← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

٤ - مقدمة ديوان المبتدأ والخبر ص: ٢٢١ لابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت ٨٠٨ هـ.). * رابعا: ومن كتب الأدب والاختيارات: ١ - البيان والتبيين (٢/ ٦٤) لأبي عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ.). وقد ساقه بسنده إلى أبي المليح الهذلي. ٢ - عيون الأخبار (١/ ٢٦٦) لابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت ٢٧٦ هـ.) قال: بلغني عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري. ٣ - الكامل في الأدب (١/ ٩) للمبرد، محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الشمالي الأزدي (ت ٢٨٦ هـ.) وأورده بدون إسناد. ٤ - العقد الفريد (١/ ٨٦، ٨٧) لابن عبد ربه أحمد بن محمد (ت ٣٢٨هـ.). ٥ - نهاية الأرب في فنون الأدب (٦/ ٢٥٧) للنويري، أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدايم القرشي التميمي (ت ٧٣٣هـ.) ينقل عن الماوردي. ٦ - شرح نهج البلاغة (٣/ ١١٩) لعبد الحميد بن أبي الحديد (ت ٦٥٥هـ.). ٧ - صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (١٠/ ١٩٣) العباس، أحمد بن علي القلقشندي (ت ٨٢١هـ.) ينقل عن العقد الفريد.

стр. 3257

الاعتراضات والشكوك في الكتاب، ومناقشتها والرد عليها: وقد أثار بعض الفقهاء والباحثين من القدامي والمحدثين بعض الشكوك حول نسبة هذا الكتاب إلى عمر بن الخطاب فطعنوا فيه من ناحية سنده، ومن ناحية متنه. * فمن ناحية السند: ١ - طعنوا في رجال سنده، كما تعللوا بعدم وصله. ٢ - وطعنوا فيه أيضا من هذه الناحية، بأنه جاء في بعض رواياته أنه أرسل إلى أبي

стр. 3258

موسى، وهو على قضاء الكوفة، والحال أنه لم يتول قضاءها لعمر، قالوا: وهذا دليل على عدم صحة الكتاب. * ومن ناحية المتن أو الموضوع فيتلخص تشكيكهم فيما يلي: ١ - اشتمال الكتاب على بعض الاصطلاحات الدقيقة التي تعتبر وليدة لعصر ما بعد الصحابة. ٢ - أن عمر بن الخطاب نفسه لم يعمل ببعض ما فيه، وهو جملة (المسلمون عدول بعضهم على بعض)، فقد رجع عمر عن ذلك فيما رواه مالك في الموطأ. ٣ - أن هناك اختلافا بينا في ألفاظ روايات الكتاب المتعددة، مما يجعل ذلك سببا للتشكيك في نسبته لعمر. هذا ملخص لجملة الطعون التي يقولها المنكرون لكتاب عمر، ويستند عليها من سار في ركبهم، وسنتناول ما أجملناه بشيء من التفصيل: لتتضح الرؤية.

стр. 3259

أولا: الطعن في سند الكتاب: تزعم أبو محمد بن حزم الأندلسي الظاهري في سند هذا الكتاب فقال في الرد على القائلين بجواز القياس (فإن ادعوا أن الصحابة ﵃ أجمعوا على القول بالقياس، قيل لهم: كذبتم، بل الحق أنهم كلهم أجمعوا على إبطاله، برهان كذبهم أنه لا سبيل إلى وجود حديث عن أحد من الصحابة ﵃ أنه أطلق الأمر بالقول بالقياس أبدا، إلا في الرسالة المكذوبة الموضوعة على عمر ﵁ فإن فيها (واعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور)، وهذه الرسالة لم يروها إلا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وهو ساقط بلا خلاف، وأبوه أسقط منه، أو هو مثله في السقوط (١). وقال في ملخص إبطال القياس والرأي (وهذه رسالة لا تصح، تفرد بها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وكلاهما متروك، ومن طريق عبد الله بن أبي

стр. 3260

سعيد، وهو مجهول، ومثلها بعيد عن عمر) (١). وأضاف المنكرون لهذه الرسالة قولهم: (وقد جاء في أعلام الموقعين عقب كتاب عمر مباشرة ما نصه: قال أبو عبيد - راوي الكتاب - فقلت لكثير بن هشام هل أسنده جعفر الزبرقان؟ قال: لا. .) قالوا: وهذا يدل على انقطاع سنده. * الرد على ذلك: وما قاله ابن حزم من كون راوي الكتاب عبد الملك، وأبيه الوليد بن معدان الضبعي ساقطين بلا خلاف، فغير مسلم: فإن والد عبد الملك ليس ساقطا كما ذكر ابن حزم، فقد عده ابن حبان في الثقات. أما عبد الملك نفسه، فإنه وإن ضعفه بعض رجال الحديث: إلا أن بعضهم قد قبل روايته، فقال عنه يحيى بن معين (صالح) (٢). فعلى هذا، فدعوى ابن حزم عدم الخلاف في سقوط عبد الملك غير صحيح، ويكفي في قبول الراوي أن يقبل مرويه بعض رجال الحديث: سيما إذا أيد ما رواه من طريق أخرى، وقد أخرجه البيهقي في المعرفة بطريق غير طريق عبد الملك بن الوليد، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا محمد بن عبد الله بن كناسة حدثنا جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام البصري، قال: كتب عمر فذكره. وقد استدل ابن القيم في نقل هذا الكتاب إلى هذه السلسلة، قال أبو عبيد: حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، وقال أبو نعيم عن جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام، وقال سفيان بن عيينة حدثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة، فأخرج إليه كتبا فرأيت في كتاب منها، ثم ساق الكتاب، وقال في آخره: قال أبو عبيد: قلت لكثير هل أسنده جعفر؟ قال: لا، وعقب ابن القيم على هذا فقال: (وهذا

стр. 3261

كناب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتى أحوج شيء إلى تأمله والتفقه فيه). قلت: وفي هذا ما يدل على أن الكتاب قد روي عن طريق الوجادة، حيث تلقاه إدريس عن أبي بردة قراءة لا حفظا فقط، وهذه وجادة جيدة في قوة الإسناد الصحيح، فالقراءة من الكتاب أوثق من التلقي عن الحفظ، قال ابن حجر - عند الكلام على سندي الكتاب - (لكن اختلاف المخرج فيهما، مما يقوى الرسالة: لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه الرسالة مكتوبة) (١). وبهذا ينتفى القول بانقطاع سند الكتاب، وعلى هذا - أيضا - فلا وجه لما طعن به ابن حزم عليه، وقد حمل ابن حزم على هذا الكتاب، لكون ما جاء فيه لا يتمشى مع أصول الظاهرية، نفاة القياس، ولذا فالعلماء لم يعولوا على طعن ابن حزم في هذا كما مر بنا في كلام ابن سهل المالكي، وكلام ابن القيم الحنبلي. ٢ - وطعنوا في سند الكتاب بما جاء في بعض رواياته من أن عمر أرسله إلى أبي موسى وهو على قضاء الكوفة، كما جاء في مقدمة ابن خلدون، إذ يقول (وولى أبا موسى الأشعري الكوفة، وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاء، وهي مستوفاة فيه ثم ذكر الكتاب) (٢). قالوا: والحال أن أبا موسى لم يتول قضاءها لعمر، وإنما وليها في زمن عثمان، قالوا: فمن هذه الوجهة يمكننا أن نرجح ما قاله ابن حزم في هذه الرسالة (٣) وفي هذا الصدد يقول الدكتور علي حسن عبد القادر (إن أبا موسى لم يل القضاء لعمر، وإنما ولي له إمرة البصرة، وقضى لعمر بالبصرة كعب بن سور) (٤). ونقول - ردا على ذلك - لقد ثبت في التاريخ أن أبا موسى ولي الكوفة لعمر حوالي سنة واحدة، ففي تاريخ الطبري (ت ٣١٠هـ) الذي يعني خاصة

