منع سفر البنات للخارج في سبيل الدراسة
أو الانتساب للجامعات
بقلم الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود
رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية بقطر
قد يبدو للبعض للنظرة الأولى أن سفر البنات للدراسة في الخارج مشكلة تعاني منها بعض البلاد الإسلامية - وخاصة دول الخليج دون البعض الآخر، والواقع المشاهد أن الأقطار الإسلامية كلها تعاني من الأضرار والويلات التي تجرها سفر البنات للدراسة مما يقضي بضرورة معالجة هذه المشكلة ووضع حد لها حماية لمجتمع من المسلمين من الفساد وتردي الأخلاق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد: فإن بقاء الأمم واستدامة سعادتهم هو باستقامة أخلاقهم، فإذا ذهبت أخلاقهم ذهبوا، وليعتبر المعتبر بالبلدان التي قوضت منها خيام الإسلام وترك أهلها فرائض الصلاة والزكاة والصيام واستباحوا الجهر بمنكرات الفسوق والعصيان، كيف حال أهلها وما دخل عليهم من النقص والجهل والكفر وفساد الأخلاق والعقائد والأعمال حتى صاروا بمثابة البهائم يتهارجون في الطرقات، لا يعرفون صياما ولا صلاة، ولا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، ولا يمتنعون من قبيح ولا يهتدون إلى حق، قد ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ففشا من بينهم الفوضى والشقاق، وقامت الفتن على قدم وساق، يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم أموال بعض بحجة الاشتراكية
стр. 4062
المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان، هذا وإن الجرائم الصغائر تقود إلى الكبائر، وقد وصف النبي ﷺ ذلك تحذيرا عن محقرات الذنوب، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «العين تزنى وزناها النظر، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (١)» يقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢) فوقاية النفس من النار تحصل بأداء ما افترض الله وترك ما حرم الله، كما أن وقاية الأهل من النار تحصل بأمرهم بالخير ونهيهم عن الشر، تحصل بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فما نحل رجل أهله وأولاده أفضل من أن ينحلهم أدبا حسنا يهذبهم على الصلاح والصلاة والتقاة، ويردعهم عن السفاه والفساد والردى، وكلكم راع ومسئول عن رعيته فالرجل راع على أهله وأولاده وبناته ومسئول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيتها وعلى أولادها وبناتها ومسئولة عن رعيتها، فمتى كان الرجل راعيا على أهل بيته وعلى أولاده فمن واجب رعيته أن يرعاهم بالعدل والإصلاح والدعوة إلى الخير، وأن يأخذ بأيدي أولاده إلى الصلاة في المسجد معه حتى يتربوا على محبة الصلاة في الجماعة، فإن من شب على شيء شاب على حبه، ولأنه بأخذ يد الولد إليها ومجاهدته عليها يعود حبها ملكة راسخة في قلبه تحببه إلى ربه وتقربه من خلقه وتصلح له أمر دنياه وآخرته، كما إن المرأة راعية في بيت زوجها أن تأمر أولادها وبناتها بالوضوء والصلاة في وقتها وتعلمهم سائر وسائل الطاعة، وأن تجنبهن من عوامل التكشف والخلاعة.
وقد كنت عملت رسالة عنوانها: الطلاب المبتعثون إلى الخارج، ودعوت الناس فيها إلى أن يكون تعلم بناتهم في بلدانهم؛ لأن تعلم بناتهم في بلدانهم أنجى لهن من وقوعهن في الشبهات والفتن التي تزيغهن عن معتقدهن الصحيح، ثم تقودهن إلى الإلحاد والتعطيل والزيغ عن سواء السبيل، إذ ليس في الخارج علوم يقتبسونها أو يلتمسونها مما هو معدوم في بلدهن، وإن الوقاية خير من العلاج، والدفع أيسر من الرفع
стр. 4063
فإن العلماء الموجودين في البلدان العربية والذين عرفنا بعضهم معرفة حقيقية هم أعلى وأجل بأكثر من علماء الخارج.
стр. 4064
سفر البنات العذارى إلى البلدان الخارجية
للانتساب بزعمهم
أما سفر البنات إلى الخارج لطلب الانتساب فإن هذا أكبر نكرا وأعظم خطرا وأشد ضررا فيما يتعلق بدينهن وأخلاقهن، والوقاية خير من العلاج، وكل الأشياء مربوطة بوسائلها وأسبابها إذ الوسائل كالمقاصد، وإن قلنا: إن العلم مطلوب في حق الرجال والنساء فإن هذا صحيح، فإن الله يقول ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (١) وليس من باب العلم أن تقصد المرأة المسلمة أستاذا مربيا ليس لديه نصيب من علم الدين والأحكام وأمور الحلال والحرام، إذ هو كالطبيب الذي داؤه من دوائه وعلته من حميته، فإن عادم العلم لا يعطيه، وكل إناء ينضح بما فيه، فإن هذا الانتساب الذي يطلبنه لا يزيدهن علما أبدا، بل ترجع إحداهن كما ذهبت، لكن الفتاة تكتسب به نوعا من الكبر في نفسها وارتفاعا في رتبتها مما يصيب القواعد بشيء من الانكسار والذل، وقد يكون من المخلفات من هن أعلى درجات في العلم والعقل من المسافرات للانتساب، والجريمة جريمة فتح الباب للفتاة والسماح لها بالسفر.
