مجلة البحوث الإسلامية
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
العدد الثامن: ذو القعدة. ذو الحجة عام ١٤٠٣. محرم. صفر. عام ١٤٠٤ هـ
أغسطس. سبتمبر. اكتوبر. نوفمبر عام ١٩٨٣ مـ
стр. 3292
المحتويات
الافتتاحية
الله خالق كل شيء وما سواه مخلوق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
المعاملات المصرفية إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٨
الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٤٩
بيان مذهب أهل السنة في الاستواء سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٦٩
القضاء في الإسلام وأثر تطبيق السعودية له بقلم الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع ١٧٣
стр. 3293
التمسك بالسنة وأثره في استقامة المسلم بقلم الشيخ صالح بن سعود العلي ١٨٣
هل توجد في القرآن كلمات معربة بقلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ٢٠٦
التغيير في حياة الأمم وعوامل الثبات والاهتزاز بقلم الدكتور أحمد محمد العسال ٢٢٣
ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر بقلم الشيخ الغزالي خليل عيد ٢٤٣
أسئلة وأجوبة عن الغزو الفكري مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز إعداد التحرير ٢٨٦
стр. 3294
صفحة فارغة
стр. 3295
الافتتاحية
الله خالق كل شيء وما سواه مخلوق
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أما بعد: فقد كتب إلي بعض الإخوان يذكر أنه ألقى عليه بعض زملائه شبهة قائلا: إنه يعترف أن الله سبحانه هو خالق السماوات والأرض والعرش والكرسي وكل شيء، ولكنه يسأل قائلا: الله ممن تكون؟ فأجابه بقوله له: كلامك الأول صحيح لا تعليق عليه، أما قولك الثاني وهو قولك: الله ممن تكون؟ فلا يقوله مسلم وينبغي أن يسعك ما وسع الصحابة ﵃ فإنهم لم يسألوا مثل هذا السؤال وهم الفطاحل في العلم، وقال له أيضا: إن الله سبحانه قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، إلى آخر ما ذكره وسألني الإجابة عن هذه الشبهة فأجبته عن ذلك بما نصه:
اعلم وفقني الله وإياك وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه أن
стр. 3296
شياطين الإنس والجن لم يزالوا ولن يزالوا يوردون الكثير من الشبه على أهل الإسلام وغيرهم للتشكيك في الحق وإخراج المسلم من النور إلى الظلمات وتثبيت الكافر على عقيدته الباطلة، وما ذاك إلا لما سبق في علم الله وقدره السابق من جعل هذه الدار دار ابتلاء وامتحان، وصراع بين الحق والباطل حتى يتبين طالب الهدى من غيره وحتى يتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق كما قال سبحانه: ﴿الم﴾ (١) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٦) ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (٧)، فأوضح سبحانه في الآيات: الأولى والثانية والثالثة أنه يبتلى مدعي الإيمان بشيء من الفتن ليتبين صدقه في إيمانه أو عدمه.
وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك بمن مضى ليعلم سبحانه الصادقين من الكاذبين وهذه الفتنة تشمل فتنة المال والفقر والمرض، والصحة والعدو وما يلقي الشياطين من الإنس والجن من أنواع الشبه وغير ذلك من أنواع الفتن، فيتبين بعد ذلك الصادق في إيمانه من الكاذب، ويعلم الله ذلك علما ظاهرا موجودا في الخارج بعد علمه السابق
стр. 3297
لأنه سبحانه قد سبق في علمه كل شيء كما قال : ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) وقال النبي ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء (٢)» خرجه مسلم في صحيحه، ولكنه لا يؤاخذ العباد بمقتضى علمه السابق وإنما يؤاخذهم ويثيبهم على ما يعلمه منهم بعد علمهم إياه ووجوده منهم في الخارج، وذكر في الآيات الرابعة والخامسة والسادسة أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم من أنواع الشبه وزخرف القول ما يغرونهم به؛ ليجادلوا به أهل الحق ويشبهوا به على أهل الإيمان ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليرضوا به؛ فيصولوا ويجولوا ويلبسوا الحق بالباطل ليشككوا الناس في الحق ويصدوهم عن الهدى وما الله بغافل عما يعملون، لكن من رحمته أن قيض لهؤلاء الشياطين وأوليائهم من يكشف باطلهم ويزيح شبهتهم بالحجج الدامغة والبراهين القاطعة فيقيموا بذلك الحجة ويقطعوا المعذرة، وأنزل كتابه سبحانه تبيانا لكل شيء كما قال : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٤) قال بعض السلف: هذه الآية عامة لكل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن بعض الصحابة ﵃ قالوا للنبي ﷺ : «يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان (٥)»، قال بعض أهل العلم في تفسير ذلك: إن الإنسان قد يوقع الشيطان في نفسه من الشكوك والوساوس ما يصعب عليه أن ينطق به لعظم بشاعته ونكارته حتى إن خروره من السماء أهون عليه من أن ينطق به، فاستنكار العبد لهذه الوساوس واستعظامه إياها ومحاربته لها، هو صريح الإيمان؛ لأن إيمانه الصادق بالله وبكمال أسمائه وصفاته وأنه لا شبيه له، ولا ند له وأنه الخلاق العليم الحكيم الخبير
стр. 3298
يقتضي منه إنكار هذه الشكوك والوساوس ومحاربتها واعتقاد بطلانها ولا شك أن ما ذكره لك هذا الزميل من جملة الوساوس وقد أحسنت في جوابه ووفقت للصواب فيما رددت به عليه زادك الله علما وتوفيقا.
وأنا أذكر لك - إن شاء الله - في هذا الجواب بعض ما ورد في هذه المسألة من الأحاديث وبعض كلام أهل العلم عليها لعله يتضح لك من ذلك الزميل المبتلى بالشبهة التي ذكرت ما يكشف الشبهة ويبطلها، ويوضح الحق، ويبين ما يجب على المؤمن أن يقوله ويعتمده عند ورود مثل هذه الشبهة ثم أختم ذلك بما فتح الله علي في هذا المقام العظيم وهو سبحانه ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل.
