إنهار الدم والتسمية والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه بوجود أحدهما.
стр. 3222
وأكتفي بهذا العرض الموجز لشروط الذكاة لأنتقل إلى مسألة لها علاقة وطيدة بهذا الموضوع ألا وهي مسألة الذبائح المستوردة إلى بلادنا من البلاد الخارجية هل تتوفر فيها تلك الشروط فتكون مباحة، أو لا تتوفر فيها فتكون محرمة، لا شك أن قضية كهذه لها دور هام في حياة المسلمين، لأن الغذاء له قوة في التأثير على سلوك الإنسان وهذه اللحوم يتغذى بها أعداد كبيرة من المسلمين، وقد كثر التساؤل عن حكمها واختلفت أقوال المجيبين عن تلك التساؤلات اختلافا ربما زاد الأمر تعقيدا. والمستورد من اللحوم ينقسم إلى أربعة أقسام:
* القسم الأول: ما كان من اللحوم مستوردا من بلاد كافرة أهلها من غير أهل الكتاب أو ذبحه كافر غير كتابي في أي بلد فهذا حرام بالإجماع.
* القسم الثاني: ما كان مستوردا من بلاد كافرة أهلها أهل كتاب أو ذبحه كتابي في أي بلد وعلم في هذا النوع أنه ذبح على الطريقة الشرعية فهو حلال بالإجماع.
* القسم الثالث: ما كان مستوردا من بلاد كافرة أهلها أهل كتاب وعلم أنهم ذبحوه على غير الطريقة الشرعية فهذا النوع جمهور الأمة على تحريمه، وقد أفتى بحله بعض العلماء المتأخرين منهم القاضي ابن العربي المالكي محتجا بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) حيث قال في كتابه، أحكام القرآن في تفسير هذه الآية: (هذا دليل قاطع على أن الصيد وطعام الذين أوتوا الكتاب من الطيبات التي أباحها الله وهو الحلال المطلق، ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاما فقلت: تؤكل لأنها طعامه مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه) انتهى كلامه وقد استند إلى هذه الفتوى الشيخ محمد عبده حيث قال: (٢) (وأما الذبائح فالذي أراه
стр. 3223
أن يأخذ المسلمون في تلك الأطراف بنص كتاب الله تعالى في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وأن يعولوا على ما قاله الإمام الجليل أبو بكر بن العربي المالكي من أن المدار على أن يكون ما يذبح مأكول أهل الكتاب قسيسهم وعامتهم ويعد طعاما لهم كافة، انتهى.
وقد أحدثت هذه الفتوى من الشيخ محمد عبده ضجة كبرى بين العلماء في وقته ما بين مستنكر لها ومؤيد لها، وممن أيدها وتحمس لها تلميذه محمد رشيد رضا في مجلة المنار وتفسير المنار (٢) ويرد على هذه الفتوى من وجوه:
* الوجه الأول: أن ابن العربي قد نقض فتواه هذه حيث قال في موضع آخر من تفسيره (٣) (فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس، فالجواب: أن هذا ميتة وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير فإنه حلال لهم - كذا قال - ومن طعامهم وهو حرام علينا) انتهى، وكلامه هنا واضح في أنه يرى تحريم ما ذكاه أهل الكتاب على غير الذكاة الشرعية كالخنق وحكم الرأس وأنه لا عبرة بكونه يعتبرونه طعاما لهم.
* الوجه الثاني: أن المراد بطعام أهل الكتاب الذي أباح الله لنا أكله ما ذبحوه على الطريقة الشرعية خاصة، أما ما ذبحوه على غير الطريقة الشرعية فلا يحل ولو استحلوه هم فإنهم استحلوا لحم الخنزير ولم يعتبر ذلك من طعامهم الذي أباحه الله لنا.
* الوجه الثالث: أن المسلم لو ذبح على غير الطريقة الشرعية لم تحل ذبيحته، فكيف تحل ذبيحة الكتابي وهي على غير الطريقة الشرعية، وكيف يتشدد في ذبيحة المسلم ويتساهل في ذبيحة الكتابي، والمسلم أعلى من الكافر.
* القسم الرابع: من اللحوم المستوردة ما كان مستوردا من بلاد أهل الكتاب ولم تعلم كيفية تذكيته على وجه اليقين، بينما تدور حوله شكوك قوية في أنه يذبح على غير
стр. 3224
الطريقة الشرعية، فهذا قد اختلفت فيه آراء العلماء المعاصرين على قولين:
القول الأول: أنه مباح (١) عملا بالآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) والأصل في هذه الذبائح الإباحة إلا إذا علمنا أنها ذبحت على غير الطريقة الشرعية.
القول الثاني: أن هذا النوع من الذبائح حرام، لأن الأصل في الحيوانات التحريم، فلا يحل شيء منها إلا بذكاة شرعية متيقنة تنقلها من التحريم إلى الإباحة، وحصول الذكاة على الوجه الشرعي في هذه اللحوم مشكوك فيه فتبقى على التحريم؛ لأنه اشتهر من عادتهم أو عادة أكثرهم الذبح بالخنق أو بضرب الرأس أو بالصعق الكهربائي، ومن أدلة هؤلاء قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل فإن وجدت معه كلبا آخر فلا تأكل (٣)» فالحديث يدل على أنه إن وجد مع كلبه المعلم كلبا آخر أنه لا يأكله تغليبا لجانب الحظر، فقد اجتمع في هذا الصيد مبيح وهو إرسال الكلب المعلم إليه مع التسمية، وغير مبيح وهو اشتراك الكلب الآخر الذي لم يرسله لذا منع الرسول ﷺ من أكله (٤) وكذلك اللحم المستورد من الخارج تردد بين شيئين مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر؛ لأنه لا يعلم كيف ذبح، مع كثرة ذبحه بالطرق غير الشرعية حسب النشرات والأخبار التي تنشر في الجرائد والمجلات، وهذا القول هو الذي يترجح عندي لقوة مستنده وليس مع مخالفيه من مستند سوى التمسك بعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٥) وهذا العموم يخصص بالنصوص التي تدل على أنه إذا تنازع حاظر ومبيح غلب جانب الحظر، وقولهم الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل يعارض: بأصل أقوى منه وهو أن الأصل في الذبائح التحريم إلا ما ذبح على الطريقة الشرعية، ولهذا يقول الفقهاء لو اشتريت ميتة بمذكاة لم يأكل من الاثنين، وأيضا يستبعد أن تأتي الذكاة الشرعية على جميع هذه الكميات
стр. 3225
الهائلة التي تذبح وتغلف آليا، لا سيما وأنه يوجد من بينها أحيانا بعض الدجاج برءوس لم يقطع شيء من رقابها ويجب على المسلمين عموما وولاة أمورهم خصوصا أن يهتموا بهذا الجانب غاية الاهتمام، وأن يعملوا الاحتياطات الكفيلة لتطبيق الذكاة الشرعية على تلك اللحوم ولو كلفهم ذلك بعض المشقة، حفاظا على أطعمة المسلمين من أن تختلط بالمحرمات التي تؤثر على أخلاقهم وسلوكهم وصحتهم، هذا ونسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويجنب المسلمين كل ما يضر بهم إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 3226
حكم الشهادة تحملا وأداء
بقلم الدكتور
عبد الله بن محمد الزبن
لما كانت الشهادة دليل حق، وحجة حقيقية أمام القضاء لإظهار الحقوق لأهلها، ونورا جليا للقضاة يهتدون به في إحقاق تلك الحقوق، ودفع المظالم، ورفعها عن المظلومين، لأمر الله بها في مواضع عديدة من القرآن الكريم حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٣)، وأداء الشهادة على الوجه المطلوب من العدل المأمور به.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ (٤).