قد ينبو فهم بعض الناس عن صحة ما أقول، ونصيحتي للجمهور ألا يرمي ببناته وأفلاذ كبده في البلدان الغربية التماسا للانتساب، نظرا إلى رجاء ما يحصل من رفع رتبتها ومرتبها ولا يبالي بما ذهب من دينها وأخلاقها، والنبي ﷺ قد حرم هذا السفر قطعا كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة إلا مع ذي محرم (٢)» رواه البخاري ومسلم، والحلال هو ما أحله الله ورسوله، والحرام هو ما حرمه الله ورسوله، وإن الجولة العظيمة القائمة بإنشاء المدارس والمعاهد والكليات والجامعات لن تعجز عن حجز مكان من مدرسة البنات أو من إحدى الكليات تعينه للانتساب للبنات مع العلم أن باب العلم مفتوح لهن
стр. 4065
في جميع الكتب والمؤلفات ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١).
لكن يوجد من يعتذر لسفر هؤلاء بدعوى - أنه معهن رقيب، أو رقباء من الرجال يكفلوهن من الشذوذ والانفراد، وهذا الرقيب لا يغني عنها شيئا، فإنهن متى وصلن إلى دار الغربة انتشرن فيها وانتثرن، فواحدة تذهب للسوق لحاجتها، وواحدة تذهب إلى صديقتها، وأخرى إلى صديقتها، وأخرى هي أخطرهن حين تذهب إلى بيت الأستاذ لشهادة الانتساب حينما يغلق عليهما الباب ويحضرهما الشيطان، فما خلا رجل بامرأة إلا والشيطان ثالثهما.
أما الاصطلاح الذي وضعوه للجامعات بأن يقبلوا من يزيد محصولها على خمسين ويسعون سعيهم في سفرها للانتساب بدل ما يردون أكثر البنات والذي ينقص حظهن عن الخمسين بدعوى أن هذا هو النظام، وأن العدل والإنصاف كون النظام، مثل هذا يدخل فيه التسهيل والتيسير والتعديل والتبديل، فمن واجب هؤلاء المتخلفات أن يفرض لهن مكان في إحدى الكليات والمدارس ينتسبن فيه، أي بعد الاختبار وأن يغلق دونهم الباب. بحيث تبقى أسيرة وحصيرة في بيت أهلها إذ هذا مما ينفيه العدل، والقادرون على إنشاء الجامعات والكليات والمعاهد وسائر المدارس هم الذين يقدرون على تخصيص محل في بلدهم والاصطلاح العائل والمائل هو القابل للتبديل والتعديل.
لأننا وإن قلنا: إن النساء في حاجة إلى العلم والأدب والإصلاح وتعلم سائر العلوم والفنون كالرجال فهذا صحيح والعلم النافع مطلوب ومرغوب فيه في حق الرجال والنساء، غير أن هذا العلم من الممكن تحصيله لها في بلدها بمراجعة الكتب والفنون وسائر المؤلفات، وبسؤال العلماء عن المشكلات، فإن هذا هو طريقة حصول العلم للرجال والنساء.
فالراسخون في العلم والمتوسعون فيه إنما توصلوا إلى ما تحصلوا عليه بهذه الطريقة، فلماذا تترك المرأة هذا ثم تحرص ويحرص أهلها على سفرها وحدها الذي حرمه
стр. 4066
الشارع بقوله: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة إلا مع ذي محرم (١)» رواه البخاري، خصوصا مثل السفر البعيد الذي تتعرض فيه إلى الأخطار والأضرار، ثم إلى فتنتها والافتتان بها الناشئ عن وحدتها والخلوة بها، وعن اختلاطها بالرجال في الملاهي والمجتمعات وسائر الأحوال والأوقات تقليدا بما يسمونه تحرير المرأة عن رق أهلها وزوجها، وهن ناقصات عقل ودين والمشبهة عقولهن بالقوارير في تكسرهن وميولهن، وليس من شأنها أن تطلب علما يوصلها إلى سطح القمر بحيث لا تجده إلا في الخارج، وما عداه فإنه موجود في بلدها بدون سفر.
لهذا يحرم على حكام المسلمين تمكين النساء من السفر إلى الخارج، كما يحرم إعانتهم في سبيل هذا السفر لاعتبار أنه سفر معصية بلا شك - وبالله قل لي ماذا ينفع العائلة الحسيبة المسلمة من سفر ابنتهم إلى المدارس النصرانية تتربى بأخلاقهم ومساوئ آدابهم وعوائدهم؟ إن أكبر ما تستفيده هي اللغة الأجنبية التي لا يمكن أن تخاطب بها أمها ولا أباها ولا أخواتها، وإذا رجعت من سفرها إلى أهلها رجعت إلى أهلها بغير الأخلاق والآداب التي يعرفونها عنها، فترى أهلها كأنهم عالم غير العالم الذي نشأت فيه، وتحمل في نفسها الكبر والازدراء لأهلها فتعيب عليهم كل ما يزاولونه من معيشتهم وأخلاقهم وآدابهم وعوائدهم، ثم تقع العداوة والتنافر بينها وبينهم في كل شيء، وغايتها أنها تبغض أهلها وأقاربها ويبغضونها. وحتى الأزواج الأكفاء تعزف نفوسهم عن خطبتها والرغبة فيها لعلمهم بأنها متبرجة ومتفرنجة لا تخضع لطاعة الزوج وتكلفه شيئا من المشاق في السفر بها دائما إلى البلدان الأجنبية، ومتى تقلدت عمل الوظيفة فإنها أبعد لها عن الزوج وعن تدبير شئون بيته وعياله، أفلا يكون سفرها للتعلم على هذه الحالة شقاء وضلالة وقطعا لأواصر الزوجية والعيال، وما تستفيده من مرتباتها فإنها ستكون أبعد بها عن أهلها ويتضخم به خبالها وعدم اعتدالها.