قال الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح ص ٣٣٦ من المجلد السادس من فتح الباري طبعة المطبعة السلفية، في باب صفة إبليس وجنوده: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، قال: أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته (١)»، ثم رواه في كتاب الاعتصام ص ٢٦٤ من المجلد الثالث عشر من فتح الباري، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله (٢)» انتهى.
وأخرج مسلم في صحيحه اللفظ الأول من حديث أبي هريرة ص ١٥٤، من الجزء الثاني من المجلد الأول من شرح مسلم للنووي ﵀ وأخرج مسلم أيضا بلفظ آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله ورسله (٣)»، ثم ساقه بألفاظ أخرى ثم رواه أنس ﵁ «عن رسول الله ﷺ قال: قال الله : إن أمتك لا يزالون يقولون ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله (٤)».
وخرج مسلم أيضا ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال «جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم
стр. 3299
أحدنا أن يتكلم به قال: وقد وجدتموه، قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان (١)»، ثم رواه من حديث ابن مسعود ﵁، قال: سئل النووي ﵀ في شرح مسلم لما ذكر هذه الأحاديث ما نصه.
أما معاني الأحاديث وفقهها فقوله ﷺ : «ذاك صريح الإيمان ومحض الإيمان (٢)»، معناه: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا وانتفت عنه الريبة والشكوك، واعلم أن الرواية الثانية وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام فهو مراد وهي مختصرة من الرواية الأولى؛ ولهذا قدم مسلم ﵀ الرواية الأولى وقيل معناه: إن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه.
وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان، وهذا القول اختيار القاضي عياض.
وأما قوله ﷺ : «فمن وجد ذلك فليقل آمنت بالله (٣)» وفي الرواية الأخرى: «فليستعذ بالله ولينته (٤)»، فمعناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه، قال الإمام المازري ﵀: ظاهر الحديث أنه ﷺ أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها، قال: والذي يقال في هذا المعنى: أن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها وعلى هذا يحمل الحديث، وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرا طارئا بغير أصل دفع بغير نظر في دليل؛ إذ لا أصل له ينظر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها والله أعلم.
وأما قوله ﷺ : «فليستعذ بالله ولينته (٥)»، فمعناه إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره عنه، وليعرض عن الفكر في ذلك وليعلم أن هذا الخاطر من
стр. 3300
وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها، والله أعلم.
وقال الحافظ في الفتح في الكلام على حديث أبي هريرة المذكور في أول هذا الجواب ما نصه: قوله: «من خلق ربك، فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته (١)»، أي: عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، ويعلم أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها، قال الخطابي: وجه هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص بالله منه وكف عن مطاولته في ذلك اندفع، قال: وهذا بخلاف ما لو تعرض أحد من البشر بذلك فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال: والفرق بينهما أن الآدمي يقع منه كلام بالسؤال والجواب والحال معه محصور، فإذا راعى الطريقة وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلما ألزم حجة زاغ إلى غيرها إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك.
قال الخطابي: على أن قوله: من خلق ربك؟ كلام متهافت ينقض آخره أوله؛ ولأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقا ثم لو كان السؤال متجها لاستلزم التسلسل وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث، فلو كان هو مفتقرا إلى محدث لكان من المحدثات، انتهى.
والذي نحا إليه من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر فيه نظر؛ لأنه ثبت في مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه في هذا الحديث: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله (٢)»، فسوى في الكف عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك من بشر وغيره.
وفي رواية مسلم عن أبي هريرة قال: سألني عنها اثنان، وكان السؤال عن ذلك لما كان واهيا لم يستحق جوابا؛ أو الكف عن ذلك نظير الأمر بالكف عن الخوض في الصفات والذات.
قال المازري: الخواطر على قسمين: فالتي لا تستقر ولا يجلبها شبهة هي التي تندفع بالإعراض عنها، وعلى هذا ينزل الحديث، وعلى مثلها
стр. 3301
يطلق اسم وسوسة، وأما الخواطر المستقرة الناشئة عن الشبهة فهي التي لا تندفع إلا بالنظر والاستدلال.
قال الطيبي: إنما أمره بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج؛ لأن العلم باستغناء الله - جل وعلا - عن الموجود أمر ضروري لا يقبل المناظرة، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به. وفي الحديث إشارة إلى ذم كثرة السؤال عما لا يعني المرء وعما هو مستغن عنه، وفيه علم من أعلام النبوة لإخباره بوقوع ما سيقع فوقع.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: ولفظ التسلسل يراد به التسلسل في المؤثرات - وهو أن يكون للحادث فاعل وللفاعل فاعل- وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء، وهذا هو التسلسل الذي أمر النبي ﷺ بأن يستعاذ بالله منه، وأمر بالانتهاء عنه، وأن يقول القائل آمنت بالله ورسله، كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته (١)»، وفي رواية: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال فبينما أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب، فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم به، ثم قال: قوموا قوموا، صدق خليلي (٢)».
وفي الصحيح أيضا عن أنس بن مالك «عن رسول الله ﷺ قال: قال الله: إن أمتك لا يزالون يسألون: ما كذا؟ ما كذا حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ (٣)» انتهى المقصود من كلام الشيخ ﵀.