стр. 3262

بتسجيل أسماء ولاة عمر على الأمصار، والتغييرات التي تطرأ عليهم من عزل ووفاة، وكذا في الكامل لابن الأثير الجزري (ت ٦٣٠هـ) (أن أهل الكوفة بعد أن طلبوا من عمر أن يعزل واليه عليهم عمار بن ياسر: لأنه ليس خبيرا بشئون الولاية ولا يدري علام استعمله عمر، أشاروا على عمر أن يولي عليهم أبا موسى الأشعرى، فولاه عليهم، ثم إنهم طلبوا عزله عن الكوفة بعد ذلك بسنة؛ لأن له غلاما يتجر في بعض أرزاقهم فعزله عمر عنها، وصرفه إلى البصرة، وبعث عليهم (المغيرة بن شعبة)، وقال ابن الأثير (دخلت سنة إحدى وعشرين وفيها عزل عمر بن الخطاب عمار بن ياسر عن الكوفة، واستعمل أبا موسى فأقام فيهم سنة) (١). وبهذا يتبين أن أبا موسى كان واليا لعمر على الكوفة مدة من الزمن، وهذا بخلاف ما توصل إليه بعض الباحثين - ممن يقولون بصحة هذه الرسالة - من أنه بالتحقيق ثبت أن عمر لم يول أبا موسى الأشعرى قضاء الكوفة، وأنه ليس هنا رواية معتمدة يعول عليها في ذلك (٢). والحاصل أن مدة الولاية لم تكن طويلة مما جعل بعض المؤرخين وكتاب السير يغفلونها، ولا يعبئون بذكرها سوى الإشارة إليها من قبل ابن خلدون عند ذكر هذه الرسالة: مع أن كل المصادر التي ذكرناها من قبل لم تنص على شيء من ذلك: بل اكتفت بذكرها على أنها لأبي موسى والي عمر دون قيد بمكان. وقد ولي أبو موسى لعمر البصرة أيضا بعد المغيرة بن شعبة، إلا أن هناك رواية تفيد أن عمر عينه واليا، وثانية تفيد أنه عينه قاضيا. وإزاء ذلك يتساءل المنكرون لكتاب عمر كيف يعينه قاضيا على البصرة وفي الوقت نفسه يعين كعب بن سور قاضيا عليها، مع أنهما ظلا بالبصرة معا حتى موت عمر؟ وأخذوا بالرواية التي تصادف ما في نفوسهم من أبا موسى لم يل لعمر إلا إمرة البصرة، وبنوا على ذلك من أنه لم يل القضاء بحال من الأحوال ليصلوا من وراء ذلك إلى نفي كتاب عمر.

стр. 3263

والحق في ذلك: أن عمر عين أبا موسى واليا وقاضيا على البصرة، ثم أبقاه على الولاية فقط، وعين لها قاضيا سواه. أما إمرة البصرة فالمنكرون لا ينازعون في ذلك، فلا حاجة إلى إثباته. أما ولايته لقضاء البصرة فالدليل على ذلك ما يلي: ١ - روى ابن سيرين قال: كتب عمر إلى أبي موسى أن ينظر قضايا أبي مريم الحنفي، فكتب إليه: إني لا أتهم أبا مريم، ومفاد ذلك: أن أبا موسى كان واليا وقاضيا على البصرة لعمر، وظل يجمع بينهما حتى عين عمر كعب بن سور الأزدي على القضاء، وأبقى أبا موسى على الولاية، وهذا ما يمكن أن يقال في الجمع بين الروايتين محل تساؤل المنكرين لكتاب عمر، مع أن الطبري عبر عن تولي كعب بن سور قضاء البصرة بكلمة: (قيل)، وهذا إشارة منه إلى تضعيف هذه الرواية، على أن أبا موسى بقي علي البصرة واليا حتى وفاة عمر بن الخطاب سنة ٢٣هـ. فاستخلفه عثمان في بداية خلافته على البصرة وصلاتها وأحداثها، فأصبح كما كان سابقا واليا وقاضيا حتى عزله عثمان في آخر سنة ٢٨هـ. وأول سنة ٢٩هـ (١). ٢ - ويؤيد ذلك ما ذكرناه سابقا مما هو ثابت باتفاق أن الوالي في عهد الرسول ﷺ ثم في عهد أبي بكر كان الحاكم والقاضي، واستمر الحال على ذلك زمنا من خلافة عمر، ثم بعد فترة من خلافته فصل القضاء عن الولاية - على ما ذكرناه - بسبب كثرة الأعمال على الولاة واتساع النطاق العمراني، وعلى هذا ليس ثمة ما يمنع من أن عمر قد أرسل إلى واليه أبي موسى بهذه الوصايا والتوجيهات القضائية ليستعين بها في الحكم بين الناس، وحل خلافاتهم، شأن مكاتباته مع الولاة الآخرين. وأمام هذه الحقائق فإنه لا وجه للطاعنين في سند الكتاب.

стр. 3264

ثانيا: الطعن في متن الكتاب أو موضوعه: قد أشرنا إلى ملخص الطعون الموجهة إلى متن هذا الكتاب فيما سبق، وسنتناول فيما يلي مناقشتها والرد عليها، وهي تتلخص - كما ذكرنا - في ثلاث نقاط: * إحداها: ما نقله الدكتور علي حسن عبد القادر في كتابه (نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي) (١) من شك بعض المستشرقين مثل: جلد تسهير ومتز وفلهوزن حيث يقول (كما شك بعض الباحثين المحدثين في هذه الرسالة، ورسالة شريح، وفي الرسالة التي جاءت بمعناها، كوصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن، واحتج بأن هذه الرسائل والوصايا تشتمل على اصطلاحات دقيقة تعتبر وليدة عصر ما بعد الصحابة. وإذا سلمنا بأن هذه الرسائل والوصايا قد صدرت عن النبي ﷺ وعن عمر حقا، فإنه من العسير أن نوفق بينهما وبين مسلك أهل الحديث في كراهة الأخذ بالرأي والقياس، والتشديد في ذلك تشديدا بينا، ومن ثم فإنهم عمدوا إلى تضعيف هذه الروايات والتهوين من شأنها). ويعني بالاصلاحات التي قال عنها: إنها وليدة عصر ما بعد الصحابة ما جاء في كتاب عمر (وأعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور بعضها ببعض فانظر أقربها إلى الله، وأشبهها بالحق فاتبعه وأعمد إليه). * والرد على هذا: أن كلمة (القياس) كانت تستعمل بمعنى الرأي في عصر النبوة، وفي عصر الصحابة، من ذلك ما أخرجه ابن حزم نفسه بسنده في ملخص إبطال القياس أن النبي ﷺ قال: «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال (٢)». استدل ابن حزم بالحديث على إبطال القياس بذم من يقيس الأمور برأيه لأنهم أشد فرق الأمة فتنة عليها، ونوقش أنه يجب حمله على القياس الباطل جمعا بين