لما كانت الشهادة كذلك اتفق جمهور الفقهاء على أن تحمل الشهادة وأداءها من فروض الكفايات، فإذا قام بها من اكتفي به فيها شرعا سقط الفرض عن الباقين، وإن امتنع الجميع عن الإجابة إلى التحمل أو الأداء عند طلب صاحب الحق أو عند خوف فوات الحق
стр. 3227
أتموا جميعا حيث تتعين الشهادة حينئذ في حقهم، ولأن أداء الشهادة أمانة المشهود له في ذمة الشاهد وهي تقتضي الأداء.
قال تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢).
ومحل إثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر وكانت شهادته مفيدة نافعة، فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء لم يلزمه لقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ (٣) ولقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار (٤)». . ولأنه لا يلزمه أن يضر بنفسه لنفع غيره.
وإذا كان ممن لا تقبل شهادته لم يجب عليه؛ لأن مقصود الشهادة لا يحصل منه.
стр. 3228
وقد يتعين الأداء على اثنين بأن لم يشهد على الحق سواهما، أو يكون قد شهد عليه جماعة لكنهم غابوا، أو ماتوا، أو كانوا فساقا إلا الاثنين فإنه يتعين عليهما الأداء إذا دعيا إليه، لأن المقصود لا يحصل إلا بهما (١).
وقد استدل جمهور الفقهاء على تحول الشهادة وأدائها من فرض كفاية إلى فرض عين إذا طلبها صاحب الحق، أو خيف فوات حقه بالكتاب والسنة.
стр. 3229
أولا: الكتاب:
١ - مما استدلوا به من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) ففي هذه الآية الكريمة نهى الله الشهود عن الامتناع عن أداء الشهادة عندما يدعون لذلك حيث تتعين، لأنها وسيلة لإقامة العدل وإحقاق الحق. والله هو الذي فرضها كي يلبيها الشهداء عن طواعية تلبية وجدانية بدون تضرر أو تلكؤ، وبدون تفضل كذلك على المتعاقدين أو أحدهما، إذا كانت الدعوة من أحدهما أو كليهما (٢). وبما أن النهي عن الشيء أمر بضده وضد الامتناع الأداء، لذا يكون النهي عن الامتناع عن أداء الشهادة أمرا بأدائها عند الدعوة إليها.
هذا وقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يأب الشهداء عن تحمل الشهادة وإثباتها في الكتاب، فإذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة ليتحملوها، ويكون اسم الشهداء مجازا فمن سيتصف، ويكون الإباء عن التحمل حينئذ مكروها كراهة تنزيه على أن النهي حينئذ يدل على الكراهة التنزيهية، ومرجعها خلاف الأولى، لأن التحمل لما فيه من إعانة
стр. 3230
المسلم على حفظ حقه أولى. وسياق الآية لا يأبى هذا التأويل وهو قرينة المجاز.
وبهذا قال ابن عباس، وقتادة، والربيع بن أنس.
قال القرطبي معقبا على أقوال المفسرين في هذه الآية: وقد يستلوح من هذه الآية دليل على أنه يجوز للإمام أن يقيم للناس ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظا لها، وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوق وبطلت. فيكون المعنى: ولا يأب الشهداء إذا أخذوا حقوقهم أن يجيبوا، فإن قيل: هذه شهادة بالأجر، قلنا: إنما هي شهادة خالصة من قوم استوفوا حقوقهم من بيت المال، وذلك كأرزاق القضاة والولاة وجميع المصالح التي تعن للمسلمين وهذه من جملتها.
الثاني: لا يأب الشهداء عن أداء الشهادة إذا كانت قد حصلت عندهم بالتحمل ودعوا لأدائها، فيكون المراد نهي مسمى الشهداء عن الإباء، وحقيقة الشهداء من اتصفوا بالشهادة، ولا اتصاف قبل الدعاء إلا بالتحمل، فيلزم كون النهي عن إباء الأداء مستعملا في حقيقته.
وبه قال مجاهد، وابن جبير، والسدي، وغيرهم.
اعتراض:
ويعترض على هذا القول بعدم التسليم به، لأن الله تعالى قال:
стр. 3231
﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) فسماهما شهيدين وأمر باستشهادهما قبل أن يستشهدا، لأنه لا خلاف أن حال الابتداء مرادة بهذا اللفظ، وهو كما في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) سورة البقرة آية ٢٣٠، فسماه زوجا قبل حصول الزواج، وإنما يلزم الشاهد إثبات الشهادة ابتداء، ويلزمه إقامتها على طريق الإيجاب إذا لم يوجد من يشهد غيره، وعلى هذا فإن النهي لا يقتصر على نهي الشهود عن الإباء، بل يشمل معها حالة التحمل (٣).
الثالث: لا يأب الشهداء عنهما معا. أي لا يأب الشهداء عن تحمل الشهادة إذا حملوها، ولا يأبوا عن إقامتها إذا تحملوها.
وبه قال الحسن البصري، وهو قول آخر لابن عباس، قال في كشاف القناع: "وتطلق الشهادة على التحمل والأداء لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٥) الآية.