ولعله يتضح لك أيها السائل ولزميلك الذي أورد عليك الشبهة مما ذكرنا من الآيات والأحاديث، وكلام أهل العلم ما يزيل الشبهة ويقضي عليها من أساسها، ويبين بطلانها؛ لأن الله سبحانه لا شبيه له ولا كفو له ولا ند له، وهو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو الخالق لكل شيء وما سواه مخلوق، وقد أخبرنا في كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم بما يجب اعتقاده في حقه سبحانه، وبما يعرفنا به ويدلنا عليه من
стр. 3302
أسمائه وصفاته وآياته المشاهدة من سماء وأرض وجبال وبحار وأنهار وغير ذلك، من مخلوقاته . ومن جملة ذلك نفس الإنسان فإنها من آيات الله الدالة على قدرته وعظمته وكمال علمه وحكمته.
كما قال : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (٢) ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٣) أما كنه ذاته وكيفيتها وكيفية صفاته فذلك من علم الغيب الذي لم يطلعنا عليه فالواجب علينا فيه الإيمان والتسليم وعدم الخوض في ذلك ما وسع ذلك سلفنا الصالح من الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان، فإنهم لم يخوضوا في ذلك ولم يسألوا عنه بل آمنوا بالله سبحانه وبما أخبر به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ ولم يزيدوا على ذلك مع إيمانهم بأنه سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وعلى كل من وجد شيئا من هذه الوساوس، أو ألقي إليه شيء منها أن يستعظمها وينكرها من أعماق قلبه إنكارا شديدا، وأن يقول: آمنت بالله ورسله، وأن يستعيذ بالله من نزغات الشيطان وأن ينتهي عنها ويطرحها كما أمر الرسول ﷺ بذلك في الأحاديث السابقة، وأخبر أن استعظامها وإنكارها هو صريح الإيمان وعليه أن لا يتمادى مع السائلين في هذا الباب؛ لأن ذلك قد يفضي إلى شر كثير وإلى شكوك لا تنتهي، فأحسن علاج للقضاء على ذلك والسلامة منه هو امتثال ما أمر به النبي ﷺ والتمسك به والتعويل عليه وعدم الخوض في ذلك وهذا هو الموافق لقوله الله : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤).
فالاستعاذة بالله سبحانه واللجوء إليه وعدم الخوض فيما أحدثه الموسوسون وأرباب الكلام الباطل من الفلاسفة ومن سلك سبيلهم في الخوض في باب أسماء الله وصفاته وما استأثر الله بعلمه من غير حجة ولا برهان هو سبيل أهل
стр. 3303
الحق والإيمان، وهو طريق السلامة والنجاة والعافية من مكايد شياطين الإنس والجن وفقني الله وإياك وسائر المسلمين للسلامة من مكائدهم.
ولهذا لما سأل بعض الناس أبا هريرة ﵁ عن هذه الوسوسة حصبهم بالحصاء، ولم يجبهم على سؤالهم وقال: صدق خليلي.
ومن أهم ما ينبغي للمؤمن في هذا الباب أن يكثر من تلاوة القرآن الكريم وتدبره؛ لأن فيه من بيان صفات الله وعظمته وأدلة وجوده وكماله ما يملأ القلوب إيمانا ومحبة وتعظيما واعتقادا جازما، بأنه سبحانه هو رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق لكل شيء والعالم بكل شيء والقادر على كل شيء لا إله غيره ولا رب سواه، كما ينبغي للمؤمن أن يكثر من سؤال الله المزيد من العلم النافع والبصر النافذ والثبات على الحق والعافية من الزيغ بعد الهدى فإنه سبحانه قد وجه عباده إلى سؤاله ورغبهم في ذلك ووعدهم الإجابة كما قال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياك وزميلك وسائر المسلمين للفقه في الدين والثبات عليه، وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن ومن مكائد شياطين الإنس والجن ووساوسهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3304
صفحة فارغة
стр. 3305
موضوع العدد
بحث في المعاملات المصرفية
إعداد
هيئة كبار العلماء
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
стр. 3306
المعاملات المصرفية
إعداد / اللجنة الدائمة للبحوث العلمية الإفتاء
الحمد لله وحده، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه، وبعد: - فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في دورته المنعقدة في النصف الأول من شهر صفر لعام ١٣٩٥هـ، من بحث المعاملات المصرفية في الدورة القادمة للمجلس في شهر شعبان أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك، ونظرا إلى أن مواضيع المعاملات المصرفية كثيرة ومتشعبة، رأت اللجنة الاكتفاء ببحث المواضيع الآتية وإرجاء الباقي إلى دورة أخرى:
[١]- عمليات الإيداع وتشمل ما يلي: - (أ) الودائع النقدية.
(ب) ودائع الوثائق والمستندات.
(ج) استئجار الخزائن الحديدية للإيداع فيها.
стр. 3307
[٢]- عمليات الائتمان وبحث منها ما يلي: (أ) الإقراض.
(ب) الاعتماد البسيط.
(ج) الضمان ويشمل خطابات الضمان، الكفالة، الاعتماد بالقبول.
(د) الاعتماد المستندي.
وقد ختمت اللجنة كلا من الإيداع وعمليات الائتمان بخلاصة للإعداد في ذلك وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[١] عمليات الإيداع:
الإيداع:
تعريفه، الغرض منه، أهم أنواعه.
يقصد بالإيداع: إيداع المرء غيره ما يود حفظه من نقد أو عين أو وثائق.
وإذا كان المودع في الغالب يقصد من الإيداع حفظ ما يودعه فقد يكون له أهداف أخرى للإيداع غير الحفظ، كإيداعه البنك نقوده أو بعضها للاستثمار، أو وثائقه لإدارتها وتحصيل أرباحها، وقد يكون لديه من التكتم والحفاظ على سرية أعماله التجارية أو المدنية ما يدعوه إلى استئجار خزائن حديدية في البنك تكون تحت تصرفه وحده، ويودع فيها وثائقه ومستنداته، ومجوهراته، ونحو ذلك مما يود حفظه والتكتم على سرية تملكه.
стр. 3308
وعمليات الإيداع لا تنحصر في عمليات محدودة إلا أن أهمها إيداع النقود وإيداع الوثائق، والمستندات، واستئجار الخزائن الحديدية للإيداع فيها، وفيما يلي بحوث في عمليات الإيداع الثلاثة.
