى أربعين مسألة فأكثر، يذكر في كل مسألة حكما من أحكام الآية أو سببا من أسباب النزول أو تفسيرا لغريب الآية أو صلة لها، أو يذكر فروعها فقهية تتصل بالآية من بعيد أو من قريب، ويستدل على ذلك بالأحاديث ويخرج هذه الأحاديث، كما يستدل بأقاويل السلف وينسبها إلى قائلها. كما أنه لا يستطرد في ذكر القصص والتواريخ، وقد وفى بما وعد في مقدمة تفسيره إلا أنه استطرد في ذكر الفروع الفقهية والتفصيلات الدقيقة في مذاهب أئمة الفقه التي لا تتصل بالآية إلا من بعيد حتى إن القارئ فيه أحيانا يجد نفسه أمام ثروة كبيرة من الأقوال الفقهية تخرجه عن تفسير الآيات القرآنية، ومن المراجع التي اعتمد عليها القرطبي في تفسيره ابن جرير الطبري وابن عطية وابن العربي والكيا الهراس وأبو بكر الجصاص، ومما يمتاز به القرطبي في تفسيره أنه لا يتعصب لمذهبه المالكي، فتجده في بعض المسائل يسوق رأي الإمام مالك ثم يرجح غيره مما دل عليه الدليل، ومن أمثلة ذلك تفسيره لقوله تعالى في الآية ٤٣ من سورة البقرة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢) نجده عند المسألة السادسة عشرة من مسائل هذه الآية يعرض لإمامة الصغير ويذكر أقوال من يجيزها ومن يمنعها، ويذكر أن من المانعين لها الإمام مالك والثوري وأصحاب الرأي، ولكنا نجده يخالف إمامه فيقول بجواز إمامة الصغير لما ظهر له من الدليل على جوازها، وهو ما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة أن

стр. 3195

رسول الله ﷺ قال: «فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا قال عمرو بن سلمة: فنظر قومي فلم يكن أحد أكثر مني قرآنا لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين (١)» اهـ. باختصار (٢). ومن أمثلة ذلك تفسيره للآية [١٧٢ من سورة البقرة] ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٣) نجده يعقد المسألة الثانية والثلاثين من مسائل هذه الآية في اختلاف العلماء فيمن كان في سفره معصية كقطع طريق فاضطر إلى الأكل من المحرمات فيذكر أن مالكا حذر ذلك عليه، وكذلك الشافعي في أحد قوليه، ثم يعقب القرطبي على هذا كله فيقول: (قلت الصحيح خلاف هذا، فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه) قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤) وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني الحال فتمحو التوبة عنه ما كان. . . وقد لاحظت في بعض المسائل الفقهية التي يذكرها القرطبي تشابها مع المسائل التي يذكرها ابن قدامة في المغنى، فلعل القرطبي استفاد من كتاب المغنى لابن قدامة في نقل بعض المسائل الفقهية؛ لأن ابن قدامة سابق في الوفاة للقرطبي، فابن قدامة متوفى سنة ٦٢٠هـ. والقرطبي متوفى سنة ٦٧١هـ. وهذه المسألة تحتاج إلى تحقيق.

стр. 3196

٣ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود * التعريف بمؤلف هذا التفسير: هو محمد بن محمد بن مصطفى العمادي أبو السعود من علماء الترك المستعربين، مفسر شاعر، ولد بقرب استنبول، سنة ٨٩٨هـ. ودرس ودرس في

стр. 3197

بلاد متعددة، وتولى القضاء في بروسة فاستنبول فالروم أيلي، وأضيف إليه الإفتاء سنة ٩٥٢هـ، وكان حاضر الذهن سريع البديهة، وحكي عنه أنه يكتب الإفتاء على نسق سؤال المستفتي، فإن كان سؤاله بالشعر أفتاه بالشعر بوزن شعره، وإن كان السؤال بالفارسية أفتاه بها، وكذا إن كان بالتركية أو بالعربية، وقد أشغلته المناصب التي تولاها عن التأليف، فلذا لم يترك لنا إلا مؤلفات قليلة، وكان مهيبا، حظيا عند السلطان، توفي سنة ٩٨٢هـ. ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري باستنبول. ومن مؤلفاته: ١ - تحفة الطلاب. ٢ - رسالة المسح على الخفين. ٣ - قصة هاروت وماروت. ٤ - تفسيره: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١). * التعريف بتفسيره وطريقته فيه: ذكر أبو السعود في مقدمة تفسيره أنه بعد ما قرأ الكشاف للزمخشري وأنوار التنزيل للبيضاوي رأى أن يؤلف تفسيرا يجمع فيه فوائد هذين التفسيرين ويضيف إليه ما تحصل عليه من فوائد من التفاسير الأخرى، فألف هذا التفسير الذي جلى فيه بلاغة القرآن وإعجازه وأبرزها في أحسن صورة، وهذا مما امتاز به هذا التفسير، يضاف إلى ذلك ذكره للفوائد الدقيقة والحكم البديعة التي دلت عليها الآية والنكت البلاغية النادرة، كما أنه يشير إلى القراءات ووجوه الإعراب ويبين معنى الآية على حسب ذلك دون إطالة، ويعرض للمسائل الفقهية المستفادة من الآية، ويشير إلى آراء أئمة المذاهب من غير استطراد، ويعني بذكر أقوال الحنفية ويرجحها كثيرا. ولم يستطرد في ذكر الأخبار الإسرائيلية، وإن ذكرها فإنه يصدرها بلفظ روي أو قيل إشارة إلى ضعفها، كما أنه يعني بذكر المناسبات بين الآيات، هذا ويلاحظ عليه ذكره للأحاديث الموضوعة في فضائل السور، حيث ذكر في نهاية كل سورة ما روي

