شبهات على تحريم الخمر وتفنيدها
الشبهة الأولى:
ذهب بعض الفساق الجاهلين بالشريعة الإسلامية إلى أنه لم يأت نص صريح في تحريم الخمر، وأن آيات المائدة لا تدل على تحريم الخمر؛ لأنه تعالى قال
стр. 4027
- فاجتنبوه - ولم يقل حرمته فاتركوه - وقال: فهل أنتم منتهون، ولم يقل فانتهوا.
والجواب على هذه الشبهة سبق في بيان وجه دلالة آيتي المائدة على التحريم ما يدحض هذه الشبهة بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة التي لا تدع سبيلا للشك في تحريمها.
والشبهة الثانية:
قال الإمام الرازي: زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بين في الخمر أنها محرمة عندما تكون موقعة في العداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة بين بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (١) الآية. أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق، قالوا: ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقال: وما كان جناح على الذين طعموا كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢). . . ولكنه لم يقل ذلك بل قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (٤) ولا شك أن "إذا" للمستقبل لا للماضي.
والجواب أن هذا القول مردود بإجماع الأمة الإسلامية بما فيها من المذاهب المتعددة على تحريم الخمر قليلها وكثيرها.
ثم هل في المعقول أن يحرم الله الخمر ذلك التحريم الشديد، ورسول الله يلعن ساقيها وشاربها ويحرم بيعها وشراءها ويحكم بنفي الإيمان عن شاربها، ثم يقول القائلون: لا بأس بشربها لمن آمن وعمل صالحا، ولو كان القليل مباحا لوجد من الصحابة الذين كانوا منهمكين بشربها قبل تحريمها من يعود لشربها؛ لأنه واثق من إيمانه وعمله الصالح ولاشتهر في الدين الإسلامي أن تحريمها مقيد بذلك، ولو كان كذلك لما أمر رسول الله بإقامة الحد على شاربها، ولهذا لما شربها قدامة بن مظعون في خلافة عمر متأولا الآية
стр. 4028
السالفة بين له عمر خطأه وجلده، وقد ذكر المفسرون أن سبب نزول آية ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١) أن بعض الصحابة استشكلوا عند نزول هذا التشديد في الخمر والميسر حال من مات من المؤمنين الذين كانوا يشربون الخمر ويلعبون الميسر ولا سيما من حضر منهم غزوتي بدر وأحد كحمزة بن عبد المطلب، وأن في هذه الآية جوابا لهم. فنرى من هذا أن الآية نزلت في قوم شربوها قبل التحريم لا فيما بعد التحريم، وكل ما في الآية أن الشاربين للخمرة قبل تحريمها غير مؤاخذين إذا كانوا مؤمنين بما أمر الله متقين ما حرم الله ومحسنين في أعمالهم، وقولهم إن كلمة إذا للمستقبل لا للماضي فلا اعتراض عليه إلا أنه لا يفيدهم، لما روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا وفعلوا القمار وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يقرءون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها؟ فأنزل الله هذه الآية، وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول هذه الآية، لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.
الشبهة الثالثة:
قول بعضهم: إن دين الله في حقيقته وجوهره الحكمة منه واحدة، ولا خلاف فيه بين الرسل المبلغين له، وإذا كانت الخمرة مضرة بالصحة والعقل والمال ضررا بينا حتى كان سببا للقطع بتحريمها كما تقولون؛ إذا كان الواجب أن تأتي الشرائع السالفة بتحريمها؛ لأن مثل هذا لا يختلف باختلاف الزمان والمكان والشعوب والأجيال حتى يقال: لم تحرم على تلك الأمم وحرمت علينا لذلك الاختلاف المذكور. والحال أن المنقول عن أهل الكتاب أنها لم تكن محرمة عليهم وأن الأنبياء أنفسهم كانوا يشربونها.
والجواب عن هذه الشبهة من وجهتين:
أولا: أن نقل أهل الكتاب ليس حجة عندنا، ولم يثبت عندنا في كتاب ولا سنة ما ذكروه. وإذا كان قد وجد في المسلمين من زعم أن شرب ما دون القدر المسكر من الخمور كلها حلال إلا ما اتخذ من عصير العنب وهو أقلها ضررا
стр. 4029
وشرا مع نقل القرآن بالتواتر وحفظ السنة وسيرة أهل الصدر الأول بضبط وإتقان لم يتفق مثله لأمة من الأمم في نقل دينها أو تاريخها وهما صريحان في تحريم كل مسكر وفي تسميته خمرا، فهل يبعد أن يدعي أهل الكتاب مثل هذه الدعوى وينسبونها إلى أنبيائهم وهم لا يقولون بعصمتهم. لا يبعد عنهم ذلك فقد نسبوا إلى لوط ليس شرب الخمر فحسب بل الزنى بابنتيه لعنهم الله.
ثانيا: أننا إذا سلمنا بما نقلوه في العهدين القديم والجديد من الأخبار الدالة على حل الخمر وعدم التشديد إلا في السكر نقول:
(١) إن هذا التحريم من إكمال الدين بالإسلام وقد مهد الأنبياء له من قبل بتقبيح السكر وذمه ولم يشددوا في سد ذريعته بالنهي عن التعليل من الخمر كما كان من افتتان البشر بشربها ومنافعهم منها كما فعل الإسلام في أول عهده.
(٢) أن الله تعالى ما حرم الخمر البتة فيما أكمل به الإسلام إلا وهو يعلم أن البشر سيدخلون في طور جديد تتضاعف فيه مفاسد السكر، وأن مصلحتهم وخيرهم أن يتسلح المؤمنون بأقوى السلاح الأدبي لاتقاء شرور ما يستحدث من أنواع الخمور الشديدة الفتك بالأجساد والأرواح التي لم يكن يوجد منها شيء في عصور أولئك الأنبياء ﵈، وما ذاك إلا لسد ذريعة هذه المفسدة بتحريم قليل الخمر وكثيرها.
