← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الاختصار وفي كتاب أبي داود الاختصار الموفق لأننا نجده مقترنا بالدقة البالغة والوضوح البين، وهذه خاصة من أهم الخصائص التي يمتاز بها كتاب " السنن ". ومن مظاهر الاختصار ما مر بنا في تبويب الكتاب من قلة الأحاديث في الباب الواحد. ومن أنواع هذا الاختصار أنه يعمد إلى الحديث الطويل فيختصره فلا يورد منه إلا موضع الفقه منه، وقد أشار أبو داود نفسه إلى هذه الخاصة فقال في رسالته: (وربما اختصرت الحديث الطويل، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك) (١). * ومن أنواع هذا الاختصار أنه يأتي بحديث، ثم بعد ذلك يأتي بسند آخر ويقول: (بمعناه) كما في الحديث (٢) رقم ٣٤ فهذه الكلمة أغنته عن إعادة الحديث، ولكي يكون كلامه دقيقا قال: (بمعناه) منبها على أن هناك فرقا لفظيا بين الروايتين لا يؤثر في المعنى. * ومن أنواع هذا الاختصار أنه إذا وجد روايتين في إحداهما زيادة جاء بالأولى، ثم أورد سند الثانية وجاء بالزيادة ولا يعيد ما سبق ذكره، وإنما يكتفي بقوله: (وذكر الحديث) ومثل هذا كثير الورود في كتابه، فمن ذلك الأحاديث (١١١ - ١١٢ - ١١٣ - ١١٤. . . . .).

стр. 387

ففي الأول منها يذكر أبو داود حديث عبد خير الذي يصف وضوء علي ﵁ كما يلي: (حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة عن عبد خير قال: «أتانا علي ﵁ وقد صلى فدعى بطهور فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثا ثم تمضمض واستنثر ثلاثا فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى ثلاثا وغسل يده الشمال ثلاثا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ورجله الشمال ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله فهو هذا (١)». * وبعد ذلك أورد أبو داود رواية أخرى بسند آخر عن عبد خير هي: «صلى علي ﵁ الغداة ثم دخل الرحبة فدعا بماء فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست قال: فأخذ الإناء بيده اليمنى فأفرغ على يده اليسرى وغسل كفيه ثلاثا ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا (٣)». ثم ساق قريبا من حديث أبي عوانة قال ثم مسح رأسه مقدمه ومؤخره مرة ثم ساق الحديث نحوه (٤). ثم أورد الرواية الثالثة بسند ثالث عن عبد خير أيضا وفيها زيادة: «رأيت عليا ﵁ أتي بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يديه ثلاثا ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد (٥)» وذكر الحديث (٦). ثم أورد الرواية الرابعة عن زر بن حبيش: أنه «سمع عليا ﵁ وسئل عن وضوء رسول الله ﷺ فذكر الحديث. وقال: مسح على رأسه حتى لما يقطر، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ (٧)». * وإذا روى حديثا مختصرا نقل قول الراوي باختصاره، كما في الحديث ٤٩ فقد قال بعد أن أورده: (قال أبو داود: قال مسدد: فكان حديثا طويلا ولكني اختصرته) (٨).

стр. 388

طريقته واستقصاؤه كان أبو داود - كما سلفنا - يريد جمع أحاديث الأحكام التي يحتج بها الفقهاء وكان ذلك همه الأول، وقد استطاع أن يبلغ أكثر ما يريد، وهذا واضح من استعراض كتابه وهذا ما قرره العلماء أيضا. قال الدهلوي في " حجة الله البالغة ": (كانت همة أبي داود جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار فصنف " سننه " وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل) (١). وقال الدهلوي أيضا في صدد حديثه عن الترمذي وأنه جمع بين طريقة الشيخين الذين بينا وطريقة أبي داود الذي جمع كل ما ذهب إليه عالم من العلماء فقال: (كان استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما أبهما، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين وزاد) (٢) ويدلك على ذلك أنه يعقد بابا في جواز الشيء وكراهته، وهذا كثير جدا، مثل: (باب كراهة استقبال القبلة عند الحاجة) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) (٣) ومثل (باب الوضوء من مس الذكر) والباب الذي يليه (باب الرخصة في ذلك) (٤). وفي جمعه لكل ما ذهب إليه العلماء فوائد منها: بيان أن بعض الأحاديث أقوى من بعض، لا سيما عندما يعلق على واحد مضعفا إياه ويسكت عن آخر. ومنها بيان أن الأمر جائز مع الكراهة وليس حراما، أو هو رخصة. ومنها إتاحة الفرصة للإنسان لكي يوازن بين أقوال العلماء ويرجح ما ينصره الدليل ويعضده. * وقد ذكر هو في " رسالته إلى أهل مكة " أنه قصد جمع أكبر قدر ممكن من السنن التي عليها مدار الأحكام فقال: (فإن ذكر لك عن النبي ﷺ سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واه إلا أن يكون

стр. 389

في كتابي من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق لأنه يكبر على المتعلم ولا أعرف أحدا جمع على الاستقصاء غيري) (١). * ومن حرصه على الاستقصاء في جمع الأحاديث المتصلة بالأحكام أنه قد يورد الحديث دون سند بعد أن يكون قد أورد حديثا مسندا، كما في الحديث ١٦ وهو: (حدثنا عثمان وأبو بكر قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: «مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه (٢)». قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره «أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام (٣)». فالزيادة التي في الرواية الثانية قد أوردها هنا دون سند وبصيغة التمريض رغبة منه في الاستقصاء مع الاختصار؛ وذلك لأنه أوردها في باب التيمم بالسند وذلك في الحديث (٤) رقم ٣٣٠، ولكنه ذكر هناك ما يدل على ضعف هذا الحديث. - ومن طريقته أنه كثيرا ما يروي الحديث عن أكثر من شيخ وتارة عن ثلاثة وتارة عن أربعة. ففي الحديث ١٨٨ روى الحديث عن شيخين وكذا في ١٣٦٥. وفي الحديث ١٨٥ روى الحديث عن ثلاثة شيوخ. وفي الحديث ٩٩٢ روى الحديث عن أربعة شيوخ.

стр. 390

عناوينه للعناوين قيمة كبرى في كتب الحديث، ففيها يتجلى فقه المؤلف وعلمه واستنباطه الدقيق وفهمه، ذلك لأن جهده مقصور على تبويب هذه الأحاديث ووضع عنوان لكل طائفة منها والتعليق على بعضها، إذ كتابه في جمع الأحاديث وليس في شرحها. وسنذكر بعض الملاحظات حول عناوين أبي داود كما انتهينا إليها بعد شيء من الدراسة والتأمل: ١ - الناحية الفقهية بادية في عناوين أبي داود، وهذا أمر طبيعي، لأن الكتاب مؤلف على أساس فقهي