стр. 3198

فيها من تلك الأحاديث، ويلاحظ عليه صعوبة عبارته في بعض المواضع ودقة إشارته واختصاره للعبارة، بشكل يجعلها غامضة على القارئ العادي فلا يدركها إلا القارئ المتخصص، وقد نال هذا التفسير شهرة واسعة بين العلماء، فقد اهتموا به وتدارسوه واقتبسوا منه. * * *

стр. 3199

٤ - فتح القدير للشوكاني * التعريف بمؤلف هذا التفسير: هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الإمام العلامة الفقيه المحدث المجتهد، ولد بهجرة شوكان عام ١١٧٣هـ. في ذي القعدة، وتربى في صنعاء، وقد حفظ القرآن وقرأه وختمه على الفقيه حسن بن عبد الله الهبل، وجد في حفظ متون كتب الفقه والحديث واللغة، واطلع على كتب التاريخ، تفقه ﵀ على مذهب الزيدية وبرع فيه وألف وأفتى، ثم خلع ربقه التقليد وتحلى بمنصب الاجتهاد، وألف رسالة سماها: القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد وتحامل عليه من أجلها جماعة من العلماء، وأرسل إليه أهل جهته سهام اللوم والنقد، وثارت من أجل ذلك فتنة في صنعاء اليمن بين من هو مقلد ومن هو مجتهد، وعقيدة الشوكاني عقيدة السلف من حمل صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على ظاهرها من غير تأويل ولا تشبيه، وقد ألف رسالة في ذلك سماها: التحف بمذهب السلف، وتوفي الشوكاني ﵀ سنة ١٢٥٠هـ. وقد خلف الشوكاني مجموعة من المؤلفات منها: ١ - نيل الأوطار "شرح منتقى الأخبار"، مطبوع. ٢ - إرشاد الفحول إلى علم الأصول، مطبوع. ٣ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، طبع بعضه.

стр. 3200

٤ - إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات (رد به على موسى بن ميمون اليهودي) (١). ٥ - تفسيره: فتح القدير.

стр. 3201

التعريف بتفسيره وطريقته فيه: يعتبر تفسيره أصلا من أصول التفسير ومرجعا مفيدا للباحثين، وقد جمع في تفسيره من الرواية عن السلف والدراية بالاستنباط ومناقشة الآراء والترجيح، وقد اعتمد في تفسيره على أبي جعفر النحاس وابن عطية الدمشقي وابن عطية الأندلسي والقرطبي والزمخشري وابن جرير الطبري وابن كثير والسيوطي، وقد استفاد كثيرا من تفسير السيوطي (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) وطريقة الشوكاني في تفسيره أنه يذكر ما في تفسير الآية من جهة اللغة والبلاغة ويشير إلى الإعراب إن كان له أثر في المعنى، ويذكر القراءات في الآية، ويناقش الآراء التي ينقلها، ويرجح في بعض الحالات، ويستنتج من الآيات الأحكام الفقهية، ويناقش بعض المسائل الفقهية ويبدي فيها رأيه، ثم بعد ذلك يسرد ما روي في تفسير الآية من التفسير المأثور معتمدا في ذلك على تفسير الدر المنثور، وقد يضيف إلى ذلك إضافات استفادها من كتب أخرى، كما نبه على ذلك في مقدمة تفسيره. وقد لاحظ عليه الدكتور الذهبي أنه ينقل بعض الروايات الموضوعة في تفسيره ولا ينبه عليها، وضرب مثلا لذلك بتفسيره للآية (٥٥) من سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ﴾ (١) ذكر أنها نزلت في علي ﵁ حينما تصدق بخاتمه وهو في الصلاة، وذكر الشوكاني أنه لا يصح الاستدلال بها، ولم ينبه على أنها موضوعة، وقد نبه على ذلك ابن تيمية في مقدمة التفسير وقال: إن هذه القصة موضوعة باتفاق العلماء، كما استدل الذهبي بتفسير الشوكاني للآية (٦٧) من سورة المائدة وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢) فذكر روايات عن السلف

стр. 3202

في تفسير هذه الآيات منها ما رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: إن هذه الآية نزلت على رسول الله يوم "غدير خمة". في علي ابن أبي طالب. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: «كنا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك إن عليا مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس» قال الذهبي إنه مر على هاتين الروايتين أيضا بدون أن يتعقبهما بشيء أصلا (١). قلت: الشوكاني معذور في هذا لأنه جرى على المنهج الذي رسمه وقد بينه في مقدمة تفسيره، ونقطف منه هذا النص الذي يهم الموضوع وهو قول الشوكاني: (وقد أذكر الحديث معزوا إلى راويه من غير بيان حال الإسناد؛ لأني أجده في الأصول التي نقلت عنها كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير والسيوطي وغيرهم. ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفا ولا يبينونه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه إنهم علموا بثبوته، فإن من الجائز ان ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن، لأنهم لو كشفوا عنه فثبت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك، كما يقع منهم كثيرا التصريح بالصحة أو الحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها ويعزون ما في تفاسيرهم إليها فلينظر في أسانيدها موفقا إن شاء الله) (٢). وقد لاحظ عليه الدكتور الذهبي ذمه للتقليد، وأنه كان شديد العبارة على مقلدي أئمة المذاهب فيرميهم بأنهم تاركون لكتاب الله معرضون عن سنة رسوله ﷺ ، وقد قسا إلى حد كبير على المقلدين حيث يطبق ما ورد من الآيات في حق الكفرة على مقلدي الأئمة وأتباعهم، فمثلا عندما تعرض لقوله تعالى في الآية (٢٨) من سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) قال ما نصه (. . . وإن في هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر وأبلغ واعظ للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب

стр. 3203

المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق فإنهم قائلون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١) والقائلون: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (٢) والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به وأنه الحق، لم يبق عليه وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهودي على اليهودية والنصراني على النصرانية والمبتدع على بدعته. فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية أو النصرانية أو البدعة، وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب ولا بحثوا عن دين الله كما ينبغي، وهذا هو التقليد البحت والقصور الخالص. . . (٣). ويمتاز تفسير الشوكاني بأنه يناقش آراء المعتزلة ويرد عليهم وقد عد الذهبي تفسير الشوكاني من تفاسير الزيدية، والواقع أنه ليس كذلك، فالمتتبع لتفسير الشوكاني لا يجد الشوكاني يتبنى فيه رأيا للزيدية، فعقيدته سلفية، وهو يرد آراء المعتزلة، فلو كان زيديا لوافقهم، لأن الزيدية يوافقون المعتزلة في أقوالهم في تأويل الصفات، ومسألة العدل، وغير ذلك من المسائل التي اختلف فيها أهل السنة والمعتزلة، وكذلك أيضا في آرائه الفقهية لا يتبنى آراء الزيدية، وإنما يذكرها كما يذكر آراء غيرهم، ويعني بذكر آرائهم لمعرفته بها، لأنه تفقه في الأصل على مذهب زيد، ثم ترقى في العلم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد. ومما جعله يعني بآراء الزيدية أنه يمنى ويعاهد طائفة الزيدية في بلاده، فكان عليه أن يذكر آراءهم ويناقشهم.

стр. 3204

٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي * التعريف بمؤلف هذا التفسير: هو أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الألوسي، ولد سنة ١٢١٧هـ.

стр. 3205

في جانب الكرخ من بغداد، كان ﵀ شيخ العلماء في العراق، جمع كثيرا من العلوم حتى أصبح علامة في المنقول والمعقول، فبرز في التفسير والحديث والأصول والفروع، أخذ العلم عن فحول العلماء، منهم والده، والشيخ خالد النقشبندي، والشيخ علي السويدي. وقد اشتغل بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتخرج عليه جماعة من العلماء، وكان ذا حافظة عجيبة، وكثيرا ما كان يقول: ما استودعت ذهني شيئا فخانني، ولا دعوت فكري لمعضلة إلا وأجابني، وقد قلد إفتاء الحنفية، وولى الأوقاف بالمدرسة المرجانية وكانت مشروطة لأعلم أهل البلد، وكان ﵀ عالما باختلاف المذاهب مطلعا على الملل والنحل، سلفي الاعتقاد، شافعي المذهب، إلا أنه في كثير من المسائل يقلد الإمام أبا حنيفة ﵁ وكان في آخر أمره يميل للاجتهاد، توفي في ٢٥ ذي القعدة سنة ١٢٧٠هـ. ودفن بالكرخ، وقد خلف مؤلفات نافعة منها: ١ - شرح السلم في المنطق. ٢ - الأجوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية. ٣ - درة الغواص في أوهام الخواص. ٤ - تفسيره: روح المعاني. * * *

стр. 3206

* التعريف بتفسيره وطريقته فيه: ذكر في مقدمة تفسيره أنه شرع في تأليفه في شعبان سنة ١٢٥٢هـ. وانتهى من تأليفه سنة ١٢٦٧هـ. وذكر أنه كان في نهاره يشتغل بالتدريس والإفتاء وفي أول ليلة يجتمع بالعلماء ويتناقش معهم في المسائل العلمية، وفي آخر ليلة يكتب في التفسير، ثم بعد ذلك يدفع ما كتبه إلى كتاب استأجرهم لهذه المهمة، فيبيضون ما كتبه في ليلته في عشر ساعات، فهذا يدل على كثرة كتابته وسرعة بديهته، والمطلع على تفسيره يجد نفسه أمام موسوعة تفسيرية كبيرة، حوت أقوالا في التفسير كثيرة للسلف والخلف كما أنه رجع إلى تفاسير كثيرة في كتابة تفسيره منها تفسير أبي