وباعتبار أننا مسلمون على الحقيقة فإنه يجب علينا امتثال مأمورات دين الإسلام واجتناب منهياته، فقد «نهى رسول الله ﷺ أن تسافر المرأة يوما وليلة إلا مع ذي محرم (٢)»، ونهى أن يخلو الرجل بالمرأة وقال: «ما خلا رجل بامرأة إلا والشيطان
стр. 4067
ثالثهما (١)» ونهى القرآن عن إبداء زينتهن للرجال، وهذا كله حاصل متيسر منها في سفرها، فإنها تتزيا بزي نساء أهل تلك البلاد من التكشف وإبداء مفاتن جسمها غير مبالية بالحياء والستر، وإنما نهى رسول الله عن هذه الأشياء لكونها كالمقدمات لما بعدهما كما في البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال «العين تزنى وزناها النظر والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (٢)» فلا ينهى الشارع عن شيء إلا ومضرته واضحة ومفسدته راجحة، فأقل شيء تستبيح في سفرها هو النظر إلى الرجال الأغنياء ونظرهم إليها، وما من نظرة إلا للشيطان فيها مطمع، فهي في مبدئها نظرة، ثم تكون خطرة، ثم خطوة ثم خطيئة، والنبي ﷺ قال: «لا تتبع النظرة نظرة فإن الأولى لك والأخرى ليست لك (٣)» وقد قيل: " كم نظرة أثارت فتنة وأورثت حسرة ".
إن الرجال الناظرين إلى النساء ... مثل السباع تطوف باللحمان
إن لم تصن تلك اللحوم أسودها ... أكلت بلا عوض ولا أثمان
فلا أدري ما حجة هذا الرجل الذي جعله الله راعيا على أهل بيته متى سئل عن سفر ابنته لبلدان أوربا، وهل يصدق عليه أنه قام بواجب رعايته في أمانة تربية ابنته، فحاط بحفظها وصيانتها حسب استطاعته، وفاء بصدق أمانته وحسن رعايته، أم ضيع ما استؤمن عليه وفرط في رعايته وقذف بابنته في هاوية الفتنة والافتتان بها وتركها تتصرف كيف شاءت بدون مراقب ولا وازع.
ومن ذا يثني الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر في الزوايا
إنه لا ينبغي لنا أن نحسن الظن بهؤلاء البنات في سفرهن إلى الخارج والحالة هذه، بل يجب أن نحسن العمل برعاية حمايتهن عن مراتع الفتن، فإن من وقع في الشبهات وقع في الحرام.
وحسن ظنك بالأيام معجزة ... فظن شرا وكن منها على حذر
وكذا يقال في الأئمة الذين جعلهم الله رعاة عل عباده بأنه يجب عليهم أن يغرسوا في نفوس رعاياهم التخلق بمحبة الفرائض والفضائل وحمايتهم عن منكرات الأخلاق والرذائل باستعمال الأسباب والوسائل " فإن الوقاية خير من العلاج
стр. 4068
والدفع أيسر من الرفع " أولم يكن الأوفق والأليق لهذه البنت ولأهلها أن تتعلم سائر العلوم عند أهلها وفي مدارس بلدها لتستعين بالبيئة والمجتمع على تهذيبها وصيانتها وحسن تربيتها وحسن الظن بها، وحتى تكون في بيت أهلها وزوجها صالحة مصلحة تعاملهم وتعاشرهم بالحفاء والوفاء بدون نفرة ولا جفاء، وحتى تكون مثلا صالحا لأخواتها وأهل بيتها وكاليد الكريمة لزوجها في إدارة شئون بيتها وعيالها فتعيش سيدة بيت وسعيدة عشيرة، ولا يوفق لهذا إلا خيار النساء عقلا وأدبا ودينا.
إن تحويل النساء المسلمات عن أخلاقهن الإسلامية يقع بتأثير أخلاق أرواح أجنبية غايتها تحويل المسلمات عن دينهن وجميل أخلاقهن إلى اتباع الأوربيات وتقليدهن في عاداتهن، وكل ما ذكرنا من خطورته على العفاف والدين فإنه من البراهين التي لا مجال للجدل في صحتها.
إن النصارى لا يعدون الزنا جريمة، وإن الاختلاط بين الطلاب من الشباب والشابات واحتكاك بعضهم ببعض جنبا إلى جنب وجريان الحديث والمزاج من بينهم، ثم المصاحبة والخلوة كما تستدعيه المجالسة والمآنسة فإن هذا العمل ضار في ذاته ومؤد إلى الفاحشة الكبرى في غايته وسوء عاقبته، لأنه يعد من أقوى الأسباب والوسائل لإفساد البنات المصونات وتمكن الفساق من إغوائهن، فهل أنتم منتهون.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (١) فهذه نصيحتي لكم والله خليفتي عليكم واستودع الله دينكم وأمانتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية بقطر
عبد الله بن زيد آل محمود
стр. 4069
صفحة فارغة
стр. 4070
التبشير في منطقة الخليج والجزيرة العربية
بقلم رئيس التحرير الدكتور محمد بن سعد الشويعر
- تخرج في كلية اللغة العربية عام ١٣٧٩ - ١٣٨٠ هـ، ثم حصل على درجة الماجستير في اللغة العربية، وكان موضوع البحث: شعراء الرسول ﷺ ودفاعهم عن الدعوة، ومن ثم نال درجة الدكتوراه في اللغة العربية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر.