قال القرطبي في تفسيره: قال ابن عطية: "والآية كما قال الحسن جمعت بين أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق فالمدعو مندوب، وله أن يتخلف لأدنى عذر، وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له. وإن كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوي الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة وكان الدعاء
стр. 3232
إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد، لأنها قلادة في العنق تقتضي الأداء (١).
الترجيح:
الراجح أن الآية الكريمة تحتمل المعنى الثاني، لأن حقيقة الشهداء من اتصفوا بالشهادة، فيكون النهي عن الإباء لمن اتصف بالشهادة حقيقة إذا دعي لأدائها، لأنه لا اتصاف بالشهادة قبل الدعاء لأدائها إلا بتحملها، فيلزم كون النهي عن إباء الأداء، لما فيه من المحافظة على حقيقة اللفظ، والأداء المفروض لا يكون إلا عند الحاكم ففرض الله على المتحمل أن يذهب إلى الحاكم لأداء ما تحمله من شهادة (٢).
وقد جرت العادة بأن المتعاقدين هما اللذان يحضران للشهود ليحصل التحمل، ولا يلزم الشهود الحضور إليهما، بينما في الأداء يلزم الشهود الحضور إلى القاضي لتأدية شهادتهم مما يجعل النهي عن إباء الأداء هو المراد.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٣) تفيد الآية الكريمة نهي الشاهد عن إخفاء الشهادة وعدم إظهارها، فيكون أمرا بالإظهار، لأن النهي يستلزم الأمر بالضد الذي لا يتحقق الامتناع إلا به وهو الإظهار، والأمر يفيد الوجوب، وبما أن الوعيد الشديد المقترن بالنهي عن الكتمان لا يكون إلا عند الدعوة إلى الشهادة لإحياء الحق، أو عند الخوف من فوات الحق، لذا كان الأمر مفيدا للوجوب عند هاتين الحالتين.
وقال ابن عباس: (على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد، ويخبر حيثما
стр. 3233
استخبر، وقال: ولا تقل أخبر بها عند الأمير بل أخبر بها لعله يرجع أو يرعوى (١)).
ومعنى آثم قلبه: أي فاجر قلبه، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (٢) سورة المائدة آية: ١٠٦.
ونهيه تعالى في قوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٣) يحرم بموجبه كتمان الشهادة عن القاضي، فيكون الإظهار للقاضي وهو الأداء فرضا على الشهود؛ لأنه الضد الذي لا يتحقق الانتهاء عن المحرم الذي هو الكتمان إلا به.
وأكد التحريم المفاد بالنهي بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٤) وهو تأكيد في تأكيد، لأن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٥) تأكيد، وإضافة الإثم إلى القلب الذي هو أشرف أعضاء البدن ورئيسها تأكيد في تأكيد، لأن القلب محل اكتساب الآثام والأجور والآلة التي وقع بها أداؤها لما عرف أن إسناد الفعل إلى محله أقوى من الإسناد إلى كله، ولأنه هو محل الكتمان فهو محل المعصية بتمامها هنا، بخلاف سائر المعاصي التي تتعلق بالأعضاء الظاهرة فإنها وإن كانت مسبوقة بمعصية القلب وهو الهم المتصل بالفعل فليس هو محلا لتمامها.
стр. 3234
ثانيا: السنة:
١ - واستدلوا من السنة بما روى مسلم والنسائي والبيهقي عن عبادة بن الوليد عن أبيه عن جده قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر
стр. 3235
واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، ونقول الحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم (١)».
وجه الدلالة:
أن هذا الحديث الشريف يفيد التزام الصحابة ﵃ بالتزامات سامية منها الالتزام بالقول الحق وتبليغه، والشهادة بالحق قول به سواء كان ذلك عند تحملها أو عند أدائها.
٢ - وبما أخرج مسلم ومالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن زيد بن خالد الجهني. أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء، الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها (٢)».
قال النووي: "وفي المراد بهذا الحديث تأويلان: أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي، أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له.
الثاني: أنه محمول على شهادة الحسبة وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بهم.
стр. 3236
وحكي تأويل ثالث: أنه محمول على المجاز والمبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها لا قبله كما يقال: الجواب يعطى قبل السؤال. أي يعطى سريعا عقب السؤال من غير توقف (١) ".
وقيل: إن ذلك في الأمانة والوديعة ليتيم لا يعلم مكانها غيره فيخبر بما علم من ذلك (٢).
وعندي أن هذا القول ليس قولا مستقلا وإنما هو جزئية من مفهوم تأويل النووي الأول. لكن روي ما يدل على ذم الشهادة قبل السؤال وهو ما روى مسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم، - والله أعلم أذكر الثالث أم لا - قال: ثم يخلف قوم يحبون السمانة (٤)».، فإنه يدل على أن النبي ﷺ ذكر من يؤدون الشهادة قبل أن تطلب منهم، وهو أمر مكروه ما لم تدع الحاجة إليه خشية فوات أو ضياع الحق.
قال النووي: قال العلماء: (الجمع بينهما أن الذم في ذلك لمن بادر بالشهادة في حق لآدمي هو عالم بها قبل أن يسألها صاحبها، وأما المدح فهو لمن كانت عنده شهادة لآدمي ولا يعلم بها صاحبها فيخبره بها ليستشهده بها عند القاضي إن أراد. ويلحق به من كانت عنده شهادة حسبة، وهي الشهادة بحقوق الله تعالى فيأتي القاضي ويشهد بها بدون أن يطلب منه ذلك، وهذا ممدوح إلا إذا كانت الشهادة بحد ورأى
стр. 3237
المصلحة في الستر. وقال: وهو مذهب أصحابنا، ومالك، وجماهير العلماء، هو الصواب).
وقيل بأن حديث: «ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا (١)» محمول على شهادة الزور (٢).
د. عبد الله بن محمد الزبن
- ولد بالداهنة سنة ١٣٦٢هـ.
- درس مرحلة الليسانس بكلية الشريعة بالرياض.
- حصل على درجة الماجستير في الفقه المقارن من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر سنة ١٣٩٧هـ.
- وحصل على درجة الدكتوراه في الفقه المقارن من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر سنة ١٤٠٢هـ.
- يشغل حاليا منصب مدير عام الإدارة بديوان المظالم.
стр. 3238
مشروعية استملاك
العقار للمنفعة العامة
بقلم الدكتور
عبد العزيز محمد عبد المنعم
١) ولد بالزلفى سنة ١٣٥٢هـ.