стр. 3265

الأدلة، ويؤيد ذلك قوله في الحديث: «فيحلون الحرام ويحرمون الحلال». ومن استعمال القياس بمعنى الرأي في عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: " قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم ". . . (١) إلي غير ذلك من الأحاديث والآثار الكثيرة. ومن هذا يظهر أن كلمة (القياس) قد استعملت في عصر الصحابة بالمعنى الذي تعارف عليه الفقهاء، ولم يكن استعمالها اصطلاحا جديدا، كما قال ذلك المستشرقون، ومن نحا نحوهم وقال بقولهم. ثانيتها: أن عمر بن الخطاب نفسه لم يعمل ببعض ما في هذا الكتاب، وهو جملة (المسلمون عدول بعضهم على بعض) وهي تعني قبول شهادة جميع المسلمين، وأن الأصل في كل واحد منهم العدالة، عدا من تعرضت عدالتهم بالشك، حيث ثبت رجوع عمر بما رواه مالك في الموطأ بقوله: (والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول) ثم إن مضمون هذه الجملة يخالف قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣) قالوا: وكذلك الفقهاء من أصحاب القياس حنفيهم ومالكيهم وشافعيهم لا يقولون بهذا القول - عدالة المسلمين بعضهم على بعض - ولو صح في تلك الرسالة في القياس حجة فقوله في أن المسلمين عدول كلهم إلا مجلودا في حد حجة، وإن لم يكن قوله في ذلك حجة، فليس قوله في القياس حجة ولو صح، فكيف ولم يصح (٤). * والرد على ذلك: إنما ذكر في تفسير عدالة الشهود ليس بمذهب عمر حيث قال بعد ذلك (فإن الله ﵎ تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان) يريد بذلك أن من ظهرت فيه علانية خير فقبلت شهادته، ووكل أمر سريرته إلى الله ، فإن الله سبحانه لم يجعل أحكام الدنيا على

стр. 3266

السرائر بل على الظواهر، والسرائر تبعا لها. وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر، والظواهر تبع لها، ويؤيد هذا ما روي عنه أنه قال في خطبته: (من أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه). (١). قال الماوردي في الأحكام السلطانية بعد سياق الإيراد على كتاب عمر عن اعتباره في الشهود عدالة الظاهر، والمعتبر فيه عدالة الباطن بعد الكشف والمسألة، قال: ففيه جوابان: * أحدهما: أنه يجوز أن يكون عمر ممن يرى ذلك فذكره إخبارا عن اعتقاده فيه لا أمرا. * والثاني: معناه أنهم - بعد الكشف والمسألة - عدول ما لم يظهر جرح، إلا مجلودا في حد (٢). قلت: والجواب الثاني هو المراد لما أوضحناه سابقا من أن كلام عمر لا يدل على الجواب الأول الذي ذكره الماوردي، قال ابن القيم: ولا يدل كلام عمر على هذا المذهب. قلت أيضا: ولو فرض أن ما قاله المنكرون في تفسير عدالة الشهود هو ما ذهب إليه عمر أولا ثم رجع إلى اشتراط العدالة في كل شاهد ابتداء وإلى التحري عنه قبل قبول شهادته، فإن رجوعه في هذه الجزئية لا يعتبر دليلا على نفى صحة هذا الكتاب بأكمله. وأما قول ابن حزم إن الفقهاء كلهم لم يقولوا بهذا القول - عدالة المسلمين بعضهم على بعض - وخالفهم عمر بن الخطاب في ذلك فقد روي عن أبي حنيفة القول بجواز القضاء لظاهر العدالة، وهو المعروف عند الأحناف بالقضاء بشهادة المستور (٣).

стр. 3267

وقد ذكر ابن القيم أن بعض أهل العراق قد احتج بقول عمر هذا على قبول شهادة كل مسلم لم تظهر منه ريبة، وإن كان مجهول الحال، منهم الحسن البصري، والليث بن سعد ﵄ كما أشار ابن حزم نفسه إلى مذهب أبي حنيفة في هذا في كتاب الشهادات من كتابه المحلى (١). قلت: وعلى هذا فقد انتقض قول أبي محمد بن حزم في نفيه أن أحدا من الفقهاء- على سبيل العموم - حنفيهم وشافعيهم ومالكيهم لم يقل بذلك، كيف وقد ظهر أن كلام عمر لم يدل على هذا المذهب؟ كما قال ابن القيم. أما ما ذكره من أن جملة (المسلمون عدول بعضهم على بعض) تخالف قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣) فإنه على ما جرى إيضاحه في أول هذا الكلام لم تكن هناك مخالفة. على أن هذه الآية دلت على اعتبار العدالة في الشهود، ولكنها لم تبين مفهوم العدالة وما تتحقق به، وقد اكتفى رسول الله ﷺ بالإسلام وحده في شهادة الأعرابي فيما روى عكرمة عن ابن عباس قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: رأيت الهلال - يعني: هلال رمضان - فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا (٤)» رواه الخمسة (٥). ونخلص من هذا: أن ما قاله المنكرون لا يصح دليلا لإنكار الكتاب أو نفي صدوره عن عمر. وثالثة الأثافي من الطعون الموجهة لمتن الكتاب ما جاء في بعض رواياته من اختلاف في بعض الألفاظ، فقد ذكر محقق كتاب (أخبار القضاة) عبد العزيز مصطفى المراغي من أن المستشرق مرجوليوث - أستاذ اللغة العربية في جامعة أكسفورد سابقا - كتب فصلا عن كتاب عمر في مجلة الجمعية الآسيوية عمد فيه للمقارنة

стр. 3268

بين ثلاث روايات اختارها، وهي رواية الجاحظ، وابن قتيبة، وابن خلدون وحاول أن يجعل من اختلاف الروايات سببا للتشكك في صحة نسبة الكتاب إلى عمر، ويجب أن يكون هذا الكتاب قد نقل شفاها من عمر لأبي موسى، وقد رد عليه بقوله (وليس أحد الأمرين - فيما نرى - داعيا للتشكك في الكتاب، أما الثاني - يعنى: تعجب مرجوليوث من نقل الكتاب مشافهة - فلأن أغلب الروايات تدور على سعيد بن أبي بردة عن أبي موسى، وفيها يقول الراوي عنه: فأخرج لنا كتبا فيها كتاب عمر إلى أبي موسى، وأما الأولى: فلأن اختلاف الروايات في الحديث لا يكون سببا قادحا فيه وموجبا لرده، ولا يغير من شأنه اختلاف الروايات فيه ما دامت كلها تحمل هذا المعنى. . . (١) ولزيادة الإيضاح نورد العبادات التي جاء فيها الخلاف بين الروايات الثلاث وأترك استنتاج المقارنة لفطنة القارئ، ليدرك وهن ما يطعن به هذا المستشرق: ١ - في رواية الجاحظ (ولا يمنعك قضاء قضية بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه إلى الحق) ورواية المقدمة (ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق). ٢ - ورواية الجاحظ (الفهم الفهم عندما يتلجلج في صدرك مما لم يبلغك في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ . ورواية المقدمة (الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة). ٣ - في رواية الجاحظ (وقس الأمور عند ذلك ثم اعهد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى) وفي رواية المقدمة (وقس الأمور بنظائرها). ٤ - في رواية الجاحظ وابن قتيبة (أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة) ورواية المقدمة (أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في نسب أو ولاء). ٥ - في رواية ابن قتيبة (واجعل لمن ادعى حقا غائبا) وفي رواية الجاحظ والمقدمة (حقا غائبا أو بينة).