- عمل مدرسا في وزارة المعارف، ثم موظفا في رئاسة تعليم البنات، ثم مديرا عاما لتعليم البنات المتوسط، يعمل رئيسا لتحرير مجلة البحوث الإسلامية منذ عام ١٤٠٢ هـ.
- له عدة مؤلفات طبع منها خمسة.
- حضر العديد من المؤتمرات التربوية الإسلامية في الداخل والخارج.
- له مشاركات في الصحف والمجلات المحلية والخارجية وله أحاديث وندوات إذاعية وتليفزيونية.
стр. 4071
الحمد لله الذي أرسل محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بأذنه وسراجا منيرا وهو القائل له في محكم التنزيل: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (١) والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين وقدوة للسالكين وحجة على العباد أجمعين وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فقد وصلت إلينا معلومات عن التبشير في منطقة الخليج العربي، تستهدف غزو الإسلام في عقر داره، يحسن بالمسلمين توجيه الأنظار نحوها، والاهتمام بها لتحريك الهمة الإسلامية في الوقوف ضد ذلك الغزو الموجه.
وقبل أن ندخل في هذا الموضوع، رأيت من المناسب لفت نظر المسلمين في كل مكان إلى أن التسمية الحقيقية يجب أن تكون التنصير، فالله جل وعلا قد سمى أهل هذه الملة في كتابه الكريم (نصارى) وإن رغبتهم في جذب الناس إلى معتقداتهم، دعتهم إلى أن يسموا دعوتهم إلى ذلك بالتبشير للتشويق إلى نحلتهم، وإن تغيير الاسم لا يغير المسمى، إذ من المعلوم أن التبشير في الغالب لا يكون إلا في الخير كما قال الله تعالى في حق نبيه ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣).
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤) قال: بشيرا بالجنة، ونذيرا من النار».
وقال الطبري في تفسيره هذه الآية: إنا أرسلناك يا محمد بالإسلام الذي لا أقبل من أحد غيره من الأديان وهو الحق، مبشرا من اتبعك فأطاعك، وقبل منك ما دعوته إليه من الحق بالنصر في الدنيا والظفر بالثواب في الآخرة والنعيم المقيم فيها،
стр. 4072
ومنذرا من عصاك مخالفا ورد عليك ما دعوته إليه من الحق بالخزي في الدنيا والذل فيها والعذاب المهين في الآخرة (١). فالواجب أن تكون جهود المؤمن مصبوبة فيما يرضي الله ويقرب لدينه، ويعرف العباد بحقه عليهم ويبشرهم بما لهم في ذلك من الأجر العظيم.
والقرآن الكريم وهو المصدر التشريعي الأول الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يدل على تسمية التبشير والمبشرين للدعوة لدين النصارى من باب وضع الشيء في غير محله وهو من الظلم والتلبيس، واتباع الهوى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (٢).
стр. 4073
وقضية الصراع بين النصرانية والإسلام وبين اليهودية والإسلام هي قضية الصراع بين الحق والباطل منذ أشرقت أنوار الحق، وجاء نبي الله محمد ﷺ بالدعوة الصافية النقية، من عند الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
فهم يريدون صد المسلمين عن دينهم إن استطاعوا، ويريدون مباعدة الناس عن الاتجاه نحو الإسلام، ويريدون جذب المسلمين أيضا إلى ديانتهم الباطلة ليتساووا في الضلال، وليسيروا سويا في طريق الابتعاد عن منهج الله لتكون لهم الغلبة بالقوة المادية والقدرات المختلفة. يخبر الله جل وعلا عن هذه الصفة في هؤلاء وعن عداوتهم للرسول الكريم ﷺ ، ويوجه الله نبيه إلى طريق الهداية الذي يجب أن يسير فيه، بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (١).
والذي يقرأ تاريخ الحروب الصليبية، وما دار خلالها من معارك استمرت طويلا في ديار الشام وفي الأندلس يرى نماذج شديدة من عداوتهم للإسلام
стр. 4074
والمسلمين، ونقمتهم إذا قدروا، كما يرى سماحة القادة المسلمين، أمثال صلاح الدين الأيوبي الذي فتح القدس، ومحمد الفاتح العثماني الذي فتح القسطنطينية، في العفو عنهم عندما يتغلب الجيش الإسلامي.
ومفكروهم يعرفون حقيقة الإسلام ومنزلته من نفوس المسلمين، فهذا " وليم جيغورد بالكراف " وهو من مخططي التبشير يقول - كما نقل عنه مؤلف كتاب الغارة على الإسلام -: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن العرب، فإنه يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه.
وقد أدرك هذه الفكرة القسيس " يانغ " صاحب التقرير عن التنصير في جزيرة العرب فجعلها نصب عينيه في كل الأعمال. (١).
لقد حاولوا بطرق شتى الدخول إلى جزيرة العرب والوصول إلى الأماكن المقدسة عند المسلمين ولكن بحمد الله، فإن محاولاتهم لم تحقق لهم نتيجة مرضية، ذلك أن الله جلت قدرته قد حفظ دينه، وحفظ الديار التي تضم أماكن العبادة لدى المسلمين، بفضل منه ومنة، وهيأ في كل عصر ومكان من يدفع تلك المحاولات بالسلاح أو اللسان.
وهذا يدعو المسلمين إلى أن يحفظوا دين الله ويحافظوا على شعائره، فالله يدافع عنهم شرور الأعداء ما داموا مرتبطين به، متمسكين بدينه، وعلى هدي رسوله محمد ﷺ .