٢) درس بكلية الشريعة بالرياض، وحصل على شهادتها عام ١٣٧٦هـ.
٣) عمل مدرسا بمعهد المجمعة العلمي ثم مديرا لمعهد الرياض العلمي، ثم مديرا للمعاهد العلمية.
٤) حصل على الماجستير في الشريعة من كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر عام ١٣٩٣هـ.
٥) حصل على الدكتوراه في الفقه الإسلامي المقارن من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام ١٣٩٧هـ.
٦) عين وكيلا للرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أول عام ١٣٩٨هـ. ولا يزال.
стр. 3239
نصوص الشريعة الإسلامية تقضى باحترام الملكية الفردية وتحريم الاعتداء عليها، أو المساس بها بغير رضا المالك، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١).
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا؟
قالوا: يوم حرام.
قال: فأي بلد هذا؟
قالوا: بلد حرام.
قال: فأي شهر هذا؟
قالوا: شهر حرام.
قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ (٢)».
стр. 3240
فهذه النصوص وأمثالها واضحة وصريحة في حرمة تناول مال الغير بغير رضاه، ولكن هذه النصوص ليست على إطلاقها بإجماع الفقهاء، فقد خص الدليل منها جواز انتزاع الحق من صاحبه بغير رضاه في أحوال متعددة منها غايته دفع ضرر خاص كما في الشفعة، وبيع مال المدين لسداد دينه، ومنها ما الغرض منه منفعة العامة كمحتكر الطعام في المسغبة يجبر على بيعه بثمن المثل، وكالعقار يحتاج إليه لتوسعة مسجد أو طريق أو غيرهما مما يتعلق بمنفعة العموم، فيجبر مالكه على بيعه وتدفع له القيمة، ويعبر عن هذا الأخير، بنزع ملكية العقار للمنفعة العامة، وفي هذا البحث نورد بعض الأدلة على جواز استملاك العقار للمنفعة العامة ووقوعه.
فقد ثبت في السنة الصحيحة أنه ﷺ اشترى عقارا ورصده للمنافع العامة، وثبت أن الخلفاء الراشدين استملكوا بيوتا، وسعوا بها المسجد الحرام، ومسجده ﷺ ، ومن رضى من أهلها دفعوا له القيمة، ومن امتنع رصدوا له القيمة، يأخذها متى شاء، وهدموا منزله.
روى البخاري في صحيحه عن ابن شهاب في قصة هجرته ﷺ وبناء مسجده بالمدينة، قال «ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: لا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا (١)».
وجاء في الطبقات الكبرى لابن سعد: أنه ابتاعه منهما بعشرة دنانير وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك ثم أخذ يصف موضع المسجد قبل استملاكه فقال: وكان جدارا مجدرا ليس عليه سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، فكان يصلى بأصحابه، ويجمع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل الذي في الحديقة وبالغرقد الذي فيه أن يقطع، وأمر باللبن فضرب، وكان في المربد قبور جاهلية، فأمر بها رسول الله ﷺ
стр. 3241
فنبشت، وأمر بالعظام أن تغيب، وكان في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب، وأسسوا المسجد.
فهذا أول استملاك للعقار في الإسلام لمنفعة عامة، وفيه كما يقول ابن القيم: "دليل على جواز بيع عقار اليتيم، وإن لك يكن محتاجا إلى بيعه للنفقة، إذا كان في البيع مصلحة للمسلمين عامة كبناء مسجد أو سور أو نحوه، ويؤخذه من ذلك أيضا بيعه إذا عوض عنه بما هو خير له منه".
* * *
وفي أول أيامه ﷺ في المدينة لم يكن المال متوفرا في بيت المال، وكانت تطرأ حالات يحتاج فيها المسلمون إلى نزع ملكية بعض العقار إما لتوسعة مسجد أو للإرفاق بهم بتوفير الماء، وتأمين مصادره، فكان ﵊ يرغب ذوي المال والمقدرة من أصحابه على المشاركة في أعمال الخير والمسارعة إلى أعمال البر، فنجده ﷺ حينما قدم المهاجرون المدينة واستنكروا ماءها «وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها "رومة " وكان يبيع منها الماء القربة بمد، فقال له النبي ﷺ : تبيعنيها بعين في الجنة؟
فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها.
فحينئذ يعرض ﵊ هذا الثواب الآجل على الصحابة فيقول: "من يشترى بئر رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فيشتريها عثمان بن عفان ﵁».
وعندما يضيق مسجده ﷺ بالمصلين، يندب القادر من أصحابه إلى شراء ما يوسع به المسجد فيشتريه عثمان أيضا. روى الترمذي في صحيحه عن ثمامة بن حزن القشيري قال: «شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي: فجيء بهما، قال: فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ : قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة؟ فقال رسول الله ﷺ : من يشترى بئر رومة فيجعل دلوه مع المسلمين بخير له منها في الجنة، فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم
стр. 3242
تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله ﷺ : من يشترى بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة: فاشتريتها من صلب مالي (١)».
فهذه الأحاديث والآثار تبين لنا هديه ﷺ في الاستملاك للمنافع العامة، فهو يرغب صاحب الملك المراد تخصيصه لمنفعة العموم بما سيحصل عليه من الأجر، إذا هو تنازل عن حقه لمصلحة العامة، فإن كان له عذر من فقر أو حاجة، بأن كان ملكه هذا مصدرا لرزقه عرض الأمر على الملأ، ودعا أصحاب المال إلى الإنفاق في سبيل الله، وبين لهم ما ينتظرهم من جزاء في الجنة إذا هم فعلوا ما أرشدهم إليه، وفي موضع مسجده ﷺ لم يقبل تنازل أربابه حينما قالوا له: "لا نطلب ثمنه إلا من الله " لأنه كان ملكا ليتيمين، واليتيم يجب معاملته دائما بما هو خير، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) والنبي ﵊ كان خلقه القرآن، لذا نراه يأمر أبا بكر الصديق ﵁ بأن يدفع عشرة دنانير ثمنا لما أخذه.
