في النطق بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١)
فلا يتمون النطق بالعينين حتى تغفر ذنوبهم من مشقة النطق بهما. ولذلك نرى السيوطي في كتاب الإتقان كحاطب ليل وليس تحقيق ولا إتقان وهذا شأنه في علوم المنقول، أما في علوم المعقول كعلوم العربية فهو فارس لا يشق له غبار وقد تحامل عليه الحافظ السخاوي في كتابه "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" فالله يغفر لهما جميعا.
стр. 3607
٤ - (أخلد)
قال السيوطي في الإتقان: قال الواسطي في الإرشاد: أخلد إلى الأرض ركن بالعبرانية انتهى.
أقول: هذا القول لا يقوله إلا جاهل باللغات السامية فإن أخلد وخلد موجودتان في اللغتين كلتيهما ومتفقتان في معانيهما في الجملة فمن قال إنهما عبريتان وليستا عربيتين فقد قفا ما لا علم له به ومن قال العكس فهو مثله، وإنما توجد بالعرض في حرف الكاف إذا جاءت بعد حركة، ولم نر أحدا من علماء اللغة العربية أشار إلى أن (أخلد) عبرانية كما ادعى هذا المدعي.
قال في لسان العرب: وخلد إلى الأرض وأخلد أقام فيها وفي التنزيل العزيز ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (١) أي ركن إليها وسكن وأخلد إلى الأرض وإلى فلان، أي ركن إليه ومال إليه ويرضى به، ويقال خلد إلى الأرض بغير ألف وهي قليلة انتهى.
وقال البيضاوي في تفسيره ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ (٢) مال إلى الدنيا أو إلى السفالة (واتبع هواه) في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات انتهى.
٥ - الأرائك:
قال السيوطي في الإتقان حكى ابن الجوزي في فنون الأفنان أنها السرر بالحبشة انتهى.
стр. 3608
قال الراغب: الأريكة حجلة على سرير جمعها أرائك وتسميتها بذلك إما لكونها في الأرض متخذة من أراك وهو شجر أو لكونها مكان للعامة من قولهم أراك بالمكان أروكا وأصل الأروك الإقامة على رعي الأراك ثم تجوز به في غيره من الإقامات، اهـ.
وقال في لسان العرب: والأريكة سرير في حجلة والجمع أريك وأرائك، وفي التنزيل ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (١) قال المفسرون: الأرائك السرر في الحجال وقال الزجاج: الأرائك الفرش في الحجال وقيل: هي الأسرة وهي في الحقيقة الفرش كانت في الحجال أو في غير الحجال وقيل: الأريكة سرير منجد مزين في قبة أو بيت فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة، وفي الحديث: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكة فيقول بيننا وبينكم كتاب الله (٢)»، الأريكة السرير في حجلة من دونه ستر ولا يسمى منفردا أريكة، انتهى.
قال في اللسان: والحجلة مثل القبة وحجلة العروس معروفة وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور فقد رأيت أن الأرائك كلمة عربية خالصة وبطل ما ادعاه السيوطي ومن نقل عنه.
стр. 3609
٦ - (أسباط) قال السيوطي في الإتقان حكى أبو الليث في تفسيره أنها بلغتهم كالقبائل بلغة العرب انتهى.
وفي هذا الكلام شيء ساقط لأن الضمير في لغتهم لم يذكر ما يعود عليه وهذا الساقط يحتمل أن يكون يدل على بني إسرائيل وكلام الجفري يؤيد هذا الاحتمال وهذا نص ترجمته العربية.
اضطر أبو الليث أن يعترف أنه أي السبط لفظ عبراني مستعار، قال السيوطي في الإتقان وقد أطال جفري البحث في هذا اللفظ وادعى أنه لم يستعمل في كلام العرب قبل استعماله في القرآن وربما يكون أول من استعمله محمد.
стр. 3610
ونحن نقول لجفري وأمثاله من الذين أعمى التعصب بصائرهم وأفقدهم صوابهم أن الله الذي أنزل التوراة والإنجيل - اللذين تؤمن بهما - هو الذي أنزل القرآن على عبده ورسوله محمد بن عبد الله خاتم النبيين على رغم أنفك ولا ضير على القرآن أن يوجد فيه لفظ شاع استعماله في العبرانية لأن هاتين اللغتين نشأتا من أصل واحد وإذا جاز أن يكون في القرآن ألفاظ هي في الأصل فارسية مع أن لغة الفرس بعيدة من لغة العرب فما المانع أن توجد فيه ألفاظ عبرانية وسريانية؟
وإذا اعتبرنا السبط اسما لقبيلة من قبائل بني إسرائيل فالتعبير به طبيعي وهو أولى من التعبير عنه بالقبيلة لأنه صار شبيها بالأعلام التي يجب ذكرها بلفظها.
قال في لسان العرب والسبط من اليهود كالقبيلة من العرب وهم الذين يرجعون إلى أب واحد، سمي سبطا ليفرق بين ولد إسماعيل وولد إسحاق وجمعه أسباط وقوله : ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (١) ليس أسباطا بتمييز لأن المميز إنما يكون واحدا لكنه بدل من قوله (اثنتي عشرة) كأنه قال جعلناهم أسباطا والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب انتهى.
وأصله بالعبرانية (شبط على وزن إبل ومعناه القضيب والعصا والقبيلة.
стр. 3611
٧ - إستبرق
قال السيوطي في الإتقان أخرج ابن أبي حاتم أنه الديباج بلغة العجم. انتهى.
وقال البيضاوي في قوله تعالى في سورة الدخان (٥٣) ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (١) السندس ما رق من الحرير والإستبرق ما غلظ منه معرب استبره قال جفري: وهذا من الألفاظ القليلة التي اعترف المسلمون أنها مأخوذة من الفارسية وعزاه السيوطي في الإتقان وفي المزهر حكاه فيه الأصمعي وإلى السجستاني في غريب القرآن وإلى الجوهري في الصحاح وإلى كتاب الرسالة للكندي وإلى ابن الأثير في النهاية، قال وبعضهم يقول إنه لفظ عربي مأخوذ من البرق، انتهى.