стр. 3269

٦ - في عيون الأخبار (وإلا استحللت القضية عليه) وفي الجاحظ (وإلا وجهت عليه القضاء) وفي المقدمة (وإلا استحللت عليه القضاء). ٧ - في رواية المقدمة (فإن الله سبحانه عفا عن الأيمان ودرأ بالبينات) وفي رواية ابن قتيبة (فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات) ورواية الجاحظ (ودرأ عنكم الشبهات). ٨ - في رواية الجاحظ (والتنكر للخصوم في مواطن الحق) ورواية المقدمة (فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر). ٩ - في رواية الجاحظ (ومن تزين للناس بما يعلم الله خلافه منه هتك الله ستره وأبدى فعله) ورواية عيون الأخبار (ومن تزين للناس بغير ما يعلم الله منه شانه الله) وليس في المقدمة شيء من ذلك. وهكذا يظهر أن الاختلاف بين هذه الروايات يسير، ولا يحيل المعنى ولا يغيره، خصوصا وأن التدوين لم يعرف في ذلك الوقت، فكل راو نقل ما سمعه وتمسك به ولا يعتبر ذلك طعنا: لأن علماء الحديث أجازوا الرواية بالمعنى، واعتبروا الزيادة من الثقة مقبولة.

стр. 3270

صحة الكتاب وحقيقة محتواه: وبعد كل ما تقدم من دفع الشبهات والاعتراضات التي وجهت للكتاب سواء من جهة سنده أو من جهة متنه فإنه لا يصح التعويل على ما أثير حول ذلك من الطعون والشكوك حيث تعرت عن الحقيقة وأصبحت هذه الطعون بلا بينة تقوم عليها ولا دليل يسندها. ومن هنا يتأكد صحة صدور الكتاب من عمر ﵁. ولو تتبعنا ما ورد في هذا الكتاب من مبادئ ووصايا تتعلق بالقضاء لألفينا لها أصلا في السنة النبوية. وعلى هذا فلا وجه للضجة التي أثارها بعض العلماء

стр. 3271

والباحثين حول هذا الكتاب، وادعائهم أنه غير صحيح، لأنه على فرض التسليم لهم بعدم صحة سنده، ففي سنة رسول الله ﷺ ما يؤيد محتواه ومتنه على ما سنوضحه في القواعد الآتية: ١ - فقاعدة (لا اجتهاد في مورد النص) وهي ما ورد في قول عمر: (ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور) فقد روي عن الحارث بن عمرو - يرفعه إلى معاذ - «أن النبي ﷺ لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن، قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد برأي ولا آلو - أي لا أقصر -. قال: فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله (١)». ٢ - وقاعدة التسوية بين الناس، ففي الحديث عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل في لحظه ولفظه وإشارته ومقعده (٢)». وفي رواية أخرى بسند آخر «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين

стр. 3272

فليساو بينهم في المجلس، والإشارة، والنظر (١)». ٣ - وقاعدة منع الصلح فيما يخالف الشرع ففي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله ﷺ أنه قال: «الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما (٢)». ٤ - وقاعدة إعطاء فرصة الدفاع قبل الحكم، فقد قال ﵊ لعلي بن أبي طالب ﵁ حينما ولاه قضاء اليمن «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك وجه القضاء (٣)» أخرجه أهل السنن والمسانيد وغيرهم. ٥ - وقاعدة البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وفي هذا يقول ﷺ «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه (٤)». وروي أيضا «البينة على المدعي واليمين على من أنكر (٥)». زاد الدارقطني إلا في القسامة.

стр. 3273

٦ - وقاعدة الأحكام الجزئية تفقد المحكوم عليه أهليته للشهادة، فقد روي عنه ﵇ أنه قال: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في فرية». رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وفي رواية أخرى «لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرب عليه شهادة الزور ولا قانع أهل البيت وظنين في ولاء ولا قرابة (١)». ونخرج من هذا أن هذا الكتاب ليس جديدا في مادته، وإن كان جديدا في صياغته، وليس معنى هذا التقليل من شأنه، فقد احتوى على الكثير من السنة النبوية - كما قلنا -بالإضافة إلى أنه قد وفر على القضاة كثيرا من الجهد في تتبع ما ورد عن رسول الله ﷺ في هذا المجال في عصر ما قبل تدوين الحديث: إذ لم يكن كل الصحابة على علم بكل ما جاء عن رسول الله ﷺ . ومن هنا فقد كان كتاب عمر ذخيرة للقضاة.

стр. 3274

نظرية براءة المتهم حتى تثبت إدانته وحظها من الاعتبار في الشريعة الإسلامية بقلم الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع ١ - ولد بشقراء عام ١٣٤٩ هـ المملكة العربية السعودية. ٢ - ماجستير في الشريعة الإسلامية من المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود. ٣ - قاض في محكمة التمييز بالمنطقة الغربية وعضو هيئة كبار العلماء والمجلس الأعلى للأوقاف. ٤ - أمضى قرابة عشرين عاما عضوا في الإفتاء وقرابة عامين نائبا للرئيس العام وأربعة في المجال القضائي لتمييز الأحكام بالمملكة العربية السعودية. * الآثار العلمية: ١ - الورق النقدي. ٢ - مع المالكي في رد أضاليله ومنكراته. ٣ - مع الاشتراكيين في أضواء الشريعة.

стр. 3275

الحمد لله وأستعينه وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا وبعد، فلقد أجمعت القوانين الوضعية أو كاد إجماعها ينعقد على براءة المتهم حتى تثبت إدانته. وحيث إن الاتهام في حد ذاته تختلف مقومات اعتباره باختلاف الأحوال والظروف والملابسات المحيطة به وباختلاف القرائن المقوية للاتهام أو المهونة من أمره، وحيث إن المتهم نفسه قد يكون في حد ذاته أهلا للاتهام إما لسوابقه وقدم سبقه في الإجرام أو لأن مثله حري بالإجرام، أو لأن حاله توحي بالإجرام وتغري به، وحيث إن التهمة نفسها منزلة بين البراءة التامة وبين ثبوت الجريمة، لذلك كله فإن القول ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته قول لا يتفق مع معنى الاتهام في اللغة ولا يلتقي مع مبدأ أخذ المتهم والتحقيق معه حتى لو آل أمر التحقيق معهن إلى حبسه وضربه. كما أن القول بثبوت الإجرام بالاتهام فقط قول لا يتفق مع العدل والإنصاف والبراءة الأصلية، وحيث إن هذا المبدأ القانوني قد أخذ به مجموعة من فقهاء التشريعات السماوية والوضعية واعتبروه من النظريات البديهية التي لا تقبل الجدل أو التردد في الاعتبار فقد بدا لي أن أكتب في نظرية براءة المتهم حتى تثبت إدانته وحظها من الاعتبار في الشريعة الإسلامية ومناقشة ذلك في ضوء معنى الاتهام وحجم الاتهام وحال الاتهام وتقييم أخذ المتهم بتهمته ظلما أو عدلا. * المتهم اسم مفعول من اتهم يتهم فهو متهم اسم مفعول مزيد بالألف والتاء وأصله قبل الإبدال اوتهم على وزن افتعل فأبدلت الواو التي هي فاء الكلمة تاء وأدغمت في تاء الافتعال فصار بعد الإبدال والإدغام اتهم.