وإذا كانت البقعة المراد تخصيصها للمنفعة العامة، ليست ملكا لأحد بعينه، ولكنها حريم لعامر يستعملها المجاورون لها، ويتوسعون بها ويدفنون موتاهم بناحية منها، فإنه ﷺ لا يرهق أصحابها ويأخذها منهم قهرا، بل يندبهم إلى ما يريد، ويطلبها منهم بالحسنى، لأنه ﵊ كان رحيما بأمته، رفيقا بهم في كل الأحوال، روى ابن زبالة عن عباس بن سهل عن أبيه: «أن النبي ﷺ أتى بني ساعدة فقال: إني قد جئتكم في حاجة، تعطوني مكان مقابركم، فأجعلها سوقا وكانت مقابرهم ما حازت دار ابن أبي ذئب إلى دار زيد بن ثابت، فأعطاه بعض القوم، ومنعه بعضهم، وقالوا: مقابرنا ومخرج نسائنا، ثم تلاوموا، فلحقوه وأعطوه إياه، فجعله سوقا».
стр. 3243
فهذه أربعة مواقف ثبت فيها نزع ملكية العقار بإذنه ﷺ ، وخصصت للمنافع العامة.
وفي عهد الخلفاء الراشدين، نجد الحاجة تتجدد وتدعوه إلى توسعة مسجده ﷺ ، وتوسعة المسجد الحرام، فيقوم الخليفة عمر ﵁ بشراء الدور المحيطة بمسجده ﷺ فيما عدا حجرات أمهات المؤمنين، فلا يعرض لها، وأما غيرها من الدور فهو يقومها، ويدفع لأربابها قيمتها رضوا أم كرهوا، ثم يهدمها، ويوسع بها المسجد، وقد توقف في أخذ دار العباس بن عبد المطلب لمكانته من النبي ﷺ ، ولأن داره هذه قطيعة رسول الله ﷺ ، ويعرض عليه عمر حاجة المسجد لها، ويرغبه في التنازل عنها مقابل تعويض عادل، ويخيره بين أشياء ويقول له: "يا أبا الفضل، إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل، نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك، وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم.
فقال العباس: ما كنت لأفعل.
قال فقال له عمر: اختر منى إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أخطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فتوسع بها من مسجدهم" قال العباس: اللهم لا آخذ لها ثوابا، وقد تصدقت بها على جماعة المسلمين، فقبلها عمر ﵁ منه، فأدخلها في مسجد رسول الله ﷺ .
وذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى أن عمر خط للعباس داره التي هي اليوم وبناها من بيت مال المسلمين.
ونقل السمهودي في تاريخ المدينة عن يحيى بن سعيد "أن عمر بن الخطاب لما زاد في المسجد دعا من كان له إلى جانبه فنزل فقال: اختاروا مني بين ثلاث خصال: إما البيع فأثمن، وإما الهبة فأشكر، وإما الصدقة على مسجد رسول الله ﷺ ، فأجابه الناس ".
стр. 3244
وكما دعت الحاجة إلى توسعة المسجد النبوي، فقد ضاق المسجد الحرام بالمصلين والطائفين، فاشترى الخليفة عمر ﵁ الدور المحيطة به، ودفع أقيامها لأهلها ومن أبى منهم قوم داره ثم رصد أثمانها في خزانة الكعبة، وألزمهم بإخلائها وهدمها، وقال: إن البيت لم ينزل عليكم، وإنما نزلتم عليه فهو فناؤه.
ذكر أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة بسنده عن ابن جريج قال: " كان المسجد الحرام ليس عليه جدران محاطة، إنما كانت الدور محدقة به من كل جانب، غير أن بين الدور أبوابا يدخل منها الناس من كل نواحيه، فضاق على الناس فاشترى عمر بن الخطاب ﵁ دورا فهدمها، وهدم على من قرب من المسجد، وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن، وتمنع من البيع، فوضعت أثمانها في خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد، ثم أحاط عليه جدارا قصيرا، وقال عمر: إنما نزلتم على الكعبة فهو فناؤها، ولم تنزل الكعبة عليكم، ثم كثر الناس في زمن عثمان بن عفان ﵁، فوسع المسجد، واشترى من قوم، وأبى آخرون أن يبيعوا، فهدم عليهم، فصيحوا به، فدعاهم وقال: إنما جرأكم علي حلمى عنكم، فقد فعل بكم عمر هذا فلم يصيح به أحد، فاحتذيت على مثاله، فصيحتم بي، ثم أمر بهم إلى الحبس، حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فتركهم ".
* * *
وكان صحابة رسول الله ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون، متوخين في عملهم هذا خير الأمة، ومصلحة عامة الناس، فهم يقدمون منفعة العموم على مصلحة الفرد، ودون أن يضار الأفراد بشيء، إذ أن من أخذت داره عوض عنها بالقيمة أو بدار أخرى.
وهذا الصنيع داخل تحت القاعدة المشهورة: يتحمل الضرر الخاص لأجل رفع الضرر العام. ويعلل الشاطبي لذلك فيقول: "لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة، بدليل النهى عن تلقي السلع، وعن بيع الحاضر للبادي، واتفاق السلف على تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة، وقد زادوا في مسجد رسول الله ﷺ من غيره مما رضي أهله ومما لا يرضون، وذلك يقضي بتقديم مصلحة
стр. 3245
العموم على مصلحة الخصوص، لكن بحيث لا يلحق الخصوص مضرة".
وقد اقتفى الخلفاء والأئمة سبيل صحابة رسول الله ﷺ في هذا الشأن، فابن الزبير ﵁ يشتري الدور المجاورة للحرم المكي ويضمها إليه، ويوسعه بها، وكذلك الوليد بن عبد الملك يكلف واليه على المدينة عمر بن عبد العزيز بإعادة بناء المسجد النبوي، ويشترى البيوت المجاورة له، ويضيفها إليه.
ومن بعد هؤلاء أبو جعفر المنصور - كما ذكر الأزرقى - اشترى من الناس دورهم اللاصقة بالمسجد الحرام من أسفله حتى وضعه إلى منتهاه اليوم.
ولقد عد الفقهاء من قبيل ذلك نقل شهداء أحد من قبورهم عندما أراد معاوية إجراء عين الكظامة فنادى مناديه بالمدينة: من كان له قتيل بأحد فليشهد.
قال ابن عرفة "إنما فعل معاوية ذلك لمصلحة عامة حاجية كبيع الحبس لتوسيع جامع الخطبة".