стр. 3612
٨ - السندس
قال في القاموس ضرب من رقيق الديباج معرب بلا خلاف، وقال في لسان العرب: السندس البزيون، وفي الحديث «أن النبي ﷺ بعث إلى عمر بجبة سندس (١)» قال المفسرون في السندس أنه رقيق الديباج ورفيعه وفي تفسير الإستبرق أنه غليظ الديباج ولم يختلفوا فيه، الليث: السندس ضرب من البزيون يتخذ من المرتزى ولم يختلف أهل اللغة فيهما أنهما معربان، انتهى.
стр. 3613
٩ - أسفار
قال السيوطي في الإتقان قال الواسطي في الإرشاد: هي الكتب بالسريانية وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: هي الكتب بالنبطية، انتهى.
قال محمد تقي الدين الهلالي: يالله يا للعجب؟ كيف يقال أن الأسفار جمع سفر بكسر فسكون ليس بعربي وإنما هو سرياني أو نبطي، لا جرم لا يقول ذلك إلا جاهل باللغات السامية، والحق الذي لا شك فيه أن السفر كلمة عربية خالصة وهي في الوقت نفسه عبرانية وسريانية ونبطية فهي من الألفاظ المشتركة بين اللغات السامية ليست واحدة منها أولى بها من غيرها.
стр. 3614
التغيير في حياة الأمم
وعوامل الثبات والاهتزاز
بقلم الدكتور / أحمد محمد العسال
الأستاذ بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية بالرياض
حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة كامبرج سنة ١٩٦٨م.
حصل على دبلوم الدراسات العليا في القانون من معهد الدراسات العربية العالمية بالقاهرة سنة ١٩٥٩م.
تلقى تعليمه قبل ذلك بثانوية طنطا، ثم بكلية الشريعة بجامعة الأزهر.
стр. 3615
معنى التغيير:
قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: التغيير يقال على وجهين: أحدهما لتغيير صورة الشيء دون ذاته، يقال: غيرت داري إذا بنيتها بناء غير الذي كان. والثاني لتبديله بغيره نحو: غيرت غلامي ودابتي إذا أبدلتهما بغيرهما نحو قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١).
وقال في اللسان: (وتغير الشيء عن حاله: تحول، وغيره حوله وبدله كأنه جعله غير ما كان وفي التنزيل العزيز ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) قال ثعلب: معناه حتى يبدلوا ما أمرهم الله.
والغير الاسم من التغيير، وأنشد عن اللحياني قوله:
إذ أنا مغلوب قليل الغير ... . . . . . . . . .
قال: ولا يقال إلا غيرت، وذهب اللحياني إلى أن الغير ليس بمصدر، إذ ليس له فعل ثلاثي غير مزيد، وغير عليه الأمر: حوله. وتغايرت الأشياء اختلفت، والمغير الذي يغير على بعير أداته ليخفف عنه ويريحه. . .
وغير الدهر: أحواله المتغيرة: وورد في حديث الاستسقاء «من يكفر بالله يلق الغير» أي تغير الحال وانتقالها من الصلاح إلى الفساد.
والمتأمل فيما أورده الراغب واللسان يجد الكلمة تأتي لثلاثة معان:
أحدها: تغيير صورة الشيء دون ذاته، وثانيها: تبديله بغيره وهو معنى تحويله وجعله غير ما كان، وثالثها: التخفيف وإصلاح شأن الشيء كما يخفف صاحب البعير عن بعيره من رحله ويصلح من شأنه، وبحثنا سيكون في التغيير بمعنى
стр. 3616
التبديل، والذي وردت الآيتان القرآنيتان فيه، والذي استشهد كل من اللسان والمفردات بهما في توضيح المراد من التبديل، ذلك أننا نريد أن نكتشف عوامل الاهتزاز والضعف التي تودي ببنيان الأمة وتوهنها وتجعلها مستحقة لعقوبة الله ونقمته، ونريد أيضا أن نكتشف عوامل القوة والثبات التي تورث الأمة العزة والقوة والطمأنينة والأمن وتجعلها مستحقة لخلافه الله في الأرض على نحو ما وعد الله أسلافنا ووعدنا في قوله المحكم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). لقد قص الله علينا في محكم كتابه قصص أنبيائه ورسله وما حدث لهم مع أممهم وأقوامهم ليبين لنا سننه ونواميسه، وليكون هذا القصص لنا عبرة نتعلم منها، ودروسا نعيها ونستفيد منها لما يحدث في حياتنا وينزل بنا، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
وجعل أيضا في حركة الزمن وتدافع الأمم وصراعاتها ومداولة النصر والهزيمة بينها عبرة تؤخذ، وامتحانا وابتلاء يعرف به الصادقون من غيرهم، وتعرف به سنن الخير والصلاح وسنن النصر والتمكين، وأسباب الهزيمة والفشل، يقول الله تعالى في نهاية قصة سيدنا داود وما حدث له من نصر على جالوت: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣) ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
стр. 3617
ويقول الله تعالى في غزوة أحد وما حدث من نصر في البداية ثم هزيمة سببها المتعجلون بجمع الغنائم وتركهم أماكنهم: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
стр. 3618
بين السنن الكونية والسنن الاجتماعية:
لقد خلق الله هذا الكون بالحق وجعله محكم الصنع منضبط القوانين لا ترى فيه خللا ولا اضطرابا، يقول سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (١) ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٢) ويقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣).
وهكذا فإنه ما من شيء في بنيان الكون وتركيب العالم والحياة، يخضع للصدفة من أصغر شيء فيه يغور في الطوايا التي لا تراها العيون: نيوترونات، وبروتونات، وإلكترونات، وجينات وكرومسومات، وحتى السدم والمجموعات الشمسية الهائلة والمجرات المنتشرة عبر مساحات لا يحيط بها خيال إنسان!!