стр. 4030
التدرج التشريعي في تحريم الخمر وحكمه في ذلك
لقد انتهج الإسلام خطة حكيمة في معالجة الأمراض الاجتماعية عندما سلك بالناس التدرج في تشريع الأحكام، وهو لطف من الله وكرامة لعباده؛ حيث لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجبها عليهم مرة بعد مرة، فقد فرض سبحانه الصلاة على العباد قبيل الهجرة بسنة ونصف تقريبا، ثم فرض عليهم الزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة، وكذلك الخمر سلك الشارع في تحريمها مسلكا فقد كان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهو لهم حلال مدة إقامته عليه الصلاة
стр. 4031
والسلام بمكة، فلما هاجر إلى المدينة بدأ الحق سبحانه بالتنفير منها عن طريق المقارنة بين شيئين: شيء فيها نفع ضئيل وشيء فيه ضرر جسيم. وقد أدرك بعض الصحابة شيئا من ضررها، فكانوا يتوقعون تحريمها، فكانوا يسألون رسول الله ﷺ عنها فنزل سبحانه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (١) فتركها قوم لقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ (٢) وشربها قوم لقوله ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٣) ثم إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما ودعا إليه ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ فأطعمهم وسقاهم الخمر وحضرت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٤) أعبد ما تعبدون. بحذف لا، فكانت هذه الحادثة تمهيدا لتحريمها عليهم أوقات الصلاة ونزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٥) فحرم الله السكر تحريما جزئيا في أوقات الصلاة، فلم يبق للمصر على شربها إلا الاغتباق بعد صلاة العشاء وضرره قليل، وكذا الصبوح من بعد صلاة الفجر لمن لا عمل له ولا يخشى أن يمتد سكره إلى وقت الظهر، ثم تركهم - جلت حكمته - على هذه الحال زمنا قوي فيه الدين ورسخ اليقين وكثرت الوقائع التي ظهر بها إثم الخمر، منها ما روي أن عتبان بن مالك صنع طعاما ودعا إليه رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، فافتخروا عند ذلك وتناشدوا الأشعار، فأنشد بعضهم قصيدة فيها فخر قومه وهجاء الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير فضرب به رأس سعد فشجه فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا إليه الأنصاري، فأنزل الله قوله سبحانه ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٦) إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٧) فقال عمر: انتهينا ربنا انتهينا، فطلب الكثيرون من الصحابة تحريمها، فأجابهم الله وحرمها تحريما كليا في جميع الأوقات.
стр. 4032
وفي تحريم الخمر بهذا الترتيب حكمة بليغة، وذلك أن القوم ألفوا شرب الخمر وأصبحت جزءا من حياتهم، فلو حرمت عليهم دفعة واحدة لشق ذلك على نفوسهم، فإنه من الصعب جدا أن يتركوا شرابا طالما عاقروه وشبوا عليه وشابوا، فلو أمروا بترك الخمر أول مرة لكان ذلك صادا للكثير من المدمنين عليها عن الإسلام، بل عن النظر الصحيح المؤدي إلى الاهتداء به، ولذلك روي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم لقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له: أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدا ﷺ ، فقالوا: لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة، فقال: إن خدمة الرب واجبة. فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء، فقال: اصطناع المعروف واجب، فقيل له: إنه ينهى عن الزنا، فقال: هو فحش وقبيح في العقل وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه، فقيل له: إنه ينهي عن شرب الخمر، فقال: أما هذا فإني لا أصبر عليه فرجع وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه. فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات.
стр. 4033
الوقت الذي حرمت فيه الخمر
اختلف في بيان الوقت الذي حرمت فيه الخمر، فقال الدمياطي في سيرته بأنه كان عام الحديبية، والحديبية كانت سنة ست من الهجرة. وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير وهي بعد أحد، وذلك سنة أربع على الراجح.
قال صاحب الفتح وفيه نظر، لأن أنسا كان الساقي يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادي بتحريمها بادر بإراقتها، فلو كان ذلك سنة أربع لكان يصغر عن ذلك، وأضاف قائلا: والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان، لما روى أحمد من طريق عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر فقال: «كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو دوس؟ فلقيه يوم الفتح بروية يهديها إليه، فقال: يا فلان أما علمت أن الله حرمها؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها، فقال إن الذي حرم شربها حرم بيعها (١)».
ولا مانع من صحة الأقوال المذكورة كلها حيث يمكن الجمع بينها، وذلك بأن يحمل ما ذكره الدمياطي على تحريم المسكر في الأوقات القريبة من القيام إلى الصلاة
стр. 4034
بآية النساء، وما ذكره ابن إسحاق يحمل على الذم والتنفير من شربها، ويحمل ما أيده صاحب الفتح على التحريم القطعي في جميع الأوقات وكان ذلك عام الفتح.
في تعليل حرمة الخمر
اختلف الفقهاء في تعليل حرمة الخمر بالإسكار:
فقال الحنفية: إن الخمر محرمة لعينها، بمعنى أنه يحرم قليلها وكثيرها لا بسبب الإسكار بل أن عينها حرمة، وإلا لو كان علة التحريم هو الإسكار لم يثبت التحريم حتى يثبت العلة وهي الإسكار أو مظنته من الكثير. وعلة التحريم في الخمر أنه ماء رقيق ملذ مطرب يدعو قليله إلى كثيره، وذهب الجمهور إلى أن حرمة الخمر معللة بالإسكار.
الأدلة: استدلال الجمهور بالقرآن والسنة والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢) وجه الدلالة: أنه بين أن الخمر توقع في العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولا شك أن هذه الأفعال معلقة بالسكر، فعلى هذا تكون الآية الكريمة نصا في أن حرمة الخمر معللة بالإسكار.
واستدلوا من السنة بما يلي:
(١) ما رواه جابر «أن رجلا قدم من جيشان فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له - المرز - فقال النبي (أو مسكر هو)؟ قالوا نعم قال رسول الله ﷺ " كل مسكر حرام (٣)».
(٢) ما رواه ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٤)»
(٣) ما روته عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ سئل عن البتع وهو نبيذ
стр. 4035
العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال: كل شراب أسكر فهو حرام (١)»
(٤) وما روته عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام (٢)».
وجه الدلالة: تظهر بوضوح في تلك النصوص الصريحة؛ حيث علق ﵊ التحريم على وجود الإسكار، فدل ذلك على أن العلة هي الإسكار في تلك الأشربة، والخمر شراب من الأشربة المحرمة فكانت حرمتها معللة به.
ورد على الجمهور في الأحاديث السالفة بأنه علق التحريم فيها على الإسكار في الأنبذة وهي تخالف الخمر.
وأجاب الجمهور بأن الجميع خمر كما سبق تحقيق ذلك.
أما استدلالهم بالمعقول فأورده الإمام النووي حيث قال: " إذا شرب الشخص سلافة العنب عند اعتصارها وهي حلوة لم تسكر فهي حلال بالإجماع، وإن اشتدت وأسكرت حرمت بالإجماع، فإن تخللت من غير تخليل آدمي حلت، فنظرنا إلى مستبدل هذه الأحكام وتجددها عند تجدد الصفات وتبدلها، فأشعرنا ذلك بارتباط هذه الأحكام بهذه الصفة، وقام ذلك مقام التصريح بالنطق فوجب جعل الجميع سواء في الحكم وأن الإسكار هو علة التحريم ".
وقال المارزي: " أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال على أنه إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد حرم قليله وكثيره، ثم لو حصل له تخلل بنفسه حل بالإجماع أيضا، فوقع التطرف بتبدل هذه الأحكام عند هذه المتخذات ".
فأشعر ذلك بارتباط بعضها ببعض ودل على أن علة التحريم الإسكار، فاقتضى ذلك أن كل شراب وجد فيه الإسكار حرم تناول قليله وكثيره.
واستدل الحنفية بالسنة
ذلك بما روي أن النبي ﷺ طاف بين الصفا والمروة أسبوعا ثم استند إلى حائط من حيطان مكة فقال هل من شربة؟ فأتي بقعب من نبيذ فذاقه فقطب ورده، فقام إليه رجل من أهل حاطب فقال يا رسول الله هذا شراب أهل مكة. قال فصب
стр. 4036
عليه الماء ثم شرب ثم قال: «حرمت الخمر بعينها والسكر من كل شراب (١)»
وجه الدلالة: واضح من الحديث حيث بين ﵊ أن الخمر محرمة لعينها لا لإسكارها على خلاف غيرها من الأشربة المسكرة، فإنه لا يحرم منها إلا القدر المسكر، وعليه فتكون حرمة الخمر غير معللة بالإسكار بدليل إجماع العلماء على تحريم القليل منها مع أنه غير مسكر.
ورد عليهم الجمهور: بأن الحديث الذي استدلوا به لا يقوم على مدعاهم لضعفه، حيث إن في سنده محمد بن الفرات، وقد نقل عن يحيى بن معين أنه قال عنه بأنه ليس بشيء، ونقل عن البخاري أنه قال: منكر الحديث، وقال العقيلي: لا يتابع عليه، ومنه يظهر أنه لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة المتقدمة في تعليل حرمة الخمر بالإسكار. وعلى فرض أن الحديث خال من الضعف وأنه غير معارض بالأحاديث الصحيحة فلا يدل أيضا على نفي تعليل تحريمها بالإسكار بحسب الشأن وهو ما تشهد له الآية الكريمة؛ حيث علل سبحانه حرمتها بإيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، والقليل لا يحدث معه شيء مما تحدثت عنه الآية ومع ذلك فإنه سبحانه سوى بين القليل والكثير في التعليل، وعليه فيترجح مذهب الجمهور لسلامة أدلتهم وقوتها.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الشيخ مساعد المعتق
стр. 4037
صفحة فارغة
стр. 4038
صلاحية التشريع الإسلامي للبشر كافة
بقلم الدكتور عبد الله بن محمد العجلان
- من مواليد مدينة البرة عام ١٣٥٥ هـ، تخرج من كلية الشريعة بالرياض، ثم حصل على درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء، ومن ثم نال درجة الدكتوراه عام ١٣٩٥ هـ في أصول الفقه من جامعة الأزهر.
- عمل مديرا لتعليم البنات، ثم أمينا عاما لكليات البنات، ويعمل وكيلا للرئيس العام لتعليم البنات لشئون الكليات.
- له مشاركات في مجال المحاضرات والندوات والأحاديث الإذاعية والتليفزيونية.
стр. 4039
الإنسان اجتماعي بفطرته
الحمد لله رب العالمين وبعد:
فإن الإنسان - وهو من أكرم المخلوقات على الله - يأتي للحياة لغاية محددة وهدف معلوم، وله رسالة واضحة، وهو يولد بين أبوين في ظل أسرة ومحيط جماعة، وهو مفطور على حب الاجتماع والعيش مع لداته وأترابه وأقربائه وجيرانه، وهو في هذا الاجتماع له حاجات ومطالب، وعليه واجبات وله حقوق، وتتطلب الحياة في أخذها وعطائها تفاعل الأفراد مع المجتمع، وقيام أواصر المحبة والأخوة، ومد جسور التعامل على كل المستويات. وتنمو هذه المعاني مع امتداد حياة الإنسان، وتتوثق الصلات أو تسوء حسب ظروف العيش ومستوى التعامل، ولهذا يقول علماء الاجتماع: إن الإنسان اجتماعي بطبعه، أي أنه مفطور على العيش في ظل جماعة وفي كنف أمة لا يستغنى عن غيره، والآخرون في حاجة إليه، ولا تتصور حياة سوية مستقيمة ومستقرة إلا على هذا النحو وفي ذلك الإطار، والإنسان في اجتماعه مع غيره وتعامله في حياته فتنشأ له صلات وعلاقات قد تسودها محبة الإخاء والتعاون، وقد يتعورها الخلل والاختلاف والتخاصم، وتختلف روابط الأفراد في المجتمعات في كل فترة، قوة وضعفا ووئاما أو اختلافا وتعاونا أو تصادما تبعا للثقافة التي ينتمي إليها الفرد وتلتقي عليها الجماعة ومدى سلطان هذه الثقافة على النفوس، والاختلاف والتخاصم والنزاع تكاد تكون من لوازم الاجتماع، ولكن التفاوت إنما يكون في درجة الاختلاف.
стр. 4040
حاجة الإنسان إلى ما ينظم حياته
وما دام أن من لوازم الاجتماع تآلف الأفراد تارة واختلاف بعضهم على بعض تارة أخرى؛ فإن الجماعة محتاجة إلى قواعد تنظم حياتها، وترجع إليها عند الاختلاف، وتحكمها فيما يشجر بينها. وقد عرفت البشرية عبر تاريخها الطويل وفي
стр. 4041
مختلف مراحل تطور المجتمعات ألوانا من هذه القواعد المنظمة للحياة التي تكون على شكل عادات أو تقاليد أو أعراف ومواصفات، وقد تكون زعامة قاهرة تأمر وتطاع أو هيئات، أو جماعات أو تنظيمات شعبية، أو دساتير تصدرها فئة أو جماعة أو حكومة، إلى غير ذلك من ألوان القواعد والنظم التي يصدر فيها البشر عن اجتهاد يتلاءم مع حاجات المجتمع، في فترة زمنية معينة وفي ظروف خاصة، وتنفيذ هذه القواعد وتنظيم القوانين من فترة إلى أخرى، ولكنها في كل ذلك تصدر عن نشاط عقلي بشري يعتوره القصور والضعف والجهل والهوى، وتؤثر فيه المطالب والحاجات والمصالح للفئة الغالبة على الأفراد والهيئات المغلوبة، ولذلك فإن هذه القواعد والنظم تأتي صورة عن الإنسان في قصوره وعجزه وجهله وأهوائه وتأثراته، وبالتالي فهو لا يحقق العدل ولا الأمن والاطمئنان للإنسان في الحياة، وقد تجرعت الإنسانية في كثير من فترات تاريخها مرارة هذا الظلم وجور البشر.
وكانت الرسالات السماوية ضرورة اجتماعية، تتوق إليها البشرية في مختلف العصور، إذ هي رحمة الله بخلقه، ومعالم الطريق المستقيم إليه، وعدله الذي تتنسم البشرية في ظلها عبير الحرية، وتتفيأ ظلال الأمن والعدل والسلام، ولذا جرت سنة الله في خلقه أن يبعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى توحيده وطاعته ومخافته في التعامل مع خلقه ويقيم لهم شريعة عادلة كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) والطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده في عقيدته مع ربه أو جوره في حكمه أو ظلمه للخلق، والله هو خالق الخلق ومدبر الأمر ومربي البشر بألوان النعم وصنوف الفضل، تأبى حكمته أن يخلق خلقا دون أن يهيئ له ما تتطلبه حياته الآمنة المستقرة ويوائم فطرته السليمة ويصلح شأنه ويحقق سعادته وأمنه، والإنسان محتاج إلى هداية الله ورعايته وتعريفه بربه وبنفسه، والغاية من وجوده وعلاقته بالكون والإنسان والحياة، وتحديد مركزه في الوجود ودوره في الاجتماع، وما يجوز له فعله وما لا يجوز، وبالتالي فهو مربوب موجه مأمور
стр. 4042
منهي، مأمور بما ينفعه ويصلح شأنه ويسعده في الحياة وفى الآخرة، ومنهي عن كل ما يضر به في دينه أو دنياه على السواء، وكل ذلك من خالقه ومربيه الرحيم بخلقه اللطيف بعباده العالم بما يصلح حياتهم وآخرتهم.
وما رسالات الأنبياء في مختلف العصور إلا مظهر من مظاهر الرحمة الربانية بالخلق والعناية بالعباد، فكلما انحرفت البشرية في مسيرتها عن جادة الحق ومنهج الصواب وشارفت على الهلاك بعث الله لها نبيا من أنبيائه ليردهم به إليه ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
стр. 4043
رسالة محمد ﷺ وشريعته الجامعة
وقد ختمت رسالات الأنبياء ﵈ برسالة محمد ﷺ التي أنزلها الله على رسوله محمد ﷺ وحيا يتلى على الناس، وبيانا يذاع في الخلق، ومنهجا في الحياة يمدها بكل ما تحتاج إليه في نواحي الحياة المختلفة، لتقوم حياتها على الاستقامة، ومسيرتها على الرشد، وعقيدتها على الحق، وتنظم علاقة الفرد بربه في عقيدته وعبادته وعلاقته بأفراد أسرته وحدود واجباته وحقوقه على إخوانه وعلاقته بالآخرين أفرادا وجماعات، وقد جاءت أحكام هذا الدين وقواعده عامة شاملة لكل مناحي الحياة، ومنظمة لكل العلاقات بأسلوب عظيم وبلاغة عجيبة وتنظيم محكم ورسالة باقية، تمد الحياة بكل ما تحتاجه في كل عصر ومصر، متخطية حدود الزمان والمكان والأجيال، فهي دين الله الخالد ورسالته الباقية، التي نسخ الله بها جميع الأديان وختم بها كل الرسالات والنبوات، فلا دين بعد هذا الدين، ولا نبي بعد نبي هذه الأمة، وهي من صنع الله واختياره لخلقه، وهو العالم بحالهم ومستقبل حياتهم ومآلهم وهو الرءوف الرحيم بهم، وقد واجهت هذه الرسالة الإلهية في أول أمرها من بعض العرب إعراضا وجفوة ومعارضة وشدة، ولكنها لم تلبث طويلا حتى أظهرها الله في العرب ونصر الله بها رسوله وأعز بها جنده، ورفع الله بها شأن العرب، وأنقذ بها كل أجناس البشر واستفاء الناس ظلها،
стр. 4044
وسعدوا بالحياة الحرة الكريمة في كنفها، فجعل الله لهم بها عز الدنيا وسعادة الآخرة، فقامت عليها دولة فريدة في التاريخ، وأمة عزيزة الجانب رحيمة في التعامل رشيدة في المنهج، تستضيء بنور الله وتسير على هديه وتطلب مرضاته، فأعطاها الله عز الدنيا وسعادة الآخرة وذكرا حسنا في الآخرين، وامتدت حدود هذه الدولة الراشدة حتى شملت ثلاثة أرباع المعمورة، وتفيأ الناس ظلالها أمنا ورخاء وسعادة ورفاهية ونظافة في الظاهر والباطن.
ولم تقصر هذه الشريعة في إقامة الحياة في كل جانب من جوانبها ومرفق من مرافق هذه الدولة الممتدة على معظم أجزاء الأرض على العدل والاستقامة والتراحم وتنظيمها لشئون هذا المجتمع الممتد على مقتضى أصول هذه الشريعة وقواعدها، وتحديد حقوق الأفراد وواجباتهم فيها، ولم تضق نصوص هذه الشريعة عن الوفاء بمتطلبات هذا المجتمع الكبير الذي تكون من أجناس متعددة وكان على ثقافات مختلفة في أي شأن من شئون الحياة، بل إن هذه الشرعة قد نظمت كل جوانب الحياة بما يحقق الرخاء والعدل والسعادة لكل فرد في المجتمع، ونظمت العلاقات بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، وكانت أوربا وغيرها يعيشون في ظلال دامس وجهل مطبق وتخلف مريع.
ثم إن هذه الدول الإسلامية قامت ما شاء الله لها أن تقوم، وأمن الناس في ظلها وسعدوا بالحياة فيها، حتى دب الوهن إلى القائمين عليها شيئا فشيئا، وبدأ التفلت من أحكام هذا الدين والخروج على نصوصه خطوة خطوة، حتى وصل الأمر إلى غربة هذا الدين بين أهله، وتقلص ظل خلافته وهجران منهجه، وتم عزله عن الحياة في معظم ديار الإسلام إلا في مجالات محددة في نطاق الأحوال الشخصية وروابط الأسرة وبعض المعاملات، ولكن الأمة الإسلامية في مختلف أطوار حياتها ظلت تحن إلى هذا الدين وتتطلع إلى عودته إلى قيادة الحياة وإعادة تنظيم الحياة، في ظل نظامه وفق نصوصه واستعادة مكانتها الريادية في العلم، ولكن الطريق طويل والعقبات كثيرة والمثبطات متعددة، ولن يخلى بين هذه الأمة ودينها إلا بعد جهاد صادق وتضحيات كبيرة وعمل دائب مخلص، لكن على الرغم من هذا كله فإن المستقبل
стр. 4045
حاصل لهذا الدين - كما قاله أكثر من مفكر إسلامي - والدلائل على ذلك قائمة من طبيعة هذا الدين وحاجة الإنسان إليه، وبموحيات انهيار الحضارة الغربية المعاصرة بما تحمله من أمراض كثيرة وعلل مميتة.
ولكن العودة إلى هذا الدين لن تكون إلا نتيجة عمل مخلص دائم وجهاد منظم وتضحيات عزيزة قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١) الآية.
стр. 4046
مفهوم الشريعة
الشريعة في أصل الوضع اللغوي مورد الماء العذب الظاهر المبين، وتطلق على الطريقة الواضحة المستقيمة والمنهاج البين، وقد غلب اسم الشريعة على ما أنزله الله على لسان أنبيائه من الوحي والنهي باللفظ والمعنى معا أو باللفظ فقط من الأحكام وسميت هذه الأحكام شريعة لاستقامتها وتشبهها بمورد الماء العذب؛ لأن بهذه النصوص والأحكام المأخوذة منها حياة النفوس وغذاء العقول، كما أن في مورد الماء حياة الأبدان.