стр. 391

واضح، وهذه العناوين رؤوس مسائل فقهية بحثها الفقهاء. قال الدهلوي في " حجة الله البالغة ": (وترجم (١) على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليها ذاهب) (٢). وقد يجد الإنسان في هذه العناوين من المسائل الفقهية ما لا يكاد يجده في مطولات كتب الفقه. ٢ - عناوينه يغلب عليها الإيجاز، وتبدو هذه الخاصة واضحة إذا قارنا عناوين " السنن " بعناوين صحيح البخاري. ٣ - عناوين " السنن " مصوغة صياغة تغري قارئها وسامعها بقراءة أحاديث الباب التي تندرج تحته، ولنضرب بعض الأمثلة للتوضيح، فعناوين الكتاب كلها تصلح للتمثيل. لنأخذ العنوان الآتي: (باب الرجل ينعس والإمام يخطب) هذا العنوان لا يبين لنا مضمون الباب، ولا بد للإنسان من قراءة ما جاء في هذا الباب حتى يعرف: ما بال هذا الرجل الذي ينعس أثناء خطبة الإمام، والحديث برقم ١١١٩ وهو: (إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره) (٣). ولنأخذ العنوان الآتي: (باب من أدرك من الجمعة ركعة) كذلك هذا العنوان لا ينبئ عن مضمونه، ولا بد للراغب في المعرفة من قراءة الباب، والحديث برقم ١١٢١ وهو: «من أدرك من الجمعة ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (٤)». وكذلك العنوان: (باب الرد على الإمام) لا يدري قارئ العنوان: أيجوز الرد أم لا يجوز. حتى إذا قرأ ما جاء في الباب عرف، والحديث برقم ١٠٠١ وهو (عن سمرة: «أمرنا النبي ﷺ أن نرد على الإمام وأن نتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض (٥)». ٤ - وقد يأتي بعنوان كبير يسميه (جماع أبواب. .) أو (باب تفريع أبواب. .) وذلك كما في (باب تفريع أبواب الجمعة) (٦) وتحته ٣٨ بابا، و (جماع أبواب صلاة الاستسقاء وفروعها) (٧) وتحته ثلاثة أبواب. ٥ - وقد يأتي الباب خاليا من العنوان، ويقتصر المؤلف فيه على ذكر (باب) كما في كتاب " الصلاة " (٨). ٦ - وقد يأتي بالعنوان بصيغة الإثبات، والحديث يدل على النفي. كما في الحديث ٦١٦ فالعنوان: باب الإمام يتطوع في مكانه. والحديث هو:

стр. 392

«لا يصل الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول (١)». وربما كان ذلك على تقدير (حكم الإمام. .) وجرى على طريقته في إغراء قارئ العنوان بقراءة ما ورد في الباب، وربما كان ذلك عندما يكون الحديث ضعيفا، فالحديث المثال ضعيف بسبب الانقطاع، بينه أبو داود بقوله: (عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) (٢). ٧ - قد يأتي بالعنوان بصيغة الاستفهام، من ذلك مثلا قوله (باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟) (٣) وقوله (كيف التكشف عند الحاجة؟) (٤) وقوله (إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟) (٥) وتختلف دلالة هذا الاستفهام من عنوان إلى عنوان. فهو يدل أحيانا على عدم جزم المؤلف بالحكم، وأحيانا أخرى يدل على الكيفية. وهو كثير جدا (٦). ٨ - وربما لا ينطبق العنوان على المضمون أو لا يدل على المقصود إلا بعد طول تأمل: فمن ذلك عنوان (من جهر بها) أي بالبسملة. ففي هذا الباب ثلاثة أحاديث: أولها في عدم وجود البسملة في سورة براءة وثانيها في أن النبي ﷺ قبض ولم يبين لنا أنها منها وثالثها في أن النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم (٧). وقال صاحب " عون المعبود ": (والاستدلال بهذا الحديث وكذا بكل حديث يدل على أن البسملة من القرآن على الجهر بها ليس بصحيح) (٨) وكأنه بذلك يقول: إن حجة القائلين بذلك واهية ولا دليل لهم؛ لأن هذه الأحاديث لا تدل على رأيهم. ٩ - وقد يجيء حديث لا يناسب عنوان الباب الذي هو فيه، بينما هو يناسب عنوان الباب الذي قبله. كما في الحديث (٨٨٧) الوارد في باب مقدار الركوع والسجود (٩)، وليس فيه ما يتصل بموضوع الباب بل هو في موضوع الدعاء في الصلاة لأن فيه «من قرأ منكم فانتهى إلى آخرها فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين (١٢)». وهذا الموضوع يناسب موضوع الباب السابق وهو (باب الدعاء في الصلاة) (١٣). وفي مثل هذه الحالة قد يكون هذا الترتيب المغلوط عائدا إلى أن النساخ نقلوا حديثا أو عنوانا من موضع إلى موضع.

стр. 393

تعليقاته سبق أن تحدثت عن تبويب الكتاب وعن عناوينه وعن المنهج الذي انتهجه أبو داود في اختياره وأود فيما يأتي أن أتحدث عن تعليقاته، وهذه الأمور - كما أسلفت - هي التي تمثل جهد المؤلف وعلمه. ويحسن أن أبادر إلى بيان أني لا أعني بالتعليقات هنا المصطلح الحديثي لها وإنما أريد بها ما يورد أبو داود من كلام له علاقة بالحديث. مواضعها ومقدارها: - أما مواضعها فهي إما أن تكون خلال إيراده الحديث، ومن ذلك الحديث رقم ٩٨٠ فقد مر رجل اشتهر أبوه بحادثة مهمة فعرف بأبيه حرصا على الفائدة: (حدثنا القعنبي عن مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر أن محمد بن عبد الله بن زيد - وعبد الله بن زيد هو الذي أري النداء بالصلاة - أخبره عن أبي مسعود. . .) (١) فالتعليق هنا كان في جملة اعتراضية حرصا على إفادة القارئ والسامع. وقد يعترض بجملة معترضة ليزيل الالتباس، كما لو جاء أحد الرواة كنية فيذكر لنا اسم هذا الراوي كما في الحديث رقم ٣٢ ففيه: (حدثني أبو أيوب - يعني الأفريقي - عن عاصم). وإما أن تكون التعليقات بعد إيراده الحديث. وهذا هو الغالب عليها. ولا حاجة للتمثيل عليها لأن كل الأمثلة القادمة هي من هذا النوع. - وأما مقدارها، فهو يتفاوت من حديث إلى آخر. فبينما يكون التعليق جملة مختصرة إذا بنا نراها تبلغ أحيانا ما يقرب من صفحة. مضمونها: يمكن أن تصنف هذه التعليقات حسب الموضوع الذي تدور حوله، وسنورد ما وقفنا عليه من دراستنا لكتاب " السنن ": ١ - كلامه حول الرجال: تعتبر هذه التعليقات من الملاحظات الحديثة بوجه عام، ومقدارها في " السنن " لا بأس به، ولو جمعت هذه الملاحظات في الرجال والمتون ونسقت لتكون منها بحث لطيف. ونستطيع أن نصنف كلامه في الرجال في زمرتين: الأولى: كلامه في التعريف بهم وذكر أنسابهم والتحقيق في المختلف فيه منها وتبيان ما اعتراها من تصحيف وغلط.

стр. 394

والثانية: كلامه في جرحهم وتعديلهم.

стр. 395

التعريف من الأمثلة على التعريف بالرجال أنه أورد الحديث ١٠٦٧ وهو عن الصحابي طارق بن شهاب فقال: (قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئا) (١). ومن ذلك تعريفه قعنب أحد رواة الحديث ٢٤٩٦ فقد عرفه تعريفا مفصلا فقال: (قال أبو داود: كان قعنب رجلا صالحا، وكان أبي ليلى أراد قعنبا على القضاء فأبى عليه، وقال: أنا أريد الحاجة بدرهم فأستعين عليها برجل قال: وأينا لا يستعين في حاجته؟ قال: أخرجوني حتى أنظر، فأخرج، فتوارى. قال سفيان: بينما هو متوار إذ وقع عليه البيت فمات) (٢). ومن ذلك تعريفه بأبي العباس أحد رواة الحديث ٢٥٢٩ وهو (محمد بن كثير، حدثنا سفيان - عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أجاهد؟ قال: ألك أبوان؟ قال: نعم. قال: " ففيهما جاهد (٣)». قال أبو داود: أبو العباس هذا: الشاعر، اسمه السائب بن فروخ) (٤). ومن ذلك تعريفه سليمان أحد رواة الحديث ٩٧٥ فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق) (٥). ومن ذلك تفسيره نسبة أبي مصبح المقرائي أحد رواة الحديث ٩٣٨ فقد قال بعد أن أورد الحديث يفسر هذه النسبة: (قال أبو داود: المقراء قبيل من حمير) (٦). ومن ذلك تعريفه بأبي زيد أحد رواة الحديث رقم ١٠ فقد رأى أن ذكر الكنية وحدها لا يكفي فقال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة) (٧).