стр. 3207

السعود وإذا نقل عنه قال: قال شيخ الإسلام، وتفسير البيضاوي وإذا نقل عنه قال: قال القاضي، وتفسير الفخر الرازي وإذا نقل عنه قال: قال الإمام، كما نقل عن تفسير ابن عطية وأبي حيان والزمخشري وابن كثير وغير ذلك من التفاسير، فقد نقل في تفسيره خلاصة هذه التفاسير، ولا يقتصر على النقل فقط، فنجده ينصب نفسه حكما بين هذه التفاسير ويناقشها ويرجح ما يراه صحيحا ويضعف ما يراه ضعيفا، فكان يناقش المعتزلة في آرائهم ويرد عليها كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (١) وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٢) ويناقش الشيعة ويرد عليهم في طعنهم على الصحابة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٣) كما نجده يستطرد في ذكر المسائل النحوية متأثرا بأبي حيان في تفسيره في ذلك. ويعني بذكر القراءات المتواترة وغيرها وذكر المناسبات بين الآيات وبين السور، وذكر أسباب النزول، ويستطرد في ذكر مسائل الفقه عند تفسير آيات الأحكام، فيذكر أقوال الفقهاء وأدلتهم مع الترجيح وغالبا ما يرجح مذهب أبي حنيفة ولا يتعصب له، فنجده أحيانا يرجح مذهب الشافعي إذا اقتنع بأدلته، كما أنه يناقش الإسرائيليات ويفندها، ومن ذلك تفنيده لقصة عوج ابن عنق، وقصة سفينة نوح (٤). ويلاحظ على الألوسي اهتمامه بالتفسير الإشاري على طريقة الصوفية فإذا انتهى من التفسير الظاهر تكلم عن التفسير الباطن فينقل فيه كلام الصوفية في التفسير كالجنيد وابن عطاء وأبي العباس المرسي، فينقل عنهم نقولا في تفسير باطن الآية وهي بعيدة عن التفسير، ومن أمثلة ذلك تسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٥) [آل عمران: ٣٣]. قال الألوسي: وما يتعلق بالباطن من أصول الدين فهو ولده كأولاد المشايخ والولد سر أبيه ويمكن أن يقال: آدم هو الروح في أول مقامات ظهورها، ونوح هو هي مقامها الثاني من مقامات التنزل وإبراهيم هو القلب الذي ألقاه نمرود النفس في نيران

стр. 3208

الفتن ورماه فيما بمنجنيق الشهوات والقوى الروحانية، ومران هو العقل الإمام في بيت مقدس البدن والتابعون له في ذلك البيت المقتدون به كل ذلك ذرية بعضها من بعض لوحدة المورد واتفاق المشرب: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ (١) عن رق النفس مخلصا في عبادتك عن الميل إلى السوى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ (٢) قال الواسطي: محفوظ عن إدراك الخلق: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ (٣) حيث سقاها من مياه القدرة، وأثمرها شجرة النبوة وكفلها زكريا لطهارة سره وشيبه الشيء منجذب إليه كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا هو ما علمت، ويجوز أن يراد الرزق الروحاني من المعارف والحقائق والعلوم والحكم الفائضة عليها من عند الله تعالى إذ الاختصاص بالعندية يدل على كونه أشرف من الأرزاق البدنية (٤)، فهذا التفسير بعيد جدا عن ظاهر الآيات ولا علاقة له البتة بالآية، لأن الآية ورد فيها اصطفاء الله لآدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، فهؤلاء أشخاص فكيف يرمز لهم بالمعاني كالروح أو العقل أو القلب، فهذه الرموز لا علاقة لها بالآية ولا دليل عليها من السنة أو كلام السلف أو لغة العرب، فهذه التفسيرات وأمثالها باطلة لا يصح تفسير كتاب الله بها، فالسير على هذا المنهج في التفسير تحريف لآيات الله، وإبطال لمعانيها فكان الأولى بالألوسي أن ينزه تفسيره عن مثل هذا، كما لا يفوتني أن أبين أن الألوسي ينقل عن الصوفية تفسيرات قد تكون قريبة من معنى الآية أو لها وجه صحيح، وهذا كثير في مواضع متعددة من تفسيره ولا يحتاج إلى تمثيل.

стр. 3209

فهرس المراجع ١ - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (ت ٩١١هـ.) طبع مصطفى الحلبي بمصر - ط: ٣ - ١٣٧٠هـ - ١٩٥١م. ٢ - الأعلام للزركلي (ت ١٣٩٦هـ.) ثمانية أجزاء - دار العلم للملايين - بيروت - ط: ٥ - ١٩٨٠م. ٣ - البرهان في علوم القرآن للزركشي (ت ٧٩٤هـ.) - أربعة أجزاء - طبع عيسى الحلبي بمصر - ط: ٢ - ١٣٩١هـ - ١٩٧٢م. ٤ - تفسير ابن كثير (ت ٧٧٤هـ.) - ٤ أجزاء - طبع عيسى الحلبي بمصر. ٥ - تفسير أبي السعود (ت ٩٨٢هـ.): إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم - طبع عبد الرحمن محمد بمصر - ٩ أجزاء. ٦ - تفسير الألوسي (ت ١٢٧٠هـ.): روح المعاني - المطبعة الميزية - بمصر ط: ٢ - ٣٠ جزء. ٧ - تفسير البغوي (ت ٥١٦هـ.): معالم التنزيل - مطبوع بهامش تفسير الخازن - طبع مصطفى الحلبي بمصر ط: ٢ - ١٣٧٥هـ. ٨ - تفسير الثعالبي (ت ٨٧٦هـ.): الجواهر الحسان في تفسير القرآن: ٤ أجزاء - الناشر: مؤسسة الأعلمي، بيروت. ٩ - تفسير السيوطي (ت ٩١١هـ.): الدر المثنور في التفسير بالمأثور - ٦ أجزاء - الناشر: محمد أمين دمج - بيروت. ١٠ - تفسير الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ.): فتح القدير - ٥ أجزاء - طبع مصطفى الحلبي - بمصر.