وإذا رجعنا إلى التاريخ فإننا نرى عام (٥٧٧ هـ) أول نموذج لدخول جيوش النصارى للجزيرة العربية، فقد ذكر ابن الأثير في الكامل أن: " رينالد شاتيون " الفرنسي الأصل، وأحد قادة الصليبيين في الشام والمعروف عندهم باسم: " أرناط " وهو أمير الكرك، قد غدر بالمسلمين وبما أخذوا عليه من عهود ومواثيق، فجاء بقوة يقودها بنفسه لاعتراض الحجاج، وقد هاجم قافلة في تيماء،
стр. 4075
شمال المدينة المنورة، واستولى على كل ما تحمل من السلع التجارية، فأرسل إليه صلاح الدين الأيوبي قوة من مصر صدته.
وقد حلف صلاح الدين أن يقتله بيده إن أمكنه الله منه، لكثرة غدره وبغضه للإسلام والمسلمين، فأمكنه الله منه بعد انتصاره في موقعة حطين وقتله في عام ٥٨٢ هـ (١).
ثم في عام ٩٤٨ هـ كانت محاولة أخرى إذ وصلت طائفة من الإفرنج إلى جدة، ونزلوا ميناء أبي الدوائر في خمس وثمانين برشة " سفينة " وقد قاتلهم المسلمون وأمير الحج في ذلك الوقت، فانقلبوا خائبين (٢).
وقد تبعت ذلك محاولات بطرق شتى، في رغبتهم للنفاذ إلى عقر دار المسلمين، فمنذ ثلاثة قرون ركزوا جهودهم بعد أن ظهرت في الجزيرة العربية دعوة إسلامية صحيحة، خالية من الدخائل والمشوبات، تلك هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ التي قامت على إخلاص التوحيد لله. ففي رحلة سادلير الإنجليزي، الذي وصل إلى الدرعية عن طريق الأحساء فالقطيف فالرياض، ثم لحق بإبراهيم باشا في آبار علي، ليهنئه بهذا الفوز، نيابة عن الحكومة البريطانية، وحكومة الهند الشرقية، وهو الذي يعتبر من أبرز قادتها، وهذا دليل على خوفهم من الدعوة الصحيحة المخلصة لله، باعتبارها أهم عامل ضد دعوتهم لصرف المسلمين عن دينهم.
كما وقد جاء في مقدمة كتاب (منحة القريب المجيب، في الرد على عباد الصليب، تأليف) الشيخ عبد العزيز ابن الشيخ حمد بن معمر المتوفى عام ١٢٤٤ هـ، أن الإفرنج عندما مدوا أصابعهم في بلاد العرب ومنها البحرين، كان الأمر موضع خلاف بين الإنجليز والفرنسيين والدولة العثمانية والعجم، كل واحدة تريد بسط نفوذها عليها، وأرسلت كل منها مندوبا من قبلها، فكان مندوب الإنجليز قسيسا اختارته إنكلترا ليكون أبلغ إلى مقصودها بدهائه وعظيم مكره، وليعمل على
стр. 4076
بث الدعاية المسيحية، وينشر في تلك البلاد الشبهات والشكوك النصرانية، ليفتن الناس في دينهم إن استطاع، فألف ذلك القسيس كتابا أورد فيه شبهات نصرانية، يزعم فيها تصحيح الملة المسيحية الباطلة الخاسرة، ودفعه إلى أمير البحرين وشيخها، وجاءت في هذا الكتاب شكوك وشبهات كثيرة ظنها ذلك القسيس تروج على أهل تلك الديار لزعمه أنهم جهلة بالدين ولا يحيطون من الإسلام بما يكشف أباطيل هذا القسيس (١).
حتى قيض الله شابا رد عليه هو الشيخ عبد العزيز بن معمر بكتابه الذي بلغت صفحاته ثلاثين وثلاثمائة صحيفة (٣٣٠) من القطع الكبيرة، وقد طبع لأول مرة بالقاهرة عام ١٣٥٨ هـ.
ثم اهتم القسيس (زويمر) في كتابه الذي يذكر فيه لطلابه الأقاليم الخالية من المبشرين، وقد جاء فيه أن جزيرة العرب، التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية (٢).
وقد أشار في القسم الأخير من هذا الكتاب إلى المزايا والسجايا العقلية التي يجب على المبشرين أن يتذرعوا بها، وفي النهاية أفاض في شرح الوسائل للاحتكاك بالشعوب غير المسيحية وكيفية جلبها إلى حظيرة المسيح، وناقش طويلا الخطط التي يجدر اتباعها، واستنهض همة المبشرين بخطاب وجيز اختتم به كتابه، الذي سماه " مجد المحال " (٣).
وقد نتج عن ذلك وجود جهود مكثفة وموجهة في محاولة لتنصير المسلمين في كل مكان، وتعتبر أول بعثة تبشيرية دخلت البحرين عام (١٨٩٠م) عن طريق صموئيل زويمر، وعن طريقه أيضا ومع زميل له في هذا الوقت دخل التبشير إلى عمان.
وفي الكويت كان أول نشاط للتبشير عام (١٩٢٠م) عن طريق الكنيسة
стр. 4077
الإصلاحية في مستشفى هناك، ويقال إن في الكويت مجلسا لاتحاد الكنائس.
ومنذ ذلك الوقت جد هؤلاء في إيجاد الكنائس في منطقة الخليج العربي، كما جاء في تقرير لمجلة المجتمع الكويتية عن التبشير والكنائس في المنطقة.