стр. 396

ومن ذلك تبيينه المراد من أبي شجرة أحد رواة الحديث رقم ٦٦٦ فقد قال بعد أن أورد الحديث: (قال أبو داود: أبو شجرة كثير بن مرة) (١). وقد يبين بالتعليق بلد الراوي كما فعل في جعفر بن يحيى بن ثوبان أحد رواة الحديث ٦٧٢. فقد قال (قال أبو داود: جعفر بن يحيى من أهل مكة) (٢). وقد يكون حديثه عن الرجل في هذه التعليقات تصويبا لخطأ وتصحيف أو تحقيقا لاسم اختلف فيه: فمن ذلك تصويبه لاسم أحد رواة الحديث ٢٥٢٢ وهو رباح بن الوليد الذي ورد مقلوبا مغلوطا كما يلي: (حدثنا أحمد بن صالح، ثنا يحيى بن حسان، ثنا الوليد بن رباح الذماري حدثني عمي نمران بن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء. . .) فقد قال مصوبا هذا الخطأ: (قال أبو داود: صوابه رباح بن الوليد) (٣). ومن ذلك إشارته إلى قول آخر في اسم الرجل الوارد في الحديث وقد يكون أحدهما تصحيفا للآخر، كما في الحديث ١٠٠٧ الذي جاء فيه: «صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رمثة فقال: صليت هذه الصلاة أو مثل هذه الصلاة مع النبي ﷺ (٤)». قال أبو داود عقب الحديث: (قال أبو داود: وقد قيل (أبو أمية) مكان (أبي رمثة) (٥). ومن ذلك تحقيقه اسم أحد رواة الحديث ٦٣ وهو محمد بن عباد بن جعفر فقد ورد في رواية مغلوطا فذكر القولين ثم رجح الصواب. وهذا الحديث رواه عن ثلاثة شيوخ وهم محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي. وجاء اسم الراوي في سنده هكذا (محمد بن جعفر بن الزبير) ثم قال: (قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء. وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر. قال أبو داود: وهو الصواب) (٦). وقد يورد أقوالا مختلفة في اسم راو ولا يرجح. كما في الحديث ٨٨٨ فقد جاء في سنده اسم أحد الرواة: وهب بن فانوس. وبعد أن أورد الحديث قال: (قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: قلت له: مأنوس أو مأبوس. قال: أما عبد الرازق فيقول: مأبوس، وأما حفظي فمأنوس) (٧) ولم يرجح.

стр. 397

الجرح والتعديل إن تعليقات أبي داود التي تتناول الرجال جرحا وتعديلا كثيرة لن نستطيع استقصاءها وسترد أمثلة كثيرة منها الفقرة الآتية التي نتحدث فيها عن كلامه في تضعيف الحديث، ومن أجل ذلك فسأورد بعض الأمثلة هنا اكتفاء بما سيمر بنا في تضعيفه الحديث. وهو - في جرحه للرجال - إما أن يورد قوله فيهم فقط دون أن ينقل عن بعض العلماء وإما أن يكون الحكم عليهم منقولا عن الأئمة الذين تقدموه. فمن الأمثلة على جرحه الرجال قوله في (عبد السلام بن حرب) أحد رواة الحديث رقم ١٤: (وهو ضعيف) (١). ومن ذلك قوله في (أبان بن طارق) أحد رواة الحديث رقم ٣٧٤١: (إنه مجهول) (٢). وقد يورد الحكم على الرجال منقولا عن العلماء كما فعل في الحكم على (عبد الرحمن بن إسحاق) أحد رواة الحديث ٧٥٨ فقد نقل عن الإمام أحمد تضعيفه إياه قال: (قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يضعف عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي) (٣).

стр. 398

٢ - كلامه في تضعيف الحديث لو ذهبت أستقصي تعليقاته في تضعيف الحديث لخرجت عن حدود البحث التي رسمتها لكثرتها مع تنوعها، ولكنني أذكر ما يعطي الفكرة النيرة عن تعليقاته في هذا الموضوع. فمن الأمثلة على تضعيفه للحديث وبيانه سبب الضعف ما رواه عن شيخه محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة البصري في الحديث رقم ٧٠٤ ونصه: (عن ابن عباس - قال أحسبه - عن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفة بحجر (١)». ثم قال المؤلف معلقا:

стр. 399

قال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيء، كنت أذاكر به إبراهيم وغيره، فلم أر أحدا جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحدا جاء به عن هشام. وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة يعني محمد بن إسماعيل البصري مولى بني هاشم. والمنكر فيه ذكر المجوسي، وفيه: على قذفه بحجر، وذكر الخنزير. وفيه نكارة قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه) (١). ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث ١٩ فقد بين درجته ثم ذكر سبب الضعف ونصه: (عن همام، عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (٢)». قال: (قال أبو داود: هذا حديث منكر) ثم قال ذاكرا سبب الضعف: (وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن «النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه (٣)». والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام) (٤). ومن الأمثلة على ذلك تعليقه على الحديث رقم ١٣٢ فقد نقل إنكار أحمد وابن عيينة للحديث؛ وفي سنده (عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده) (قال أبو داود: قال مسدد: فحدثت به يحيى فأنكره، وقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره ويقول: إيش هذا: طلحة عن أبيه عن جده) (٥). ومن الأمثلة على ذلك تضعيفه للحديث ببيان انقطاعه أي أن أحد الرواة لم يدرك الآخر، وهذا ما يعبر عنه علماء الحديث بالانقطاع كما في الحديث ٦١٦ الذي جاء في سنده: (. . عبد العزيز بن عبد الملك ثنا عطاء الخراساني، عن المغيرة بن شعبة). قال أبو داود في تعليقه عليه: (قال أبو داود: عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة بن شعبة) (٦). ومن ذلك تعليقه على الحديث ١٩٧٨ وقد جاء في سنده أن الحجاج يروي عن الزهري فقال في نقده: (قال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه) (٧). ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم ١٦٥ وفي سنده (. . أخبرنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة. .) فقال أبو داود يضعفه (وقال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء) (٨).

стр. 400

ومن ذلك تضعيفه للحديث بنقل أقوال بعض العلماء في توهين الحديث كما في الحديث ١٠٠٤ وهو: " حذف السلام سنة " فقد قال عقبه: (قال عيسى: نهاني ابن المبارك عن رفع هذا الحديث. قال أبو داود: سمعت أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال: لما رجع الفريابي (وهو أحد رواة الحديث) من مكة ترك رفع هذا الحديث وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه) (١). ومن تضعيفه للحديث نقلا عن بعض العلماء تعليقه على الحديث رقم ٢٠٢ فقد قال عقبه: (قال أبو داود: قوله: الوضوء على من نام مضطجعا هو حديث منكر لم يروه إلا أبو يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة) ثم قال: (قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاما له وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؛ ولم يعبأ بالحديث) (٢). وقد يضعف الحديث بالحكم عليه بأنه وهم دون أن يذكر سبب حكمه كما في فعل في الحديث رقم ٩٤٤ «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها». يعني الصلاة قال أبو داود: هذا الحديث وهم) (٣). وقد يضعف الحديث بالحكم عليه بأنه ليس بالقوي، كما فعل في الحديث رقم ١٥٨ فقد قال في عقبه: (قال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي. ورواه ابن أبي مريم ويحيى بن إسحاق والسليمي عن يحيى بن أيوب، وقد اختلف في إسناده) (٤). وكما في الحديث رقم ١٥٩ فقد قال عقبه: (قال أبو داود: وروي هذا أيضا عن أبي موسى الأشعري «عن النبي ﷺ أنه مسح على الجوربين (٥)» وليس بالمتصل ولا بالقوي) (٦).