стр. 3210

١١ - تفسير الطبري (ت ٣١٠هـ.): جامع البيان عن تأويل آي القرآن - تحقيق أحمد شاكر وأخيه محمود - طبعة دار المعارف بمصر - وهي ناقصة. وطبعة مصطفى الحلبي الثالثة - ١٣٨٣هـ. - وهي كاملة في ٣٠ جزءا. ١٢ - تفسير الفخر الرازي (ت ٦٠٦هـ.): مفاتيح الغيب - ٣٢ جزءا - طبع عبد الرحمن محمد بالقاهرة. ١٣ - تفسير القرطبي (ت ٦٧١هـ.): الجامع لأحكام القرآن - ٢٠ جزءا - طبعة دار الكتب المصرية - ١٣٨٧هـ. ١٤ - التفسير والمفسرون لأستاذنا المرحوم د. محمد حسين الذهبي (ت ١٣٩٧هـ.) - ٣ أجزاء -مطابع دار الكتاب العربي بمصر ط: ١ - ١٣٨١هـ. ١٥ - جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ لابن الأثير الجزري (ت ٦٠٦هـ.) تحقيق عبد القادر الأرناؤوط - ١١ مجلدا - طبع بيروت سنة ١٣٨٩هـ. ١٦ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ.) - ٤ أجزاء - دار الجيل - بيروت -. ١٧ - ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث: لعبد الغني النابلسي سنة ١١٤٣هـ. - ٤ أجزاء - الناشر: ناصر خسرو - طهران. ١٨ - صحيح البخاري (ت ٢٥٦هـ.) بشرح - فتح الباري - لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ.) المطبعة السلفية بمصر - ١٣ مجلدا -. ١٩ - طبقات المفسرين للداودي (ت ٩٤٥هـ.) بتحقيق علي محمد عمر

стр. 3211

- جزءان - مطبعة الاستقلال الكبرى بمصر - ط: ١ - ١٣٩٢. ٢٠ - فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ.) - ٣٧ مجلدا - مصور عن الطبعة الأولى سنة ١٣٩٨هـ. ٢١ - القاموس المحيط: للفيروزآبادي (ت ٨١٧هـ.) - ٤ أجزاء - المطبعة الحسينية بمصر. ٢٢ - مذكرات في علوم القرآن لأستاذنا فضيلة الدكتور أحمد السيد الكومي، د. القاسم - مطبعة دار الجيل بالقاهرة - ط: ١ سنة ١٣٩١هـ. ٢٣ - معجم البلدان لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ.) - ٥ مجلدات - دار صادر بيروت سنة ١٣٧٦هـ. ٢٤ - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصبهاني (ت ٥٠٢هـ.) الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية - المطبعة الفنية الحديثة. ٢٥ - مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٨٢٨هـ.) - المطبعة السلفية بالقاهرة - ط: ٢ سنة ١٣٨٥هـ.

стр. 3212

الذكاة الشرعية وأحكامها وحكم اللحوم المستوردة بقلم الدكتور صالح بن فوزان الدراسات العليا بكلية الشريعة (الرياض) والدكتوراه في أحكام الأطعمة التدريس بالمعهد العلمي فكلية الشريعة فكلية أصول الدين ثم مديرا للمعهد العالي للقضاء المؤلفات: ١ - التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية. ٢ - أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية. ٣ - نقد كتاب الحلال والحرام في الإسلام. ٤ - شرح العقيدة الواسطية. ٥ - شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب. ٦ - الخطب المنبرية في المناسبات العصرية. ٧ - التعقيب على ما ذكره الخطيب في حق الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

стр. 3213

الحمد لله رب العالمين أرسل إلى عباده رسولا يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. فبلغ رسالة ربه وترك أمته على المحجة البيضاء. ﷺ وعلى آله وأصحابه الذين تمسكوا بسنته وقاموا بنشر دينه حتى بلغ المشارق والمغارب. أما بعد. فإنه لا يخفى ما لإطابة المطعم بتحري ما أحل الله وترك ما حرم الله من أثر بالغ على قلب الإنسان وسلوكه، ولهذا أمر الله جميع الناس بالأكل من الحلال الطيب حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ (١) فقوله: حلالا، أي محللا لكم تناولها ليس بنصب ولا سرقة ولا متحصل من معاملة محرمة كالربا والغش، وقوله: طيبا، أي ليس بخبيث كالميتة والدم ولحم الخنزير والخبائث كلها (٢). وأمر المؤمنين خاصة أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم حيث يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣) فأمر المؤمنين بما أمر به المرسلين حيث يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (٤) فالأكل من الطيبات له آثار حميدة على النفوس والأبدان، لأن الطيبات تؤثر الخير والنفع للأبدان والعقول والأخلاق، والخبائث تؤثر شرا وضررا في الأبدان والعقول والأخلاق، وكل ما ينفع فهو طيب وكل ما يضر فهو خبيث.