وظلت هذه الكلمة - فيما أعلم - علما في الشرع على هذا المعنى، لم يدخله التخصيص أو النقل إلا ما يسمع في بعض الأزمنة المتأخرة، من إطلاق الشريعة على الأحكام التكليفية، وهي ما اصطلح عليها في الأزمنة المتأخرة (بالفقه) وهو العلم بالأحكام الشرعية والعملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.
ومعلوم أن الشرع أعم من العمليات؛ إذ يشمل العقائد والوجدانيات ومكارم الأخلاق إلى جانب العمليات.
стр. 4047
خصائص الشريعة الإسلامية الخالدة
وهذه الشريعة السمحة المعطاء لها خصائص وسمات تميزها عن بقية النظم والقواعد التي يحتكم إليها البشر؛ في ظل فترات الرسل وغياب هدى الله عن ساحات العمل وشرود الناس عن المنهج الحق من مختلف النظم الوضعية والمحرفة مما ينسب إلى ديانات حقة، وهذه الخصائص كثيرة ومتعددة بحيث يصعب على الكاتب الإحاطة بها والإلمام بجلها، ولكن الإشارة إلى أهم هذه الخصائص وبعض سماتها ممكن، ويعين على فهم مرادنا في هذا البحث فنقول:
إن من أهم الخصائص التي تميزت بها الشريعة الإسلامية الغراء - مما يجعلها خالدة وصالحة لكل عصر وكل زمان ومكان - ما يلي:
١ - أنها شريعة الله:
إذا كانت الأنظمة والقوانين التي عرفها البشر في صورة عادات وتقاليد وأعراف، أو في ظل سيادة زعامة العشيرة ورئيس القبيلة، أو في حماية ملك مطاع أو سلطان قاهر أو قوانين تصدرها هيئات مخولة أو صفوة من القانونيين أو غيرهم مما يفرزه نظام أو قانون وضعي من صنع الإنسان ووضع البشر، فإن هذه القوانين مهما حاول أربابها تجويدها وتحقيق العدل بها بين الناس وإقامة الحياة بها على اعتدال لا تحقق ذلك، وإنما تأتى عاكسة لقصور البشر ولنقص الإنسان وتأثره بمختلف المؤثرات كما تصور جهله ونزعاته وأهواءه، وبالتالي لا يكون لها في نفوس الناس من التقدير والاحترام إلا بمقدار اتقاء السلطة وعدم الوقوع تحت طائلة الجزاء الدنيوي. أما شريعة الله فإن منزلها هو خالق البشر ومالك أمرهم، وهو المتصف بصفات الجلال والكمال المبرئ من كل عيب أو نقص أو جهل أو هوى، وهو العالم بما يصلح أمر هذا البشر ويحقق لهم الأمن والطمأنينة والسعادة وقد خلقهم سبحانه لغاية وحملهم في الأرض رسالة وكرمهم بذلك على كثير من خلقه، وهو
стр. 4048
اللطيف في أمره الحكيم في حكمه، القادر على خلقه، العليم في تدبيره، الرحيم بعباده، وهو مالك الدنيا والآخرة، ولا يفوته أحد من خلقه، ولا يغيب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولهذا فإن شريعة الله توصف بالكمال والشمول والرحمة والعدل على أتم صورة والخلق مطالبون بالأخذ بهذه الشريعة كجزء من العقيدة وشرط للإيمان، وبها يتحقق لهم الخير في الدنيا والسعادة في الآخرة والأمن يوم الفزع الأكبر، وهي في ذات الوقت ذات سلطان على النفوس وهيبة في القلوب واحترام في الحياة، لا يماثلها قانون أو نظام ولا يشابهها في ذلك شيء من جهود البشر.
ثم إن الإيمان بهذه الشريعة وتحكيمها في أمور الحياة وما يحصل من شجار في المجتمع والرضاء والتسليم بحكم هذه الشريعة شرط من شروط الإيمان ومقتضيات الطاعة، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وليس هذا لأي نظام وضعي في الوجود.
وترك هذه الشريعة مع القدرة باب من أبواب الكفر ومدخل من مداخل الشيطان، والاحتكام إلى غير شرع الله مزلة عظيمة وجريمة كبيرة، إذ هي تفضيل لحكم الجاهلية على حكم الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) كما أنها محادة لله ولرسوله ومنازعة له في ملكه وأخص خصائص الألوهية، ولكن الله لطيف بعباده حليم على خلقه يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٣).
стр. 4049
٢ - عمومية الرسالة والشريعة لكل أجناس البشر:
كانت الرسالات السابقة لرسالة محمد ﷺ رسالات خاصة لأقوام بعينهم وجماعات محددة، ولهذا فإن القرآن حين يتحدث عن قصص الأنبياء والرسل ﵈ يقول ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (١) ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (٢) ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٣) ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (٤) وهكذا فكل نبي يبعث إلى قومه وطائفة من الناس وتكون مهمته محصورة في هداية هؤلاء القوم وردهم إلى جادة الحق. وكانت رسالاتهم محددة بحدود الزمان والمكان والقوم.
أما رسالة محمد ﷺ فإنها جاءت من عند الله عامة لكل أجناس البشر بل للجن والإنس، لا يختص بها قوم ولا جماعة ولا هي محدودة بظروف المكان أو الزمان أو البشر، بل هي دين الله الباقي الخالد حتى يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٦).
وهي وإن اختص الله بها العرب فجعلها في نبي منهم، واختار لسانهم ترجمانا لهذه الرسالة فإنه شرف لهذه الجماعة البشرية؛ والله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو شرف مرتبط بالقيام بهذا الدين، ولكنها جاءت عامة للعرب والعجم على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وعاداتهم وثقافاتهم، ثم إنها جاءت رسالة خاتمة لجميع الرسالات، ناسخة لكل الشرائع، باقية لا يلحقها نسخ ولا تغيير ولا تبديل، ولهذا كله يستلزم أن تكون نصوص الشريعة وما يؤخذ منها من أحكام وقواعد
стр. 4050
وأصول على نحو يحقق مصالح الناس في كل عصر ومكان، ويفي بحاجاتهم ولا يضيق بها ولا يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه المجتمع، وهذا هو واقع الشريعة الإسلامية التي جاءت من الله، جعلها عامة في المكان والزمان وخاتمة لكل الرسالات والنبوات من خلال مصادرها وطبيعة مبادئها وأحكامها وقواعد التعامل فيها، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) ويقول سبحانه ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) ويقول تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤).
стр. 4051
٣ - شمولية الشريعة الإسلامية:
إن ختم الرسالات بهذه الرسالة ونسخ رسالات الأنبياء من قبله بها يستلزم أن تكون هذه الشريعة وافية بمتطلبات الحياة كلها. ومن لم يؤمن بهذه الحقيقة فإنه يلزم من كلامه أن هذا الدين جاء بالضيق والحرج والجور وهو ما لا يقول به مسلم، ومضاد لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١).