стр. 401

٣ - فوائد حديثية في تعليقات أبي داود فوائد حديثية أخرى ليست مقصورة على مبحث التصحيح والتضعيف، وسنذكر بعضا منها:

стр. 402

فمن هذه الفوائد تعليقه على بعض الأحاديث بأن ينبه بأن رواة هذا الحديث كلهم مثلا من بلد معين، وهذه مزية خاصة للسند ويدعو بعضهم الحديث الذي يكون سنده كذلك بالحديث المسلسل (١) فمن ذلك تعليقه على الحديث رقم ٩١ حيث قال: (قال أبو داود: هذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد) (٢). ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم ١٥٥ حيث قال: (قال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل البصرة) (٣). ومن ذلك تعليقه على الحديث رقم ٨٧٠ حيث قال بعده: (قال أبو داود: وهذه الزيادة نخاف ألا تكون محفوظة. قال أبو داود انفرد أهل مصر بإسناد هذين الحديثين: حديث الربيع وحديث أحمد بن يونس) (٤). ومن هذه الفوائد الحديثية: إشارته إلى أن هذا الحديث لم يسند إلا من هذا الطريق كما جاء في تعليقه على الحديث رقم ١٥ حيث قال (قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار) (٥). ومن الفوائد الحديثية ما يجريه من الموازنة بين روايتين يوردهما. فقد أورد الحديثين ١٠٥٣ و١٠٥٤؛ أحدهما في أن كفارة من ترك الجمعة دينار، وهو عن همام. وثانيهما في أن كفارة من ترك الجمعة درهم - وهو عن أبي العلاء أيوب. وقال بعد أن أوردهما. (قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن اختلاف هذا الحديث فقال: همام عندي أحفظ من أيوب يعني أبا العلاء) (٦). وكذلك فقد أورد الحديث ١٠٢٤ وهو: (حدثنا محمد بن العلاء، ثنا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «" إذا

стр. 403

شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان. وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماما لصلاته وكانت السجدتان مرغمي الشيطان (١)». قال أبو داود: رواه هشام بن سعد ومحمد بن مطرف عن زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، وحديث أبي خالد أشبع) (٢). واكتفى بهذه الموازنة ولم يورد حديث ابن سعد ولا ابن مطرف. وقد يعبر عن تفضيله لإحدى الروايتين بأن حديث فلان أتم، كما صنع في الحديث رقم ٤٥ حيث قال: (قال أبو داود: وحديث الأسود بن عامر أتم) (٣)، وكما صنع في الحديث رقم ٦٢ فقد رواه عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن يزيد، ثم أورد تحويلا فقال: (ح وحدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس قالا: ثنا عبد الرحمن بن زياد. قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أتقن) وبعد أن أورد الحديث قال: (قال أبو داود: وهذا حديث مسدد وهو أتم) (٤). ومن الفوائد الحديثة التي نجدها في التعليقات ما يتصل بمفهوم المصطلحات كالمرسل، فإن المرسل عند جمهور العلماء هو الحديث الذي سقط منه الصحابي ومنهم من يعم فيطلق المرسل على كل حديث سقط منه راو، ويبدو أن أبا داود من هؤلاء؛ يدل على ذلك تعليقه على الحديث ٨٨٦ وسنده: (حدثنا عبد الملك بن مروان الأهوازي، ثنا أبو عامر وأبو داود عن ابن أبي ذئب عن إسحاق بن زيد الهذلي، عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود. . . إلخ. .). قال أبو داود: (هذا مرسل: عون لم يدرك عبد الله) (٥). ومن الفوائد الحديثية أنه يذكر أحيانا أن هذا الراوي لم يخرج له في كتابه إلا هذا الحديث كما صنع في الحديث ١٠٣٦ فقد أخرجه عن جابر الجعفي وهو رافضي كذاب، فقال بعد أن أورده: (قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث) (٦).

стр. 404

وكأنه يعتذر بذلك لضعف جابر، وأظن أن مثل هذا التعليق إنما كان من أبي داود في قراءاته المتأخرة للكتاب وليس من تأليفه الأول.

стр. 405

٤ - التعريف بالأمكنة ويشغل هذا المقصد حيزا ليس بالقليل من التعليقات، ويبحث أبو داود في هذا الأمر بحثا موضوعيا ميدانيا - على التعبير الشائع - فيقوم بنفسه بقياس الأمكنة المذكورة في الحديث ورؤيتها والبحث في التطورات التي حصلت عليها ويصفها كما رآها. وهذا تفكير علمي صحيح وأسلوب من التحقيق اليقيني في مثل هذه الموضوعات، ومن الأمثلة على ذلك تحقيقه لموضع (بئر بضاعة) وقياسها ووصفها؛ فهو بعد أن أورد الحديث المشهور عن هذه البئر التي سئل النبي ﷺ عن الوضوء فيها على الرغم مما يطرح فيها من الفضلات فقال ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء (١)». وبعد أن أورد المؤلف روايتين للحديث قال: (قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها. قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماء متغير اللون) (٢) فهو أولا يروي ما سمعه عن قتيبة بن سعد ويقره عليه؛ لأنه بعد أن زار البئر لم يذكر لنا خلاف ما روى. ثم يذكر أنه هو بنفسه قاسها فوجد عرضها ستة أذرع، ويحكي لنا الطريقة التي استخدمها في هذا القياس وهي مد ردائه عليها ثم ذرعه، ويحكي لنا أنه خشي أن يكون بناؤها قد غير عما كان عليه زمن الرسول، فسأل المشرف عليها الذي فتح له باب البستان الذي يضمها. فتأكد من أنها على حالها ثم وصف الماء الذي فيها بأنه متغير اللون. وهذا صنيع علمي دقيق محمود. وكذلك فقد عرف المكان الوارد في الحديث ٣٧ وهو حصن باب أليون فقال: (قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل) (٣).

стр. 406

٥ - ذكر مناسبة ورود الحديث من التعليقات إيراده مناسبة الحديث وغالبا ما يفعل ذلك إذا كان فيه تعارض مع حديث آخر. مثال ذلك أنه أورد حديثا يمنع الالتفات في الصلاة (١) وهو برقم ٩٠٩ ثم جاء بحديث آخر برقم ٩١٦ يرخص في ذلك، وفيه «فجعل رسول الله يصلي وهو يلتفت إلى الشعب (٢)». قال أبو داود: (وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل) (٣) وقد أورد الحديث مفصلا (٤) برقم ٢٥٠١ وكأني به يريد أن يقول إن الأصل عدم الالتفات إلا أن يكون هناك داع تحتمه المصلحة كما في هذا الحديث؛ إذ أن الرسول ﷺ أرسل فارسا إلى الشعب ليلا يحرس، فلما وقف ﷺ لصلاة الصبح جعل يلتفت، لهذا الاعتبار. ومن المفيد أن نشير إلى أن هناك كتبا ألفت في بيان مناسبات الحديث من أشهرها كتاب " البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف " (٥) للعلامة المحدث السيد إبراهيم بن محمد كمال الدين نقيب مصر ثم الشام الشهير بابن حمزة الحسيني الدمشقي المتوفى سنة ١١٢٠.