стр. 3214

أغذية الإنسانية تنقسم إلى قسمين: * القسم الأول: كل طعام طاهر غير حيوان كالنبات والثمار الجامدات والمائعات فهذا القسم قد اتفقوا على أنه مباح ما لم يكن متنجسا أو ضارا (١). * القسم الثاني: حيوانات وهي على نوعين: برية وبحرية: فالحيوانات البرية: هي ما لا يعيش إلا في البر، والأصل فيها الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه. وما يحل أكله منها نوعان: * النوع الأول: حيوان أهلي كبهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم وكالدجاج. * النوع الثاني: حيوان وحشي كالظباء والنعام والأرانب والطيور المباحة. والحيوانات البحرية: هي ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك والحيتان. وكل هذه الحيوانات برية كانت أو بحرية يباح أكلها، إلا ما دل دليل من الشرع على تحريمه. لكن الفرق بين النوعين أن الحيوانات البرية لا تحل بدون ذكاة، وأما الحيوانات البحرية فتحل بدون ذكاة؛ لأن الشارع قد فرق بينهما بذلك، قال تعالى في حيوانات البر: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢)، وقال في حيوانات البحر: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (٣)، والمراد بطعامه ميتته عند جمهور العلماء (٤)، وقال النبي ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته (٥)»، فهذه النصوص تدل على التفريق بين حيوانات البر والبحر من حيث الذكاة وعدمها.

стр. 3215

والذكاة في اللغة: تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم، يقال فلان ذكى، إذا كان تام العقل سريع القبول (١). وهي شرعا: ذبح أو نحر الحيوان المأكول بقطع حلقومه ومريئه أو عقر الممتنع (٢)، وقد أجمع العلماء على أنه لا يحل الحيوان المأكول غير السمك والجراد إلا بذكاة أو ما في معنى الذكاة، والحكمة فيها تطييب الحيوان المذكى بإسالة دمه الضار وذكر اسم الله عليه بدليل قوله ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا (٣)» وأنهر الدم معناه أساله وصبه فدل الحديث على أن القصد من الذكاة استخراج الدم الخبيث من الذبيحة والتنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها فيها. فإن الميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، فالذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات كانت سبب الحل، فليس السبب في تحريم الميتة مجرد موتها، لأن الموت يحصل بالذكاة أيضا. ولذلك يحل السمك والجراد بالموت بدون ذكاة لأنه ليس فيها فضلات ودم، وحرمت الميتة أيضا لأنها فقدت ذكر اسم الله عليها، لأن ذكر الله على الذبيحة يطيبها ويطرد الشيطان عنها. فالذكاة تطيب الحيوان حسيا بإخراج الدم والفضلات منه، ومعنويا يطرد الشيطان عنه بذكر الله عليه. * * *

стр. 3216

وللذكاة الشرعية محل معين ولها شروط: فأما محلها فيختلف باختلاف حالات الحيوان، فتارة يكون مقدورا عليه، وتارة يكون غير مقدور عليه، فإن كان مقدورا عليه فقد اتفقوا على أن الذكاة هو الحلق واللبة ولا يجوز الذبح في غير هذا المحل بالإجماع كما حكاه صاحب المغنى (١)، وإنما اختصت الذكاة بهذا المحل لأنه مجمع العروق، فإذا وقعت الذكاة فيه انسكبت الدماء وأسرع زهوق النفس، فيكون ذلك أطيب للحم وأخف على الحيوان

стр. 3217

المذكى، والذكاة في الحلق تسمى ذبحا، وتكون فيما عدا الإبل، وفي النحر تسمى نحرا وتكون للإبل خاصة. وإن كان الحيوان غير مقدور عليه لكنه متوحشا أصلا، أو توحش بعد استئناس أو تردي في بئر ونحوه فهذا تكون تذكيته بجرحه من أي موضع من بدنه بشيء حاد من سهم ونحوه لحديث رافع بن خديج ﵁ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فند بعير من إبل القوم ولم يكن معهم خيل فرماه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله ﷺ : إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا (١)»، ولحديث عدي بن حاتم ﵁ قال: «سألت رسول الله ﷺ عن صيد المعراض قال: إذا أصبت بحده فكل وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ (٢)» والمعراض بكسر الميم وسكون العين عصا رأسها محدد، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣). فدلت هذه النصوص على أن ما لا يقدر عليه من الصيد وما في حكمه تكون تذكيته بإصابته في أي موضع من بدنه إذا مات من جراء تلك الإصابة قبل الوصول إليه بشروط واعتبارات مذكورة في باب الصيد من كتب الفقه. أما المقدور عليه ابتداء أو الصيد الذي تمكنا من إمساكه وفيه حياة مستقرة فإنه لا يحل إلا بتذكيته في المحل المعين وبشروط معتبرة، بعضها يعتبر في الذابح وبعضها يعتبر في آلة الذبح وبعضها يعتبر في صفة الذبح.

стр. 3218

فقد نص فقهاؤنا على أنه يشترط للذكاة أربعة شروط: * أولها: أهلية المذكى، وإنما يكون أهلا للذكاة من توفر فيه شرطان: - الشرط الأول: أن يكون عاقلا، لأن الذكاة يعتبر لها القصد كالعبادة، ومن لا عقل له كالمجنون وغيره لا يصح منه القصد؛ فيكون ذبحه بمثابة ما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها.