وكما جاءت الشريعة الإسلامية عامة لكل البشر على اختلاف أجناسهم، لا فضل فيها لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، فإنها كذلك رسالة شاملة لكل جوانب الحياة ومناحي الاجتماع لم تترك شاردة ولا واردة إلا ذكرت فيها خبرا أو شملتها حكما أو كانت مندرجة تحت أصل أو قاعدة.
فقد تناولت تحديد الغاية من خلق الإنسان ووظيفته في الحياة ومركزه في
стр. 4052
هذا الكون، ونظمت علاقته بربه وصلته بإخوانه والمجتمع الذي يعيش فيه، وحددت الحقوق والواجبات، ووضعت أصولا لفض المنازعات وإيصال كل ذي حق حقه، وإقامة العدل بين الناس في كل جانب من جوانب نشاطاتهم وأعمالهم.
فهي منهج حياة كامل جمع بين الدنيا والدين، وبين العمل والعبادة وبين الظاهر والباطن. . . فضمن بذلك للإنسان خيري الدنيا والآخرة.
وقد قسم علماء الشريعة الدين في جملته إلى أربعة أقسام هي:
١ - أصول الدين.
٢ - ما علم من الدين بالضرورة.
٣ - الأحكام المتعلقة بالأخلاق وقواعد السلوك.
٤ - الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأدلة التفصيلية.
وهو ما يعرف في اصطلاح المتأخرين (بالفقه) وهو باب واسع يتناول معظم نشاطات البشر وهو ينقسم إلى:
١ - العبادات التي تنظم العلاقة مع الله وتوثق به الصلة سبحانه.
٢ - المعاملات: وهذا الأخير يندرج تحته كثير من الأحكام والمعاملات مثل:
أ - الأحكام المتعلقة بتنظيم الأسرة بما يشمله من نكاح وطلاق وحقوق.
ب - أحكام المعاملات كالبيع والشراء والبيوع الجائزة والمحرمة والأمور التجارية عامة من شركات ومبادلات.
جـ- أحكام المرافعات والقضاء وفض المنازعات بين الناس وإقامة العدل في ظل الدولة الإسلامية.
د- تنظيم علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى في أيام السلم والحرب. . . إلخ
هـ- الحدود والعقوبات كحد الردة والزنا وشرب الخمر والقذف وغيرها من الحدود الشرعية.
стр. 4053
فهذه الشمولية التي اتصفت بها الشريعة الإسلامية حتى تجاوزت الأمور الظاهرة إلى النيات المضمرة والمقاصد الخفية وإصلاح الإنسان من داخله وكبح جماح الغرائز البهيمية فيه ومحاسبة الإنسان على عمله الظاهر ونيته المضمرة وإقامة وازع من النفس عليها، قال ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١)» وقال العلماء: إن هذا الحديث نصف العلم؛ لأنه يعالج الجانب الخفي في النفس المستكن في الضمير، وبقية الأحكام تعالج الأعمال الظاهرة.
стр. 4054
د- صلاحية الشريعة للناس في كل زمان ومكان: -
مصادر الشريعة الإسلامية هي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وما يتفرع عنهما من مصادر وأصول مرتبطة بهما، وهي محددة في كتب الأصول والكتاب والسنة بما تضمناه من نصوص وأحكام، جاءت على قدر كبير من الدقة والأحكام الموروثة والمبادئ العامة والقواعد المقررة، مما يجعل هذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، تتسع لكل تطور وتتطور الحياة في ظلها بلا أي توقف أو وقوع حرج أو ضيق، بل إنها تحفظ للإنسان توازنه في بنائه وتكوينه وتلبية مطالب حياته في شكل متكامل واضح ومرن.
وأمور الناس في الحياة: إما ثابتة مستقرة لا يتطرق إليها التحول أو التغيير باختلاف الزمان أو المكان، وإما أمور قابلة للتغير والتبدل والانعطاف، وتختلف النظرة إليها من وقت لآخر، وتختلف فيها الأفهام، وهذا يحتاج إلى ضبط وتقييد يتسع لكل المتغيرات والظروف، ويحفظ فيها الحق وحسن الأداء تحت كل الظروف والمتغيرات.
وتبعا لهذه الأمور الموجودة في الحياة جاءت نصوص الشريعة على ضربين متمايزين ينتهيان إلى مصب واحد وهو جلب المصالح للعباد ودفع الضرر عنهم في كل زمان ومكان.
أما الضرب الأول من النصوص فإنها جاءت أحكامها نصية لا مجال للاجتهاد فيها، وقد شملت أقساما من أحكام الدين وأصول التعامل لأن هذه
стр. 4055
الأحكام لا تتغير ولا تتبدل مع اختلاف الزمان أو المكان، وهذا واضح في مجال العقيدة في الله وتوحيده وإخلاص العمل له، لأن الإنسان يحتاج إلى هذه العقيدة كحاجته إلى الطعام والشراب والنكاح وقد فطر على ذلك، والألوهية ومقتضياتها لا تتغير ولا تتبدل لا باختلاف الزمان ولا المكان.
وكذلك جاءت أحكام الشريعة في قواعد الأخلاق ومحاسن العادات والآداب على اختلافها إذ هي أمور تظل مطلوبة ومحمودة في كل الظروف والأحوال.
كما أن لبعض المعاملات التي تتصل بعلاقات الأفراد في محيط الأسرة وأحكام النكاح والطلاق والحضانة وغيرها صيغة استقرار، كلها جاءت أحكامها تفصيلية لأنها لا يختلف الحكم فيها باختلاف الزمان أو المكان.
والميراث هو الآخر قد تولى الله بيانه بنفسه سبحانه، فأعطى كل ذي حق حقه بلا وكس ولا شطط، ولم يترك فيه مجالا لمجتهد إلا في مسائل فرعية بسيطة نادرة الوجود، بل جاءت النصوص في هذه الأحكام كلها نصية من كتاب الله.
وكذا تحريم بعض المعاملات كالربا وبيع ما لا يجوز بيعه ومنع الضرر والجهالة في المعاملات.
كما شملت العقوبات كلها مثل:
١ - عقوبة الردة عن الإسلام.
٢ - عقوبة الزنا.
٣ - عقوبة السرقة.
٤ - عقوبة القصاص في النفس وما دونها.
٥ - عقوبة القذف.
٦ - عقوبة قطع الطريق.
٧ - عقوبة شرب الخمر.
стр. 4056
أما الضرب الثاني من الأحكام الشرعية فقد جاءت على شكل قواعد وأصول ومبادئ عامة فيها مجال لاجتهاد المجتهدين، وفي ذلك غاية التكريم للعقل الذي ميز الله به الإنسان ودعا إلى استخدامه في إطار العقيدة السليمة والقيم الإسلامية الأصيلة التي لا تتبدل ولا تتغير بتغير الزمان والمكان.
ولكي يكون الاجتهاد أصيلا، لا تعبث به الأهواء والغايات، فإنه ينبغي ألا يتعرض له ويمارسه إلا القادرون عليه، وهم أولئك الذين توفرت فيهم شروط الأهلية لمثل هذا العمل، وهي أحكام تتعلق بقضايا تختلف تطبيقاتها من وقت لآخر ومن جيل إلى جيل، ويحتاج البشر إلى التفكير في الوصول إلى ما يلائم حياتهم في كل زمان ومكان وهذه المبادئ العامة مثل:
أ - الشورى في الحكم: فقد قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِِ﴾ (٢) وفعل النبي ﷺ في منزله في غزوة بدر وسؤاله لأصحابه وقول الحباب بن المنذر لما نزل الرسول ﷺ ببدر: أهذا منزل أنزلك الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله ﷺ بل هي المشورة والحرب والمكيدة، فأشار الحباب بن المنذر على رسول الله ﷺ بالمنزل، فرحل ونزل على رأي أصحابه في بدر وكذا الحال في أسرى بدر فإنه ﷺ استشار أصحابه فيهم كما استشار أصحابه في كثير من أمور الحرب والسلم مثل غزوة الأحزاب وغيرها فكان مبدأ الشورى إسلاميا يلزم الأخذ به للنصوص الشرعية فيه وعمل الرسول ﷺ به مع أصحابه ولكن الناس يجتهدون في الطريقة التي تتحقق بها طريقة الشورى وصيغتها وأساليبها وتنظيماتها.
стр. 4057
ب - العدالة: التي قررها الإسلام في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) فهذا المبدأ مبدأ شرعي عظيم به تتحقق مصالح الخلق وتنتظم الحياة، وتنفيذ هذا المبدأ واجب ولكن طرائق تنظيمات الجهات التي تقوم على تحقيق العدل قد تختلف من زمان إلى آخر ومن مكان إلى غيره وفي ذلك متسع، وعلى المجتهدين أن يبذلوا ما في وسعهم للوصول إلى تحقيق العدل بين الناس وفق شريعة الله وعلى هديه.
جـ- المساواة: وهي مبدأ من المبادئ الإسلامية التي قررها الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة وكانت حياة الرسول ﷺ وأصحابه أصدق تطبيق لهذا المبدأ العظيم، فإن الحاكم هو الله في كل شأن من شئون الحياة، والخلق كله أمام حكم الله سواء، لا فرق بين كبير وصغير ولا بين رئيس ومرءوس، ولا بين قريب أو بعيد، فالكل أمام الشريعة سواء، الحكم في كل شأن من شئونهم لله وحده، والعلماء ورثة الأنبياء وهم أولى الناس بالخشية من الله وإنفاذ حكمه على الوجه الذي يرضيه ومجالات هذه المساواة وطريقة تحقيقها، وإن اختلف الناس فيها فإنه مبدأ صالح لكل زمان ومكان ويتسع لكل تطور وتقدم ويواجه به كل الظروف وتحقيقه هدف من أهداف الشريعة.
стр. 4058
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) وقال ﷺ «كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى (٢)»
د- منع الضرر: في جميع أشكاله وصوره عن الناس، وهذا الضرر يتصور وجوده في كل باب من أبواب المعاملات والتعامل بين الناس، وهي قاعدة عظيمة النفع وكبيرة الفائدة، فلا يجوز للإنسان أن يلحق الضرر بنفسه ولا بغيره، كما لا يجوز أن يقابل الضرر بفعل ما يضر بغيره، وقد جاء منع الضرر في أبواب متعددة من الدين؛ فجاء في باب الرضاعة كقوله تعالى: ﴿لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ﴾ (٣) وجاء قوله تعالى بعد ذكر الأنصباء في المواريث ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٤) وقال ﷺ «لا ضرر ولا ضرار (٥)» وقد رتب الفقهاء على هذه القاعدة مسائل متعددة وأحكاما كثيرة.
وهذه الأحكام الأربعة الآنفة الذكر إن هي إلا أمثلة موجزة للأحكام الشرعية التي جاءت على شكل قواعد ومبادئ عامة، أوردناها للدلالة على نوع الأحكام العامة كما أوردنا مثلها من الأحكام الخاصة، ولا أعتقد أن منصفا يعرف الشريعة الإسلامية ومراميها وأحكامها ثم يبيح لنفسه أن يقول بعدم صلاحيتها لكل زمان ومكان، أو أن يصيخ لسماع أقوال المستشرقين الحاقدين الذين يريدون عزل هذا الدين عن الحياة وفصل هذه الأمة عن تاريخها وعقيدتها ومعقد عزها ومصدر أمنها وسعادتها.
وما آلت إلى ما آلت في الأجيال المتأخرة إلا بسبب تساهلهم في حمل أعباء هذه الرسالة وتقاعسهم عن القيام بالواجب تجاهها، ولذا فقد حل بها
стр. 4059
من الضعف والهوان ما ندعو الله أن يرفعه.
ولا شك أن المستقبل لهذا الدين، ولكن متى عمل أتباعه على نصرة دين الله وعملوا على إحياء هذا الميراث وتجلية هذه العقيدة، وقدموا لها كل جهد ونفس وطاقة.
وصدق الله إذ يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (١).
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
دكتور: عبد الله بن محمد العجلان
стр. 4060
صفحة فارغة
стр. 4061
منع سفر البنات للخارج في سبيل الدراسة
أو الانتساب للجامعات
بقلم الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود
رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية بقطر
قد يبدو للبعض للنظرة الأولى أن سفر البنات للدراسة في الخارج مشكلة تعاني منها بعض البلاد الإسلامية - وخاصة دول الخليج دون البعض الآخر، والواقع المشاهد أن الأقطار الإسلامية كلها تعاني من الأضرار والويلات التي تجرها سفر البنات للدراسة مما يقضي بضرورة معالجة هذه المشكلة ووضع حد لها حماية لمجتمع من المسلمين من الفساد وتردي الأخلاق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد: فإن بقاء الأمم واستدامة سعادتهم هو باستقامة أخلاقهم، فإذا ذهبت أخلاقهم ذهبوا، وليعتبر المعتبر بالبلدان التي قوضت منها خيام الإسلام وترك أهلها فرائض الصلاة والزكاة والصيام واستباحوا الجهر بمنكرات الفسوق والعصيان، كيف حال أهلها وما دخل عليهم من النقص والجهل والكفر وفساد الأخلاق والعقائد والأعمال حتى صاروا بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات، لا يعرفون صياما ولا صلاة، ولا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، ولا يمتنعون من قبيح ولا يهتدون إلى حق، قد ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ففشا من بينهم الفوضى والشقاق، وقامت الفتن على قدم وساق، يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم أموال بعض بحجة الاشتراكية
стр. 4062
المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان، هذا وإن الجرائم الصغائر تقود إلى الكبائر، وقد وصف النبي ﷺ ذلك تحذيرا عن محقرات الذنوب، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «العين تزنى وزناها النظر، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (١)» يقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢) فوقاية النفس من النار تحصل بأداء ما افترض الله وترك ما حرم الله، كما أن وقاية الأهل من النار تحصل بأمرهم بالخير ونهيهم عن الشر، تحصل بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فما نحل رجل أهله وأولاده أفضل من أن ينحلهم أدبا حسنا يهذبهم على الصلاح والصلاة والتقاة، ويردعهم عن السفاه والفساد والردى، وكلكم راع ومسئول عن رعيته فالرجل راع على أهله وأولاده وبناته ومسئول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيتها وعلى أولادها وبناتها ومسئولة عن رعيتها، فمتى كان الرجل راعيا على أهل بيته وعلى أولاده فمن واجب رعيته أن يرعاهم بالعدل والإصلاح والدعوة إلى الخير، وأن يأخذ بأيدي أولاده إلى الصلاة في المسجد معه حتى يتربوا على محبة الصلاة في الجماعة، فإن من شب على شيء شاب على حبه، ولأنه بأخذ يد الولد إليها ومجاهدته عليها يعود حبها ملكة راسخة في قلبه تحببه إلى ربه وتقربه من خلقه وتصلح له أمر دنياه وآخرته، كما إن المرأة راعية في بيت زوجها أن تأمر أولادها وبناتها بالوضوء والصلاة في وقتها وتعلمهم سائر وسائل الطاعة، وأن تجنبهن من عوامل التكشف والخلاعة.
وقد كنت عملت رسالة عنوانها: الطلاب المبتعثون إلى الخارج، ودعوت الناس فيها إلى أن يكون تعلم بناتهم في بلدانهم؛ لأن تعلم بناتهم في بلدانهم أنجى لهن من وقوعهن في الشبهات والفتن التي تزيغهن عن معتقدهن الصحيح، ثم تقودهن إلى الإلحاد والتعطيل والزيغ عن سواء السبيل، إذ ليس في الخارج علوم يقتبسونها أو يلتمسونها مما هو معدوم في بلدهن، وإن الوقاية خير من العلاج، والدفع أيسر من الرفع
стр. 4063
فإن العلماء الموجودين في البلدان العربية والذين عرفنا بعضهم معرفة حقيقية هم أعلى وأجل بأكثر من علماء الخارج.
стр. 4064
سفر البنات العذارى إلى البلدان الخارجية
للانتساب بزعمهم
أما سفر البنات إلى الخارج لطلب الانتساب فإن هذا أكبر نكرا وأعظم خطرا وأشد ضررا فيما يتعلق بدينهن وأخلاقهن، والوقاية خير من العلاج، وكل الأشياء مربوطة بوسائلها وأسبابها إذ الوسائل كالمقاصد، وإن قلنا: إن العلم مطلوب في حق الرجال والنساء فإن هذا صحيح، فإن الله يقول ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (١) وليس من باب العلم أن تقصد المرأة المسلمة أستاذا مربيا ليس لديه نصيب من علم الدين والأحكام وأمور الحلال والحرام، إذ هو كالطبيب الذي داؤه من دوائه وعلته من حميته، فإن عادم العلم لا يعطيه، وكل إناء ينضح بما فيه، فإن هذا الانتساب الذي يطلبنه لا يزيدهن علما أبدا، بل ترجع إحداهن كما ذهبت، لكن الفتاة تكتسب به نوعا من الكبر في نفسها وارتفاعا في رتبتها مما يصيب القواعد بشيء من الانكسار والذل، وقد يكون من المخلفات من هن أعلى درجات في العلم والعقل من المسافرات للانتساب، والجريمة جريمة فتح الباب للفتاة والسماح لها بالسفر.
قد ينبو فهم بعض الناس عن صحة ما أقول، ونصيحتي للجمهور ألا يرمي ببناته وأفلاذ كبده في البلدان الغربية التماسا للانتساب، نظرا إلى رجاء ما يحصل من رفع رتبتها ومرتبها ولا يبالي بما ذهب من دينها وأخلاقها، والنبي ﷺ قد حرم هذا السفر قطعا كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة إلا مع ذي محرم (٢)» رواه البخاري ومسلم، والحلال هو ما أحله الله ورسوله، والحرام هو ما حرمه الله ورسوله، وإن الجولة العظيمة القائمة بإنشاء المدارس والمعاهد والكليات والجامعات لن تعجز عن حجز مكان من مدرسة البنات أو من إحدى الكليات تعينه للانتساب للبنات مع العلم أن باب العلم مفتوح لهن
стр. 4065
في جميع الكتب والمؤلفات ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١).
لكن يوجد من يعتذر لسفر هؤلاء بدعوى - أنه معهن رقيب، أو رقباء من الرجال يكفلوهن من الشذوذ والانفراد، وهذا الرقيب لا يغني عنها شيئا، فإنهن متى وصلن إلى دار الغربة انتشرن فيها وانتثرن، فواحدة تذهب للسوق لحاجتها، وواحدة تذهب إلى صديقتها، وأخرى إلى صديقتها، وأخرى هي أخطرهن حين تذهب إلى بيت الأستاذ لشهادة الانتساب حينما يغلق عليهما الباب ويحضرهما الشيطان، فما خلا رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما.
أما الاصطلاح الذي وضعوه للجامعات بأن يقبلوا من يزيد محصولها على خمسين ويسعون سعيهم في سفرها للانتساب بدل ما يردون أكثر البنات والذي ينقص حظهن عن الخمسين بدعوى أن هذا هو النظام، وأن العدل والإنصاف كون النظام، مثل هذا يدخل فيه التسهيل والتيسير والتعديل والتبديل، فمن واجب هؤلاء المتخلفات أن يفرض لهن مكان في إحدى الكليات والمدارس ينتسبن فيه، أي بعد الاختبار وأن يغلق دونهم الباب. بحيث تبقى أسيرة وحصيرة في بيت أهلها إذ هذا مما ينفيه العدل، والقادرون على إنشاء الجامعات والكليات والمعاهد وسائر المدارس هم الذين يقدرون على تخصيص محل في بلدهم والاصطلاح العائل والمائل هو القابل للتبديل والتعديل.
لأننا وإن قلنا: إن النساء في حاجة إلى العلم والأدب والإصلاح وتعلم سائر العلوم والفنون كالرجال فهذا صحيح والعلم النافع مطلوب ومرغوب فيه في حق الرجال والنساء، غير أن هذا العلم من الممكن تحصيله لها في بلدها بمراجعة الكتب والفنون وسائر المؤلفات، وبسؤال العلماء عن المشكلات، فإن هذا هو طريقة حصول العلم للرجال والنساء.
فالراسخون في العلم والمتوسعون فيه إنما توصلوا إلى ما تحصلوا عليه بهذه الطريقة، فلماذا تترك المرأة هذا ثم تحرص ويحرص أهلها على سفرها وحدها الذي حرمه