стр. 407

٦ - شرح الكلمات من أكثر التعليقات ورودا شرحه الكلمات الواردة في الأحاديث وهو على أنواع: فمنها شرحه المفردة الغريبة دون أن يذكر في الشرح أحدا من العلماء والشراح كما فعل في الحديث ١٣٢ حيث قال: (حتى بلغ القذال وهو أول القفا) (١) وكذلك فعل في الحديث ١٤٢ قال: (فأتينا بقناع والقناع الطبق فيه تمر) (٢) ومن الملاحظ أن هذه الشروح وردت خلال النص، وأحيانا يكون الشرح عقبه، وهكذا فعل في الحديث ٩٤٧ وهو: (عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة (٣)»، قال أبو داود يعني يضع يده على خاصرته) (٤). وكذلك فعل في الحديث ٣٧١٥ وهو: «قالت سودة: بل أكلت مغافير. قال: بل شربت عسلا سقتني حفصة. فقلت: جرست نحله العرفط (٥)». (قال أبو داود: المغافير: مقلة، وهي

стр. 408

صمغة. وجرست: رعت، العرفط: نبت من نبت النحل) (١). وقد ينقل هذا الشرح عن عالم من علماء غريب الحديث: كما في الحديث ٣٦٨٥ وهو: «نهى ﷺ عن الخمر والميسر والغبيراء وقال: " كل مسكر حرام (٢)». قال أبو داود: (قال ابن سلام أبو عبيد: الغبيراء السكركة تعمل من الذرة، شراب يعمله الحبشة) (٣). وقد تكون الكلمة واضحة المعنى في ذاتها غير أن المراد منها يحتاج إلى إيضاح فيتولى شرح ذلك. كما في الحديث ٦٦٦ الذي ورد فيه قوله ﷺ : «ولينوا بأيدي إخوانكم (٤)» فقال في شرحها: (قال أبو داود: ومعنى «لينوا بأيدي إخوانكم (٥)». إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف) (٦). وكما في حديث أنس برقم ٤١٣ الذي فيه «حتى إذا اصفرت الشمس (٧)» فقد أورد بعد ذلك شرحا لهذه الجملة مسبوقا بسند ينتهي إلى الأوزاعي صاحب الشرح فقال: (حدثنا محمود بن خالد، ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو - يعني الأوزاعي -: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمس صفراء) (٨). وقد يكون شرحه للكلمة بيانا للحكم الفقهي. مثال ذلك شرحه لكلمة (عجماء) الواردة في الحديث ٤٥٩٣ من قوله ﷺ : «العجماء جرحها جبار (٩)». فقال: (قال أبو داود: العجماء: المنفلتة التي لا يكون معها أحد وتكون بالنهار لا تكون بالليل) (١٠). فهو في هذا الشرح إنما يبين المراد من كلمة العجماء في الحديث ممزوجا بالحكم الفقهي ولا يشرح الكلمة من الناحية اللغوية، فبين أن جرحها جبار عندما تكون منفلتة ليس معها أحد، وهذا خاص بالنهار. أما في الليل فلا بد من مسؤولية تترتب على صاحبها إن فرط.

стр. 409

٧ - آراء فقهية سبق أن رأينا أن آراء الرجل الفقهية نستطيع أن نجدها في عناوين الأبواب من كتابه ونود هنا أن نتحدث عن الآراء الفقهية الكثيرة التي نقف عليها خلال تعليقاته على الأحاديث في كتاب السنن. ويمكن أن تصنف آراءه أنواعا عدة: فمن هذه الآراء الفقهية آراء ينسبها لجماعة من الصحابة أو التابعين. فهو يقول بعد الحديث ١٥٩: (قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك وأبو أمامة، وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس) (١) وهو في هذا يؤيد القول بالمسح على الجوربين بنقله عن هؤلاء الصحابة الذين يرون هذا الرأي. ويقول في باب سجود السهو تعليقا على الحديث ١٠٣٥ (قال أبو داود: وكذلك سجدهما ابن الزبير قام من ثنتين قبل التسليم، وهو قول الزهري) (٢). وفي باب الاحتباء والإمام يخطب أورد حديثين: أولهما: برقم ١١١٠ عن معاذ بن أنس «أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب (٣)»، وفي سند هذا الحديث سهل بن معاذ وأبو مرحوم، وقد تكلم فيها. ثانيهما: برقم ١١١١ عن يعلى بن شداد قال: شهدت مع معاوية بيت المقدس فجمع بنا، فنظرت فإذا جل من في المسجد أصحاب النبي ﷺ فرأيتهم محتبين والإمام يخطب. قال أبو داود: كان ابن عمر يحتبي والإمام يخطب وأنس بن مالك وشريح وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي، ومكحول، وإسماعيل بن محمد بن سعد، ونعيم بن سلامة قال: لا بأس بها.

стр. 410

قال أبو داود: ولم يبلغني أن أحدا كرهها إلا عبادة بن نسي) (١). وكأن إيراده ذلك عنهم بعد أن أورد حديثين متعارضين تأييد لأحدهما ورد للآخر، وقد رأينا أنه رد حديث النهي عن الحبوة بأن في سنده رجلين تكلم فيهما. وكذلك فعل بعد الحديث ١٥٢. قال: (قال أبو داود: أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون من أدرك الفرد من الصلاة عليه سجدتا السهو) (٢). وقد يورد آراء بعض التابعين، والأمثلة كثيرة يطول ذكرها. وقد ينقل آراء العلماء التي تتضمن آراء فقهية، فمن ذلك نقله أقوال العلماء في تحديد بعض المقادير. كما فعل بعد أن أورد حديث اغتسال النبي ﷺ بالصاع ووضوئه بالمد رقم ٩٥ قال: (قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب وهو صاع النبي ﷺ ) (٣). ومن أمثلة نقله آراء العلماء الفقهية تعليقه على الحديث ٨٨٤ قال: (قال أبو داود: قال أحمد: يعجبني في الفريضة أن يدعو بما في القرآن) (٤). وقد وجدت أبا داود في نقله آراء العلماء الفقهية يغلب عليه الاختصار والإيجاز، وقد وجدته مرة يطيل في نقل ذلك إطالة تلفت النظر، وذلك في باب (من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة) (٥). ومن هذه الآراء الفقهية آراء اجتهادية تثبت لنا مقدرته الفقهية ووزنه الراجح في ذلك وهذا كثير ونكتفي بالإشارة إلى بعض الأمثلة. علق على الحديث رقم ٣٤٢ التعليق الآتي:

стр. 411

قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه من غسل الجمعة وإن أجنب) (١). وأورد حديثين في قراءة صلاة المغرب أحدهما يدل على الإطالة وهو برقم ٨١٢ والآخر يدل على التخفيف وهو برقم ٨١٣ ثم ذهب إلى أن حديث التخفيف في القراءة نسخ حديث الإطالة فقال: (قال أبو داود: هذا يدل على أن ذاك منسوخ وهذا أصح) (٢). وأورد عددا من الأحاديث الصحيحة عن عثمان ﵁ في مسح الرأس فقال: (قال أبو داود: أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا، وقالوا فيها: (ومسح رأسه) ولم يذكروا عددا كما ذكروا في غيره) (٣). ففي هذا التعليق رأي أبي داود الفقهي في مسألة مسح الرأس في الوضوء وأنه مرة واحدة. وفيه طريقة الاستنتاج وهي المقارنة بين المغسول والممسوح، فقد ذكروا العدد في غير المسح ولم يذكروه في المسح. ومن هذه التعليقات تعليقات أصولية كما ترى في تعليقه على الحديث رقم ٧٢٠ فقد أورد أبو داود أحاديث متعارضة في قطع الصلاة، وذكر عقب ذلك الخطة التي ينبغي أن ننتهجها إزاء ذلك فقال: (قال أبو داود: إذا تنازع الخبران عن رسول الله ﷺ نظر إلى ما عمل به أصحابه بعده) (٤) وفي التعليقات روايات عن بعض التابعين يعلل فيها حكما منقولا عن النبي ﷺ . فقد جاء بحديث عبد الله بن سرجس وهو برقم ٢٩ أن رسول الله ﷺ نهى أن يبال في الجحر. قال (٥): قالوا لقتادة: ما يكره (٦) من البول في الجحر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن " (٧). فنحن نرى أن أبا داود يورد كلام قتادة كتعليل للحكم، وقتادة يورده على صيغة لا تدل على الجزم: (كان يقال. . .).