أولا: الودائع النقدية:
لا شك أن النقود هي أهم الودائع التي تتلقاها البنوك؛ إذ هي القوة التي يستطيع بها البنك أن يقوم بجميع عملياته المصرفية كما أنها الوسيلة الطبيعية لائتمان التاجر البنك حينما يأتمنه في إيداع نقوده لديه لأجل قصير أو تحت الطلب ريثما يجد الفرصة سانحة لعقد صفقة تجارية ما، لما في ذلك من سهولة استعماله لهذه النقود المودعة في البنك دون الاضطرار إلى حملها أو عدها أو التأمين عليها، وقد يقصد المودع في البنك تخصيص وديعته النقدية لعملية تجارية يرى أن البنك خير وسيلة لإتمامها.
стр. 3309
تعريف الوديعة النقدية:
يذهب الأستاذ أدوار عيد في تعريفه الوديعة النقدية إلى القول بأن الوديعة النقدية: عقد بمقتضاه يسلم شخص مبلغا من النقود إلى المصرف الذي يتعهد بأن يرد إليه قيمة مماثلة دفعة واحدة أو عدة دفعات لدى أول طلب منه أو ضمن المهل والشروط المتفق عليه في العقد (م ٣٠٧ فقرة تجارة).
وما دامت الوديعة تتناول مبلغا من النقود فيلتقي الوديع أي المصرف حق استعمال هذه النقود ويصبح مالكا لها على أن يلتزم برد مبلغ مماثل إلى المودع (١).
стр. 3310
مزايا الإيداع النقدي: يذكر الأستاذ الدكتور أدوار عيد: أن لعملية إيداع النقود مزايا عديدة تجاه الطرفين سيما إذا اقترنت بأجل ما، فإنها بالنسبة للمودع تشكل نوعا من الادخار، وتدر عليه في ذات الوقت فائدة يختلف معدلها باختلاف المدة التي تبقى فيها الأموال بيد المصرف.
وبالنسبة للمصرف فإنها تؤمن من المبالغ اللازمة للقيام بعمليات الخصم والائتمان التي تضمن له عائدات هامة من فوائد أو عمولات (١)، وفضلا عما ذكره الدكتور أدوار فإن الودائع النقدية تعتبر للبنك مصدر ثقة في نفوس المودعين تعطيهم الاطمئنان على سلامة ودائعهم وقدرتهم على سحبها أو سحب ما يريدون منها متى شاءوا، كما أنها القوة التي يستطيع بها البنك ممارسة نشاطه المصرفي.
стр. 3311
الودائع لدى الاطلاع أو لدى الطلب أنواع الودائع النقدية:
تتخذ الودائع النقدية عدة أشكال تبعا لطبيعة إيداعها، ويذكر الأستاذ أدوار عيد: أن أهم الودائع النقدية ما يلي:
(١) الودائع لدى الاطلاع أو لدى الطلب، وهي تشكل أهم صورة الودائع النقدية، ويكون لمودعها حق استردادها أو جزء منها متى شاء مباشرة أو بطريق إصدار شيكات أو التحويل، ونظرا لما يقتضيه هذا النوع من الودائع من ضرورة احتفاظ المصرف في خزائنه بأموال كافية لدفع قيمتها فإن المصرف لا يدفع عنها سوى فائدة قليلة جدا، وقد يدفع عنها شيئا.
стр. 3312
(٢) الودائع لأجل ولاستحقاق معين، وهذا النوع من الودائع لا يسترد قبل أجل معين يجري الاتفاق على تحديده، وهو أقل شيوعا من الودائع تحت الطلب، ولكنه أكثر فائدة للمصارف؛ لأنها تستطيع استعمال هذه المبالغ المؤجل دفعها طيلة مدة التأجيل، وتكون الفائدة عليه مرتفعة نسبيا تبعا للمدة التي يتفق على بقائها لدى المصرف.
стр. 3313
(٣) الودائع بشرط الإخطار: وهي ودائع يكون لأصحابها حق استردادها دون انتظار أجل معين، لكن بشرط إشعار المصرف بذلك قبل استردادها بمدة ما، ويعطى هذا النوع من الفوائد مثلما تعطى الودائع تحت الطلب؛ لأن البنوك لا تستطيع الاعتماد عليها في تمويل نشاطها المصرفي.
стр. 3314
(٤) الودائع المخصصة لغرض معين لمصلحة المودع كالمبالغ المودعة لدى المصرف، لشراء أسهم أو للاكتتاب بأسهم في شركة تحت التأسيس أو لدفع ديون معينة وقد يكون الإيداع لمصلحة المصرف، كأن تكون الوديعة ضمانا لمصلحة حساب آخر أو لمصلحة شخص ثالث كما هو الحال في تجميد مئونة شيك مؤشر عليه لمصلحة الحامل بصورة مؤقتة، وهاتان الحالتان لا يجوز فيهما للمودع استرداد وديعته حتى انقضاء المودع لأجلها. اهـ، باختصار (١).
وقد اختلف علماء الاقتصاد في التكييف القانوني للوديعة النقدية، فذهب بعضهم إلى أنها وديعة بالمعنى الحقيقي للوديعة بالمقاصة بها كما يبرأ البنك منها لو هلكت بقوة قاهرة، ويتعين عليه أن يرد المبلغ المودع بذاته ويقوم بحفظه حتى طلبه.
وينتقد الأستاذ الدكتور محمد عوض هذا الرأي فيقول: ولكن هذه المبادئ الخاصة بعقد الوديعة لا تنطبق على الوديعة المصرفية؛ لأنه فيما عدا الحالة الاستثنائية لإيداع نقود بذاتها فإن البنك لا يقصد أبدا المحافظة على النقود التي تلقاها بذاتها بل
стр. 3315
يقصد استخدامها على أن يرد مثلها، كما أن القضاء يجيز له أن يرد طلب الاسترداد بالمقاصة بمسئوليته عن رد الوديعة ولو هلكت بقوة قاهرة فيلزمه أن يرد مثلها.