وإلى جانب هذه الجهود التي تبذل مع قلة النصارى الموجودين في المنطقة على مساحة واسعة جدا تمتد من الكويت شمالا حتى عدن في الجنوب الغربي، حيث لا يتجاوز العدد مائة وخمسين فردا (١٥٠) فإن في المنطقة كما يقال ٥٤ بعثة منها على سبيل المثال:
- جمعية الكنيسة - MS - تأسست عام ١٩٧٩ م منها خمس كنائس موزعة في عدة أماكن من المنطقة، وكانت ميزانيتها في عام ١٩٧٩ تزيد على مليوني جنيه إسترليني.
- الكنيسة الإصلاحية - RCA - وهي بروتستانتية لها إحدى وعشرون بعثة في المنطقة وتبلغ ميزانيتها في السنة خمسة ملايين دولار.
- بعثة الإنجيل المتحدة، ولها مركز في إحدى الدول في الخليج، وتبلغ ميزانيتها في السنة تسعة ملايين دولار، ولها خمس عشرة بعثة.
وعن بعض ما وصلت إليه هذه الأعمال من جهود يحسن بنا أن نعرف ماذا يقولون عن النتائج والمخططات في المنطقة:
- فقد نشرت مجلة تشرش هيرالد في عددها الصادر يوم ٢١/ ٩ / ١٩٧٩ م مقالا للأب " جون بيوتن " يتحدث فيه عن الأنباء السارة من منطقة الخليج حيث يقول: إن المدرسة التبشيرية هناك والمستشفى - وقد سمى البلد - يزدهران تحت الإدارة المحلية، وخاصة أنها تمون من ذات المنطقة فهذه الإرساليات قد توقفت عن الاعتماد على الكنيسة العالمية لدعمهم، نتيجة لذلك.
- وفي مدينة أنديانابولس في أميركا يقول رئيس البعثة التنصيرية لشمال أفريقيا في مؤتمرها المنعقد هناك في سبتمبر من عام ١٩٨٢ م: إن البعثة تدرس سنويا التقارير المقدمة من الحكومات المسلمة عن العاملين فيها، حول فرص العمل، وترسل البعثة هذه المعلومات المتعلقة بفرص العمل إلى كنائسها في العالم
стр. 4078
الغربي، حيث تبحث بدورها عمن عنده المؤهلات المطلوبة والاستعداد لخدمة الكنيسة، وتوعز الكنائس إلى من اختارتهم بالاتصال مباشرة بالحكومات أو المؤسسات الموفرة للعمل.
يقول فرانسيس ستريل في كتابه: " لم تضع الجهود ١٩٨١م ": يجب أن يرتكز التنصير تركيزا كبيرا على بناء الكنائس على أكتاف المتنصرين الجدد، وعلى العناية بالأقليات المسيحية ومساعدتهم على تركيز نفوذهم، ذلك أنهم أصحاب البلاد وهم الضمان لاستمرارية انتشار النصرانية، وأورد مثالا بما يجري في نيجيريا التي تعتبر أكبر الدول المسلمة في إفريقيا وأكثرها ثقلا.
وقد ذكر إبراهيم القصير في كتابه (المخططات التنصيرية بين المسلمين)، الذي طبعته اللجنة الثقافية برابطة الشباب المسلم العربي بأميركا عام ١٤٠٣ هـ هذه النماذج وغيرها (١).
وما دمنا قد عرفنا جهودهم وأعمالهم المكثفة، وما تنشره مجلة إرساليات التبشير البروتستاني في سويسرا في أحد أعدادها، بأن ما ينفق على التبشير في العالم الإسلامي بلغ في أحد الأعوام مائة وخمسة وثلاثين مليون دولار.
فإن المسلمين في كل مكان بصفة عامة، وفي منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية بصفة خاصة، مدعوون إلى عمل جهد معاكس، أداء للأمانة نحو دينهم الذي أمروا بالمحافظة عليه، والدفاع عنه والتمسك بشعائره، وهذا باب من أبواب الدعوة التي تعتبر أكبر المهمات، وأنبل المقاصد، فالدعوة إلى الله، وإلى دينه هي مهمة الرسل، وهي السلاح الذي يقف في وجه أعداء الإسلام.
وهذه الدعوة التي يجب أن تتمكن في نفوس المسلمين عموما، هي الحارس الأمين للفرد والجماعة بعد توفيق الله.
فقد أرشد رسول الله ﷺ في توجيهه لأمته، بأن كل فرد منهم، على ثغر من ثغور الإسلام فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله.
стр. 4079
هذا في الأمانة الفردية التي يجب أن يستشعرها كل مسلم، أما أمانة الدعوة الجماعية لأمة الإسلام في منطقة الخليج ، للوقوف أمام هذا الهجوم النصراني الموجه، فيمكن معالجته من الوجوه التالية:
أولا: الحذر من الأيدي العاملة الموجهة، سواء على مستوى البيوت والأفراد من سائقين وخادمات، أو على المستويات الأكبر حجما والأكثر عددا في الشركات والمؤسسات والدوائر الحكومية، وهذا الحذر يراعى من أمور:
أ - الإقلال بقدر المستطاع منهم، وقصر ذلك على الحاجة الضرورية.
ب - وإذا كانت الحاجة تدعو، فإعانة المسلمين في العالم بإتاحة الفرصة لهم دون غيرهم أولى وأحق لأن في تشغيل المسلم والمسلمة أجرا عظيما من ناحية توجيه المصلحة المالية لهو لرفع مستواهم ومستوى أسرهم، ومن جهة أخرى لكي يتفقهوا في دينهم، ويعرفوا أمور عباداتهم، واللغة العربية، حيث لم يهيأ لهم ذلك في بلادهم.