стр. 412

٨ - المصطلحات في تعليقات أبي داود عدد من المصطلحات نذكر منها ما يلي:

стр. 413

(وذكر الحديث) (ساق قريبا من حديث فلان) (ساق الحديث نحوه) (بإسناده ومعناه) (بمعناه). وانظر الأحاديث ١١١ - ١١٢ - ١١٣ - ١٨٣ - ٣٤ ويبدو أن مقتضى الاختصار مع الدقة والوضوح هو السبب في استعمال المؤلف لهذه المصطلحات؛ لأن هذه المصطلحات إنما يوردها أبو داود بعد أن يأتي بحديث ويريد أن يأتي بآخر. ورأيته مرة استعمل كلمة (مقصور) بدل كلمة (موقوف) وكلمة (أسنده) بدل (رفعه). وذلك في الحديث ١٠٥٦ وهو: (حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن محمد بن سعيد، عن أبي سلمة بن نبيه عن عبد الله بن هارون عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «" الجمعة على كل من سمع النداء (١)». ثم قال: (قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورا على عبد الله بن عمرو. ولم يرفعوه وإنما أسنده قبيصة) (٢).

стр. 414

تعليقات غامضة وهناك بعض التعليقات الغامضة التي لا تفهم إلا بعد طول نظر وتأمل، ومن ذلك التعليق الآتي مع سند الحديث رقم ٩٧٥. حدثنا محمود بن داود بن سفيان، ثنا يحيى بن حسان ثنا سليمان بن موسى أبو داود، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه سليمان بن سمرة. عن سمرة بن جندب أما بعد «أمرنا رسول الله ﷺ إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدءوا قبل التسليم فقولوا: التحيات الطيبات والصلوات والملك لله ثم سلموا على اليمين ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم (١)». قال أبو داود: سليمان بن موسى كوفي الأصل كان بدمشق. قال أبو داود: دلت هذه الصحيفة على أن الحسن سمع من سمرة (٢).

стр. 415

وغموض التعليق جاء من أنه لم يرد للحسن ولا للصحيفة ذكر. وشرح هذا التعليق كما يأتي: قال في " عون المعبود ": (وفي سنن أبي داود في باب اتخاذ المساجد في الدور: عن سمرة بن جندب أنه كتب إلى بنيه: (أما بعد فإن رسول الله ﷺ . . .) الحديث فثبت أنه كان عند أبناء سمرة صحيفة من سمرة، وأنهم جمعوا ما كتب إليهم سمرة فصارت هذه المكاتيب بمنزلة الصحيفة والكتاب. وأما قول المؤلف: (دلت هذه الصحيفة. . .) فوجه دلالتها وتعلقها بالباب أن هذا اللفظ الذي رواه سليمان بن سمرة عن أبيه بقوله (أما بعد فإن رسول الله ﷺ . .) من ألفاظ الصحيفة التي أملاها سمرة ورواها عنه ولده سليمان، فأراد أبو داود أن سليمان بن سمرة كما صح سماعه من أبيه بهذه الصحيفة وغيرها كذلك الحسن البصري صح سماعه بهذه الصحيفة وغيرها من سمرة؛ لأن كلا منهما أي سليمان بن سمرة وكذا الحسن بن يسار من الطبقة الثالثة، فدل ذلك أن الحسن سمع من سمرة كما أن سليمان بن سمرة سمع من أبيه سمرة؛ لأنهما من الطبقة الثالثة فلما سمع سليمان من أبيه سمرة فلا مانع أن يكون الحسن سمع منه، وأن أبا داود من القائلين بأن الحسن البصري ثبت سماعه من سمرة. .) (١).

стр. 416

مخطوطات كتاب سنن أبي داود ذكر بروكلمان وفؤاد سزكين مواضع وجود مخطوطات كاملة ومخطوطات ناقصة من هذا الكتاب، وقد كدت أنقل ذلك بأرقامه وعدد صفحات الموجود منه، ولكني لم أجد في ذلك كبير فائدة فرأيت أن أشير إلى أماكن وجودها، وبإمكان الراغب في الاطلاع عليها أن يرجع إلى هذين الكتابين: برلين - ميونخ - باريس - يني جامع - أيا صوفيا - نور عثمانية - كوبريلي - مراد ملا - سليم آغا - شهيد علي - حكيم - الفاتم - جار الله - حسن حسني - الحميدية - خالد أفندي - مهرشاه - لاله لي - فيض الله رئيس الكتاب - مكتبة جامعة إستامبول - عاطف - أنقرة صائب الرباط - تشستر بيتي - منجانا - تيمور - طلعت - بلدية الإسكندرية - الأوقاف ببغداد - عليكرة - سبحان - بريل - بودليانا - الجزائر - دمشق - حلب - داماد زاده - سليمانية - يوسف آغا - تلمسان - مكتبة القرويين بفاس - مكتبة جامع الزيتونة - بنيكيبور - آصفية - رامبور - المتحف البريطاني.

стр. 417

وكنت أتمنى لو أنه كان بإمكاني أن أتعرف إلى كل من هذه المخطوطات وبأية رواية هي؟ وهناك مخطوطات أخرى في غير هذه الأمكنة ولكننا لم نقف عليها. ولعل من أهمها تلك المخطوطة النفيسة التي وقف عليها الصديق العلامة الزميل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي وقد أخبرني أنها موجودة في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة، وقد ابتدأت بأحاديث من الباب الذي يسبق باب (من ترك القراءة في صلاته) وانتهت بباب (صوم الدهر تطوعا). وهي برواية أبي بكر محمد بن بكر. . ابن داسة وعليها سماعات وقراءات، وعورضت النسخة بأصل الشيخ أبي الحسن ماسرجسي ﵀ وذكر الاختلاف بهامش النسخة. ولعل من أهم هذه المخطوطات مخطوطة نفيسة لا أدري مكان وجودها على وجه اليقين وإن كنت أظن أنها موجودة في مكة وقد وقفت على أمرها من نظري في نسخة سنن أبي داود المطبوعة التي كان يملكها الشيخ عبد الظاهر أبو السمح. إمام الحرم المكي ﵀، فقد قابل بعض طلبة العلم نسخة السنن المطبوعة بإشراف محمد محيي الدين عبد الحميد على هذه المخطوطة وقد نظرت فيها وأفدت منها كثيرا.

стр. 418

طبعاته طبع هذا الكتاب مرات عديدة، ولكنه لم يطبع حتى الآن طبعة محققة. ونورد فيما يأتي الطبعات التي ذكرها سركيس وبروكلمان وسزكين وسنزيد عليها ما وقفنا عليه. وكنت أود أن أتكلم على كل طبعة بكلمة وصفية نقدية، غير أن ذلك لم يتيسر لي الآن؛ لأنني لم أستطع رؤية جميع هذه الطبعات وقد تتهيأ لي فرصة في المستقبل لذلك: ١ - طبع بجزأين في المطبعة الكاستيلية بمصر سنة ١٢٨٠ هـ بعناية الشيخ نصر الهوريني ﵀ (١). ٢ - وذكر بروكلمان (٢) أنه طبع سنة ١٢٧١ - ١٢٧٢ في دهلي بالهند. ٣ - وطبع بجزأين مع شروح على الهامش في الهند بدلهي سنة ١٢٨٣. ٤ - وطبع جزء واحد منه مع شروح على الهامش في دهلي سنة ١٨٩٠ م وعدد صفحاته ١٦٨. ٥ - وطبع بجزء واحد في لكناو سنة ١٨٤٠. ٦ - وطبع في لكناو سنة ١٨٧٧ - ١٨٨٨.