كل شيء يجد نفسه مضبوطا ضمن إرادة الله وعلمه وتدبيره للخلق والصيرورة
стр. 3619
والمصير إنها القدرة الإلهية التي تحكم سنن الكون والحياة فلا تند ولا تطغى (١) يقول الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٢) ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣) ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٤) ﴿لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٥) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تتحدث عن الإبداع والانضباط والتي اكتشف العلم شيئا منها فعاد مقرا بالعجز مسلما بالقدرة المهيمنة الشاملة. . .، وإذا كان الأمر هكذا بالنسبة للكون وسننه ونظامه بهذا الوضوح والدقة، فهل هو كذلك بالنسبة لسنن الله في الحياة الاجتماعية؟ نعم: فإن السنن الكونية وسنن الله في الحياة البشرية متعانقتان مطردتان لا تتخلفان ولا تتوقفان، والقرآن يكرر هذه الحقيقة بالنسبة للحياة البشرية حين يقول: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٦)، ويقول في آية أخرى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (٧).
ويؤكد هذه الحقيقة ويبينها في أعقاب كل جزاء يحل بقوم نتيجة ما قدمت أيديهم، يقول في قريش وما حل بهم يوم بدر: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٨) ويردف ذلك بأنها سنة عامة إذ يقول: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٩) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٠) والسنن نوعان: سنن صالحة هادية إلى الحق وإلى طريق
стр. 3620
مستقيم يبين ذلك قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (٢) والنوع الآخر سنن فاسدة مدمرة تقود إلى الباطل وإلى طريق البوار وذلك على نحو ما أشار القرآن في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نَعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (٣) وقوله ﷺ : «ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (٤)» قال في اللسان: يريد من عملها ليقتدي به فيها، وكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سنه (٥) والآن وبعد أن وضع لنا معنى التغيير، ودور السنن بقسميها نريد أن نعرف مكان الفطرة البشرية من هذه السنن، وكيف يحدث التغيير فيها، وما العوامل المؤثرة في هذا التغيير إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
стр. 3621
الفطرة والسنن:
خلق الله الفطرة البشرية وأودع فيها حب الخير والاستجابة للحق والرغبة فيه، وجعلها ودينه القيم الذي شرعه لعباده شيئا واحدا، يقول سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْنَاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) وانظر إلى تعبير القرآن ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢) أي جميعهم، ثم قوله سبحانه: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٣) أي لا تغيير ولا اختلاف ثم قوله في نهاية الآية: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤)
ويؤكد ذلك ويقرره قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه
стр. 3622
أبو هريرة ﵁: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم (٢)» الآية.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار «أن النبي ﷺ قال: " يقول الله تعالى: (إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا (٣)».
إن أصل سنن الخير والفلاح مصدرها من عند الله فله سبحانه المثل الأعلى والأسماء الحسنى والصفات العلا، وهو يحب معالي الأمور ويكره سفسافها؛ لذلك كان الإيمان به مصدر الخير كله وكان الإشراك به ظلما عظيما للفطرة وانتكاسا لها ومخالفا لطبيعتها وللموثق الذي أخذ عليها في عالم الذر، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٤).
ومن هنا إذا دعيت هذه الفطرة إلى الإيمان بالله والقيام بشرائع البر والحق والعدل استجابت، ووجدت في ذلك سعادتها وأمنها وامتدادها، وحققت بذلك سنن الخير والصلاح في حياتها وحياة مجتمعها. أما إذا التوى زمامها وأضلها أولياؤها عن جادة الحق والإيمان بالله، وغذيت بمناهج وعقائد بعيدة عن هداية الله. . انفرط عقدها، وانحلت عروتها فصارت مستعدة لقبول سنن الفساد والضلال ومصداق ذلك ما حدث في الجاهلية قبل الإسلام، ثم ما أحدثه الإسلام في العرب والنقلة التي نقلهم إليها ثم ما نراه اليوم في جاهلية القرن المعاصر، أما العرب في الجاهلية فقد تخبطوا في عقائدهم وأخلاقهم وعباداتهم وسياساتهم، عبدوا الأصنام وجعلوها واسطة بينهم وبين الله، وفي عباداتهم طافوا بالبيت عراة وهامت كل قبيلة حول صنم تعظمه وتقدسه، وفي أخلاقهم استحلوا الخمر والزنا، ووأدوا بناتهم وظلموا نساءهم، وفي
стр. 3623
سياساتهم تعصبوا لقبائلهم وأغار بعضهم على بعض لأتفه الأسباب وأقل الأمور وهذا دليل الاضطراب والانحلال والضلال.
أما ما أحدثه الإسلام في نفوس العرب من هداية واستقامة فحدث ولا حرج من استقامة في العقيدة وفي العبادة وفي الأخلاق وفي المعاملات، وهذا ما سأعود عليه عما قريب إن شاء الله.
أما جاهلية الغرب الحديث فانظر إلى تحلل الأخلاق واضطراب الموازين والوقوف مع الظالمين من اليهود ضد المظلومين من مسلمي فلسطين، وما تطالعك به حالة الزنوج في أمريكا. . . وجنوب أفريقيا فضلا عما تعج به مجتمعاتهم من منكرات تحمل في طياتها حتفهم وزوال أمرهم.
стр. 3624
ثبات السنن والقيم في الإسلام واضطرابها عند غيره:
وإذا كانت الفطرة البشرية قد فطرت على حب الإيمان بالله والاستقامة على شرائعه؛ فإن دور الإسلام أن يجنب هذه الفطرة مزالق الانحراف ويبعدها عن عوامل الزيغ والضلال؛ ذلك أن الله جعل هذه الحياة امتحانا لعباده واختبارا لحسن تصرفهم وعملهم، يقول : ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣) وكان من هذا الامتحان ما خلقه الله في الإنسان من دوافع جبلية تتطلب الإشباع وتدفع إلى تعمير هذه الحياة وتنميتها بالعمل الصالح والسلوك المستقيم، ولكن هذه الدوافع لما فيها من ثورة الشهوة وقوتها كانت سبيل الشيطان إلى نفس الإنسان وحياته لتتم بذلك حقيقة الامتحان وأسلوبه في هذه الحياة، وبذلك يتصارع في الإنسان قوة الخير الذي فطره الله عليه، والدوافع التي يستغلها الشيطان وتكون ميدانه
стр. 3625
ومحل إغراءاته وغوايته على نحو ما بين القرآن في وصف الشيطان إذ يقول على لسانه: لعنه الله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (١) ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (٢) ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ (٣) ومن هنا كانت مهمة الإسلام تزكية الفطرة وتسليحها بشرائع الحق وتكليفها بواجبات الخير والهدى لتنضبط في سيرها وتستقيم في حياتها فلا يميل بها هوى جامح أو شهوة منحرفة عن طرق الحق: وبذلك لا يجد الشيطان إليه سبيلا وصدق الله إذ يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (٤) ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٥) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٦) ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٧) ويقول في مهمة نبيه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٨) هذه التزكية التي جاء بها الإسلام جاءت شاملة لحياة الفرد، والجماعة: لم تترك جانبا من جوانب الحياة ولا أمرا من أمورها إلا بينته ووضحته، وإنك لتجد مصداق ذلك في النظام الحق الذي وضعه العليم الخبير وجاء به الوحي؛ فلا غرو حينئذ أن تكون رسالة الإسلام هي رسالة الحق الكامل التام، يقول الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٩).
إن هذا الهدى الذي جاءت به هذه الرسالة بثه الله في خلقه ليعمل في الفطرة البشرية كما تعمل النواميس الكونية سواء بسواء، فكما أن الماء ينزل من السماء فيحيي الله به الأرض بعد موتها فكذلك النفوس البشرية إذا اهتدت بالوحي وقامت
стр. 3626
بالتكاليف حيت وترعرعت. يقول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وفي الحديث الصحيح: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (٢)».
هذه التزكية التي تحيا بها النفوس وتصلح بها الجماعات هي قوانين الله في خلقه ونواميسه لصلاح عباده يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (٣) قال ابن كثير في معنى الآية: ثم أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، ولم يأت بقرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤) وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٥) ويمشي في سياق الآية التي قدمناها آنفا ويؤكدها قوله سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (٦) ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (٧).
وسنن الله تعمل عملها في نفوس عباده ومجتمعاتهم وتؤتي ثمرها لمن عمل بها ووفاها حقها والتزم بها حتى ولو كان غير مؤمن، ولكنها في الكافر تقف عند
стр. 3627
حد هذه الحياة الدنيا ولا تتجاوزها. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
ولكن الفرق بين عمل السنن في المجتمع المؤمن وعملها في المجتمع المنحرف: أنها في المجتمع المؤمن مستقرة وثابتة مطردة وخالدة، إذ هي مرتبطة بمعايير أخلاقية وبقيم معنوية تتجاوز هذه الحياة إلى الدار الآخرة وما أعد الله فيها للمحسنين من ثواب مقيم وأجر جزيل وهذا من شأنه يربط الأمة كلها بمثل ثابتة لا تختلف باختلاف الناس ولا البيئات وصدق الله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣)، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٤) أما في المجتمع غير المسلم فهي غير مستقرة وغير ثابتة ومتغيرة؛ لأنها مرتبطة بالقيم المادية، ومن شأن القيم المادية التغيير وعدم الثبات؛ إذ أساسها المنفعة والمتعة، لذلك تكون الأخلاق فيها نسبية والقيم مهتزة وتصبح القاعدة: (الغاية تبرر الوسيلة) وها أنت ترى كيف أحل اليهود لأنفسهم أموال غيرهم بغير حق، وكيف عم طوفان الوسائل الدنيئة الحياة الاقتصادية - من رشوة وتجارة بالرقيق الأبيض وإفساد الذمم - حياة الناس اليوم لدرجة أن الدول تنادي الآن لعمل ميثاق دولي يحاسب الشركات ويأخذ على يد المفسدين ولكن هيهات؛ فقد اتسع الخرق على الراقع وعمت البلوى ولا بد للأمر من علاج جذري، وصدق الله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (٥).
إن المجتمع المسلم تضبطه قاعدتا التكاليف والأخلاق، فالتكاليف تذكره دائما بالله وأن الغاية من الحياة هي عبادة الله ، وبذلك تصبح أنشطة الحياة
стр. 3628
وسائل لهذه الغاية؛ ومن شأن هذه التكاليف أن تثمر الأخلاق الطيبة الكريمة، ويأتي قانون الشريعة فيدعم هاتين القاعدتين الهائلتين في حياة الناس ويظلهم بالمظلة الواقية من الانحراف فيدعم هاتين القاعدتين الهائلتين في حياة الناس ويظلهم بالمظلة الواقية من الانحراف أو الفسق، ويضبط العلاقات بينهم على أساس حقوق الله وحقوق الناس، وعلى أساس قاعدة الحلال والحرام، وصدق الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) ويقول الرسول الكريم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. . ومنهم: إمام عادل (٢)» ويقول ﷺ : «أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد (٣)».
وإذا كان المجال يقتضي أن يوضح الأمر بمثال فلنأخذ قضية البيع والشراء في الإسلام وكيف تنضبط بالمعايير الخلقية السليمة، ويدخل فيها وازع الإيمان وابتغاء رحمة الله ورجاء ثوابه، وكيف تتدخل الشريعة لتحسم الأمر عند الانحراف وتجاوز الأخلاق الطيبة. . يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) ويقول ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (٥)».
وبناء على نص القرآن الكريم والحديث الصحيح فقد أصبح محرما استعمال أي وسيلة باطلة للحصول على المال، ووجب أن تكون الوسائل كلها صالحة ومستقيمة؛ فإذا حدث وكتم البائع شيئا من صفات المبيع أو دلس بأن ظهر المبيع على غير وجهه، فعلاوة على أن الله ينزع بركته من هذا البيع يستلزم ذلك اكتشاف كذب البائع وعدم صدقه، وفي هذا نزع للثقة فيه وعدم احترامه في المجتمع
стр. 3629
المسلم؛ فإن الشريعة ترد البيع وتعيد إلى البائع سلعته جزاء كذبه أو كتمانه أو تلزمه بثمن المثل، وإذا كان المشتري استفاد شيئا رد قيمته، يوضح ذلك حديث المصراة يقول ﷺ : «لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك، وإن شاء ردها صاعا من تمر (١)» وهذا ما يطلق عليه الفقهاء بخيار التدليس، ومثله خيار الغبن وذلك بأن يكتشف المشتري أن البائع غبنه في ثمن السلعة وأعطاه إياه بأكثر من ثمن المثل.
стр. 3630
أسباب الاهتزاز والضعف:
وإذا كان الأمر كما ذكرت في ثبات السنن الصالحة واطرادها وأنها أشد ما تكون في المجتمع المسلم، وأنها مهتزة وغير مطردة في المجتمع غير المسلم؛ فلماذا قل نصيبنا من نتائجها الطيبة في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة؛ بل نرى على النقيض من ذلك اهتزازا في الرؤية للغاية من الحياة، واضطرابا في السلوك، وضعفا عاما مكن اليهود من اغتصاب فلسطين، وجعل التيارات الغربية الوافدة تقسم الأمرة وتحاول التسلط عليها وتوجيهها.
إن إدراك أسباب هذا الواقع المر لا يخطئه صاحب البصيرة النافذة، ولا ذو التفكير المستقيم؛ فكما أسلفنا، إن حظ أي مجتمع من النجاح أو الفشل أو التقدم أو الهبوط إنما يكون بمقدار عمله بهذه السنن مجتمعة أو تركه لها، والواقع الذي نشهده أن حصيلتنا من العمل بسنن الله ووفائنا لها حصيلة ضعيفة؛ لذلك كان حالنا كما نرى، وصدق الله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
ومن هنا فلا بد من معرفة الأسباب الكلية والعوامل الرئيسية التي سببت ذلك الاهتزاز الهائل في النفوس والأخلاق وتلك الحالة المرضية الخطيرة لندرك الطريق إلى
стр. 3631
العلاج ومن ثم النهوض والإصلاح، ويمكن إرجاع الأسباب إلى ثلاثة عوام رئيسية:
١ - ضعف الأمة داخليا وفقدانها الثقة بنفسها.
٢ - عجز القيادة في الأمة وعدم قدرتها على ملء الفراغ وانفصالها نفسيا وفكريا وعمليا عن أهداف الأمة عامة.
٣ - تطلع هذه القيادة في كثير من مجتماعتنا لملء هذا الفراغ عن طريق استعارة نماذج الحضارة الغربية في النهوض والإصلاح وفرضها هذه النماذج بالحديد والنار على الأمة.
إن هذه العوامل الثلاثة متداخلة ومتشابكة وكل منها يساعد الآخر ولا يمكن فصلها عن بعضها الآخر. إلا أن السبب الرئيسي يبدأ من ضعف الأمة داخليا وعدم قدرتها على مكافحة أسباب العجز والضعف، ومن ثم تصبح عندها القابلية لتقبل أمراض التخلف والضعف كالجسم العليل الذي تضعف فيه المقاومة فيصبح مرتعا للجراثيم والميكروبات.
وضعف الأمة داخليا، لا يأتي فجأة ولا يحصل بغتة، وإنما هو نتيجة مراحل طويلة وأجيال متعاقبة أهملت فيه الأمة تجديد نفسها، فركنت إلى النوم واستسلمت للأحلام، وعاشت على الذكريات ورضيت بترديدها فأصبحت خارج الأحداث معزولة عن معركة الحياة، فلم تواكب التطورات في الوسائل ولم تواجه التحديات، فضعف فكرها، وسادها الخمود، وعم التقليد، وانتشرت الأمية، وانشغل الناس بالجزئيات، وافتقدوا الوعي بواقعهم والمشكلات التي تواجههم، واستفحل أمر الشهوات والأهواء، ففشا الظلم وظهرت النفعية والانتهازية وأخلاق النفاق، فانحلت رابطة الأمة وانعدم الروح العام الذي يربط بين أبنائها، وأصبح كل إنسان مشغولا بنفسه عن أمته. . وتأخرت الدولة وأجهزتها، وأصبحت غير قادرة على النهوض والعطاء والتجديد. . وبدأ الفراغ الداخلي يعمل عمله في التطلع إلى الأمم الأقوى.
وجاءت الموجة الأوروبية الاستعمارية المتربصة بتفوقها وقدرتها ونهمها وجشعها فأغارت على هذه المجتمعات لتستغل هذه الأمراض المنتشرة وتخترق الحواجز النفسية
стр. 3632
وتبدأ في اصطناع قادة جدد لهذه الشعوب، وتستغل ما فيهم من ضعف. . . وتلوح لهم بالسلطان والدولة، وذلك كما حدث للشريف حسين في مكة، وكيف استعمله الإنجليز ولوحوا له بالخلافة العربية ليضربوا به جيش الخلافة العثمانية في ظهره، ويستعملوا البدو عن طريق لورانس في تحطيم خط حديد الحجاز شريان الحياة وأعظم مشروع آنذاك.
فانظر إلى المستوى الهابط من الجهل والأنانية وفقدان الوعي كيف أوصل الناس إلى التعاون مع العدو اللدود ودعوته إلى احتلال الأرض، واقتسام الأوطان على نحو ما تم بعد وبدأت به مأساتنا الحديثة التي لا زلنا نعيشها فكان الشريف حسين بحق كالمستجير من الرمضاء بالنار.
في هذا الجو المسموم بدأت الأفكار الأوروبية تأخذ طريقها وذلك مثل التشكيك في قدرة الدين على النهوض بالأمة، وأن الدين لا يتناسب مع عصر التنوير، وأن الدين من بقايا العصور الوسطى، وأنه مناقض للعلم، وأنه لا بد من الأخذ بالمنهج الأوروبي في الحياة والسياسة والأخلاق وفصل الدين عن السياسة. وأن الرابطة الإسلامية صارت عديمة الجدوى، قليلة النفع، ولا بد من التحول إلى الرابطة الوطنية والقومية والأخذ بالقوانين الغربية، وترك الشريعة والتخلص منها أو تقليصها وجعلها في الدائرة الشخصية البحتة.
وزاد الطين بلة القدرة الاجتماعية والسيادة السياسية للمستعمرين الأوروبيين واعتمادهم في إذابة مجتمعاتنا واحتوائها على بعض أبناء البعثات التي تعلمت على أيديهم والتي أرسلت إليهم من تركيا ومصر والشام وعلى الأقليات الموجودة في مجتمعاتنا، فقد عمل فريق من هؤلاء المبعوثين حينما عادوا على حمل رسالة التغريب يعاونهم في ذلك الأقليات، ويمنحهم القوة والنفوذ تمكن الدول المستعمرة في بلادنا آنذاك.
وبدأ تغيير بنية الحكم واتجاه الثقافة والولاء من الإسلام بشموله وقوته إلى الحضارة الغربية وقيمتها، وحدث الزلزال الكبير بالإجهاز على تركة الرجل المريض
стр. 3633
(الخلافة العثمانية) كما كانوا يقولون، وتولى تلميذ مخلص من تلامذة الغرب ألا وهو مصطفى كمال أتاتورك حمل رسالة التغريب ليحمل فأسه ويحاول أن يقوض البناء من أساسه في تركيا، حاضرة الخلافة والمدافعة عن الإسلام والعالم العربي قرابة أربعة قرون والواقفة أمام أطماع اليهود في النصف الأول من القرن العشرين. . إلخ. لقد أجهز أتاتورك على الخلافة ونادى بالطورانية (١) محل الإسلام، وأراد أن يجتث الثقافة الإسلامية فحرم العربية وأجبر الناس على قراءة القرآن بالتركية، وحول كتابة اللغة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية، ليعزل الجيل الجديد عن تراثه وثقافته، واستورد القوانين الغربية، وفرض السفور ووصل في عدائه أن ألغى قانون الأسرة وجعله قانونا علمانيا وفرض اللباس الأوروبي. . وحرم الطربوش والعمامة، كل ذلك بالحديد والنار.
بهذه التجربة المرة في مجتمعاتنا المعاصرة تمزق ولاء الأمة وتشتت فكرها، وتحطمت نفسيتها وتوقفت مسيرتها، فقد عاشت هذه الأمة بالإسلام، والإسلام بطبيعته رسالة حياة حضارة، وهو في قيمه ونظرته ووجوده في واقع الأمة الإسلامية والمجتمعات الإسلامية يخالف مفهوم الدين عند الغربيين، فإذا كان الدين عند الغربيين قد حرف وبدل وصار مفهومه (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) بمعنى الفصل بين الدين والحياة. . .؛ فإن الإسلام هو توجيه الحياة كلها بمختلف أنشطتها وجعل غايتها ووجهتها لله .
يقول الله تعالى على لسان رسوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) ولهذا كانت شريعة الإسلام هي دستور الحياة الفردية والاجتماعية بحيث لا يخرج أي أمر عن
стр. 3634
نطاقها ونظرتها. يقول الله تعالى على لسان رسوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) ويقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٢) ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣).
ومن هنا فدعاة التغريب واللادينية في مجتمعاتنا إنما يحاربون الفطرة الخيرة في الأمة والتي جاء الإسلام فقواها ونماها وأعطاها وامتدادها؛ ولذلك فرغم المحاولات المريرة التي حاولها هؤلاء الدعاة ومن أبرز أمثلتهم أتاتورك، فإن شعبا كالشعب التركي رفض كل المحاولات التي حاولت ردته وتغيير وجهته وسلوكه، وحالما حانت الفرصة عبر عن إسلامه وتدينه ويكفي مثلا على ذلك شبابه ووفوده إلى بيت الله الحرام بعد انقطاع أكثر من خمس وعشرين عاما، لكن النتيجة أن هذا الصراع الذي قام به أتاتورك وطغمته دفع ضريبته هذا الشعب عزلة وتأخرا وتمزقا وضياعا. وعلى ذلك فقس باقي المجتمعات التي رزحت تحت أنظمة من هذا النوع.
والمشكلة الأساسية أن دعاة التغريب واللادينية، سواء كان يتبعون الفلك الغربي الأوروبي، أو يتبعون الفلك الشيوعي الاشتراكي، هم مقلدون تائهون يرددون كلام سادتهم وأوليائهم، ويلفقون ويزورون في دعاويهم وآرائهم، فلا قدرة عندهم على قول كلمة الحق، ولا شجاعة عندهم في النزول على حكم الأمة؛ وكل عملهم في الأمة هو عمل الغواة والسحرة، فما أضخم شعاراتهم، وما أكثر ضجيجهم، وما أسوأ أخلاقهم، افتقدت الأمة فيهم القدوة الصالحة، وانتشر بهم الكذب والفجور والتحلل، وعم بهم الإرهاب والتنكيل، وغاض العدل والإنصاف، وفقدت الطمأنينة وضاعت الثقة، فأصبحوا كابوسا ثقيلا وليلا طويلا، فما أبعد التحضر عن سلوكهم وأعمالهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 3635
هذه هي أسباب الضعف والاهتزاز بشكل مجمل وبإشارات تغني عن عبارات، ولا خلاص منها إلا بعملية تغيير جذرية تقوم بها نفوس قوية تأخذ بسنن الله وتمضي على بركة الله، تزيل الخرائب وتعيد بناء الأمة من جديد في فكرها وعملها وسلوكها، وتواكب هذا العصر بكل ما فيه من وسائل ومبتكرات، وتستطيع حينذاك أن تغلب تيار الفساد وتنهي أمره، وتلم شعث الأمة وتمكنها من أن تستأنف مسيرتها من جديد فيتحقق لها ما وعدها الله به من عز ونصر وتمكين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أحمد محمد العسال
стр. 3636
المراجع
- القرآن الكريم.
- تفسير ابن كثير للحافظ عماد الدين إسماعيل الخطيب بن كثير الشافعي - دار الأندلس للطباعة والنشر - بيروت - الطبعة الأولى ١٣٨٥هـ / ١٩٦٦م.
- تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد أحمد الأنصاري القرطبي - دار الكتاب العربي للطباعة والنشر - القاهرة ١٣٨٧هـ / ١٩٦٧م.
- فتح الباري - للإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - المطبعة السلفية ومكتبتها بالقاهرة ١٣٨٠هـ.
- صحيح مسلم.
- سبل السلام - الإمام محمد إسماعيل الكحلاني الصنعاني المعروف بالأمير - طباعة ونشر مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر- الطبعة الرابعة ١٣٧٩هـ / ١٩٦٠م.
- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني - المكتبة المرتضوية - طهران - بين الحرمين.
- لسان العرب - للعلامة أبي الفضل جمال الدين محمد مكرم بن منظور الإفريقي المصري - دار بيروت للطباعة والنشر - ١٩٥٦م / ١٣٧٥هـ.
- فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - إعداد محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - الطبعة الأولى - مطبعة الحكومة - مكة.
- تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان - ترجمة نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي - الطبعة الرابعة - دار العلم الملايين / بيروت / تشرين ثاني ١٩٦٥م.
стр. 3637
- حتى يغيروا ما بأنفسهم - جودت سعيد - الطبعة الثانية - ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م.
- وجهة العالم الإسلامي - مالك بن نبي.
- رياض الصالحين - محيي الدين أبي زكريا يحيى شرف الدين النووي الشافعي - طباعة دار الشعب - القاهرة.
المجلات:
- العربي - إشارات قرآنية للدكتور عماد الدين خليل العدد ٢٤٧ - رجب ١٣٩٩هـ / ١٩٧٩م.
стр. 3638
ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر
بقلم الشيخ / الغزالي خليل عيد
الأستاذ بكلية الشريعة بالرياض - سابقا-
ولد بإقليم المنصورة، بجمهورية مصر العربية، حفظ القرآن الكريم وجوده ثم التحق بالأزهر حتى نال الشهادة العالية وتخصص التدريس.
اشتغل بالدعوة والتدريس بالمعاهد الدينية وكلية الشريعة ببغداد، ثم بإدارة معهد بني سويف، ثم ندب للتدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية.
معظم مؤلفاته وكتاباته تتصل بالقرآن الكريم وعلومه وتجويده وتفسيره، ومن مؤلفاته: أثر الحدود الإسلامية. أعمال النسك تفسير سور: الأنفال، الرعد، يس، الزمر، وغيرها من السور وكثير منها مخطوط لم يطبع حتى الآن.
стр. 3639
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله (وبعد) فإن للإيمان بالله واليوم الآخر ثمرات كثيرة: منها ما هو عاجل كباكورة الفاكهة، قطوفها دانية في هذه الحياة، ومنها ما هو آجل ناضج يانع مستطاب يدرك في الدار الآخرة، ثم يستمر ويدوم ويزداد، لا ينقطع، ولا يمتنع، ولا ينقص ولا يفنى، بل عطاء غير مجذوذ، ونعيم دائم، لا يشوبه خوف ولا كدر ولا حزن، فالإيمان بالله واليوم الآخر، كشجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
باكورة الثمرة أو (ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر في الدنيا):
إن الإنسان الذي يؤمن بأن للعالم ربا واحدا، خالقا رازقا، وإلها عليا عظيما لا شريك له في ربوبيته، ولا يجوز أن يشرك معه أحد في عبادته، ويؤمن بأنه ساع إلى ربه سعيا فملاقيه، وأنه قائم مسئول أمامه عما قدم وأخر ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١) ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
هذا الإنسان الذي آمن بربه وبلقائه وجزائه، يحيا في هذه الدنيا حياة طيبة، دائرا في فلك الرضا والطمأنينة والأمان: شاكرا لفضل ربه وعطائه، صابرا على قضائه وابتلائه، مؤمنا بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فتراه دائما رضي القلب، مطمئن النفس، واثقا بأن ما عند الله خير وأبقى، وأعلى وأثمن وأنقى من كل ما في هذه الدنيا من زينة وبهجة ومتاع، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر؛ لعلمه بأن هناك جزاء حسابا، ومن هذا المنطلق يقضي حياته العاجلة في طاعة ربه ما استطاع، وفي نفع نفسه، وأهله، ومجتمعه ما أمكنه ذلك، وفي دعوة الناس -بحاله وقيله - أن يسلكوا هذا السبيل السوي المستقيم. فهو من الله في
стр. 3640
رضى، ومن الناس في نصح وعافية، ومع نفسه في جهاد وحساب لكنه جهاد مستلذ مستطاب، لأن ذلك كله مقرون بالطمأنينة والأمن والأمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٣).
هذه هي باكورة الثمرة (للفرد المؤمن) يقطفها في هذه الحياة ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٤).
أما الثمرة التي يقطفها (المجتمع المؤمن) المؤلف من أولئك الأفراد المؤمنين فثمرة الأمن والسلام، والحب والوئام، والتعاون على البر والتقوى، والاطمئنان على النفوس والدماء، وعلى الأموال والممتلكات، وعلى الأعراض والأنساب، وعلى الحرية والقيم والمعتقدات.
وهل هناك ثمرة أطيب من هذه الثمرة للمؤمن ولمجتمع المؤمنين؟
ويمكنك يا أخي أن تقدر قيمة هذه الثمرة إذا وازنت بين مجتمعين:
أحدهما: مؤلف من أفراد عقلاء حازمين، ينظرون لعاقبة أمورهم، ويقدمون خير الزاد لغدهم، ويوقنون بأنهم مبعوثون ومسئولون عما قدموا وأخروا، قائمون مع الأولين والآخرين لرب العالمين.
والثاني: مجتمع شغلته دنياه وزينتها الفانية الزائلة، عن آخرته وعاقبته الباقية الدائمة فقصر نظره على هذه الحياة، وأنكر وكفر بما بعدها من بعث وحياة وجزاء ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
стр. 3641
قارئي الكريم: إن رجلا عاقلا يؤمن بهذا البعث والجزاء تراه يسير في حياته هذه سيرة الكيس الكريم، يدين نفسه ويحاسبها، ويوقن بمسئوليته أمام ربه، وبجزائه في يوم آت لا ريب فيه، فيعطي كل ذي حق حقه.