هذه الأحكام تباعد بين الوديعة العادية والوديعة المصرفية، ففي كلتيهما يلتزم الوديع بالرد لكن هناك في الأولى التزام بالحفظ، بينما في الثانية لا يلتزم البنك بالمحافظة على ذات الوديعة، وكل ما هناك أنه يحفظ للمودع حقه في استرداد مثل ما أودعه.
وذهب آخرون: إلى أنها شاذة أو ناقصة، ويذكر الأستاذ محمد عوض: أن الوديعة الناقصة أو الشاذة، وديعة تملكها المودع، ويلتزم برد مثلها بخلاف الوديعة الكاملة التي لا يجوز للوديع أن يتملكها مطلقا، ويناقش هذا الرأي بقوله: والواقع أن طبيعة الوديعة الشاذة محل خلاف في فرنسا حتى لقد أنكر البعض تسميتها بالوديعة على أساس أنه مادام الوديع مأذونا في استعمال الوديعة فقد سقط التزام الحفظ لأن الوديعة تهلك بالاستعمال؛ ولذلك وجب حتما استبعاد فكرة الوديعة والقول بفكرة القرض، ولم يدع القانون المصري مجالا لفكرة الوديعة الشاذة بل قضى في المادة (٧٢٦) منه أنه: إذا كانت الوديعة مبلغا من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان المودع عنده مأذونا له في استعماله اعتبر العقد قرضا. اهـ (١).
وذهب فريق ثالث: إلى أن الوديعة النقدية تعتبر قرضا يلتزم المقترض برد شيء مماثل للوديعة عند الطلب، فيجوز له دفع طلب استردادها بالمقاصة ولا يتعين عليه حفظها بل يعتبر مالكا لها ضامنا لهلاكها، ملزما برد مثلها عند طلبها، ويذكر الدكتور محمد عوض أنه مراعاة للوضع الغالب في العمل، فإن مجموعة الشراح وعلماء الاقتصاد يميلون إلى هذا الرأي فالوديع، وهو البنك مثلا يعتبر تاجرا يعطي ائتمانا للغير وهو بذلك يضطر للحصول على ما يقرضه للغير من طريق الاقتراض، والاستيداع، وليس من طريق الاستعانة برأس ماله، وكذلك المودع فإن له مصلحة في
стр. 3316
الإيداع تتجسم في الفائدة التي يستحصلها من البنك، فإذا لم تقرر له فائدة فحسبه حفظ ماله (١).
ويرى الدكتور محمد عوض: أن تكييف عقد الوديعة النقدية من الناحية القانونية يكمن في إرادة الطرفين، ويستقل بالكشف عنها قاضي الاختصاص، فإذا كان البنك مأذونا له في استعمال المال المودع، كانت الوديعة النقدية قرضا تسري عليها أحكام القرض، وهذا هو الغالب على معظم الودائع النقدية المصرفية.
أما إذا كان البنك غير مأذون له في الاستعمال، فإن المال المودع يعتبر وديعة بما تعنيه الوديعة من معنى، وتسري عليه أحكام الوديعة، ويمثل لذلك بالوديعة المصرفية المصحوبة بتخصيصها لغرض معين أو لمجرد حفظها بذاتها لدى البنك (٢).
والغالب على عمليات الإيداع النقدي أن تكون الوديعة تحت الطلب بحيث يسهل على المودع سحبها متى شاء أو تجزئة السحب منها، ومن هنا ترتبط فكرة الإيداع بفكرة فتح الحساب، وفي فتح الحساب وفي هذا يقول الأستاذ علي البارودي: - ويكون العقد الذي يتم بين البنك والعميل، ليس مجرد عقد وديعة نقود، وإنما عقد فتح حساب ودائع يلقي فيها العميل بالمبلغ الأول الذي يحتمل الزيادة بواسطة العمليات التي قد يكلف البنك بها وتؤدي إلى دخل نقدي للعميل، ويحتمل النقصان بعمليات السحب أو غيرها من العمليات التي تقتضي الإنفاق من النقود المودعة على ألا تتجاوز هذه العمليات قيمة النقود المودعة فعلا. اهـ (٣).
ونظرا إلى أن الغالب على عمليات الإيداع النقدي أن تكون الوديعة تحت الطلب بمعنى أن يدخل العميل مع البنك في فتح حساب ودائع فمن المتعين أن يتناول مبحث الودائع النقدية أنواع الحسابات المصرفية والتفرقة بينها ومعرفة طبيعة كل نوع من هذه الحسابات.
стр. 3317
لا شك أن لدى المصارف أنواعا من الحسابات منها أصوله وقواعده، هذه الحسابات يختلف بعضها عن بعض تبعا لاختلاف الأغراض التي فتحت لأجلها، فإن كان الغرض من فتح الحساب مجرد إثبات عمليات الأخذ والعطاء مع احتفاظ كل عملية بذاتها وطابعها، فهذا ما يسمى بالحساب البسيط أو العادي أو حساب الودائع.
أما إن كان القصد من فتحه أن تفقد عمليات التبادل ذاتيتها وتتحول إلى مفردات حسابية لا تسوى إلا عند قفل الحساب، فهذا ما يسمى بالحساب الجاري ويتضح نوع الحساب المفتوح بمعرفة مقصد أطرافه، وفي ذلك يقول الدكتور محمد عوض: إن فيصل التفرقة بين الحساب العادي والحساب الجاري هو قصد الطرفين، وهدفهما من قيد حاصل العملية في حساب، فإن قصدا تسويتها فورا واتخذا الحساب كمجرد إثبات لهذه التسوية أو لإثبات وقوع العملية فهو حساب عادي، أما إذا كان القصد هو تحويل العملية إلى مفرد في الحساب، وإرجاء تسوية هذا المفرد إلى وقت نهاية الحساب فهو حساب جار. اهـ (١).