стр. 3219

- الشرط الثاني: أن يكون الذابح ذا دين سماوي، مسلما كان أو كتابيا، قال تعالى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) أي ما ذكاه المسلمون؛ لأن الخطاب لهم، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والمراد بطعامهم ذبائحهم قطعا؛ لأن غير الذبائح يحل منهم ومن غيرهم، وقد أجمع (٣) العلماء على حل ذبائح أهل الكتاب، أما من عداهم من الكفار فلا تحل ذبائحهم على اختلاف نحلهم من وثنيين ومجوس ومرتدين، لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٤) فمفهوم الآية تحريم ذبائح الكفار غير الكتابيين؛ لأنهم لا كتاب لهم، وهذا مجمع عليه، والحكمة في ذلك والله أعلم أن ذبح هؤلاء يكسب الذبيحة خبثا، قال الإمام ابن القيم ﵀: (إن ذبح هؤلاء يكسب المذبوح خبثا أوجب تحريمه، لأن ذكر اسم الأوثان والكواكب والجن على الذبيحة يكسبها خبثا، وذكر اسم الله وحده يكسبها طيبا (٥) فإن قيل: لماذا أبيحت ذبيحة الكتابي مع أنه كافر؟ فالجواب: أن هناك فرقا بين أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والجزاء والنبوات في الجملة، أما عبدة الأوثان فهم يكفرون بالبعث والجزاء، ويكفرون بالرسل جميعا ويعادونهم، وأهل الكتاب في دينهم تحريم الميتة، والوثنيون يستحلون الميتة. * الشرط الثاني: من شروط صحة الذكاة: يتعلق بآلة الذبح، فلا بد أن يتوفر فيه شرطان: - الشرط الأول: أن تكون محددة تجرح بحدها لا بثقلها، كالسكين والسيف والحجر المحدد وغير ذلك. - الشرط الثاني: ألا تكون سنا ولا ظفرا، فإذا توفر فيها هذان الشرطان حل الذبح بها؛ لقوله ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة (٦)».

стр. 3220

وما جرح بثقله لا تحصل به الذكاة لأن ذلك وقذ وقد حرم الله الموقوذة، وفي حديث عدي: قال «سألت رسول الله ﷺ عن صيد المعراض قال: إذا أصبت بحده فكل وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ (١)» والوقيذ ما قتل بمثقل. * الشرط الثالث: قطع المريء والحلقوم فإن في الحلق أربعة أشياء المريء والحلقوم والودجان، والمريء هو مجرى الطعام والشراب، والحلقوم مجرى النفس، وبعض العلماء يشترط مع قطعهما قطع أحد الودجين، وهما عرقان في جانبي العنق يجري فيهما الدم، وفريق ثالث يرى أنه لا بد من قطع الأربعة المريء والحلقوم والدجين، ولعل الراجح في ذلك أنه يكتفى بقطع ثلاثة من هذه الأربعة من غير تعيين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: (والأقوى أن قطع ثلاثة من الأربعة يبيح سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن، فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم وأبلغ في إنهار الدم) (٢). * الشرط الرابع: أن يذكر اسم الله تعالى على الذبيحة، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ (٤) ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (٥) ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٦) ففي هذه الآيات الكريمة أمر الله سبحانه المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ونهى عن الأكل من الذبائح التي لم يذكر عليها اسمه وسماه فسقا، وكذلك السنة المطهرة جاءت بالأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه حيث يقول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا (٧)» ففيه دليل على اشتراط التسمية لحل الذبيحة؛ لأنه ﷺ علق الإذن بالأكل منها على مجموع الأمرين وهما

стр. 3221

إنهار الدم والتسمية والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه بوجود أحدهما.

стр. 3222

وأكتفي بهذا العرض الموجز لشروط الذكاة لأنتقل إلى مسألة لها علاقة وطيدة بهذا الموضوع ألا وهي مسألة الذبائح المستوردة إلى بلادنا من البلاد الخارجية هل تتوفر فيها تلك الشروط فتكون مباحة، أو لا تتوفر فيها فتكون محرمة، لا شك أن قضية كهذه لها دور هام في حياة المسلمين، لأن الغذاء له قوة في التأثير على سلوك الإنسان وهذه اللحوم يتغذى بها أعداد كبيرة من المسلمين، وقد كثر التساؤل عن حكمها واختلفت أقوال المجيبين عن تلك التساؤلات اختلافا ربما زاد الأمر تعقيدا. والمستورد من اللحوم ينقسم إلى أربعة أقسام: * القسم الأول: ما كان من اللحوم مستوردا من بلاد كافرة أهلها من غير أهل الكتاب أو ذبحه كافر غير كتابي في أي بلد فهذا حرام بالإجماع. * القسم الثاني: ما كان مستوردا من بلاد كافرة أهلها أهل كتاب أو ذبحه كتابي في أي بلد وعلم في هذا النوع أنه ذبح على الطريقة الشرعية فهو حلال بالإجماع. * القسم الثالث: ما كان مستوردا من بلاد كافرة أهلها أهل كتاب وعلم أنهم ذبحوه على غير الطريقة الشرعية فهذا النوع جمهور الأمة على تحريمه، وقد أفتى بحله بعض العلماء المتأخرين منهم القاضي ابن العربي المالكي محتجا بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) حيث قال في كتابه، أحكام القرآن في تفسير هذه الآية: (هذا دليل قاطع على أن الصيد وطعام الذين أوتوا الكتاب من الطيبات التي أباحها الله وهو الحلال المطلق، ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاما فقلت: تؤكل لأنها طعامه مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه) انتهى كلامه وقد استند إلى هذه الفتوى الشيخ محمد عبده حيث قال: (٢) (وأما الذبائح فالذي أراه