стр. 3276

وأصل الفعل من باب فتح يفتح وضرب يضرب ومصدره وهم. قال في القاموس وشرحه الوهم مرجوح أحد طرفي المتردد فيه. وأوهمه ووهمه غيره واتهمه بكذا اتهاما واتهمه كافتعله وأوهمه أدخل عليه التهمة، وقال في اللسان: الوهم من خطرات القلب. والتهمة أصلها الوهمة من الوهم، ويقال اتهمته افتعال منه يقال اتهمت فلانا على بناء افتعلت أي أدخلت عليه التهمة: وقال الجوهري. اتهمت فلانا بكذا والاسم التهمة بالتحريك وأصل التاء فيه واو على ما ذكر في وكل، وقال ابن سيده التهمة الظن تاؤه مبدلة من واو كما أبدلوها في تخمة سيبويه - إلى أن قال - واتهم الرجل واتهمه وأوهمه أدخل عليه التهمة أي ما يتهم عليه إلى أن قال: واتهم الرجل إذا صارت به الريبة. اهـ. فقول صاحب القاموس إن الوهم مرجوح أحد طرفي المتردد فيه. يفيد أن الاتهام لا يعتبر إلا بما ينقدح في الذهن مرجحا لأحد طرفي المتردد فيه باعتبارات خارجية موجبة، وهذا يعني أن استواء طرفي المتردد فيه لا يسمى وهما، وبالتالي فلا يجوز الوصف بالاتهام إذا لم يكن ثم ما يقيمه ويعطي رجحان أحد طرفيه عطاء إيجابيا. فلو أن إنسانا مجهول الحال وجهت إليه التهمة بفعل جريمة ما وليس لهذا الاتهام ما يسنده مطلقا لا من حيث حال الفعل وملابساته وظروفه ولا من حيث حال الشخص نفسه. فالاتهام نفسه طرف والبراءة من الاتهام طرف، وكلا الطرفين متساو في النظر والاعتبار، وكل طرف من الطرفين متردد في اعتباره إذ ليس في العقل ولا في الحس ما يحول دون إمكان وجود الجريمة من المتهم بها، ولو لم يكن في الوجود الذهني ما يؤيد وقوعها. كما أن البراءة الأصلية لا تحول دون الانتقال منها إلى الإجرام إلا أن فقدنا ما يقوي أحد الطرفين جعلنا ننفى عن ذلك الشخص وصفه بالاتهام، وهذا معنى استواء طرفي المتردد فيه. ولو أن إنسانا آخر وجهت إليه التهمة بفعل جريمة ما وكان لهذا الاتهام ما يسنده من حيث الأحوال أو الظروف أو الملابسات، أو أن الشخص نفسه أهل للاتهام من حيث سوابقه، أو أن مثله يفعل ذلك فقد ترجح لدينا اتهامه وقوي جانب الادعاء عليه به، وأصبحت البراءة الأصلية بالنسبة له مرجوحة، وهذا معنى الوهم مرجوح أحد طرفي المتردد فيه، فهذا المتهم لا نستطيع أن نسلم له بالبراءة الأصلية المطلقة حتى تثبت الجريمة؛ لأننا بذلك نضيع على أنفسنا أمورا

стр. 3277

بإضاعة مثلها تفقد العدالة كثيرا من مقومات سلطانها وحفاظها على الحق والعدل والاستقرار. * حقا إن القضاء الإسلامي وهو لسان الحق والعدل والإنصاف لا يستطيع أن يستبعد من اعتباره ونظره ومجال تأمله شواهد الأحوال والقرائن والأمارات في قوة الاتهام وتقوية جانب الادعاء لمن يحمل في ادعائه ما يقوي به جانبه من قرائن وأمارات، وبالتالي فإن القضاء في الإسلام لا يعطي المتهم براءة مطلقة من الادعاء ما لم يكن الاتهام خاليا مما يسنده. * لقد اعتبرت الشريعة الإسلامية القرائن والأمارات مؤيدة للادعاء وإن لم تكن في نفسها طريقا كافيا للإثبات. قال تعالى في قصة يوسف: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣) ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٤) ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ (٥) فاتهام يوسف واتهام امرأة العزيز بالمراودة فصلت فيه القرائن والأمارات حيث كان شق قميص يوسف من دبره يدل على أنه كان هاربا منها وأنها وراءه متعلقة به آخذة بوثبه حتى انشق من الخلف، فكان هذا كافيا للعزيز في تبرئة يوسف من الاتهام والحكم على امرأة العزيز بالمراودة. قال شيخنا الشيخ محمد الشنقيطي ﵀ في تفسيره: أضواء البيان: ما نصه: يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب؛ لأن كون القميص مشقوقا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٦)

стр. 3278

لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب جعلوا على قميصه دم سخلة ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب. ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها وهي عدم شق القميص، فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليما كيسا يقتل يوسف ولا يشق قميصه، ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١) وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن. اهـ (٢). قال القرطبي ﵀ في تفسيره: قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (٣) استدل الفقهاء بهذه الآية على إعمال الأمارات في مسائل من الفقه كالقسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب ﵇ استدل على كذبهم بصحة القميص، وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهي قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها، قاله ابن العربي. اهـ (٤). وقال ابن القيم ﵀ في كتابه الطرق الحكمية في معرض ذكره مجموعة من الشواهد على اعتبار القرائن والأحوال والأمارات وذكره مما ذكر قصة يوسف مع امرأة العزيز وإيراده للآية الكريمة قال: فنتوصل بقد القميص إلى تمييز الصادق منهما من الكاذب وهو لوث في أحد المتنازعين يبين به أولاهما بالحق. اهـ (٥). * وقال تعالى في قصة شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآَثِمِينَ﴾ (٦)

стр. 3279

﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٢) فقد اعتبر الشارع تعالى شهادة غير المسلم على المسلم قرينة مؤيدة لدعوى الوصية من الميت وأمر في حالة الارتياب فيها أن يحلف الشاهد على صدقه في شهادته ثم تثبت الدعوى بالوصية. * قال ابن القيم ﵀ في كتابه الطرق الحكمية: وقد ذكر الله سبحانه اللوث في دعوى المال في قصة شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر وأمر بالحكم بموجبه، وجاءت السنة المطهرة باعتبار القرائن والأمارات مؤيدة للدعوى، فقد روى أبو داود في سننه وأحمد وغيرهما من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ حبس في تهمة ما (٣)» قال علي بن المديني: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح، وفي جامع الخلال عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة». «وعاقب ﷺ بالضرب في تهمة، وذلك أنه ﷺ لما أجلى يهود بني النضير من المدينة على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم غير الحلقة والسلاح كان لابن أبي الحقيق مال عظيم يبلغ مسك ثور من ذهب وحلي، فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر وكان بعضها عنوة وبعضها صلحا ففتح أحد جانبيها صلحا، وتحصن أهل الجانب الآخر فحصرهم رسول الله ﷺ أربعة عشر يوما فسألوه الصلح وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله ﷺ : أنزل فأكلمك؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم فنزل ابن أبي الحقيق فصالح رسول الله ﷺ على حقن دماء في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله ﷺ وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة إلا ثوبا على ظهر إنسان، فقال رسول الله ﷺ : وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا، فصالحوه على ذلك». قال حماد بن سلمة: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الزرع والأرض والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء

стр. 3280

وشرط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله ﷺ لعم حيي بن أخطب: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ قال أذهبته النفقات والحروب، قال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فمسه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل خربة فقال قد رأيت صبيا يطوف في خربة ههنا فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي الحقيق - وأحدهما زوج صفية - بالنكث الذي نكثوا. قال ابن القيم ﵀ بعد إيراده هذه القصة: ففي هذه السنة الصحيحة الاعتماد على شواهد الحال والأمارات الظاهرة وعقوبة أهل التهم. اهـ (١). * والزم علي بن أبي طالب ﵁ الظعينة التي حملت خطاب حاطب بن أبي بلتعة لقريش بضرورة إخراجها الخطاب حينما أنكرته، وقال: لها لتخرجن الكتاب أو لنجردنك، فلما رأت الجد أخرجته من عفاصها. ومشروعية القسامة في الدماء والأموال نوع من العمل بالقرائن والأمارات والحكم بالقسامة اعتماد على ظاهر الأمارات المقوية جانب الدعوى حيث جاز للمدعي بها ولأجل القرائن أن يحلف أيمان القسامة ويستحق دم المدعى عليه أو دية مورثه مع أنه لم ير ولم يشهد. * وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، وابن القيم في كتابه الطرق الحكمية، وابن فرحون في كتابه تبصرة الحكام، وأبو الحسن الطرابلسي في كتابه معين الحكام، وابن الشحم في كتابه لسان الحكام. ذكروا ﵏ مجموعة من الشواهد والوقائع على العمل بالقرينة في تقوية جانب الادعاء على المتهم لولا خوف الإطالة لاستعرضناها. * فلو قلنا ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته لتعين علينا طرح قرائن الاتهام لأنها - على الصحيح مما اتجه إليه المحققون من أهل العلم - ليست طرق إثبات بمفردها، ولاضطررنا إلى تعطيل الكثير من روافد الإثبات من قرائن وأحوال وملابسات وأمارات، ولكان حبس المتهم ومسه بالعذاب للتحقيق معه في دعوى التهمة ضربا من الظلم والطغيان، ولكان الحكم بالقسامة ضربا من الجور والعدوان، ولا يقول

стр. 3281

بهذا من له أدنى نظر في التعرف على الحقوق وعوامل إقرارها وإحقاقها والحكم بثبوتها. وفي مثل هذا يقول ابن القيم ﵀ في كتابه الطرق الحكمية ما نصه: وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره، ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد لم يعط مسماها حقه. ولم تأت البينة قط مرادا بها الشاهدان، وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان مفردة ومجموعة، وكذلك قول النبي ﷺ «البينة على المدعي (١)» المراد به أن عليه ما يصحح دعواه ليحكم له والشاهدان من البينة، ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها كدلالة الحال على صدق المدعي فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة متقاربة في المعنى، وقد روى ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله قال: «أردت السفر إلى خيبر فأتيت النبي ﷺ فقلت إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته (٢)». فهذا اعتماد في الدفع على مجرد العلامة وإقامة لها مقام الشاهد، فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل الأحوال، بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهدا له بالاعتبار مرتبا عليها الأحكام - ثم قال بعد أن استنكر رأي من يقف من القرائن والأمارات موقفا سلبيا ويعتمد على أدلة الإثبات من شهادة أو إقرار -: وهذا موضع مزلة أقدام ومخبلة أفهام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول، وإن نفت ما فهموه هم من شريعة باجتهادهم. والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم لهم أمر إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرا طويلا وفسادا عريضا فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه وعز على

стр. 3282

العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك واستنفاذها من تلك المهالك، وأفرطت طائفة أخرى قابلت تلك الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله. وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه فالله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإن ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له. فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم، وإنما هي عدل الله ورسوله أظهر بهذه الأمارات والعلامات، فقد «حبس رسول الله ﷺ في تهمة وعاقب في تهمة (١)» لما ظهرت له أمارات الريبة على المتهم. فمن أطرق كل متهم وحلفه وخلى سبيله مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض وكثرة سرقاته وقال لا آخذه إلا بشاهدي عدل فقوله مخالف للسياسة الشرعية اهـ (٢). * إننا لا نريد بهذا ومن هذا أن نقرر ضرورة الأخذ بالقرائن والأمارات والأحوال والملابسات وإعطائها ما تستحقه من النظر والاعتبار في تقوية جانب الادعاء، فهذا أمر مسلم به، ويرحم الله من العلماء من خدموه ووضحوه وأزاحوه وأزاحوا عن وجهه القترة والأعتام حتى أصبح من الأمور البديهية في محيط القضاء في الإسلام. * وإنما نريد من ذلك توضيح ما تستلزمه هذه القرائن والأحوال من التصاق المتهم بما يتجه عليه الادعاء به وبالتالي رفض القول ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته، والحال أن القرائن والأمارات والأحوال والملابسات تلصق به الاتهام. * ثم إن المتهم نفسه لا يخلو من أحوال ثلاثة: إما أن يكون على جانب من الصلاح والاستقامة والتقوى وأن مثله يستبعد اتهامه بما اتهم به، فهذا يعتبر بريئا براءة مطلقة ولا

стр. 3283

يجوز لذلك القبض عليه ولا تناوله بشيء مما يمس كرامته أو يجرح شعوره من حبس أو ضرب أو توبيخ، والدعوى عليه بالاتهام إن كانت من حقوق الله تعالى فلا تسمع، وإن كانت حقا لآدمي فقد اختلف أهل العلم في سماعها، وعلى القول بسماعها فهل يحلف على نفي الدعوى أم لا؟ خلاف بين أهل العلم في ذلك. وتوجيه براءته البراءة المطلقة أن براءته من الاتهام طرف واتهامه بالدعوى طرف، والأصل أنهما طرفان متساويان لإمكان قيامه بالفعل المدعى عليه به، ولأن الأصل براءته من ذلك الفعل إلا أن حاله المتمثلة في استقامته وصلاحه وتقواه تؤيد براءته الأصلية من التهمة لاستبعاد قيامه بما فيه الدعوى بحكم ما هو عليه من حال توجب ذلك، فقد ترجح بهذا طرف البراءة الأصلية فقلنا ببراءته من الاتهام براءة مطلقة، وقد ذكر ابن القيم ﵀ هذا النوع من أقسام المتهمين بقوله: فإن كان بريئا لم تجز عقوبته اتفاقا، واختلفوا في عقوبة المتهم له على قولين أصحهما يعاقب صيانة لتسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء. قال مالك وأشهب - رحمهما الله -: لا أدب على المدعي إلا أن يقصد أذية المدعى عليه وعيبه وشتمه فيؤدب، وقال أصبغ: يؤدب، قصد أذية أو لم يقصد. وهل يحلف في هذه الصور؟ فإن كان المدعى حدا لله لم يحلف عليه، وإن كان حقا لآدمي ففيه قولان مبنيان على سماع الدعوى، فإن سمعت الدعوى أحلف له، وإلا لم يحلف، والصحيح أنه لا يسمع الدعوى في هذه الصورة ولا يحلف المتهم لئلا يتطرق الأراذل والأشرار إلى الاستهانة بأهل الفضل والأخيار. اهـ (١). * وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: وذلك أن الناس في التهم ثلاثة أصناف: صنف معروف عند الناس بالدين والورع وأنه ليس من أهل التهم فهذا لا يحبس ولا يضرب، بل ولا يستحلف في أحد قولي العلماء، بل يؤدب من يتهمه فيما ذكره كثير منهم (٢) اهـ. الحال الثانية: أن يكون المتهم مجهول الحال لا يعرف باستقامة ولا فجور، ففي هذه الحال يستوي الطرفان طرف البراءة الأصلية من الاتهام وطرف إمكان القيام بالفعل