...
стр. 3318
الحساب العادي أو البسيط أو حساب الودائع:
عقد فتح الحساب:
الواقع أنه لا توجد هناك نصوص خاصة تحكم عقود فتح الحسابات، وإنما يرجع في إبرامها إلى القواعد العامة، وما كان جرى عليه العمل وتعارفه الناس، وما تمليه إرادة الطرفين؛ ولذلك فإن عقد فتح الحساب بين العميل والبنك يتم على وضع خاضع للاعتبارات السابقة.
ونظرا إلى أن العقد يعني إيجاد نوع من المعاملة المتبادلة بين البنك، وعميله فإن البنك لا يدخل مع عميله في مثل هذه المعاملة حتى يطمئن إلى عميله بما يجريه نحوه
стр. 3319
من التحريات عن شخصه، ومدى أهليته لتلك العلاقة سواء كان شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا، ذلك لأن الإيداع يتبعه حق السحب إما مباشرة أو عن طريق إصدار شيكات أو سندات تجارية فلا بد من توفر الأهلية الموجبة لصحة تلك التصرفات من ذلك العميل.
وقد يكتفي البنك من تحرياته في الأحوال العادية بما يقدمه العميل من بطاقة شخصية أو أي ورقة رسمية تثبت هويته، وبما يقدمه من نماذج لتواقيعه لتجرى مقابلتها على تواقيع سحبه.
وقد يتفق اثنان فأكثر على فتح حساب واحد على وجه التضامن، فيسمى بالحساب المشترك، ويكون لكل منهم حق إيداع مبلغ ما كما يكون له حق السحب. وأكثر ما يكون بين الشركاء والأخوة والأزواج، وبعض البلاد تشترط لفتح الحساب المشترك واستمراره كون الشركاء على قيد الحياة، فإذا توفي أحدهما أوقف الحساب خشية تلاعب بقية الشركاء بحقوق ورثة شريكهم المتوفى.
والغالب على الإيداع المفتوح به حساب أن تكون الوديعة فيه تحت الطلب فإذا كانت الوديعة تحت الطلب فقد جرى بعض البنوك على عدم إعطاء فوائد على بقائها عندها؛ لأن البنك يفترض من العميل طلبها أو السحب عليها أو على بعضها فلا يعتمد عليها في تمويل عملياته المصرفية، وبالتالي فهو لا يستفيد من بقائها لديه إلا أن تجارب البنوك لعمليات الإيداع تحت الطلب قد أعطتهم نتائج تقضي بأن نسبة كبيرة من الودائع تحت الطلب تبقى في البنك دون طلبها مما ييسر لهم أمر الانتفاع بهذه النسبة المتجمدة لديهم.
ولهذا عمدت بعض البنوك إلى إعطاء فوائد قليلة على الودائع تحت الطلب، أما إن كانت الودائع لأجل معين فإن البنك يعطي عميله فائدة على بقائها عنده يتم الاتفاق بينهما على تحديد مقدارها ووقت سريانها وإضافتها لأصل الوديعة ليكون لها حقها في الفائدة.
وإذا تم فتح الحساب بين طرفيه تخللته عمليات مختلفة بين أخذ وعطاء سواء كان ذلك مباشرة أو نقلا مصرفيا أو مبالغ يقبضها البنك لحساب عميله كقيمة إسناد أو تحصيل شيكات أو عائدات أسهم مالية يفوض العميل البنك في
стр. 3320
استحصالها، وهذه العمليات المختلفة والمتبادلة بين طرفي الحساب تسمى في اصطلاح المصارف: بتشغيل الحساب.
وفي ذلك يقول الدكتور علي البارودي: تتخلل عمليات الحساب منذ فتحه إلى قفله عمليات مختلفة بين العميل والبنك، تحتفظ كل عملية منها باستقلالها ولا يطرأ عليها أي تحول (على خلاف ما سنرى فيما يتعلق بالعمليات التي تدخل الحساب الجاري) كل ما هنالك أنها تترجم في حساب الودائع إلى قيود تذكر في الجانب الدائن للعميل أو في الجانب المدين حتى يأتي اليوم الذي يصفى فيه الحساب فيظهر الرصيد النهائي. اهـ (١).
ويعتبر النقل أو التحويل المصرفي رافدا من روافد الإيداع وله قواعد وأصول سارت البنوك في معاملاتها على رعايتها والتقيد بمقتضاها، وعليه فإن من إيفاء البحث حقه التعرض له بذكر بعض مما أورده بعضهم بخصوصه.
يقول الدكتور علي البارودي: عملية التحويل المصرفي تتم بواسطة قيود يجريها البنك، مضمونها أنه يجعل حساب عميل معين مدينا بمبلغ معين لكي يجعل حساب عميل آخر دائنا بذات المبلغ، أو هي نقل مبلغ من حساب لحساب آخر بمجرد قيود في الحسابين، وتبدأ هذه العملية عندما تنشأ علاقة مديونية بين شخصين لكل منهما حساب في البنك فبدلا من أن يقوم المدين منهما بسحب مبلغ من حسابه فيوفي به للآخر الذي يلجأ إلى البنك مرة أخرى ليودعه، يصدر العميل المدين أمرا إلى البنك بأن ينقل من حسابه إلى حساب دائنه مبلغا يعادل قيمة الدين فيجري البنك القيود اللازمة، ثم يخطر العميل الدائن بأنه أضاف إلى حسابه هذا المبلغ نقلا عن حساب مدينه، فيوافق الدائن أو على الأقل لا يعترض، وتمام العملية على هذا الوجه يغني عن استعمال النقود لذلك سميت بأنها نقود قيدية.
اهـ -ويقول- والغالب أن يتم النقل أو التحويل المصرفي من حساب عميل معين إلى حساب عميل آخر، ولكن لا يوجد ما يمنع من أن يصدر العميل إلى البنك أمرا بإجراء عملية التحويل المصرفي بين حسابين له في ذات البنك إذا كان يخصص
стр. 3321
كلا منهما لغرض معين كما إذا كان له حساب لعملياته الشخصية وحساب آخر للعمليات التي يقوم بها في ممارسة حرفة معينة، وكما إذا كان شخصا معنويا - شركة أو جمعية مثلا - وله حساب خاص لكل فرع من فروعه المختلفة تسهيلا لعمليات السحب والإيداع.
وقد يتم التحويل المصرفي بين عميلين لكل منهما حساب في ذات البنك، ولكنه قد يتم أيضا بين عميلين في بنكين مختلفين فيصدر الأمر من العميل المدين إلى البنك الذي يتعامل معه بأن يضع تحت تصرف بنك العميل الدائن مبلغا يقيده هذا البنك الأخير في حساب العميل الدائن، فكأن البنك الثاني يتولى عن البنك الأول القيام بعملية النقل بين العميلين دون استعمال النقود، ولا يقتضي الأمر عادة أن يعطي البنك الأول إلى البنك الثاني مبلغ ما قيده البنك الثاني لحساب عميله الثاني الدائن؛ إذ إنه غالبا ما يكون بين البنكين حسابات متصلة تتم تصفيتها عن طريق المقاصة. اهـ (١).
ويشترط لصحة النقل المصرفي: أن يكون الأمر بالنقل مؤخرا ليكون ذلك مانعا العميل الآمر من الرجوع عن أمره بالتحويل المصرفي، وليعطي تاريخ الأمر العلم بوقته في حال إفلاس أحد الطرفين البنك أو العميل ليجري ترتيب المجريات القضائية على حكم التصرف في ذلك التاريخ.
ويذهب الدكتور علي البارودي إلى القول بأن النقل أو التحويل المصرفي عملية مجردة تشبه عملية تسليم النقود، وفي هذا يقول: والنقل أو التحويل المصرفي عملية مجردة فهو أشبه بعملية تسليم النقود ماديا من العميل الآمر إلى دائنه العميل المستفيد، عن طريق مناولة يدوية من جانب البنك المتوسط، وعلى ذلك فإن حق المستفيد في مواجهة البنك بعد القيد بات مستقلا تماما عن العلاقة بين البنك وبين العميل الآمر (٢).
ويقول في موضع آخر في معرض الحديث عن التكييف القانوني للنقل المصرفي ما نصه: لذلك اتجه أغلب الفقه والقضاء إلى تكييف النقل المصرفي بأنه عملية مادية شكلية تساوي في نظر القانون عملية تسليم مادية من النقود، بل لقد أطلقوا عليها - والتعبير موفق إلى أبعد حد -
стр. 3322
أنها نقود قيدية، فالعميل المستفيد قد تسلم نقودا بالفعل من العميل الآمر وكل ما هناك أن طريقة التسليم طريقة مصرفية حديثة (١).
هذا العقد يثبت عادة بتسليم المدخر دفتر التوفير الموقع عليه بإمضائين من إمضاءات البنك المعتمدة، والمقيد به المبلغ الذي فتح بمقتضاه حساب التوفير، وتنظم البنوك عادة بنود هذا العقد على النحو الذي يضمن جدية العقد من ناحية وتشجيع المدخرين من ناحية أخرى؛ فعقد حساب التوفير له طابع شخصي بحت والدفتر اسمي غير قابل للتحويل ولا للتداول ولا يمكن لغير صاحب الدفتر أو ورثته أو وكلائه - متى أثبتوا صفتهم - السحب من المبالغ المودعة.
وبديهي أنه لا يجوز السحب عن طريق إصدار الشيكات. وفيما يتعلق بالمبالغ المودعة في حساب التوفير يضع البنك عادة حدا أدنى للمبلغ الذي يجوز فتح حساب التوفير بمقتضاه (٥ جنيهات مثلا) ويضع كذلك حدا أقصى (٥٠٠٠ جنيه) كما أنه يضع حدا أدنى للمبالغ التي تودع أو تسحب بعد ذلك من الدفتر - مبلغ جنيه واحد - كذلك يضع البنك حدا أدنى للمبلغ الذي يمكن أن يرتب فوائد لصالح المدخر (١٠ جنيه) بحيث إذا نقص المبلغ المودع في الدفتر عنه فإنه لا تحسب له فوائد أصلا، وبديهي أن هذه الحدود الدنيا الضئيلة تمثل أقل ما يمكن أن يتطلبه البنك لجدية العقد أما الحد الأقصى فالغرض منه استبعاد كبار المودعين الذين يريدون الاستفادة من فوائد حساب التوفير مع الاحتفاظ بودائعهم الكبيرة تحت الطلب. اهـ (٢)
стр. 3323
قفل الحساب:
قفل الحساب يعني إيقاف عمليات تبادل المدفوعات وتصفيتها وإخراج
стр. 3324
الرصيد النهائي لها دينا محررا واجب الأداء، والغالب أن يكون ذلك في صالح العميل ولقفل الحساب أسباب وآثار:
أسباب قفل الحساب [أ]- أسباب قفل الحساب:
لقفل الحساب أسباب كثيرة أهمها أن يكون بين البنك وعميله اتفاق على فتحه لمدة معينة أو أن فتحه كان لعملية مصرفية معينة، فبمجرد انقضاء المدة أو الانتهاء من العملية المصرفية يصبح الحساب مقفولا ما لم يحددا اتفاقا على تمديد فتحه، أما إذا لم يكن هناك اتفاق على تحديد مدة فتحه فيقفل الحساب بناء على طلب أحد طرفيه في وقت لاحق، ويقول الأستاذ الدكتور علي البارودي بأن للحساب طابعا شخصيا لذلك يجب قفله إذا طرأ على أهلية أحد الطرفين طارئ، كما إذا توفي العميل أو حجر عليه أو أفلس أو إذا كان العميل شخصا معنويا فانقضى، كذلك يجب قفل الحساب بمجرد إفلاس البنك أو تصفيته. اهـ (١).