وهذه الأعمال سواء منها إكراه البعض على بيع دورهم لمنفعة عامة كزيادة في مسجد ضاق على المصلين، أو نبش الأموات، ونقل رفاتهم إلى أماكن أخرى، هذه الأعمال مما لا يخفى، وكان الصحابة ثم التابعون، ثم تابعوهم موجودين، ولم يظهر من أحد منهم خلاف أو اعتراض على ذلك. يقول السمهودي في تاريخ المدينة " روى يحيى بن سعيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لما ولي عثمان بن عفان سنة أربع وعشرين، كلمه الناس أن يزيد في مسجدهم، وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة، حتى إنهم ليصلون في الرحاب، فشاور فيه عثمان أهل الرأي من أصحاب رسول الله ﷺ ، فأجمعوا على أن يهدمه ويزيد فيه، فصلى الظهر بالناس ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله ﷺ وأزيد فيه، وأشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة، (١)» وقد كان لي فيه سلف وإمام سبقني وتقدمني عمر بن الخطاب، كان قد زاد فيه وبناه، وقد شاورت أهل الرأي من
стр. 3246
أصحاب رسول الله ﷺ فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه، فحس الناس يومئذ ذلك ودعوا له، فأصبح فدعا العمال، وباشر ذلك بنفسه " اهـ.
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
стр. 3247
مصادر ومراجع البحث
١ - أخبار مكة، للأزرقي جزء: ٢.
٢ - الأشباه والنظائر. ابن نجيم الحنفي ص: ٨٧.
٣ - بدائع الفوائد، ابن القيم: جزء: ٣.
٤ - التاج والإكليل، المواق: جزء: ٢.
٥ - جامع الترمذي، وعليه تحفة الأحوذي: جزء: ١٠.
٦ - السنن الكبرى، البيهقي: جزء: ٦.
٧ - صحيح البخاري: جزء ٤.
٨ - الطبقات الكبرى، ابن سعد: جزء: ٤.
٩ - فتح الباري، ابن حجر العسقلاني: جزء: ٥.
١٠ - الموافقات، الشاطبي: جزء: ٢.
١١ - وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، السمهودي: جزء: ٢.
стр. 3248
رسالة الفاروق لأبي موسى الأشعري ﵄
والمبادئ العامة في أصول القضاء
بقلم الدكتور: سعود بن سعد بن دريب
١) ولد بحوطة بني تميم عام ١٣٥٧، المملكة العربية السعودية.
٢) دكتوراه في السياسة الشرعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
٣) وكيل وزارة العدل للشئون القضائية.
له عدة مؤلفات طبع منها:
١ - كتاب المعاملات المصرفية في ضوء الشريعة الإسلامية.
٢ - التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية في ضوء الشريعة الإسلامية.
* * *
١ - الشيخ محمد بن عبد الوهاب حامل راية الإسلام في القرن الثاني عشر (لم يطبع).
٢ - الشركات في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي (لم يطبع).
стр. 3249
تكاد تنحصر وسائل التعبير في الكلمة المكتوبة، والكلمة المسموعة، وقد تعددت وسائل أو قنوات إيصالهما، فالكلمة المكتوبة بدلا من أن تصل عن طريق البريد، والحمام الزاجل أصبحت تصل عن طريق البرق "اللاسلكي" وعن طريق "التلكس" وعن طريق الصحف والمجلات.
كما أن الكلمة المسموعة بدلا من أن تصل عن طريق المشافهة أو النقل بواسطة السفير والراوي، أصبحت تصل عن طريق وسائل الأعلام المسموعة والمرئية وفي مقدمتها الهاتف "التلفون" والإذاعة والتلفاز.
وفي الاستناد لا تزال الكلمة المكتوبة تحتل مركز الصدارة على الكلمة المسموعة خصوصا فيما يصدر من الرئيس للمرؤوس، ولقد نقلت لنا كتب الحديث وكتب التاريخ الموثوق بها الشيء الكثير من الكلام المكتوب.
ونقلت هذه المصادر فيما نقلت كتابات عمر بن الخطاب ﵁ لولاته وقضاته على البلاد الكبيرة والبلاد البعيدة عن المدينة - عاصمة الخلافة- وهي كتابات كثيرة ومتنوعة منها ما يرجع إلى بيان حكم في قضية أو قضايا، كبعض كتبه إلى القاضي شريح، ومنها ما يرجع إلى تذكير قضاته وإرشادهم بتحري الحق والعدل في قضائهم، ومنها ما يرجع إلى أسلوب القضاء وطريقه، ويأتي في مقدمة ذلك كتابه لأبي موسى الأشعري.
стр. 3250
كتاب عمر لأبي موسى:
عن أبي العوام البصري، قال كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري، أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك (وأنفذ إذا تبين لك) (١) فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا (أي لا يخالف النظام العام في اصطلاح أهل العصر). ومن ادعى حقا غائبا، أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه، فإن جاء ببينة أعطيته حقه، فإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك أبلغ في العذر، وأجلى للعمى، ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فرجعت فيه لرأيك، وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق لأن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل (وهو ما يعبر عنه اليوم بالعدول عن اجتهاد سابق واتباع اجتهاد جديد). والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشهادة إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة الزور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة فإن الله تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان. . . ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى، وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة والتنكر، فإن القضاء في مواطن الحق يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق- ولو كان على نفسه- كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين لهم بما ليس في قلبه شانه الله، فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما
стр. 3251
كان له خالصا، وما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام. . .)
стр. 3252
مكانة الكتاب عند العلماء، ومصادر رواياته:
يعتبر هذا الكتاب- في مضمونه- دستورا قويما في نظام القضاء والتقاضي، ومصدرا من مصادر أصول المحاكمات، كما يعتبر- في أسلوبه- مثالا يحتذى في البلاغة والإيجاز والترسل، تلقاه العلماء بالقبول، وعنى به المؤلفون والكتاب والمؤرخون والأدباء والباحثون، وقام كثير من الفقهاء بتفسيره والتعليق عليه، وقد أفاض ابن القيم في شرحه في كتابه "أعلام الموقعين" وقال عنه (وهذا كتاب جليل القدر، تلقاه العلماء بالقبول، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله والتفقه فيه) (١) ويقول ابن سهل من المالكية (وهذه الرسالة أصل فيما تضمنته من فصول القضاء ومعاني الأحكام، وعليها احتذى قضاة الإسلام، وقد ذكرها كثير من العلماء وصدروا بها كتبهم، ومنهم: عبد الملك بن حبيب) (٢) (ت٢٣٨هـ.).