стр. 3223

أن يأخذ المسلمون في تلك الأطراف بنص كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وأن يعولوا على ما قاله الإمام الجليل أبو بكر بن العربي المالكي من أن المدار على أن يكون ما يذبح مأكول أهل الكتاب قسيسهم وعامتهم ويعد طعاما لهم كافة، انتهى. وقد أحدثت هذه الفتوى من الشيخ محمد عبده ضجة كبرى بين العلماء في وقته ما بين مستنكر لها ومؤيد لها، وممن أيدها وتحمس لها تلميذه محمد رشيد رضا في مجلة المنار وتفسير المنار (٢) ويرد على هذه الفتوى من وجوه: * الوجه الأول: أن ابن العربي قد نقض فتواه هذه حيث قال في موضع آخر من تفسيره (٣) (فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس، فالجواب: أن هذا ميتة وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير فإنه حلال لهم - كذا قال - ومن طعامهم وهو حرام علينا) انتهى، وكلامه هنا واضح في أنه يرى تحريم ما ذكاه أهل الكتاب على غير الذكاة الشرعية كالخنق وحكم الرأس وأنه لا عبرة بكونه يعتبرونه طعاما لهم. * الوجه الثاني: أن المراد بطعام أهل الكتاب الذي أباح الله لنا أكله ما ذبحوه على الطريقة الشرعية خاصة، أما ما ذبحوه على غير الطريقة الشرعية فلا يحل ولو استحلوه هم فإنهم استحلوا لحم الخنزير ولم يعتبر ذلك من طعامهم الذي أباحه الله لنا. * الوجه الثالث: أن المسلم لو ذبح على غير الطريقة الشرعية لم تحل ذبيحته، فكيف تحل ذبيحة الكتابي وهي على غير الطريقة الشرعية، وكيف يتشدد في ذبيحة المسلم ويتساهل في ذبيحة الكتابي، والمسلم أعلى من الكافر. * القسم الرابع: من اللحوم المستوردة ما كان مستوردا من بلاد أهل الكتاب ولم تعلم كيفية تذكيته على وجه اليقين، بينما تدور حوله شكوك قوية في أنه يذبح على غير

стр. 3224

الطريقة الشرعية، فهذا قد اختلفت فيه آراء العلماء المعاصرين على قولين: القول الأول: أنه مباح (١) عملا بالآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) والأصل في هذه الذبائح الإباحة إلا إذا علمنا أنها ذبحت على غير الطريقة الشرعية. القول الثاني: أن هذا النوع من الذبائح حرام، لأن الأصل في الحيوانات التحريم، فلا يحل شيء منها إلا بذكاة شرعية متيقنة تنقلها من التحريم إلى الإباحة، وحصول الذكاة على الوجه الشرعي في هذه اللحوم مشكوك فيه فتبقى على التحريم؛ لأنه اشتهر من عادتهم أو عادة أكثرهم الذبح بالخنق أو بضرب الرأس أو بالصعق الكهربائي، ومن أدلة هؤلاء قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل فإن وجدت معه كلبا آخر فلا تأكل (٣)» فالحديث يدل على أنه إن وجد مع كلبه المعلم كلبا آخر أنه لا يأكله تغليبا لجانب الحظر، فقد اجتمع في هذا الصيد مبيح وهو إرسال الكلب المعلم إليه مع التسمية، وغير مبيح وهو اشتراك الكلب الآخر الذي لم يرسله لذا منع الرسول ﷺ من أكله (٤) وكذلك اللحم المستورد من الخارج تردد بين شيئين مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر؛ لأنه لا يعلم كيف ذبح، مع كثرة ذبحه بالطرق غير الشرعية حسب النشرات والأخبار التي تنشر في الجرائد والمجلات، وهذا القول هو الذي يترجح عندي لقوة مستنده وليس مع مخالفيه من مستند سوى التمسك بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٥) وهذا العموم يخصص بالنصوص التي تدل على أنه إذا تنازع حاظر ومبيح غلب جانب الحظر، وقولهم الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل يعارض: بأصل أقوى منه وهو أن الأصل في الذبائح التحريم إلا ما ذبح على الطريقة الشرعية، ولهذا يقول الفقهاء لو اشتريت ميتة بمذكاة لم يأكل من الاثنين، وأيضا يستبعد أن تأتي الذكاة الشرعية على جميع هذه الكميات

стр. 3225

الهائلة التي تذبح وتغلف آليا، لا سيما وأنه يوجد من بينها أحيانا بعض الدجاج برءوس لم يقطع شيء من رقابها ويجب على المسلمين عموما وولاة أمورهم خصوصا أن يهتموا بهذا الجانب غاية الاهتمام، وأن يعملوا الاحتياطات الكفيلة لتطبيق الذكاة الشرعية على تلك اللحوم ولو كلفهم ذلك بعض المشقة، حفاظا على أطعمة المسلمين من أن تختلط بالمحرمات التي تؤثر على أخلاقهم وسلوكهم وصحتهم، هذا ونسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويجنب المسلمين كل ما يضر بهم إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →