حساب الادخار والتوفير:
يعتبر حساب الادخار والتوفير ضربا من ضروب حساب الودائع، إلا أن له بعض سمات تجعل له لونا خاصا في التعامل وإلى ذلك يشير الدكتور علي البارودي
стр. 3327
بقوله: عقد حساب التوفير كسائر عقود البنك عقد رضائي يتم باتفاق العميل المدخر مع البنك.
***
стр. 3328
(الحساب الجاري)
تعريفه ومزاياه:
للحساب الجاري أصول وقواعد وأحكام يختلف بها عن بقية الحسابات الأخرى؛ إذ إن كل دفعة من الدفعات تفقد ذاتيتها وتشكل جزءا من كل لا يتجرأ في الحساب الجاري، وكثيرا ما يركن إليه إذا ما تعددت العمليات التبادلية وتكررت وأريد تصفيتها وإنهاؤها.
ولقد درج بعضهم إلى تعريفه بما نصت عليه بعض المواد القانونية التجارية ومن ذلك المادة (١٠٦) من قانون التجارة الأردني، والمادة (٣٩٣) من قانون التجارة السوري والمادة (٢٩٨) من قانون التجارة اللبناني من أنه يراد بعقد الحساب الجاري الاتفاق الحاصل بين شخصين على أن ما يسلمه كل منهما للآخر بدفعات مختلفة من نقود وأموال وأسناد تجارية قابلة للتمليك يسجل في حساب واحد لمصلحة الدافع ودينا على القابض دون أن يكون لأي منهما حق مطالبة الآخر بما سلمه له بكل دفعة على حدة بحيث يصبح الرصيد النهائي وحده عند إقفال هذا الحساب دينا مستحقا ومهيأ للأداء اهـ.
ويذكر الدكتور أدوار عيد بأن الحساب الجاري لا يعتبر مجرد قائمة بالعمليات المتبادلة بين الطرفين بقصد ضبط هذه العمليات وإقصاء عامل النسيان عنها وقت التصفية، وإنما هو صيغة حسابية خاصة تترتب عليها آثار هامة بين الطرفين، أهم خصائصها أن تندمج العمليات الجارية بين الطرفين اندماجا تاما داخل الحساب بحيث تفقد كل منها كيانها الذاتي واستقلالها بمجرد قيدها فيه فلا يعتبر أحد
стр. 3329
الطرفين دائنا أو مدينا للآخر طالما أن الحساب مفتوح بينهما حتى إقفال الحساب وتسويته حيث يظهر عندئذ رصيد دائن لأحد الطرفين على الطرف الآخر يكون مستحقا وقابلا للأداء في الحال، إلى أن قال: وللحساب الجاري مزايا عديدة فإنه يسهل تصفية العمليات بين طرفيه ويفادي استعمال النقود بصدد كل منهما مكتفيا بمجرد قيدها في الحساب وما ينتج عنه من مقاصة فيما بينهما، بحيث إن الرصيد النهائي فقط يستلزم دفع النقود، وبحكم هذه المقاصة بين الطرفين فإنه يلاقي كل منهما خطر إعسار الآخر وتنجلي هذه الفائدة على الأخص في حالة إفلاس أحد الطرفين حيث إن الديون المستحقة والمقيدة في الحساب تكون قد سقطت فيما بينها بالمقاصة، كما أن الديون لأجل المقيدة في الحساب على الطرف الذي أعلن إفلاسه تدخل تحت حكم المقاصة أيضا لمجرد قيدها فيه قبل إعلان الإفلاس وسقوط أجلها بمجرد هذا الإفلاس.
اهـ (١)
стр. 3330
أركان الحساب الجاري:
للحساب الجاري ثلاثة أركان، أحدها: الركن الإداري وهو اتفاق الطرفين على فتحه سواء كان الاتفاق منهما صراحة أو ضمنا مع اشتراط أن يكون كل منهما أهلا لصحة التصرفات الصادرة منه، ويعتبر الاتفاق ضمنا في حال ما إذا جرى بين الطرفين مجموعة من المدفوعات المتبادلة يقيدها كل منهما في حساب فتحه لديه دينا للدافع على القابض دون المطالبة بتسديد كل عملية على انفراد مع نية تسديد الرصيد عند إنهاء علاقتهما المتبادلة، وقد يعتبر حسابا جاريا في حال ما إذا أشعر البنك عميله بفتح اعتماد له في حساب جار ثم قام العميل بعد ذلك بسحب شيء من ذلك الاعتماد دون الاعتراض على فتح حساب جار بينهما، ويعود تقدير وجود حساب جار بينهما من عدمه في حال الخصومة في ذلك إلى محكمة الاختصاص.
الركن الثاني: المدفوعات بين الطرفين وهي الركن المادي ويشترط لقيد أي مدفوع في الحساب الجاري أن يكون مثليا لتمكن المقاصة بينهما، سواء كان ذلك نقدا
стр. 3331
أو عينا كالأرز والسكر ونحوهما وأن يكون المدفوع حقا واجب الأداء أما إن كان منازعا فيه أو معلقا على شرط محتمل الوقوع فلا يصح قيده في الحساب الجاري، ولا يعني هذا استبعاد الديون المؤجلة عن قيدها في الحسابات الجارية وإنما المقصود من ذلك استبعاد الديون المشكوك في وجوبها وفي هذا يقول الدكتور أدوار عيد: وإذا كان الدين لأجل فيمكن قيده في الحساب الجاري؛ إذ يعتبر نهائيا رغم تأجيل استحقاقه، وقد رأينا أن من مزايا الحساب الجاري أنه يتيح قيد الديون المؤجلة فيه حتى إذ أفلس العميل استحقت هذه الديون فور إعلان إفلاسه وجرت المقاصة بينهما وبين الديون القابلة لها في الحساب (١).
كما يشترط في المدفوع أن يكون معين المقدار وأن يكون الدافع قد سلمها للقابض على سبيل التمليك.
الركن الثالث: أن تكون المدفوعات المدرجة في الحساب الجاري متبادلة ومتشابكة، متبادلة بمعنى أن يقوم كل من الطرفين بدور القابض حينا ودور الدافع حينا آخر، فإن كان أحد الطرفين دافعا طيلة مدة الحساب دون أن يتلقى مدفوعات من الطرف الآخر لم يكن الحساب بينهما جاريا، ومتشابكة بمعنى أن يتخلل بعضها بعضا، فإن قام أحد الطرفين بمدفوعاته في الحساب ثم تلاه الآخر بمدفوعاته الأخرى لم يكن الحساب جاريا لفقد شرط التشابك في المدفوع.
стр. 3332
الفرق بينه وبين الحسابات الأخرى: فرق شراح القانون وعلماء الاقتصاد بين الحساب الجاري وحسابات الودائع والادخار، ونحوها من حيث إن المدفوعات المتبادلة في الحساب الجاري تندمج بعضها
стр. 3333
في بعض بحيث تشكل كلا لا يتجزأ حيث لا يمكن فصل بند من بنوده بمطالبة أو دعوى أو طلب مقاصة بخلاف الحسابات الأخرى فإن كل بند من بنودها يحتفظ باستقلاله وذاتيته وصلاحه للمطالبة والدعوى وضماناته الخاصة، وفي ذلك يقول الدكتور علي البارودي: لذلك لا بد - والأمر غاية في الأهمية - من تحديد نوع الحساب ومعرفة العلامات التي نعرف بها كلا منهما ونميزه بها على الآخر، والتفرقة من الناحية القانونية تظهر من الاتفاق إذ من الطبيعي أن يبين طرفا الحساب ما إذا كانا يريدان الدخول في حساب جار أو مجرد حساب ودائع، ولا بد أن تتضح نية الطرفين بوجه خاص عند الاتفاق على دخول في حساب جار - إلى أن قال - ومن الناحية العملية يغلب أن يكون الحساب الجاري بين تجارة أو بين البنك وتاجر أو صانع أو صاحب حرفة لمقتضيات الائتمان بحرفته.
أما حساب الودائع فيغلب أن يكون بين البنك وبين المدخرين من الأفراد الذين يحفظون أموالهم في البنك ويتعاملون بالشيكات التي يسحبونها عليه - إلى أن قال - على أنه يجب أن لا ننسى أن هذه العلامات المميزة ليست هي الفيصل القاطع بين الحسابين، ونكرر مرة أخرى أن المرجع في معرفة نوع الحساب هو إرادة طرفيه ثم الشروط الخاصة التي يجب أن تتوافر في الحساب حتى يمكن اعتباره حسابا جاريا اهـ (١).
стр. 3334
الفوائد المتعلقة بالحساب الجاري:
يقول الأستاذ الدكتور محمد عوض: إن العادة قد استقرت بين البنوك وغيرها من البيوت التجارية أن كل مدفوع في الحساب الجاري يرتب فائدة بقوة القانون دون حاجة إلى الاتفاق على ذلك أو إنذار أو مطالبة قضائية، بخلاف الحسابات الأخرى فيجب فيها الاتفاق على ترتيب هذه الفوائد، ويعلل الأستاذ محمد عوض ترتب الفائدة على المدفوعات المتبادلة بأن ذلك تفسير لإرادة الطرفين حينما يتنازل كل منهما عن
стр. 3335
استحقاقه الفوري لما دفعه فلا أقل من أن يتقاضى فائدة على بقائه، ويقول: وعلى كل حال فقد استقر هذا العرف ولم يعد محلا لمنازعته. ويضيف إلى ذلك قوله: وقد جرى العرف المصرفي على أن الأصل هو سريان فوائد المفردات من وقت دخولها الحساب، إلا أنه يغلب أن يحدد الطرفان موعدا آخر لبدء سريان الفائدة ويكون تاليا لتاريخ دخول المفرد في الحساب ويسمى هذا الموعد -اصطلاحا - القيمة، فيقال: إن المبلغ دخل الحساب في أول يناير والقيمة في (١٥) منه أي إن فائدته لا تسري إلا من (١٥) يناير (١).
стр. 3336
العمولة على فتح الحساب الجاري:
كما أن البنك يجري فائدة على المدفوعات المتبادلة بينه وبين عملائه في الحسابات الجارية فإنه في الغالب لا يكتفي بما يأخذه فائدة لمدفوعاته؛ لكونها في رأيه غير كافية لتغطية نفقاته لفتح الحساب وتشغيله وتعريضه للمخاطر؛ ولهذا فقد استقر العرف المصرفي على أن للبنك الحق في أن يتقاضى أجرا عن هذه الخدمات يسمى عمولة.
ويقول الأستاذ محمد عوض بأن البنك لا يقتضي هذه العمولة إلا إذا كانت بينه وبين عميله سلسلة عمليات تؤدي إلى عدة قيود في الحساب، كما لو فتح الحساب بقصد منح العميل قروضا وبقصد وفاء ما يسحبه من أوراق تجارية وتنفيذ أوامر النقل المصرفي التي يصدرها، أما إذا كان المقصود من فتح الحساب هو تسوية عمليات سبق أن تقاضى البنك عن كل منها عمولة خاصة وقت إبرامها فإن البنك لا يطلب عمولة عن الحساب المفتوح لقيد مثل هذه العمليات، كذلك لا محل لاقتضاء مثل هذه العمولة إذا كان الحساب عاديا لا جاريا (١).
стр. 3337
وقف الحساب الجاري: قد يعرض لأحد طرفي الحساب الجاري ما يتوقف به الحساب فترة من الزمن كإيقاف حركته فترة ما لعمل ميزان مؤقت يكشف عن مركز طرفيه من حيث الدائنية والمديونية وقد يحلو لبعضهم التعبير عن ذلك الوقف بقطع الحساب، ويرتب وقف الحساب أو قطعه آثارا أشار إليها الأستاذ الدكتور محمد عوض بقوله: ويرتب هذا القطع آثارا متعددة فهو شرط لإمكان ترحيل الفوائد إلى الأصل وتجميدها ويتقاضى البنك عمولة، كما أن القضاء أعطاه دورا هاما في حالات عدة عندما سمح للعميل أن يستخدم صفته كدائن أثناء سير الحساب معتمدا على ناتج هذا القطع (١).
стр. 3338
تعليل قاعدة عدم التجزئة: إذا انعقد الحساب الجاري بين طرفيه فإن كل دفعة فيه بأي طريق من طرق الإيداع تتحول إلى بند من بنوده فتفقد كيانها الذاتي واستقلالها، وفي ذلك تقول المادة (٣٠٣) من القانون التجاري اللبناني، والمادة (٣٩٨) من القانون التجاري السوري والمادة (١١١) من القانون التجاري الأردني ما مضمونه: إن الديون المترتبة لأحد الطرفين إذا أدخلت في الحساب الجاري فقدت صفاتها الخاصة وكيانها الذاتي، فلا تكون بعد ذلك قابلة على حدة للإيفاء ولا للمقاصة ولا للمداعاة ولا لإحدى طرق التنفيذ ولا للسقوط منفردة بمرور الزمن، وتزول التأمينات الشخصية أو العينية المتصلة بالديون التي أدخلت في الحساب الجاري ما لم يكن اتفاق مخالف بين الفريقين.
وقد ذهب بعض فقهاء القانون وشراحه في تعليل تحول الإيداع الجديد في الحساب الجاري إلى بند من بنوده إلا أن في ذلك تجديدا للحساب بالتغيير، سببه إذ إن
стр. 3339
المدين الذي كان ملتزما بدفع الدين الأصلي لا يكون ملتزما بعد قيده في الحساب الجاري إلا بدفع رصيد هذا الحساب بعد قفله.
وقد انتقد الأستاذ الدكتور أدوار عيد هذا التعليل بقوله: ولكن هذه النظرية كانت محل نقد شديد من جانب بعض الفقهاء ذلك أن التجديد يؤدي إلى انقضاء الدين الأصلي وحلول دين جديد مكانه الأمر الذي لا يتحقق في الدين الذي يدخل في الحساب الجاري؛ لأن هذا الدين لا يتحول بدخوله في الحساب إلى دين جديد مستقل، بل إلى مجرد بند في الحساب أي إلى جزء منه لا كيان له ولا استقلال.
ولذا فقد ذهب الفقهاء الذين يؤيدون نظرية التجديد إلى القول: بأنه ليس ثمة تجديد بالمعنى الصحيح بل شبه تجديد أو تجديد من نوع خاص وهذا تعبير غير واضح من الناحية القانونية (١).
وذهب بعضهم إلى تعليل ذلك بنظرية المقاصة إذ كل دين يدخل في أحد جانبي الحساب الجاري ينقضي بالمقاصة مع ديون أخرى في الجانب الآخر من الحساب بحيث يصبح الحساب الجاري عمليات مقاصة متتابعة.
وقد انتقد الأستاذ أدوار عيد هذه النظرية بقوله: ولكن هذه النظرية قابلة للنقد أيضا ذلك أن المقاصة تفترض وجود دينين متقابلين ينقضيان بمقدار الدين الأقل منهما بينما قد يحصل أن يدخل دين أحد الطرفين في الحساب دون أن يكون هناك دين مقابل له للطرف الآخر - إلى أن قال - كما أن تطبيق نظرية المقاصة يؤدي في حال وجود اختلاف بين قيمة الدينين المتقابلين أي بين رصيد الحساب والدين المعاكس له الذي يفترض أعلى قيمة منه إلى استمرار تأمينات هذا الدين الأخير بالنسبة للفرق بين الدينين في حين أن أحكام الحساب الجاري تقتضي زوال هذه التأمينات (٢).
واختار لذلك القول بأن قاعدة تحول الدين إلى بند في الحساب الجاري تنطوي على ميزات وآثار خاصة بها لا يمكن ردها إلى القواعد العامة المقررة في القانون المدني
стр. 3340
وهذه الميزات والآثار تجعل من الحساب الجاري نظاما خاصا مستقلا بنفسه تحكمه القواعد المقررة بشأنه في قانون التجارة وفي العرف والاجتهاد القضائي.
وعلى أي حال فسواء وجد تعليل وجيه لقاعدة تحول الدين الجديد في الحساب الجاري إلى بند من بنوده أولم يوجد فإن التقنين التجاري والعرف المصرفي قد أقرا هذه القاعدة وأوجبا العمل بمقتضاها فصارت سمة لازمة للحساب الجاري.
стр. 3341
آثار قاعدة عدم التجزئة:
تترتب على قاعدة عدم التجزئة في الحساب الجاري آثار أهمها ما يلي:
١ - لا يجوز رفع الدعوى بالمطالبة بدين أدخل في الحساب الجاري؛ لأنه بدخوله فيه أصبح غير مستحق حتى يظهر الرصيد النهائي.
٢ - إذا دفع أحد طرفي الحساب الجاري مبلغا ما لإدخاله فيه فإن هذا المبلغ لا يعتبر وفاء لمديونيته فيه؛ لأن كل طرف فيه لا يعتبر دائنا أو مديونا قبل قفل الحساب وظهور الرصيد النهائي فيه.
٣ - إن أي دفعة فيه لا يجوز إجراء مقاصة عليها؛ لأن المقاصة تعتمد على اعتبار الدفعة الجديدة فيه دينا مستقلا والقاعدة تقضي بأن أي دين جديد في الحساب الجاري يعتبر بندا من بنوده ويفقد ذاته واستقلاله.
٤ - إن الدين الذي يدخل في الحساب الجاري لا يخضع للتقادم المسقط؛ لأنه باعتباره بندا من بنوده الجاري عليها الحساب يعتبر متحركا حتى قفل الحساب وظهور رصيده النهائي (١).
стр. 3342
قفل الحساب الجاري:
إن قفل الحساب الجاري يعني إيقاف التعامل به نهائيا والاتفاق على إنهاء
стр. 3343
جانبيه بعدم السماح بدخول مدفوعات جديدة ومن ثم تصفيته واستخلاص الرصيد النهائي من مجموع مفرداته ليمكن تحديد مركز طرفيه من ذلك الرصيد من دائن ومدين.
ولقفل الحساب أسباب إرادية وأسباب خارجة عن الإرادة، ويمكن تلخيص الأسباب الإرادية فيما يلي:
(١) اتفاق الطرفين صراحة على إنهاء الحساب ولو كان ذلك قبل مضي مدة اتفقا على تحديدها مدة لجريان حسابهما.
(٢) اتفاق الطرفين ضمنا على إنهاء الحساب الجاري بينهما كأن تتوقف عمليات المدفوعات المتبادلة بين طرفيه ويتوقف تبعا لتوقفها إرسال ميزان الحساب مرة أخرى أو أن يفقد الحساب قدرته على تلقي المدفوعات بين الطرفين.
(٣) رغبة أحد الطرفين في قفله إذا لم يكن بينهما اتفاق على مدة معينة لجريانه إلا أنه يشترط لهذه الرغبة أن تكون في وقت مناسب ومتفق مع العادة المتبعة في المصارف.
أما الأسباب الخارجة عن الإرادة فأهمها ما يلي:
(١) الإفلاس: ذلك أن إفلاس أحد طرفي الحساب يؤدي إلى عجزه عن تتابع المدفوعات بين طرفيه للحجز على يد المفلس في إدارة أمواله.
(٢) الوفاة: وقد خالف بعضهم في اعتبار الوفاة سببا موجبا لقفل الحساب إذا أبدى الورثة رغبتهم في استمرار الحساب مع أن مجموعة من القوانين التجارية في البلاد العربية قد نصت على أن الوفاة سبب لقفل الحساب، فقد ذكرت المادة (٣٠٦) من قانون التجارة اللبناني، والمادة (٤٠١) من قانون التجارة السوري، والمادة (١١٤) من قانون التجارة الأردني على أن عقد الحساب الجاري ينتهي بوفاة أحد طرفيه أو فقدانه الأهلية، أو بإفلاسه.
وقد علل شراح القوانين اعتبار الوفاة سببا موجبا لقفل الحساب: بأن الحساب الجاري يشبه بعض العقود الجائزة كالوكالة أو الشراكة.
стр. 3344
وقد انتقد الأستاذ الدكتور محمد عوض هذا الرأي وقال: وأولى أن يشبه عقد الحساب الجاري بالعقود المستمرة فهو عقد مستمر وككل العقود المستمرة هو يقوم على الثقة؛ لأن استطالة مدة التنفيذ تتطلب من كل من طرفي العقد أن يركن إلى أمانة الطرف الآخر، ومن الثابت أن موت أحد طرفي العقود المستمرة لا يؤدي إلى إنهائها فورا وبقوة القانون؛ فضلا على أن عقد الحساب الجاري هو عقد تابع مقصود به تسوية العمليات المترتبة على عقود أخرى بين طرفيه فإذا كانت هذه العقود لم تنته بالوفاة فما معنى انتهاء عقد الحساب الجاري وهو تابع خادم للعقود الأصلية.
ولعل بعض القضاة قد راعى هذه الملاحظات فحكم أن في وسع ورثة المتوفى إطالة أجل الحساب الجاري الذي كان مورثهم طرفا فيه، وتستخلص رغبتهم في ذلك من عدم قيامهم بإخطار البنك بوفاة العميل ورغبتهم في قفل الحساب وتسويته، كما حكم أن الحساب الذي يفتحه البنك لورثة عميله وهم في حالة شيوع مع استمرارهم في ذات الاستغلال الذي كان مورثهم يباشره لا يعد حسابا مستقلا قانونا عن الحساب الأول اهـ (١).
وإذا تم قفل الحساب ترتبت عليه الآثار الآتية:
(أ) وقوع المقاصة بين مفردات الحساب.
(ب) استخراج الرصيد وتسويته.
(ج) الوفاء بالرصيد بمعنى أنه بمجرد تسويته واستخراجه يكون مستحق الأداء فورا ما لم يتفق الطرفان على تأجيل الوفاء أو إدراجه في حساب جديد.
(د) جواز الحجز عليه تحت يد المدين به باعتباره دينا واجبا مستحق الأداء.
(هـ) عدم جواز إحياء الحساب بعد قفله لكون رصيده أصبح دينا مستحقا واجب الأداء، فإذا أراد طرفاه استئناف التعامل بينهما بطريق الحساب الجاري فتحا حسابا جديدا (٢).
стр. 3345
ومما مضى نستطيع استعراض أهم خصائص الودائع والحساب الجاري فيما يلي:
١ - إن الودائع بمختلف أنواعها يدخل صاحبها مع المصرف الوديع في حساب يسمى حساب الودائع، والغالب أن المصرف يعطي على بقائها فوائد ربوية يختلف حجم بعضها عن بعض تبعا لطول بقاء هذه الودائع لديه وقصره.
ولا شك أن البنك لا يقوم بحفظ ذات الودائع لديه وإنما يأخذها على سبيل تملكها وضمان مثلها ولزوم دفعها حال الطلب، وإن وجد الخلاف في تكييفها من الناحية القانونية، هل هي قرض أو وديعة بالمعنى الصحيح أو وديعة شاذة أو ناقصة؟
стр. 3346
تكييف الودائع المصرفية من الناحية الشرعية:
إن الفقه الإسلامي قد يعتبرها في حكم القرض؛ لاتفاقها معه من حيث النتيجة في تملك عينها وتعلقها بذمة آخذها ورده مثلها في حال مطالبة صاحبها بها.
قال في الروض المربع: - القرض دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله. . . ويصح بلفظه ولفظ السلف وكل ما أدى - معناهما. . . ويملك القرض بقبضه كالهبة ويتم القبول. . . فلا يلزم رد عينه للزومه بالقبض بل يثبت بدله في ذمة المقترض حالا ولو أجله (١).
وقال في كشاف القناع عن متن الإقناع: فإن استعارها - أي الدراهم والدنانير - لينفقها أو أطلق أو استعار مكيلا أو موزونا ليأكله أو أطلق، فقرض تغليبا للمعنى فملكه بالقبض (٢).
وقد يعتبرها ربا لما فيها من المعاوضة بين نقدين والحديث: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل (٣)». . . إلخ، وأما الفوائد على بقاء الودائع لدى المودع فأمرها جلي
стр. 3347
واضح في أنها تجمع بين نوعي الربا ربا الفضل وربا النسيئة، حيث يأخذ المودع زيادة على ما دفع مع التأخر وبالرغم من تحقق معنى الربا فيما يعطيه المصرف للمودعين ووضوحه ووضوح تحريمه من نصوص الشريعة الإسلامية وقواعدها، عرض لجماعة من المعاصرين شبهة في ذلك جعلتهم يعتقدون الجواز فيما يدفعه المصرف للمودعين زيادة على رءوس أموالهم، بناء على أن المصرف استقبل ما يدفع إليه من الأموال وأخذها للتنمية والإنتاج لا لدفع كربة أو تفريج شدة من تسديد ديون أو استهلاك في كسوة أو قوت أو نحو ذلك من ضرورات الحياة حتى تكون محرمة، وبناء على زعمهم أن مقاصد الشريعة تقضي بتحريم الربا فيما أخذ للاستهلاك فقط وأن هذا هو ربا الجاهلية الذي وردت النصوص بتحريمه دون ربا التنمية والإنتاج.
وقد ذكر الأستاذ الدكتور محمد عبد الله العربي تلك الشبهة وأجاب عنها بما نصه: قال بعض المعاصرين - هنا وفي بلاد إسلامية أخرى - إن الربا الذي حرمه الإسلام هو ما اتصل بقروض استهلاكية، يقترضها ذوو الحاجة الملحة ويؤدون عنها رأس مالها ثم الربا المضاف إليها، أما القروض الإنتاجية التي يقترضها الموسرون ويوظفونها في مشروعات إنتاجية تدر عليهم ربحا وفيرا فإن الفائدة التي يؤدونها عن رأس المال الذي اقترضوه ليست بالربا المحرم.
ونرد عليهم بأن تسمية الربا بالفائدة لا يغير طبيعته، فالفائدة لست إلا زيادة في رأس المال المقرض، وكل زيادة عنه هي ربا لغة وشرعا.
وأكبر حجة ساقوها على هذا الرأي هو أن الربا الذي حرمه القرآن هو ما كان سائدا في الجاهلية قبل بعثة الرسول ﷺ وأن العصر الجاهلي لم يكن أهله على علم بالقروض الإنتاجية وأثرها في النشاط الاقتصادي الحديث.
ونسوا أن القرآن خاتم الهدايات الإلهية لم يكن ليشرع لعصر معين بل تشريعه يمتد إلى أبد الدهر، ولم يكن ليغيب عن علم الله ما سوف يتمخض عنه اقتصاد هذا العصر - أو أي عصر - من اعتماد القروض الإنتاجية، والزعم بضرورة ترتيب فائدة عليها حتى لا تنقطع ونسوا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (١).
стр. 3348
بغير تمييز بين ما إذا كانت رءوس الأموال هذه التي استخدمها مقترضوها قد استخدموها في أغراض إنتاجية أو استهلاكية، ونسوا كذلك الحديث الذي يقرر أن «كل قرض جر نفعا فهو ربا (١)» فلم يميز الرسول بين ما إذا كان القرض الذي عاد بزيادة على المقرض قد فرج كربة المقترض أو وظفه في تمويل مشروع إنتاجي، ولو شاء سبحانه هذا التمييز أو علم أن فيه خيرا للناس لما ترك النص عليه.
وسنبين لهم - من واقع تجارب هذا العصر وشهادة كثير من علماء الاقتصاد في هذا العصر بالذات - أن الربا في هذه القروض الإنتاجية قد تسبب في أضرار فادحة في الاقتصاد العالمي المعاصر، ولكنا نريد في البداية أن نمحص الحجة التي يتوكئون عليها وهي أن العصر الجاهلي لم يكن يعرف ما نشأ في العصور الحديثة من القروض الإنتاجية.
حسب الباحث أن يتأمل في الظروف المادية التي أحاطت بالاقتصاد الجاهلي وبالبيئة الجاهلية - بيئة مكة وما حولها من قرى الحجاز - ليوقن أن القروض الإنتاجية كانت ضرورة حيوية من ضرورات اقتصادهم، فمكة - مهد الإسلام - وما حولها من القرى كانت ترتبط معا بروابط اقتصادية وتجارية تجعل القرض الإنتاجي لازما من لوازم حياتهم.
وينبئنا التاريخ بأن الطائف - مقر قبيلة ثقيف - وهي قرية تبعد إلى الجنوب الشرقي من مكة بنحو خمسة وسبعين ميلا، وكانت تمتاز بأرض خصبة في الوديان المحيطة بها وكانت لذلك تصدر إلى مكة وقرى الحجاز الأخرى حاصلاتها من الزبيب والقمح والأخشاب وغيرها، وكانت تستورد من مكة السلع التي تأتي بها قريش في كل من رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن وجنوب الجزيرة، وهذا التبادل التجاري كان يتم أكثره عن طريق القروض الربوية لا سيما أن جالية كبيرة يهودية كانت تقيم بالطائف، هاجرت إليها بعد طردها من اليمن، ولم تكن لها صناعة إلا الإقراض بالربا لهذا النشاط التجاري لأهل الطائف وما حولها.
стр. 3349
أما مكة فكانت في أرض جدباء لا زراعة فيها ولا غابات ولا معادن، ولذلك كانت لا تعتمد في رزقها إلا على التجارة حتى أصبحت أعظم مركز تجاري في الجزيرة العربية.
يقول المؤرخون إنها كانت (المحطة) الوسطى بين مأرب وغزة في طريق القوافل الرئيسي بين متاجر الشرق ومتاجر الغرب، وقالوا: إن مكة صارت على هذا النحو أشبه بجمهورية تجارية تعيش اقتصاديا على الرحلتين، وكان يزيد في مكانتها التجارية أن قريشا كانوا سدنة الكعبة والبيت الحرام، وكانوا لذلك موضع الرعاية والتكريم في حلهم وترحالهم.
وكان للتجارة بصفة عامة احترام كبير في نفوس قريش، ويتجلى ذلك على الأخص في أن المهاجرين من قريش إلى يثرب - بالرغم من كل ما قدم لهم الأنصار من مشاركة في أرزاقهم تغنيهم عن الكد والسعي - آثر أكثرهم أن يبدأوا في الحال ممارسة التجارة، قال أبو هريرة: (إن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق) أي الخروج إلى التجارة.
وهكذا يروي التاريخ كيف كانت مكة مركز نشاط تجاري عظيم، ومحط القوافل في غدوها ورواحها، يترقبها أهل مكة رجالا ونساء وأكثرهم قد وظف بعض ماله في السلع، التي تحملها هذه القوافل، كما يروي التاريخ أن قافلة أبي سفيان التي أدى خوف الاستيلاء عليها إلى غزوة بدر، كانت قريش كلها مساهمة في تمويلها، والتمويل يحتاج إلى رأس مال، فإذا لم يكن رأس المال متوافرا لدى بعضهم لجأ هذا البعض إلى الاقتراض بربا يتعهد بأدائه إلى المقرض اعتمادا على أن الربح الذي سوف يجنيه من توظيف المال المقترض في التجارة سوف يدر عليه أكثر من الربا المفروض عليه، أي: أن هؤلاء كانوا يقومون بالدور الذي يسمى الآن دور " الشريك القائم " يعطي ما اقترضه من المال إلى القائمين فعلا بالإتجار، وشراء السلع في إحدى الرحلتين ثم بيعها في الرحلة الأخرى، ثم يدفع في النهاية من النصيب الذي خصه رأس المال الذي اقترضه بالإضافة إلى مبلغ الربا المتفق عليه.
لذلك عجبت قريش عندما جاء الإسلام يحرم الربا: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (١) هو تأجير لرأس المال، والربا الذي يستحقه المقرض هو أجرة رأس المال،
стр. 3350
فكان الربا على هذا النحو جزءا لا يتجزأ من حياتهم الاقتصادية، وكان أصحاب المال في مكة لا يقتصرون على إقراض مواطنيهم في مكة بل يمتد إقراضهم إلى أهل القرى الأخرى في الحجاز، فكانوا يساهمون بصفة أصلية في تمويل القوافل وفي الوقت ذاته يقرضون غيرهم ليشاركهم في تمويلها، فقد ثبت أن عباس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ وخالد بن الوليد وغيرهما كان إقراضهم يتجاوز حدود مكة إلى أهل الطائف، وثبت أن عثمان بن عفان كان من أغنياء التجار الذين يمولون التجارة بالربا على نطاق واسع.
وهكذا يتبين بما لا شك فيه أن عرب الجاهلية كانوا يتعاملون بالربا في حالتين:
(الحالة الأولى): عند تقديم قرض لأجل معين بربا يزيد على رأس مال القرض، وكانت هذه الزيادة تحدد بما يتفق عليه الطرفان، فطورا كان المقترض يدفع هذه الزيادة على أقساط شهرية وطورا كان يدفعها جملة واحدة عند حلول أجل القرض، فإذا عجز المقترض عن السداد أعطى أجلا آخر بعد مضاعفة قيمة القرض، وفي حالة تقسيم الزيادة على أقساط شهرية كانت تضاعف هذه الأقساط مقابل تأجيل سدادها.
(الحالة الثانية): حالة البيع، أي: يبيع البائع السلعة بثمن مؤجل فإذا حل الأجل أو عجز المشتري عن أداء الثمن زيد الثمن وامتد الأجل، كما ثبت أن البيع مع تأجيل الثمن لم يكن فقط لعجز المشتري عن تعجيل الثمن بل كان لإمهاله حتى يبيع السلع التي اشتراها، وكانت الشركة المسماة " شركة الوجود " شائعة في الجاهلية، وهي أن شخصين أو ثلاثة يعقدون عقد شركة فيما بينهم بغير تقديم أي مال من أحدهم، وكانوا اعتمادا على الثقة فيهم يشترون مع تأجيل الثمن، فإذا باعوا سلعهم المشتراة اقتسموا الربح بعد تسديد الثمن، وفي بيئة كالبيئة الجاهلية كان شراؤهم بغير تعجيل الثمن يقترن دائما بفائدة ربوية للبائعين مقابل الأجل.
فلما جاء الإسلام أحدث ثورة في أساس حياتهم الاقتصادية:
كان أساس القرض الإنتاجي في العصر الجاهلي أن لا يقترن الإقراض بأي مخاطرة من جانب رب المال، فهو يقدم مال القرض ويفرض عليه الفائدة الربوية ثم
стр. 3351
يسترد رأس المال ورباه، سواء ربح المشروع أو خسر، ثم جاء الإسلام فحرم الربا مهما كان هدف القرض، ووجه بذلك ضربة قاضية إلى النظام الاقتصادي القائم.
إن أهمية (أحل الله البيع وحرم الربا) لم تقتصر على البيع وتحريم الربا، بل قلبت التفكير الاقتصادي عن دور رأس المال ودور التجارة رأسا على عقب؛ جاء الإسلام فشجع التجارة وبالتالي شجع عملية الإقراض ولكن بغير زيادة على رأس المال.
عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إن السلف - أي القرض - يجري مجرى شطر الصدقة (١)»، وجاء في السنن لابن ماجه أنه قال: «ما من مسلم يقرض قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة (٢)»، وعن ابن مسعود أنه قال: (كل قرض صدقة) (٣).
وهكذا استمرت بعد الإسلام القروض بنوعيها - استهلاكية وإنتاجية - يقدمها أرباب المال بغير ربا، بدافع الإخاء الإسلامي والتعاون الإسلامي وما يرتجيه رب المال من ثواب على هذا الصنيع، بل ثبت أن بيت المال كان يخرج بغير ربا قروضا لمشروعات إنتاجية، وروى الطبري: أن هندا ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب فاستقرضته من بيت المال أربعة ألاف درهم تتجر فهيا وتضمنها فأقرضها، فخرجت بها إلى بلاد كلب فاشترت وباعت، فلما أتت المدينة شكت الوضيعة - أي الخسارة - فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته ولكنه مال المسلمين اهـ. إلى أن قال: ونحسب أنه بعد هذا البيان لم يبق محل للجدل في أن الربا الذي حرمه الإسلام يشمل القروض الإنتاجية والقروض الاستهلاكية على السواء، وأن القروض الإنتاجية كانت شائعة في العصر الجاهلي فجاء الإسلام يحرم الربا عليها كما حرمه على القروض الاستهلاكية.
وقبل أن نختم هذه الكلمة الموجزة عن الربا يجب أن نكشف عن العلة في تحرميه كشفا نهتدي فيه بعقلنا البشري، أما التحريم في ذاته فهو قائم لأنه أمر الله، الله الذي لا يريد لعباده إلا الخير وقد تقصر عقولنا البشرية عن إدراك مدى حكمته.
стр. 3352
أما الربا على القرض الاستهلاكي فحكمة تحريمه ظاهرة لا تحتاج إلى بيان فهو يتنافى مع الأخلاق الإسلامية، وهو يهدم جميع الخصائص التي جعلها الله من مقومات المجتمع الإسلامي.
أما الربا على القرض الإنتاجي فلعل حكمة تحريمه لم تظهر على أوضح وجه كما ظهرت منذ أجازت التشريعات الأوربية قرض (الفائدة) على القروض.
ونكتفي هنا بما أثبتته المشاهدات الواقعية لآثار هذا الربا في عصرنا مرجئين التدليل عليها إلى سياق البحث.
فمن جهة المرابي: ترتب على تحليل الربا على القرض الإنتاجي في القرون الثلاثة الأخيرة - كما سنوضح تفصيلا فيما بعد - أن نشأت البنوك الحديثة، فتركز في أيدي أصحابها الجانب الأكبر من المال المتداول في المجتمع، حتى صارت لهم السيطرة الكبرى على اقتصاديات المجتمع ثم امتدت هذه السيطرة إلى سياسة المجتمع الداخلية والخارجية، وإلى تشريعات المجتمع، بل وإلى أخلاقياته، وأسلوب تفكيره بما أحرزوه من سيطرة على وسائل الإعلام، ودأبوا على توجيه كل هذه القوى في الاتجاه الذي يكفل لهم المزيد من القوة المالية، ويدعم المكانة الرفيعة التي اغتصبوها، وإن ضحوا في سبيل ذلك بالمصالح الحقيقية للشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها.
ثم يجب أن لا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن المال الذي آتى أصحاب البنوك هذه القوة وهذه السيطرة لم يكن في البداية مالهم الخاص، بل أكثره مال المودعين الذي أودعوه في خزائنهم لآجال معينة يحصلون في مقابلها على فائدة صغيرة، ثم يقرض أصحاب البنوك أصحاب المشروعات الإنتاجية بفائدة أكبر، ويستحلون هذا الفرق الكبير بين الفائدتين، وشيئا فشيئا تركز أكثر المال السائل في المجتمع في حوزتهم، وهكذا دانت السيطرة المالية بغير أي كد أو جهد بذلوه بل كانت عملية امتصاص دماء المجتمع وهم رابضون في بنوكهم.
стр. 3353
أما من جهة المنتج الذي يقترض بالربا فهذه بعض النتائج التي تترتب على رباه:
أولا: غلاء أسعار السلع التي ينتجها المقترض، إذ المنتج يضيف فائدة القرض إلى تكاليف إنتاج السلع التي يشتريها المستهلكون، فكأن المجتمع - لا المنتج - المقترض هو الذي يدفع الفائدة الربوية.
ثانيا: المجتمع يدفع الفائدة الربوية إذا ظلت دورة الرخاء التي اعتمد عليها المنتج قائمة وإذا ظل مستوى الطلب على السلعة متفقا مع تقديره، أما إذا تقلصت دورة الرخاء أو إذا نقص الطلب على السلعة بسبب ارتفاع ثمنها نتيجة لإضافة الفائدة الربوية، فإن الوضع يختلف، إذا يؤدي ارتفاع الثمن إلى انحسار الاستهلاك تدريجيا، فيبقى فائض من المنتجات بغير تصريف هذا الفائض له عواقبه.
ثالثا: المنتج إذا أراد تخفيض تكاليف الإنتاج التي ارتفعت بسبب إضافة الفائدة إليها لا يجد أمامه إلا أجور العمال، فيسعى إلى تخفيضها أو إلى الاستغناء عن بعضهم، أما الاستغناء فيؤدي إلى خلق البطالة، وأما تخفيض أجور العمال فيؤدي إلى نقص القوة الشرائية في المجتمع، وفي الحالتين يزداد الاستهلاك انحسارا ويزداد فائض المنتجات فتنشأ الأزمة الدورية التي صارت لازمة من لوازم الاقتصاد الغربي.
رابعا: والسعي إلى تصريف فائض الإنتاج يؤدي إلى البحث عن أسواق خارجية، وطبعا لن يكون أكثرها إلا في البلاد المتخلفة غير الصناعية، ولا سبيل إلى استدامة هذه الأسواق إلا ببسط نفوذ الدول الصناعية عن طريق الاستعمار، وهكذا تنتقل بلية الربا من مجتمع إلى مجتمعات الإنسانية كلها، كما ثبت أن هذا التنافس الاستعماري كان من الأسباب التي أشعلت حربين عالميتين وقد يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة.
خامسا: إذا أخفق المنتجون المقترضون بالربا في تخفيض أجور العمال لجأوا إلى وسيلة أخرى هي تخفيض أثمان المواد الأولية التي تعتمد عليها صناعاتهم والتي يستوردون أكثرها من البلاد المتخلفة غير الصناعية، وهنا تتآمر الدول
стр. 3354
الصناعية بتكتلاتها الاحتكارية على تخفيض أثمان المواد الأولية، غير مكترثين بالأضرار الفادحة التي تصيب الجانب الأكبر من سكان الأرض، وغير حافلة بالجهود التي تبذلها منظمات هيئة الأمم المتحدة في محاولة قمع هذا الاتجاه.
وبعد فهذه بعض الأضرار التي أصابت البشرية كلها من إجازة الفائدة الربوية على القروض الإنتاجية، حتى رأينا بعض علماء الاقتصاد - وفي الدول الرأسمالية بالذات - يندد بالفائدة في الاقتصاد الرأسمالي، وهذا تصديق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (٢). اهـ.
٢ - التفريق بين حساب الودائع والحساب الجاري من حيث احتفاظ كل دفعة من أي طرف في الحساب العادي أو البسيط أو حساب الودائع بكيانها واستقلالها وبالتالي خضوعها للآثار الحقوقية من حيث المطالبة بها والمقاصة عليها بخلاف ذلك في الحساب الجاري فإن كل دفعة من أي طرفيه تفقد كيانها واستقلالها وتخضع للانصهار في كليته لتكون بندا من بنوده لا تجوز المطالبة بها ولا المقاصة عليها ولا اعتبارها حقا قائما بذاته وإنما هي جزء من كل لا يتجزأ هو جانبا الحساب الجاري الدائنية والمديونية.
وقد مر بنا محاولة تعليل هذا التقعيد للحساب الجاري فمن قائل: بأن انصهار المدفوعات في الحساب الجاري وعدم اعتبار أي دفعة منها دينا قائما بذاته يعني بذلك التجديد، ومن قائل: بأن المقاصة بين المديونية والدائنية هي التي قضت على كل دفعة فيه، واتجه النقد إلى كلا التعليلين، ثم قيل: بأن العرف المصرفي وقواعد الحساب الجاري قضيا بذلك سواء وجد تعليل يسنده المنطق أو لم يوجد.
هذه المسألة تحتاج إلى كثير من النظر والتأمل، وعلى افتراض وجاهة التقعيد لها في الحساب الجاري فيمكن أن يقال: بأن المصلحة تعتبر سندا لتلك القاعدة باعتبار
стр. 3355
أن تجزئة الحساب وبقاء كل دفعة فيه متعلقة بما عليها وما لها من حقوق يعرقل سير الحساب ويحول دون أدائه وظائفه التي من أهمها تسوية المدفوعات المتشابكة والمتبادلة بين الطرفين.
стр. 3356
العمولة في نظر القانون ٣ - العمولة في نظر القانون:
العمولة: سبق ذكر أن العادة المصرفية قد جرت بين البنوك في أخذ عمولة على الحساب الجاري باعتبار أن أخذ البنك الفائدة على مدفوعاته لا يكفي لتغطية نفقاته وقيمة مسئولياته تجاهه وقد أخذ باعتبار ذلك ومشروعيته بعض القوانين العربية وغيرها، وحكمت بوجاهته واعتباره بعض محاكم الاختصاص في فرنسا ومصر وغيرهما ولكن بشيء من التحفظ والقيود وفي ذلك تقول المادة (٢٢٧) من القانون المدني المصري الجديد ما نصه: كل عمولة أو منفعة أيا كان نوعها اشترطها الدائن إذا زادت هي والفائدة المتفق عليها على الحد الأقصى المتقدم ذكره وهو ٧% تعتبر فائدة مستمرة وتكون قابلة للتخفيض إذا ما ثبت أن هذه العمولة أو المنفعة لا تقابلها خدمة حقيقية يكون الدائن قد أداها ولا منفعة مشروعة (١).
стр. 3357
العمولة في حكم الشريعة الإسلامية العمولة في حكم الشريعة الإسلامية:
إن العمولة التي يأخذها البنك يمكن أن يقال عنها: بأنها من قبيل الأجرة على تحمل متاعب تشغيل الحساب الجاري كما يتعلل بذلك أصحاب المصارف، كما يمكن أن يقال: بأنها جزء من الفائدة الربوية تشكل قدرا إضافيا إليها صار من البنوك الاحتيال عليها بتسميتها عمولة، وإذا ادعى أنها من قبيل الأجرة على قيد وتشغيل الحساب كنفقات قرطاسية فإن النفقات القرطاسية في الغالب لا تخضع للزيادة
стр. 3358
والنقصان تبعا لزيادة حجم المدفوع ونقصها إذ إن النفقات قيد القليل والكثير واحدة.
ولذلك يمن أن يقال بأن الأخذ بمبدأ النسبة المئوية في العمولة تبعا لحجم المدفوعات والحال أن قيود القليل والكثير واحدة في غير محله وقد يعطي البرهان على إرادة الفائدة الإضافية، ويمكن أن يقال أيضا: بأن لتحمل المسئولية مجالا في الاعتبار فإن الاحتياطات التي تبذل في سبيل قيود المدفوعات الكثيرة ليست الاحتياطات التي تبذل بخصوص المدفوعات القليلة وعليه فيمكن التسليم بوجاهة توظيف الأجرة بطريق النسب المئوية على المدفوعات في الحسابات الجارية، وربما يرد على القول بأن لتحمل المسئولية مجالا في الاعتبار، بأن تحمل المسئولية ليس متقوما حتى يجعل له اعتبار في استحقاق العوض.
стр. 3359
ثانيا: إيداع الوثائق والمستندات:
تعتبر وديعة الوثائق والمستندات لدى المصارف وديعة بالمعنى الحقيقي تترتب عليها أحكام الوديعة من قيام الوديع بحفظ الوديعة في حرز مثلها وبرد عينها وبانتفاء الضمان في هلاكها بما لا قدرة له على دفعه من الأسباب القاهرة، ويرى الأستاذ علي البارودي: بأنها تشبه الوديعة المدنية العادية، ثم ذكر أنها تختلف عنها من حيث إنها تتضمن معاوضة، إذ يتقاضى البنك عنها دائما أجرا يتفق عليه بينما الأصل في الوديعة المدنية أنها تبرعية ما لم يتفق صراحة على أجر، كذلك يتميز عقد وديعة الصكوك في البنك بأنه قد يستتبع عمليات ثانوية متعددة يقوم بها البنك وكيلا عن عملية المودع (١).
والغالب أن الاتفاق بين البنك وعميله على إبداع المستندات يكون بأجرة رمزية؛ لأن البنك يهدف من تلقى ودائع الوثائق والمستندات إلى تأكيد صلته بعملائه
стр. 3360
ليعهدوا إليه بعمليات قد تستلزمها تلك الوثائق كتحصيل أرباحها أو التوسط في بيع محتوياتها لأخذ عمولات على ذلك، كما أن احتفاظ البنك بمحفظة مالية لأحد عملائه يعني علمه بحالته المالية فيفيده إذا أقدم على ائتمانه في عمليات أخرى، والغالب أن الإيداع من العميل يكون اختياريا، وقد يجد العميل نفسه مضطرا للإيداع كأن يكون عضوا في مجلس إدارة مؤسسة مالية يفرض عليه النظام العام أو نظام المؤسسة نفسها إيداع أسهم الضمان في بنك معتمد من جهة الاختصاص.
ونظرا إلى وديعة المستندات تتم بين العميل والمصرف بأجرة يجري الاتفاق على تحديدها وإلى أنه يعطي البنك توكيلا في البيع أو التحصيل أو نحو ذلك مما تستلزمه تلك المستندات، يشترط للدخول في عقدها الأهلية للالتزام بذلك، وقد استقر العرف القانوني على تسمية الاتفاق على الإيداع عقدا بين المودع والوديع يتم به تسليم المستندات إلى البنك بعد تحرير بيانها بقائمة تجري مراجعتها من قبل الوديع ومن ثم إعطاء المودع إيصالا بها تكون له قيمته في الإثبات وفي حق حضور اجتماع الجمعيات العمومية للشركات التي أصدرتها أو أصدرت بعضها، وتلزم بالاتفاق على الوديعة والدخول في إنفاذها أجرة يجري تعيين مقدراها بين الطرفين، ونظرا إلى أن العقد من حيث هو عقد يقضي بالتزامات كل طرف تجاه الآخر، فإن لعقد ودائع الوثائق والمستندات التزامات من الطرفين المودع والوديع للآخر، أشار إليها الدكتور محمد عوض فبين: أن العقد يرتب على العميل التزامات أهمها ما يلي: (أ) - دفع الأجرة التي جرى عليها الاتفاق بينه وبين البنك وإذا لم يكن بينهما اتفاق على تحديدها فيرجع إلى العرف في ذلك، والغالب أن يستقل البنك بتحديد هذه الأجرة، وإذا كانت السندات المودعة عنده لحامله فيبالغ في تحديد الأجرة لأن مخاطر حفظها أكثر من مخاطر حفظ السندات الإسمية.
(ب) - دفع عمولة على مجرد فتح ملف خاص بالوديعة ولو استردها المودع فورا.
(ج) - دفع العمولات المستحقة عن العمليات التي يجريها البنك بناء على طلب المودع مما له تعلق بالوثائق والمستندات.
стр. 3361
وللبنك أن يحبس الأوراق المودعة حتى يستوفي حقه عليها من أجر وعمولة مما له تعلق بعملياتها التبعية.
وكما أن على العميل المودع التزامات للبنك تجاه وديعته فإن على البنك الوديع التزامات أصلية والتزامات تبعية.
أما الالتزامات الأصلية فأهمها ما يلي: (أ) - على البنك أن يبذل طاقته وجهده للمحافظة على الأوراق الوثيقية المسلمة إليه من الناحية المادية مع مراعاة حكم العادات المصرفية، والأصل أن يحفظ الوديعة في مكان الإيداع فإن نقلها عن محل الإيداع بلا إذن الوديع اعتبر مفرطا وسئل عما يترتب على النقل من مخاطره.
(ب) - لا يجوز للبنك الوديع أن يستعمل وديعة الوثائق والمستندات لأغراض خاصة به، فلا يجوز للبنك أن يرهن السندات لدين عليه كما لا يجوز له أن يمكن غيره من استعمالها.
(ج) - يتعين على البنك أن يرد الوديعة في الموعد المتفق عليه إن كان ثم بينهما اتفاق على موعد معين وإلا ردها إليه متى طلبها، ذلك أن من مقتضيات الالتزام بالحفظ رد الوديعة في الموعد المتفق عليه إلا في حالات أشار إليها الأستاذ الدكتور محمد جمال الدين عوض بما ملخصه: إنه قد يكون العقد بين البنك والعميل وديعة ومع ذلك لا يكون البنك ملزما بتنفيذ الالتزام بالرد في حالات أهمها ما يلي: أ - إذا كان من حق البنك أن يحبس المستندات حتى يستوفي حقوقه ضد المودع.
ب - متى كان له أن يتمسك بامتياز حفظ المنقول عليها.
ج - إذا باشر عليها إجراءات الحجز تحت يد نفسه طبقا للمادة (٥٧٣) مرافعات (١).
стр. 3362
د - إذا حجر عليها تحت يده أو عارض شخص في تسليمها إلى المودع مستندا إلى حق له عليها.
هـ - إذا تغير العقد الأصلي وحل محله عقد جديد، فقد يزول الالتزام بالرد ليحل محله الالتزام الناشئة من هذا العقد الجديد، كأن يتلقى البنك أمرا من المودع ببيع المستندات المودعة فيصبح البنك من هذه اللحظة وكيلا بالبيع وينتهي التزامه برد المستندات، كما إذا أقرض البنك العميل أو فتح له اعتمادا برهن المستندات تغيرت صفة حيازة البنك فأصبح جائزا بصفته مرتهنا بعد أن كان حائزا بصفته وديعا.
وأما التزامات البنك التبعية فيقول عنها الدكتور محمد عوض ما نصه:
لا يقتصر التزام البنك على مجرد حفظ المستندات ماديا، بل إن عليه فوق ذلك القيام بعمليات قانونية ومادية معينة تهدف إلى تحقيق هذا الغرض وهو الحفظ وإلا لم تتحقق الفائدة من العقد بل إنه يكون مصدر متاعب للمودع؛ إذا يضطر أن يسترد السندات في أوقات معينة ليقوم هو بهذه العمليات ثم يردها إلى البنك وهكذا، ويكون عندئذ من الأوفر له أن يستأجر لها خزانة بأجر زهيد، ولذلك فالمقرر أن عقد إيداع السندات يلقى بذاته على البنك واجب القيام ببعض العمليات اللازمة لخدمتها دون حاجة إلى اتفاق خاص ويظل العقد مع ذلك خاضعا لأحكام الوديعة، وإن كان البنك في خصوص العمليات التي يقوم بها لحساب العميل في مركز الوكيل، ثم ذكر أن مستلزمات البنك التبعية تستمد من العقد المبرم بينه وبين عمليه ومن قصدهما في إبرامه، ويستنتج القصد من قيمة الأجرة ومن النشرات التي يصدرها البنك لعملائه إلى غير ذلك مما يلابس عملية الإيداع من القرائن والأحوال.
ثم بدأ في استعراض تلك التزامات التبعية فذكرها بما ملخصه:
يلزم البنك استحصال الكوبونات والسندات المستهلكة باعتبار أن ذلك نتيجة
стр. 3363
من نتائج الإيداع والالتزام بالحفظ ويضيف الدكتور علي البارودي إلى ذلك قوله: ففيما يتعلق بالأسهم مثلا يقوم البنك بتحصيل الكوبونات ويتحقق من صحة القرعة عند الاستهلاك ويقوم بتنبيه المودع إلى حقوقه في القيام بالعمليات التي تخولها له ملكية الأسهم وعلى الأخص حقه في الاكتتاب عند زيادة رأس مال الشركة وخطره بمواعيد اجتماع الجمعية العمومية للشركات المختلفة التي أصدرت الصكوك المودعة.
وينفذ فوق هذا أو ذاك التعليمات والأوامر التي يصدرها إليه عمليه من بيع أو شراء أو تحويل أو تجميع لهذه الصكوك (١).
стр. 3364
ثالثا: إيجار الخزائن الحديدية: تعريفه - فوائده - طابعه - آثاره:
يقول الدكتور علي البارودي: بأن ماهية إيجار الخزائن الحديدية عبارة عن عقد يلتزم البنك بمقتضاه أن يضع في العقار الذي يشغله خزانة حديدية تحت تصرف العميل وحده مقابل أخر يختلف باختلاف حجم الخزانة ومدة انتفاع العميل بها (١).
ويتميز عقد إيجار الخزائن الحديدية عن غيره من عقود المعاملات المصرفية بأنه عقد مستقل بالعميل نفسه لا يعود للبنك منه أي فائدة تبعية سوى أنه عامل من عوامل اجتذاب العملاء، وإذا كان البنك يأخذ أجرة على تأجيره الخزائن فإن هذه الأجرة في الغالب لا تتناسب مع تكاليف إنشاء هذه الخزائن ولا مع المسئولية في الحفاظ عليها بعد استئجارها.
أما العميل فله فوائد أهمها: ضمان سلامة وحفظ الأشياء التي أودعها في الخزانة الحديدية، وضمان سريتها والقدرة على الاستمرار في السرية بحكم أن مفتاحها بيده وحده وأن البنك لا يمكن غيره من فتحها بخلاف ما لو كان ذلك في بيته أو
стр. 3365
متجره فإن المحافظة على سريتها والاستمرار على ذلك مما لا يستطيعه في الغالب.
ولعقود إيجار الخزائن الحديدية طابع شخصي يبدو في حرص البنك على اختيار عملائه المستأجرين في أن يكونوا من ذوي المؤهلات الخلقية ممن يعرفون باستقامتهم وحسن معاملاتهم ونزاهة تصرفاتهم في مختلف شئون الحياة من تجارية ومدنية وسياسية، كل ذلك لتفادي البنك الأضرار التي تنجم ممن ليسوا في مستوى أخلاقي صالح للتعامل المدني أو التجاري عند دخولهم قاعة الخزائن (١).