стр. 3284

موضوع الدعوى. وحيث إن الشارع ينظر إلى الحقوق نظرة حفاظ ورعاية واحتياط. وحيث إن مجهول الحال من المتهمين لا يستبعد منه أن يقوم بما فيه الدعوى بالاتهام، فإن واجب الاحتياط لرعاية الحقوق والحفاظ عليها يرجح جانب الاتهام على جانب البراءة الأصلية حيث يستدعي الأمر القبض على المتهم والتحقق معه فيما اتهم به وحبسه حتى ينكشف أمره، وهذا يعني أننا لا نقول ببراءة مجهول الحال براءة مطلقة بحيث يعتبر القبض عليه والتحقيق معه وحبسه حتى ينكشف أمره ضربا من الظلم والتعدي، ولا نقول باتهامه اتهاما يوجب ضربه، وإنما نقول بضرورة رعاية جانب الحقوق ممن لا يستبعد منه الاعتداء عليها بأخذه بما يعتبر تحفظا. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ما نصه: والثاني من يكون مجهول الحال لا يعرف ببر ولا فجور، فهذا يحبس حتى يكشف عن حاله، وقد قيل يحبس شهرا وقيل يحبس بحسب اجتهاد ولي الأمر. * والأصل في ذلك ما روى أبو داود وغيره «أن النبي ﷺ حبس في تهمة (١)». وقد نص على ذلك الأئمة، وذلك أن هذه بمنزلة ما لو ادعى عليه مدع فإنه يحضر مجلس ولي الأمر الحاكم بينهما، وإن كان في ذلك تعويقه عن أشغاله فكذلك تعويق هذا إلى أن يعلم أمره، ثم إذا سأل عنه ووجد بارا أطلق. اهـ (٢). * الثالث: أن يكون المتهم معروفا بالفجور والإجرام وأن مثله يقع في الاتهام، فهذا أشد من الثاني وأوغل منه في الاتهام، فقد ترجح جانب اتهامه على جانب براءته مما هو عليه من حال تقوى جانب الإدعاء عليه بالاتهام. وفي هذا الصنف من أصناف المتهمين يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع ما نصه: وإن وجد فاجر كان من الصنف الثالث، وهو الفاجر الذي عرف منه السرقة قبل ذلك، أو عرف بأسباب السرقة مثل أن يكون معروفا بالقمار والفواحش التي لا تتأتى إلا بالمال وليس له مال، ونحو ذلك فهذا لوث في التهمة، ولهذا قالت طائفة من العلماء: إن مثل هذا يمتحن بالضرب يضربه الوالي والقاضي كما قال أشهب صاحب مالك وغيره حتى يقر بالمال - إلى أن قال - ثم المتولي له أن يقصد بضربه مع تقريره عقوبته على فجوره

стр. 3285

المعروف فيكون تعزيرا وتقريرا وليس على المتولي أن يرسل جميع المتهمين حتى يأتي أرباب الأموال بالبينة على من سرق. اهـ (١). * وقال الشاطبي ﵀ (٢) ما نصه: إن العلماء اختلفوا في الضرب بالتهم. وذهب مالك إلى جواز الضرب وهو عند الشيوخ من قبيل تضمين الصناع، فإنه لو لم يكن الضرب والسجن بالتهم لتعذر استخلاص الأموال من أيدي السراق والغصاب، إذ قد يتعذر إقامة البينة، فكانت المصلحة في التعذيب وسيلة إلى التحصيل بالتعيين والإقرار. * فإن قيل هذا فتح باب تعذيب البرئ قيل: ففي الإعراض عنه إبطال استرجاع الأموال، بل الإضراب عن التعذيب أشد ضررا، إذ لا يعذب أحد لمجرد الدعوى بل مع اقتران قرينة تحيك في النفس وتؤثر في القلب نوعا من الظن، فالتعذيب في الغالب لا يصادف البرئ، وإن أمكن مصادفته فيغتفر كما اغتفر في تضمين الصناع، فإن قيل لا فائدة في الضرب وهو لو أقر لم يقبل إقراره في تلك الحال، فالجواب إن له فائدتين إحداهما: أن يعين المتاع فتشهد عليه البينة به وهي فائدة ظاهرة، والثانية: أن غيره قد يزدجر حتى لا يكثر الإقدام فتقل أنواع هذا الفساد. وقد عد له سحنون فائدة ثالثة، وهي الإقرار حالة التعذيب بأن يؤخذ عنده بما أقر في تلك الحال، قالوا: وهو ضعيف فقد قال الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٣) ولكن سحنون نزله على من أكره بطريق غير مشروع كما إذا أكره على طلاق زوجته، أما إذا أكره بطريق صحيح فإنه يؤخذ به كالكافر يسلم تحت ظلال السيوف فإنه مأخوذ به، وقد تتفق له بهذه الفائدة على مذهب غير سحنون إذا أقر حالة التعذيب ثم تمادى على الإقرار بعد أمنه فيؤخذ به. اهـ. والمقصود مما سبق إيراده أن الشريعة الإسلامية لم تتجه الاتجاه الذي اتجهه القانون العام واقتبست منه القوانين المختلفة حول النص على براءة المتهم حتى تثبت إدانته، ذلك أن الاتهام في حد ذاته أمر ينقدح في الذهن ويعطي أحد طرفي المتردد فيه رجحانا يجيز للفكر الصادق التهمة بمن وجه إليه الاتهام إما لما