يقول ﷺ في وصيته لعلي بن أبي طالب ﵁: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (١)».
ثانيا: مما لا شك فيه أن النصرانية تعيش في بلبلة فكرية، وقلق وجداني، فرجال الكنيسة أنفسهم لا يجدون إجابات عن أسئلة توجه إليهم فيما يتعلق بتعدد الآلهة: الأب والابن وروح القدس، ذلك الافتراء الذي فضحه القرآن، يقول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).
стр. 4080
وبالتفهم العلمي لنظرة الإسلام إلى عيسى وأمه ﵉، وما جاء في سورة مريم عن قصة حمله وولادته، كما جاء في سورة آل عمران يدعو إلى إعداد كتب صغيرة، ونشرات بلغات متعددة، ومناقشتهم في حوار فكري هادئ وبالتي هي أحسن، كما أخبر الله جلت قدرته بقوله ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
لأن شرح هذه الأمور لهم فيه تأثير وجذب لمن يريد الله هدايته للإسلام بعد توضيحه له.
ثالثا: عدم السماح لهم ببناء كنائس في ديار المسلمين، لأنها ركائز شر ومواطئ أقدام لجهود المبشرين فكريا وثقافيا، ولا حجة لهم بأن القادمين للعمل يحتاجون لأداء طقوسهم الدينية، فمن المعروف أن الوافد لا يخرج عن أنظمة البلد الذي جاء للعمل فيه، كما أن هؤلاء من أقل المرتادين للكنائس في بلادهم، وإن من البدائل: استقدام الأيدي العاملة المسلمة، وعدم الاستسلام للدول التي تحتضن التنصير في مجال الأيدي العاملة، وعدم السماح لما يبثونه من أفكار بعدم قدرة المسلمين على العمل.
رابعا: التركيز في وسائل الإعلام والمدارس على دعوة الوافدين وأولادهم إلى الإسلام، وهذا الجهد يحسن أن يوجه من الحكومات والشعوب معا، فهي مسئولية عظيمة تخلى عنها بنو إسرائيل بعد أن أخذ الله الميثاق عليهم، وعصوا ربهم، فخالف الله بين قلوبهم، وحل بهم عقاب خالقهم ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ﴾ (٢)
стр. 4081
﴿تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (١).
خامسا: عدم السماح لهم بفتح مدارس خاصة، يهدفون من ورائها إلى إدخال تعاليم الكنيسة في أذهان الصغار من أولاد المسلمين، بل إن الواجب يقتضي إغلاق ما فتح - إن كان هناك شيء من ذلك - والسماح لأولادهم - مع المراقبة - بالدراسة في المدارس الإسلامية لجذبهم للإسلام، ومتى رؤي وجود رأي مناقض للإسلام فكريا أو عقائديا، فيقضى على السبب والمسبب.
سادسا: الاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن بني إسرائيل لم تلعن على ألسنة أنبيائهم إلا بتقصيرهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ كان الواحد منهم لا يمتنع من مجالسة ومؤانسة من كان على المعصية الذي نهاه عنها بالأمس، فلم يرتدع في يومه، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٢) ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣).
سابعا: الاهتمام بكل من أسلم حديثا، تعليما ورعاية وتوجيها وإيجاد فرص عمل له، وقد أحسن صنعا سمو رئيس دولة الإمارات العربية " الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان " عندما أمر بإنشاء دار لإيواء المسلمين حديثا، وتعني هذه الدار بتعليم وتثقيف هؤلاء وتعريفهم بأمور دينهم إضافة إلى المكافآت النقدية والمأكل، فيعودون إلى ديارهم وقد شعروا بأخوة الإسلام، وحسب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٤).
стр. 4082
وبتوجيههم وتعليمهم والاهتمام بهم سنجد إن شاء الله خير دعاة للإسلام، ونشره بعد عودتهم لديارهم.
ثامنا: إنشاء صناديق تجبى فيها الأموال من الراغبين في الخير، والدعوة إلى الحق، لينفق منها في سبيل الدعوة، وطبع الكتب المفيدة فكريا وعقائديا. . . لإعطائها للمسلم الجديد، أو لمن يرغب في اعتناق الإسلام، والإنفاق منها على المحتاجين من المسلمين الوافدين، وللتعرف على أحوال إخوانهم. فهذا كله من الإنفاق في سبيل الله الذي أمر الفرد المسلم به.
تاسعا: يجب أن يكون شعور كل مسلم بأنه هو المستهدف ذكرا كان أو أنثى والتركيز على تفهيم المسلمين معاني القرآن الكريم، في المدارس والكليات عند الكبار والصغار، في المساجد والبيوت، وفي الأسواق والمصانع، وفي كل مجال من مجالات العمل، أخذا من قول الله تعالى في مخاطبته لنبيه محمد ﷺ : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١).
عاشرا: إن النصرانية الحديثة تركز على شيئين مهمين في منطقة الخليج العربي هما:
أ- إخراج المرأة المسلمة عن فطرتها الأساسية التي فطرها الله عليها والاهتمام بمزاحمتها للرجال في أعمالهم، ومخالطتهم في نواديهم، لكي تخرج متبرجة منزوعة الحياء، وإذا كان لا بد من عمل المرأة فيجب أن يكون في مجالات تختص بالمرأة وفي جو محتشم لا تختلط فيه مع الرجال، لأن الله نهى المرأة المسلمة عن التبرج الذي يربطها بالجاهلية الأولى لقوله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٢).