كما اعتبر مؤرخو الآداب الإسلامية هذا الكتاب من جملة النصوص الهامة، فساقوه في مؤلفاتهم كمثال لأسلوب صدر الإسلام في البلاغة، وسلاسة اللفظ وإحكام الفكرة، وقلما يوجد مؤلف قديم أو حديث إلا عرض لهذا الكتاب أو أشار إليه، وقد ترجم إلى أكثر لغات العالم، وكان إميل تيان ممن ترجمه إلى الفرنسية في كتابه في (تاريخ التنظيم القضائي في بلاد الإسلام) وممن ترجمه إلى الإنجليزية الأستاذ هنري كتن، وترجمه هامر الألماني إلى الألمانية (٣).
стр. 3253
أما مصادر هذا الكتاب، فهي كثيرة، منها الأصيل ومنها التبعي، وكما قلنا: قلما يوجد مؤلف قديم أو حديث إلا ذكر هذا الكتاب أو أشار إليه، وقد عنى محمد حميد الله الحيدر أبادي في (مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة) بتتبع مواضع ورود هذا الكتاب وأوصلها إلى ثمانية، وتتبعه ظافر القاسمي، واستدرك عليه أربعة مصادر أيضا (١).
وكما فات على الأول شيء فقد فات على الثاني أشياء، وقد قمت بتتبع ذلك أيضا وأوصلتها إلى أكثر من ثلاثين مصدرا مقتصرا على القديم منها، وهي مفصلة كما يلي:
* أولا: كتب الحديث، وكتب علوم القرآن:
١ - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (ت ٢٤١هـ.) كما أشار إلى ذلك البيهقي في سننه.
٢ - مسند البزار، أحمد بن عمرو بنعبد الخالق (ت ٢٩٢هـ.) ذكره القلقشندي في صبح الأعشى.
٣ - سنن الدارقطني (ت ٣٨٥هـ.) ٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
٤ - السنن الكبرى (١٠/ ١٥٠) للبيهقي، أحمد بن حسين (ت ٤٥٨هـ.) وقد أورده مختصرا وبأسانيد أخرى في الصفحات ١١٥، ١١٩، ١٣٥، ١٥٥، ١٥٦ من الجزء العاشر.
٥ - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال (٥/ ٨٠٦، ٨٠٧) للبرهان فورى (ت ٩٧٥ هـ.).
٦ - سبل السلام شرح بلوغ المرام (٤/ ١٧٥ - ١٧٦) لمحمد بن إسماعيل الصنعاني (ت١١٨٢هـ.).
٧ - وممن أورده القاضي محمد بن الطيب الباقلاني، (ت ٤٠٣هـ.) في كتابه "إعجاز القرآن" ص: ٢١٤.
стр. 3254
* ثانيا: وممن أورده في مؤلفاتهم من الفقهاء والعلماء:
١ - أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، صاحب أبي حنيفة (ت ١٨٢هـ.) أورد منه جزءا في كتابه (الخراج) ص: ١١٧.
٢ - أبو بكر أحمد بن عمر الشيباني، المعروف بالخصاف (ت ٢٦١هـ.) في كتابه أدب القاضي (١/ ٥٥ - ٢٣٤).
٣ - ٤ - الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب (ت ٤٥٠هـ.) في كتابه الأحكام السلطانية ص٧١، ٧٢، وفي كتابه أدب القاضي الفقرات (٣٩٦، ١٣٤٧، ١٧٧٢، ١٨٤٠، ٢٢١٠، ٢٩٣٨) من الجزء الأول والثاني.
٥ - السرخسى، شمس الدين (ت ٤٩٠هـ.) في كتابه المبسوط (١٦/ ٥٩)، وما بعدها، وقام بشرحه وذكر أن محمد بن الحسن بدأ به الكتاب.
٦ - الكاساني الحنفي، علاء الدين أبو بكر بن مسعود (ت ٥٨٧هـ.) في كتابه بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٧/ ٩).
٧ شيخ الإسلام تقي الدين، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني الحنبلي (ت ٧٢٨هـ.) في كتابه منهاج السنة (٣/ ١٤٦).
٨ - ابن القيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ت ٧٥١هـ.) في كتابه أعلام الموقعين (١/ ٨٥، ٨٦)، ويكاد يكون الكتاب شرحا له.
٩ - جمال الدين أبو محمد عبد الله الحنفي الزيلعي (ت ٧٦٢هـ.) في كتابه نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (٤/ ٨١ - ٨٢).
١٠ - ابن فرحون المالكي، إبراهيم بن علي اليعمري (ت ٧٩٩هـ.) في كتابه تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (١/ ٢٢).
١١ - الطرابلسي الحنفي، علاء الدين أبو الحسن علي بن خليل (ت ٨٤٤هـ) في كتابه معين الحكام ص: ١٤، ١٥.
١٢/ ١٣ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ.) ذكر منه نقولا في كتابيه: الدراية (٢/ ١٧١)، وتلخيص الحبير (٤/ ١٩٦).
١٤/ ١٥ ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد (ت ٤٥٦هـ.) رواه مفرقا في
стр. 3255
كتابيه: المحلى (١/ ١٧، ٩/ ٣٩٣)، وملخص إبطال القياس والرأي ص: ٦، وسنأتي على رأيه في هذا الكتاب فيما بعد إن شاء الله.
١٦ - وأورد أجزاء منه الموفق ابن قدامة في كتابه المغني (١١/ ٣٩٤، ٤٠٤، ٤١٥، ٤٤٢).
١٧ - كما ذكر منه نقولا أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة المقدسي (ت ٦٨٢هـ.) في الشرح الكبير (١١/ ٤٠١، ٤١٣، ٤٤٠) على هامش كتاب المغنى.
١٨ - ونجم الدين النسفي (ت ٥٣٧هـ.) (١) في طلبة الطلبة، في الاصطلاحات الفقيهة ص: ١٢٩.
١٩ - وابن مفلح الحنبلي، برهان الدين (ت ٨٨٤هـ.) في كتاب المبدع (١٠/ ٣٤).
٢٠ - جلال الدين السيوطي الشافعي (ت ٩١١هـ.) في كتابه الأشباه والنظائر ص: ٧ أورده بسنده.
٢١ - وقد روى أبو عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣هـ.) جزءا منه في كتابه جامع بيان العلم وفضله ص: ٣٥٥.
٢٢ - كما رواه بسنده الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ.) في كتابه (الفقيه والمتفقه)، (١/ ٢٠٠). مطابع القصيم بالرياض الطبعة الأولى.
* ثالثا: كتب التاريخ:
١ - تاريخ القضاة (١/ ٧٠ وما بعدها)، و (٢٨٣، وما بعدها)، لوكيع محمد بن خلف بن حيان (ت ٣٠٦هـ.)
٢ - التاريخ الكبير، المعروف بتاريخ دمشق لابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين (ت ٥٧١هـ.).
٣ - تاريخ عمر بن الخطاب ص: ١٥٥، ١٥٦، للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧هـ.).
стр. 3256
٤ - مقدمة ديوان المبتدأ والخبر ص: ٢٢١ لابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت ٨٠٨ هـ.).
* رابعا: ومن كتب الأدب والاختيارات:
١ - البيان والتبيين (٢/ ٦٤) لأبي عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ.). وقد ساقه بسنده إلى أبي المليح الهذلي.
٢ - عيون الأخبار (١/ ٢٦٦) لابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت ٢٧٦ هـ.) قال: بلغني عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري.
٣ - الكامل في الأدب (١/ ٩) للمبرد، محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الشمالي الأزدي (ت ٢٨٦ هـ.) وأورده بدون إسناد.
٤ - العقد الفريد (١/ ٨٦، ٨٧) لابن عبد ربه أحمد بن محمد (ت ٣٢٨هـ.).
٥ - نهاية الأرب في فنون الأدب (٦/ ٢٥٧) للنويري، أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدايم القرشي التميمي (ت ٧٣٣هـ.) ينقل عن الماوردي.
٦ - شرح نهج البلاغة (٣/ ١١٩) لعبد الحميد بن أبي الحديد (ت ٦٥٥هـ.).
٧ - صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (١٠/ ١٩٣) العباس، أحمد بن علي القلقشندي (ت ٨٢١هـ.) ينقل عن العقد الفريد.
стр. 3257
الاعتراضات والشكوك في الكتاب، ومناقشتها والرد عليها:
وقد أثار بعض الفقهاء والباحثين من القدامي والمحدثين بعض الشكوك حول نسبة هذا الكتاب إلى عمر بن الخطاب فطعنوا فيه من ناحية سنده، ومن ناحية متنه.
* فمن ناحية السند:
١ - طعنوا في رجال سنده، كما تعللوا بعدم وصله.
٢ - وطعنوا فيه أيضا من هذه الناحية، بأنه جاء في بعض رواياته أنه أرسل إلى أبي
стр. 3258
موسى، وهو على قضاء الكوفة، والحال أنه لم يتول قضاءها لعمر، قالوا: وهذا دليل على عدم صحة الكتاب.
* ومن ناحية المتن أو الموضوع فيتلخص تشكيكهم فيما يلي:
١ - اشتمال الكتاب على بعض الاصطلاحات الدقيقة التي تعتبر وليدة لعصر ما بعد الصحابة.
٢ - أن عمر بن الخطاب نفسه لم يعمل ببعض ما فيه، وهو جملة (المسلمون عدول بعضهم على بعض)، فقد رجع عمر عن ذلك فيما رواه مالك في الموطأ.
٣ - أن هناك اختلافا بينا في ألفاظ روايات الكتاب المتعددة، مما يجعل ذلك سببا للتشكيك في نسبته لعمر.
هذا ملخص لجملة الطعون التي يقولها المنكرون لكتاب عمر، ويستند عليها من سار في ركبهم، وسنتناول ما أجملناه بشيء من التفصيل: لتتضح الرؤية.
стр. 3259
أولا: الطعن في سند الكتاب:
تزعم أبو محمد بن حزم الأندلسي الظاهري في سند هذا الكتاب فقال في الرد على القائلين بجواز القياس (فإن ادعوا أن الصحابة ﵃ أجمعوا على القول بالقياس، قيل لهم: كذبتم، بل الحق أنهم كلهم أجمعوا على إبطاله، برهان كذبهم أنه لا سبيل إلى وجود حديث عن أحد من الصحابة ﵃ أنه أطلق الأمر بالقول بالقياس أبدا، إلا في الرسالة المكذوبة الموضوعة على عمر ﵁ فإن فيها (واعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور)، وهذه الرسالة لم يروها إلا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وهو ساقط بلا خلاف، وأبوه أسقط منه، أو هو مثله في السقوط (١).
وقال في ملخص إبطال القياس والرأي (وهذه رسالة لا تصح، تفرد بها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وكلاهما متروك، ومن طريق عبد الله بن أبي
стр. 3260
سعيد، وهو مجهول، ومثلها بعيد عن عمر) (١).
وأضاف المنكرون لهذه الرسالة قولهم: (وقد جاء في أعلام الموقعين عقب كتاب عمر مباشرة ما نصه: قال أبو عبيد - راوي الكتاب - فقلت لكثير بن هشام هل أسنده جعفر الزبرقان؟ قال: لا. .) قالوا: وهذا يدل على انقطاع سنده.
* الرد على ذلك:
وما قاله ابن حزم من كون راوي الكتاب عبد الملك، وأبيه الوليد بن معدان الضبعي ساقطين بلا خلاف، فغير مسلم: فإن والد عبد الملك ليس ساقطا كما ذكر ابن حزم، فقد عده ابن حبان في الثقات. أما عبد الملك نفسه، فإنه وإن ضعفه بعض رجال الحديث: إلا أن بعضهم قد قبل روايته، فقال عنه يحيى بن معين (صالح) (٢).
فعلى هذا، فدعوى ابن حزم عدم الخلاف في سقوط عبد الملك غير صحيح، ويكفي في قبول الراوي أن يقبل مرويه بعض رجال الحديث: سيما إذا أيد ما رواه من طريق أخرى، وقد أخرجه البيهقي في المعرفة بطريق غير طريق عبد الملك بن الوليد، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا محمد بن عبد الله بن كناسة حدثنا جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام البصري، قال: كتب عمر فذكره.
وقد استدل ابن القيم في نقل هذا الكتاب إلى هذه السلسلة، قال أبو عبيد: حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، وقال أبو نعيم عن جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام، وقال سفيان بن عيينة حدثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة، فأخرج إليه كتبا فرأيت في كتاب منها، ثم ساق الكتاب، وقال في آخره: قال أبو عبيد: قلت لكثير هل أسنده جعفر؟ قال: لا، وعقب ابن القيم على هذا فقال: (وهذا