стр. 419

٧ - وطبع في لكناو سنة ١٣٠٥. ٨ - وطبع بجزء واحد في حيدر آباد سنة ١٣٢١ هـ وصفحاته ٣٩٣. ٩ - وطبع بجزأين مع شرح لأبي الحسنات محمد الفنجاني وذلك في لكناو سنة ١٣١٨ هـ. ١٠ - وذكر بروكلمان أنه طبع أيضا بهامش شرح الموطأ للزرقاني سنة ١٣١٠ هـ - ١٣٢٠ هـ في القاهرة. ١١ - وطبع بأربعة أجزاء مع شرح واسع جيد وهو " عون المعبود " في الهند سنة ١٣٢٣، وسنتحدث عن هذا الشرح فيما بعد، والذي يهمنا هنا هو متن أبي داود، وأستطيع أن أقرر أن هذه الطبعة هي أصح ما رأيت من الطبعات وأفضلها وأكثرها تحقيقا. فقد ذكر الشارح الأستاذ العظيم الآبادي أنه ظفر بإحدى عشرة نسخة من سنن أبي داود وكلها من رواية اللؤلؤي إلا نسخة واحدة فهي من رواية ابن داسة. فقابل هذه النسخ بعضها على بعض ورجع إلى عشرات الكتب الأمهات من كتب الأئمة المتقدمين، واستطاع أن يميز رواية اللؤلؤي وأن يورد كل الروايات التي وصلت إليه وقال: (فصار هذا المتن والشرح جامعا لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضا، بل فيه بعض رواية الرملي أيضا لكنه قليل جدا) (١). ويبدو أنه قد بذل غاية الجهد، ولولا أن هذه الطبعة حجرية على الطريقة التي لا يزال إخواننا الهنود يجرون عليها في الطباعة وأنها خالية من الترقيم لكان ينبغي أن يعتمد عليها جل الاعتماد. ١٢ - وطبع في مصر سنة ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م طبعة سقيمة تجارية في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وكتب على هذه الطبعة: (تعليقات لفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد سعد علي من علماء الأزهر الشريف) كذا كتب على الورقة الغلاف. والجدير بالذكر أن التعليقات نادرة وهي قليلة القيمة العلمية، والأستاذ المذكور وقع بلقب (رئيس التصحيح بمطبعة مصطفى البابي الحلبي) وهذه الطبعة جمعت مساوئ عدة من رداءة الورق وسوء الحرف وازدحام الصفحات وخلوها من الترقيم والتنقيط وقد ظهرت في جزأين صفحات الأول ٥٩٥ وصفحات الثاني ٦٨٠. ١٣ - طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد طبع هذا الكتاب على ورق صقيل وبحرف جميل بتحقيق الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀.

стр. 420

وكانت طبعته الأولى سنة ١٣٥٤ هـ - ١٩٣٥ م. وذكر في المقدمة أنه رجع إلى مخطوطات ومطبوعات ولكنه لم يذكر بالتفصيل ما هي هذه المخطوطات التي رجع إليها وأين مكان وجودها، ويبدو أنه بالغ في ذلك مبالغة ظاهرة، ويكاد يظن المرء أن الرجل لم يرجع إلا إلى مطبوعة اعتمدها وأدخل فيها شيئا من التعديلات التي أخذها عن مطبوعة أخرى؛ لأن الجهد الذي يبذله الإنسان لا بد أن يظهر له أثر ولا سيما بالنسبة لمن عانى أمور التحقيق وقد صدرت هذه الطبعة في أربعة أجزاء مرقمة الأحاديث واستعمل المحقق فيها علامات الترقيم. ولكننا لا نجد في حواشيها إلا تعليقات يسيرة جدا وليس في هذه التعليقات تخريج للأحاديث النبوية؛ لأنه فيما يبدو لم يكلف نفسه في الطبعة الأولى عناء الرجوع إلى كتاب المنذري الذي أتيح له فيما بعد أن ينقل منه ثم صدرت الطبعة الثانية سنة ١٣٦٩ هـ - ١٩٥٠ م. وفي هذه الطبعة أضاف إلى متن الكتاب إضافات كان يضعها بين معقوفتين ولم يذكر عنها شيئا في المقدمة كما أضاف إلى تعليقاته تخريجا للأحاديث وهو مأخوذ بحذافيره من كتاب المنذري ولم يذكر عنه شيئا في المقدمة، والحق أنني وقفت على كثير من سرقات الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد وادعائه كلام غيره لنفسه وظلم العلماء الأقدمين وكتبت ما واجهته من ذلك في دراسة كنت أعددتها لكتاب شرح قطر الندى لابن هشام من نحو عشرين سنة سقت الأدلة الكثيرة، وما كنت أحب أن أذكر ذلك بعد أن توفي إلى رحمة الله غفر الله لنا وله، ولكن الشيء الذي راعني هو أن ينقل تعليقات الحافظ المنذري بكاملها وبحروفها دون أن يشير إلى ذلك في المقدمة. ولو أنه فعل ذلك لأعطى لهذه التخريجات من القوة والرجحان والتوثيق شيئا كثيرا ذلك؛ لأن المنذري حافظ عظيم ومن المشتغلين بالسنة فعندما يكون تخريج الحديث منسوبا إليه فإن ذلك أدعى لأن يقبله القارئ ويتبناه عن قناعة لا تتوافر إلا للقلة من العلماء المحققين أمثال المنذري ﵀. ويفيد في هذا المجال أن نقرر أن المنذري ﵀ ذكر في مقدمة " مختصره " نهجا علميا دقيقا فقال: (وأذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه بلفظه أو نحوه) (١). ولم يذكر الأستاذ المحقق مثل ذلك، فأوهم بإغفاله ذلك أن الحديث مخرج عند من ذكرهم المنذري ونقلهم عنه المحقق مخرج بلفظه وربما لا يكون كذلك أما الشروح التي ذكرها الأستاذ المحقق ﵀ فعلى الرغم من أنها في غاية الإيجاز فإنها كذلك مأخوذة غالبا من شرح الخطابي بالحرف الواحد ولم ينسبها إليه، فأوهم أنها من عنده.

стр. 421

أما تعليقاته بشأن الرجال فليس هناك نهج يحكمه، فبينما هو يذكر لك في بعض الحالات الرأي في بعض الرجال إذا هو يسكت في الغالب ولا يورد شيئا. ويبدو أنه لم يكن يكلف نفسه عناء التنقيب في بطون الكتب، بل كان إذا صادفه شيء في أقرب شرح له ذكره. ومن ملاحظاتنا أنه لم يلتزم نهجا واضحا في الترقيم. فقد يعطي الخبر المنقول عن عالم من العلماء رقما كما في الحديث ٧٦٩ وقد نقل فيه رأيا لمالك وهو: (لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وأوسطه وآخره في الفريضة وغيرها) (١) والنهج السليم في نظري أن لا يعطي لآراء العلماء أرقاما يدخلها في أرقام الأحاديث، وأن يقتصر في الترقيم على الأحاديث. وكذلك فإن ترقيم الأحاديث ينبغي أن يراعى فيه واحد من أمور ثلاثة: فإما أن يكون الترقيم تابعا لمتن الحديث، وإما أن يكون تابعا للصحابي الذي أخرجه وإما أن يكون تابعا لشيخ المؤلف الذي تلقى عنه الحديث، والغالب أن المحقق استخدم الأخير ولكنه لم يلتزم ذلك بدقة. ففي صفحة ٦٠ أحاديث عدة عن علي ﵁ أعطاها أرقاما لاختلاف شيخ المؤلف ولكنه في صفحة ٢٤٨ لم يعط رواية اختلف الشيخ فيها والصحابي عن الرواية المتقدمة ولم يعط الثانية رقما، ومهما يكن من أمر هذه الطبعة فقد أدت خدمة وسدت ثغرة فجزى الله ناشرها ومحققها خيرا.

стр. 422

الكتب التي ألفت حول السنن وقفت: على أسماء عدد كبير من الكتب التي ألفت حول السنن وقد أتيح لي أن أطلع على بعض ما وصل إلينا منها، أما الباقي فبين مخطوط ومفقود. ونستطيع أن نصنف الكتب التي ألفت حول السنن في زمر ثلاث: ١ - شروح. ٢ - مختصرات. ٣ - دراسات. الشروح: شرح السنن كثيرون نذكر أهمهم فيما يأتي: ١ - شرح الخطابي: من أنفع الشروح وأقدمها وعنوانه (معالم السنن) لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي المتوفى سنة ٣٨٨ وهو منسوب إلى زيد بن الخطاب.