стр. 3325
[ب]- آثار قفل الحساب:
يقول الدكتور علي البارودي ما نصه: عند قفل الحساب يجب تصفيته وبيان الرصيد النهائي، وهو عادة لصالح العميل في حساب الودائع، وتصبح نتيجة الحساب نهائية بالاتفاق عليها أو بالحكم القضائي فلا يجوز إعادة النظر فيها بعد ذلك إلا لإصلاح خطأ مادي أو خطأ في عملية الحساب أو ترك أو تكرار لأحد القيود، ولا تقبل دعوى تصحيح الحساب حينئذ إلا إذا حدد المدعي المفردات التي وقع فيها الخطأ وعزز ادعاءه بالأدلة (١).
стр. 3326
حساب الادخار والتوفير:
يعتبر حساب الادخار والتوفير ضربا من ضروب حساب الودائع، إلا أن له بعض سمات تجعل له لونا خاصا في التعامل وإلى ذلك يشير الدكتور علي البارودي
стр. 3327
بقوله: عقد حساب التوفير كسائر عقود البنك عقد رضائي يتم باتفاق العميل المدخر مع البنك.
***
стр. 3328
(الحساب الجاري)
تعريفه ومزاياه:
للحساب الجاري أصول وقواعد وأحكام يختلف بها عن بقية الحسابات الأخرى؛ إذ إن كل دفعة من الدفعات تفقد ذاتيتها وتشكل جزءا من كل لا يتجرأ في الحساب الجاري، وكثيرا ما يركن إليه إذا ما تعددت العمليات التبادلية وتكررت وأريد تصفيتها وإنهاؤها.
ولقد درج بعضهم إلى تعريفه بما نصت عليه بعض المواد القانونية التجارية ومن ذلك المادة (١٠٦) من قانون التجارة الأردني، والمادة (٣٩٣) من قانون التجارة السوري والمادة (٢٩٨) من قانون التجارة اللبناني من أنه يراد بعقد الحساب الجاري الاتفاق الحاصل بين شخصين على أن ما يسلمه كل منهما للآخر بدفعات مختلفة من نقود وأموال وأسناد تجارية قابلة للتمليك يسجل في حساب واحد لمصلحة الدافع ودينا على القابض دون أن يكون لأي منهما حق مطالبة الآخر بما سلمه له بكل دفعة على حدة بحيث يصبح الرصيد النهائي وحده عند إقفال هذا الحساب دينا مستحقا ومهيأ للأداء اهـ.
ويذكر الدكتور أدوار عيد بأن الحساب الجاري لا يعتبر مجرد قائمة بالعمليات المتبادلة بين الطرفين بقصد ضبط هذه العمليات وإقصاء عامل النسيان عنها وقت التصفية، وإنما هو صيغة حسابية خاصة تترتب عليها آثار هامة بين الطرفين، أهم خصائصها أن تندمج العمليات الجارية بين الطرفين اندماجا تاما داخل الحساب بحيث تفقد كل منها كيانها الذاتي واستقلالها بمجرد قيدها فيه فلا يعتبر أحد
стр. 3329
الطرفين دائنا أو مدينا للآخر طالما أن الحساب مفتوح بينهما حتى إقفال الحساب وتسويته حيث يظهر عندئذ رصيد دائن لأحد الطرفين على الطرف الآخر يكون مستحقا وقابلا للأداء في الحال، إلى أن قال: وللحساب الجاري مزايا عديدة فإنه يسهل تصفية العمليات بين طرفيه ويفادي استعمال النقود بصدد كل منهما مكتفيا بمجرد قيدها في الحساب وما ينتج عنه من مقاصة فيما بينهما، بحيث إن الرصيد النهائي فقط يستلزم دفع النقود، وبحكم هذه المقاصة بين الطرفين فإنه يلاقي كل منهما خطر إعسار الآخر وتنجلي هذه الفائدة على الأخص في حالة إفلاس أحد الطرفين حيث إن الديون المستحقة والمقيدة في الحساب تكون قد سقطت فيما بينها بالمقاصة، كما أن الديون لأجل المقيدة في الحساب على الطرف الذي أعلن إفلاسه تدخل تحت حكم المقاصة أيضا لمجرد قيدها فيه قبل إعلان الإفلاس وسقوط أجلها بمجرد هذا الإفلاس.
اهـ (١)
стр. 3330
أركان الحساب الجاري:
للحساب الجاري ثلاثة أركان، أحدها: الركن الإداري وهو اتفاق الطرفين على فتحه سواء كان الاتفاق منهما صراحة أو ضمنا مع اشتراط أن يكون كل منهما أهلا لصحة التصرفات الصادرة منه، ويعتبر الاتفاق ضمنا في حال ما إذا جرى بين الطرفين مجموعة من المدفوعات المتبادلة يقيدها كل منهما في حساب فتحه لديه دينا للدافع على القابض دون المطالبة بتسديد كل عملية على انفراد مع نية تسديد الرصيد عند إنهاء علاقتهما المتبادلة، وقد يعتبر حسابا جاريا في حال ما إذا أشعر البنك عميله بفتح اعتماد له في حساب جار ثم قام العميل بعد ذلك بسحب شيء من ذلك الاعتماد دون الاعتراض على فتح حساب جار بينهما، ويعود تقدير وجود حساب جار بينهما من عدمه في حال الخصومة في ذلك إلى محكمة الاختصاص.
الركن الثاني: المدفوعات بين الطرفين وهي الركن المادي ويشترط لقيد أي مدفوع في الحساب الجاري أن يكون مثليا لتمكن المقاصة بينهما، سواء كان ذلك نقدا