стр. 3286

يصاحب الدعوى من الظروف والملابسات وشواهد الأحوال أو لما تتهيأ له النفس من قبول الدعوى به لإمكان حدوث الفعل موضوع الاتهام من المتهم بها إما للجهل بحاله أو لأن مثله جرى بالدعوى عليه به. وهذا يعني أن المتهم قد التصق به من مقومات الادعاء بموضوع الاتهام ما تستحيل معه براءته براءة مطلقة، وإذا لم تكن هذه المقومات كافية لإقرار موضوع التهمة وإثباتها فإن لوجودها دورا إيجابيا في تعيين طريق الإثبات ونوعه وجهته وتخفيف حجمه، وهذا يعني أن لمقومات اتجاه الاتهام حظها من الإثبات، وبالتالي فإن المتهم غير برئ لقيام مقومات الاتهام وإسنادها الادعاء به واعتبارها جزءا من الإثبات. وما دام المتهم قد علق به من مقومات الادعاء بموضوع الاتهام ما انتفت به براءته من الاتهام فإن القبض عليه والتحقيق معه واستعماله وسائل انتزاع الحقيقة منه بما لا يخرج عن أصل الكرامة الإنسانية سائغ ومتفق مع ابتغاء العدل وتحقيقه، ولا يعد ذلك عدوانا ولا ظلما، فقد «حبس ﷺ في تهمة وضرب في تهمة وأذن في القسامة لأولياء الدم أن يحلفوا القسامة ويستحقوا دم خصمهم أو دية مورثهم ولو لم يروا أو يشهدوا» وهدد علي بن أبي طالب ﵁ المرأة التي حملت خطاب حاطب بن أبي بلتعة بتجريدها واستباحته ذلك منها إن لم تبرز الخطاب، واعتبر ذلك كله عين الحق وعين العدل وعين النصف، مع أن الجريمة لم تثبت بوسائل الإثبات التقليدية الشهادة أو الإقرار، ولا شك أن ما اتجهت إليه القوانين الوضعية في تبرئة المتهم حتى تثبت إدانته كان له أثره الملموس في تفشي الجريمة وانتشارها واعتبار الإجرام حرفة ينخرط في سلكها كل من يستهين بالقيم والأخلاق مما كان له مردوده وخلفياته في اضطراب الأمن وتعدد الجرائم وضياع الكثير من حقوق في الأنفس والأعراض والأموال حيث إن الإنسان تحت سلطان هذه القوانين لا يأمن على حقوقه في الحياة مهما كان وأينما كان، فكم سمعنا من جرائم الفتك بالأنفس والاختطافات والسرقات، وقد كان لهذا أثره في الاضطرار إلى اتخاذ الاحتياطات الضخمة لتوفير الحماية لعلية القوم من ساسة ورجال أعمال وغيرهم في بيوتهم وسياراتهم ومراكز أعمالهم، ولنا في كل يوم جديد أكثر من شاهد على ما نقول، فكم من نفس قد انتهكت قيمتها، وكم من مال قد هتك حرزه، وكم من عرض قد استبيحت حرمته، وكم من مجتمع قد أفسدت مقومات

стр. 3287

اجتماعه، وهذا كله في ظل العدالة الديمقراطية والحضارة الإنسانية والحرية الفردية وتحت شعار: المتهم برئ حتى تثبت إدانته. تحت سلطان القوانين الوضعية يقبض على المتهم بالقتل أو السرقة أو انتهاك العرض أو قطع الطريق أو الإفساد في الأرض ويصاحب الاتهام ما يقوى به الادعاء وتأتي القاعدة القانونية: المتهم برئ حتى تثبت إدانته لتكون حجر عثرة في مسار القضاء نحو تحقيق العدل وإحقاق الحق. فلا يجوز تحت سلطان هذا المبدأ مسه بسوء لاستصحاب براءته الأصلية حتى توجد الأدلة التقليدية الكافية لإثبات جريمته وقد لا توجد، وإن كانت الأمارات والقرائن متوفرة في إسناد الاتهام وتقوية جانب الادعاء به. وبالتالي يتعين إطلاق سراحه لبقاء براءته وانتفاء إدانته حتى لو كانت شواهد الأحوال تصرخ بظلمه وعدوانه وإجرامه، ولو كان من أفجر عباد الله وأقربهم إلى الشر وأبعدهم عن الخير. وبهذا نستطيع القول إن الشريعة الإسلامية لا تسلم للقانون بصواب ما اتجه إليه في تبرئة المتهم حتى تثبت إدانته ما لم يكن الاتهام عاريا عما يسنده من قرائن وأمارات والمتهم معروفا بالبر والصلاح والاستقامة وسلامة الاتجاه، أما إذا كان الاتهام مصحوبا بما يقوى جانب الادعاء به وكان المتهم ممن لا يستبعد وقوعه فيما اتهم فهذا النوع من المتهمين غير بريء وحاله وما صاحب حاله من أمارات وقرائن تلزمه بجانب من إثبات الاتهام، وقد كان لهذا التجاه من الشريعة الإسلامية وهذا النظر في القضاء الإسلامي والسياسة الشرعية أثره في الحفاظ على الحقوق وبناء مجتمعات إسلامية تعيش في ظلال وارفة من الأمن والاستقرار والثقة بوازعي القرآن والسلطان في حماية الحقوق بمختلف أجناسها وأنواعها، كما أن لذلك أثره في محاربة الجريمة والتقليل منها ومن أصحابها، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. هذا ما تيسر لي إيراده، وأرجو أن أكون بما قدمته قد وضحت ما أراه وأعتقده في موضوع البحث والله المستعان. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا. القاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة وعضو هيئة كبار العلماء عبد الله بن سليمان بن منيع

стр. 3288

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) صدق الله العظيم الآية ٧٥ و ٧٦ سورة النحل

стр. 3289

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (١) (سورة المؤمنون - الآية ٥٢)

стр. 3290

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الفالح الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 3291

مجلة البحوث الإسلامية الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا العدد الثامن: ذو القعدة. ذو الحجة عام ١٤٠٣. محرم. صفر. عام ١٤٠٤ هـ أغسطس. سبتمبر. اكتوبر. نوفمبر عام ١٩٨٣ مـ

стр. 3292

المحتويات الافتتاحية الله خالق كل شيء وما سواه مخلوق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ المعاملات المصرفية إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٨ الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٤٩ بيان مذهب أهل السنة في الاستواء سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٦٩ القضاء في الإسلام وأثر تطبيق السعودية له بقلم الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع ١٧٣

стр. 3293

التمسك بالسنة وأثره في استقامة المسلم بقلم الشيخ صالح بن سعود العلي ١٨٣ هل توجد في القرآن كلمات معربة بقلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ٢٠٦ التغيير في حياة الأمم وعوامل الثبات والاهتزاز بقلم الدكتور أحمد محمد العسال ٢٢٣ ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر بقلم الشيخ الغزالي خليل عيد ٢٤٣ أسئلة وأجوبة عن الغزو الفكري مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز إعداد التحرير ٢٨٦

стр. 3294

صفحة فارغة

стр. 3295

الافتتاحية الله خالق كل شيء وما سواه مخلوق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أما بعد: فقد كتب إلي بعض الإخوان يذكر أنه ألقى عليه بعض زملائه شبهة قائلا: إنه يعترف أن الله سبحانه هو خالق السماوات والأرض والعرش والكرسي وكل شيء، ولكنه يسأل قائلا: الله ممن تكون؟ فأجابه بقوله له: كلامك الأول صحيح لا تعليق عليه، أما قولك الثاني وهو قولك: الله ممن تكون؟ فلا يقوله مسلم وينبغي أن يسعك ما وسع الصحابة ﵃ فإنهم لم يسألوا مثل هذا السؤال وهم الفطاحل في العلم، وقال له أيضا: إن الله سبحانه قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، إلى آخر ما ذكره وسألني الإجابة عن هذه الشبهة فأجبته عن ذلك بما نصه: اعلم وفقني الله وإياك وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه أن
следующие страницы →