يعلم أن لربه حق العبادة والتوحيد الخالص من كل شائبة، ومنه سبحانه العون، وبه الاستغاثة، وله القربان والتعظيم.
ويعلم أن لوالديه حق البر والإحسان في حياتهما، والدعاء والاستغفار لهما بعد موتهما، ويعرف لأرحامه، وجيرانه، ولأمته وإخوانه المؤمنين حقوقا رسمها الله، وبينها في كتابه وعلى لسانه رسوله، ووعد بالجزاء عليها.
هذا الرجل لا شك يكون لبنة صالحة لبناء مجتمع قوي نقي تقي «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر (١)».
وبالتالي ترى هذا المجتمع المؤمن بالبعث والجزاء، المؤلف من هذه اللبنات حريصا على تنفيذ ما شرعه الله من عبادات: تهذب النفس وتعزها بربها ودينها، ومعاملات: تترفع عن أساليب الغش والخداع والغرر والضرر وأكل أموال الناس بالباطل، وأخلاق وقيم: تضع الإنسانية في مقام التكريم الذي ارتضاه الله لبني آدم، وتشريعات وأحكام وحدود: تحرس للمرء (حريته) آمنة منظمة، (وعقيدته) نقية سليمة، (ودمه) محقونا محفوظا، (وعرضه) طاهرا نقيا، (وماله) محصنا مصونا وعلى وجه الإجمال تراه مجتمعا قويا تقيا نقيا، متآخي الأفراد، معتصما بحبل ربه، منصورا بنصره العزيز الذي كتبه على نفسه تفضلا منه ورحمة ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وهل بعد ذلك كله من عز وسعادة في هذه الحياة؟ أما في حياتهم الآخرة التي أيقنوا بها فلهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
стр. 3642
وأما المجتمع الثاني: الذي كفر بالله والدار الآخرة، ونسي أن وراء هذه الدنيا حياة دائمة وأن بعد هذه الأعمال جزاء عادلا، وانساق وراء شياطين الإنس والجن ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (١) فاستباح هتك الحرمات، واحتكم إلى الأهواء والطواغيت، وانطلق في دروب الشهوات والمنكرات، وعاش باغيا طاغيا لا يعرف للضعيف حقا ولا مرحمة، وذليلا خانعا لا يعرف لنفسه عزا ولا كرامة، يخنع ويركع أمام الطاغوت العاتي بقلبه أو بجبهته، ويستعلي على الضعيف المستكين ببغيه وسلطانه وجاهه، إن هذا المجتمع أشبه بغابة الوحوش أو حظيرة الحيوان، بل إنه أحط منها ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (٢).
إن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء أضرى من الحيوانات الكاسرة، وأشرس من الكلاب المسعورة، يلغون في الدماء، ويخوضون في الخبائث والأقذار، ويرون أن هذه هي متعتهم التي إن فاتتهم فلن تستعاض، لأنهم زعموا أن لن يبعثوا، وأن ليس بعد هذه الحياة من حياة، ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣).
وبالموازنة بين حياة هذا المجتمع الشقي اللاهث، وحياة المجتمع السابق السعيد الآمن، تتجلى لك باكورة من ثمرات الإيمان بالله واليوم الآخر في حياة طيبة مشمولة بالأمن والرضا والسلام، أما ثمرة هذا الإيمان في الدار الباقية فلست أنا ولا أنت ولا غيرنا من المخلوقات بقادر على وصفها الوصف اللائق بها، وحسبك ما جاء في
стр. 3643
كتاب الله من بيانها وصفائها، وديمومتها التي تفضل الله بها: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (١) ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢) ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٣) ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
هذه - يا أخي - كلمة أوجزتها عن ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر: حياة طيبة، آمنة مطمئنة هنا، ونعيم مقيم - هناك - ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٥) ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ (٦) ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٧) ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٨).
стр. 3644
(مكانة الإيمان بالله واليوم الآخر)
لذلك كان الإيمان بالله واليوم الآخر هو الأساس والقاعدة الأولى لهذا الدين المتين، بل إن هذا الإيمان مع ما يقتضيه من العمل الصالح هما الدين كله، وما من نبي ولا رسول من رسل الله إلا جاء بدعوته مركوزة على الإيمان بالله واليوم الآخرة.
أما الإيمان بالله: فإن الكثرة الكاثرة من الناس يعترفون بوجوده ، ولا ينازعون في ذلك، لأن الفطرة السليمة والعقل القويم يهديان إليه ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (١) - ﴿مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٢) ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ (٣).
стр. 3645
ولا تجد من ينكر وجوده وربوبيته إلا من في فطرته أفن، أو في عقله عوج وفساد. ولهذا لن أطيل الحديث عن هذا الشق من العقيدة، وحسبك أن تقرأ وتتدبر من كتاب الله (سورة الطور، أو النحل، أو الروم، أو النمل، أو الأنعام، أو الواقعة، أو الرعد أو الحجر) وحسبك أيضا أن تنظر ماذا في السماوات والأرض من آيات القدرة والحكمة والتدبير، ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (١) ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٢).
وأما الإيمان باليوم الآخر، والجزاء والمحاسبة في ذلك اليوم على ما قدم الإنسان من العمل وما أخر، وبعبارة أوجز: أما (الإيمان بالبعث) والتزود له، فهذا هو الذي لاقى كثيرا من الجحود والنزاع، والشك والارتياب، والتقاعس عن الاستعداد له بالعمل الصالح والعبادة الخالصة لله رب العالمين.
ولذلك جاءت الأغلبية العظمى من آيات القرآن الكريم وسوره تؤكد طلب الإيمان بالبعث، والعمل والاستعداد له، وتستأصل شأفة الشبه التي تقوم في سبيل تحققه وصدقه ووقوعه ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ (٣) ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (٤).