стр. 423

وهو يشرح المفردات الغريبة والكلمات التي تحتاج إلى شرح شرحا لغويا واسعا يدل على معرفة متبحرة باللغة وقد يستشهد لشرحه بأبيات أو جمل مأثورة على العرب. ويشرح المراد من الجملة، ثم يشرح الحديث ويوفق بينه وبين ما روي على وجه قد يظن أن فيه خلافا. ثم يتحدث عن فقه الحديث ويذكر آراء العلماء في موضوع الحديث، ويرجح الرأي الذي يرتضيه من هذه الآراء. ثم يذكر ما في الحديث من الفوائد والاستنباطات الأخرى مما قد لا يتصل بعنوان الباب. طبع هذا الكتاب في حلب بأربعة أجزاء بتحقيق العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ ﵀ سنة ١٩٢٠ - ١٩٢٤، ١٩٣٢ - ١٩٣٤ م. ثم طبع مع كتابين آخرين سنذكرهما في ثمانية أجزاء بتحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي رحمهما الله ١٣٦٧ هـ - ١٩٤٨ م / ١٣٦٩ هـ - ١٩٥٠ م. كتب على الأجزاء الثلاثة الأولى أنها بتحقيقهما. وأما الجزء الرابع فما بعده حتى الثامن فقد كتب عليها أنها بتحقيق محمد حامد الفقي فقط، وقد أثبت في الأعلى من هذه الطبعة تهذيب المنذري ثم تحته معالم السنن وفي الأسفل تهذيب ابن القيم. وقد لخص العالم الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي المتوفى سنة ٧٦٥ وسماه (عجالة العالم من كتاب المعالم) (١). ٢ - العدد المودود في حواشي سنن أبي داود للحافظ المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ وقد ذكر سزكين (٢) مكان وجود مخطوطته. ٣ - وشرح " السنن " أيضا شهاب الدين أحمد بن حسين بن أرسلان الرملي المتوفى سنة ٧٤٤ (٣) ومخطوطاته موجودة في تركيا. ٤ - وشرح " السنن " قطب الدين أبو بكر بن أحمد بن دعين اليمني الشافعي المتوفى سنة ٧٥٢ في أربع مجلدات كبار في آخر عمره ومات عنه وهو مسودة (٤).

стр. 424

٥ - وشرح هذا الكتاب أيضا مغلطاي بن فليج المتوفى سنة ٧٦٢ ولم يكمله (١). ٦ - وشرح هذا الكتاب أيضا شهاب الدين أبو محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال المقدسي من أصحاب المزي. المتوفى بالقدس سنة ٧٦٥ ويبدو أنه هو الذي لخص المعالم المذكور آنفا. وسمي شرحه " انتحاء السنن واقتفاء السنن " (٢)، ومخطوطته محفوظة في مكتبة لاله لي في أربعة مجلدات تحت رقم ٤٩٨ - ٥٠١. ٧ - وشرحه أيضا عمر بن رسلان بن نصر البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥. ٨ - وشرح السنن أيضا أبو زرعة العراقي ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم المتوفى سنة ٨٢٦ وأطال في شرحه جدا (٣). ٩ - وشرح قطعة منه محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة ٨٥٥. ١٠ - وشرحه السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ وسماه " مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود " وتوجد منه مخطوطات عدة ذكرها سزكين (٤). وقد اختصره علي بن سليمان الدمني الباجمعوي وهو مطبوع في القاهرة سنة ١٢٩٨ (٥). ١١ - وشرحه أبو الحسن محمد بن عبد الهادي السندي المتوفى سنة ١١٣٨ هـ بعنوان " فتح الودود على سنن أبي داود ". ١٢ - " عون المعبود شرح سنن أبي داود ". تأليف العلامة الشيخ شمس الحق العظيم آبادي، ويقع في أربعة مجلدات كبيرة وقد طبع في الهند في دهلي سنة ١٣٢٢ وقد أثبت في أعلى الصفحات سنن أبي داود بعد أن بذل جهدا مشكورا في تحقيقه؛ فقد استطاع أن يميز بين رواية اللؤلؤي وغيره من الروايات ورجع في هذه الطبعة إلى إحدى عشرة مخطوطة. أما شرحه فهو من أفضل الشروح وأكثرها استيعابا لما قاله العلماء من قبله. وهو لا يترك في الحديث شيئا من ترجمة للرجال أو شرح للمفردات أو ذكر لأراء العلماء في المسألة لا يدع من ذلك شيئا. وقال في التنبيه الأول: أكثرت النقل من كلام الحافظ المنذري حتى قلت تحت كل حديث: (قال المنذري كذا وكذا)؛ لأن الإمام المنذري قد اختصر كتاب " السنن " من رواية اللؤلؤي فأحسن في اختصاره

стр. 425

وذكر عقيب كل حديث من وافق أبا داود من الأئمة الخمسة على تخريجه ثم بين ضعف الحديث وعلته إن كان الحديث ضعيفا ومعلولا وإن كان الحديث مما اتفق عليه الشيخان أو أحدهما أو أهل السنن الثلاثة أو واحد منهم وليس فيه ضعف فيقتصر على قوله أخرجه فلان وفلان، وهذا تصحيح من المنذري ﵀ لذلك الحديث، وإن كان الحديث مما تفرد به أبو داود وليس فيه ضعف فيسكت عنه المنذري، وسكوته أيضا تصحيح منه لذلك الحديث وأقل أحواله أن يكون حسنا عنده، وإني نقلت سكوته أيضا ملتزما به، فقلت: والحديث سكت عنه المنذري، إلا في بعض المواضع في أول الكتاب، فقد فاتني هذا الأمر، ومع ذلك فإني نقلت قدرا كثيرا من كلام أئمة الحديث في تنفيذ أحاديث الكتاب من الصحة والضعف وبيان عللها وجرح الرواة وعدالتهم ما يشفي الصدور وتلذ الأعين فصار هذا الشرح بحمد الله تعالى مع اختصاره وإيجازه مغنيا عما سواه، فكل حديث الكتاب فردا فردا من أول (باب التخلي عند قضاء الحاجة) إلى آخر باب (الرجل يسب الدهر) بينت حاله من القوة والضعف إلا ما شاء الله تعالى في أحاديث يسيرة مع أنه ليس في سنن أبي داود حديث اجتمع الناس على تركه) (١) ويقول في آخر التنبيه الخامس: (فصار هذا المتن والشرح جامعا لرواية ابن داسة وابن العبد وابن الأعرابي أيضا بل فيه بعض رواية الرملي أيضا ولكنه قليل) (٢) طبع هذا الشرح كما أشرنا في الهند في دهلي سنة ١٣٢٢ طبعة حجرية منقحة وفي كل جزء تصحيحات للأغلاط المطبعية بحيث أضحت هذه الطبعة إن صححت من أجود الطبعات. وأعيد تصوير هذا الكتاب بالأوفست في بيروت. ثم نشره محمد عبد المحسن السلفي صاحب المكتبة السلفية في المدينة المنورة وطبعه في مصر وذكر أنه ضبط وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، ونشر في الأعلى " سنن أبي داود " ويليه شرح " عون المعبود "، ثم نشر في هامش الصفحات تهذيب ابن القيم وصدر الكتاب في أربعة عشر جزءا، بدأ بطباعته سنة ١٣٨٨ هـ ١٩٦٨ م وانتهى ١٣٨٩ هـ (١٩٦٩) م في مطابع المجد بالقاهرة. ويبدو أن هذه الطبعة المتأخرة لا تمتاز إلا بكونها على ورق أبيض وبحرف مألوف. ١٤ - وكذلك فقد شرح كتاب " سنن أبي داود " عالم معاصر هو الشيخ محمود بن محمد خطاب السبكي وسمى كتابه:
следующие страницы →