стр. 4083
ب- إيجاد جيل غير ملتزم بالإسلام، ضعيف الثقافة والخلفية الفكرية، لكي يسهل جذبهم لكل أمر مستحدث، ولكي يقفوا ضد الإسلام من داخله، ويسمحوا للجهود النصرانية والمخططات التبشيرية بالتغلغل في ديار المسلمين، وإفساح المجال لها للعمل بحرية وبلا قيود.
ولذا يحسن الانتباه لهذه الأمور، وتذكير الناس بما يجب أن يعملوه حيال أنفسهم وبيوتهم، ومن تحت أيديهم.
نسأل الله الكريم أن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم، وجميع ولاة الأمر فيهم للعمل بكتابه ولنصرة سنة رسوله محمد ﷺ ، وأن يأخذ بأيديهم ويثبتهم على الدين، ويجيرهم من مظلات الفتن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. . . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور: محمد بن سعد الشويعر
стр. 4084
صفحة فارغة
стр. 4085
الجهاد في سبيل الله أسبابه وأهدافه
بقلم الدكتور زاهر عواض الألمعي
د. زاهر عواض الألمعي
* ولد بمنطقة رجال ألمع بالمملكة العربية السعودية عام ١٣٥٤ هـ
* حصل على شهادة كلية الشريعة بالرياض عام ١٣٨٦ هـ
* حصل على ماجستير التفسير وعلوم القرآن ١٣٨٩ هـ
* حصل على الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن - جامعة الأزهر ١٣٩٣ هـ.
* عمل عميدا لشئون المكتبات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
* صدرت له الألمعيات (شعر) - مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي ﷺ بزينب - مناهج الجدل في القرآن الكريم - تحقيق كتاب استخراج الجدال من القرآن لابن رجب الحنبلي - على درب
* رحلة الثلاثين عاما، سيرة ذاتية
стр. 4086
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد: الجهاد: من أصول الأديان، ولا يستقيم أمر المسلمين إلا به، وقد أوضح النبي ﷺ هذه الحقيقة عندما قال: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد (١)».
والجهاد من المجاهدة، وهي بذل الجهد واستنفاذ الطاقة في سبيل حصول المقصود.
وحقيقة الجهاد في سبيل الله هي العمل على إعلاء كلمة الله في الأرض بكافة الوسائل المادية والمعنوية، وإقامة موازين العدل والأمن في المجتمعات البشرية.
لأن الأصل أن تحكم الأرض بشريعة الله، فإن دين الإسلام دين عالمي، وقد جاءت الرسالة المحمدية خاتمة للرسالات السابقة مشتملة عليها ومتممة لمكارم الأخلاق ومحاسن الفعال.
والصراع بين الحق والباطل لا ينتهي، ولا بد من مقاومة الشر والطغيان في مختلف العصور.
والجهاد مشروع حتى في الأمم السابقة، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).
وحكم الجهاد الذي هو بمعنى الغزو والقتال في سبيل الله: أنه فرض كفاية، بمعنى أنه إذا قام به من المسلمين من يكفي سقط الإثم عن الباقين وإلا أثموا جميعا، ويتعين في مواضع ثلاثة كما نص على ذلك بعض فقهاء الإسلام (٣):
١ - إذا التقى الزحفان وتقابل الجيشان حرم على من حضر المعركة الانصراف وتعين عليه القتال لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (٤)
стр. 4087
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٢).
٢ - إذا هاجم العدو بلاد المسلمين وجب عليهم الدفاع عنها.
٣ - إذا دعا إمام المسلمين إلى النفير العام. . . وجبت عليهم الإجابة لداعي الجهاد كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾ (٣) ﴿إلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).
أما أسباب الجهاد: فهي كثيرة ولكن مردها إلى ما يلي:
١ - العدوان على المسلمين، وقد شرع الله القتال لرد العدوان، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٧).
٢ - رفع الظلم والاضطهاد عن المسلمين، وقد أذن الله لهم بالدفاع عن أنفسهم قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٨).
٣ - ضرورة إبلاغ دعوة الإسلام إلى الناس كافة لأنها دعوة عالمية ورسالة
стр. 4088
ختامية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١)، وليس للرسول ﷺ خيار في إبلاغ رسالة الله. فلقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢)، حتى قيل إن هذه الآية من أشد الآيات التي نزلت على رسول ﷺ .
وأمام هذه التكاليف بإبلاغ رسالة الله لا بد للدعوة من خصوم يقفون في طريقها ويمنعون وصولها إلى الناس عندئذ لا بد من تحطيم مراكز القوى التي تصد عن سبيل الله. . . ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣).
стр. 4089
أما أهداف الجهاد في سبيل الله: فهي إعلاء كلمة الله في الأرض، وإقامة الحق والعدل بين الناس وجعل الحاكمية لله وحده، فلا يهتدى إلا بهدي الله ولا يحكم إلا بشريعته. . . ولهذا لا يكاد يذكر القتال أو الجهاد إلا مقرونا بسبيل الله تفريقا بينه وبين القتال من أجل الثارات والأطماع الدنيوية وحب السيطرة والاستعباد، فالإسلام لا يريد من القتال إبادة الحرث والنسل ونشر الخراب والدمار. . . بل إن من أهداف الإسلام إسعاد البشرية وهدايتها، ونشر الأمن والرخاء فوق ربوعها، وهو لا يلجأ للقتال إلا عند الضرورة.
أما مشروعية الجهاد: فكانت بعد الهجرة، فإنه لم يختلف العلماء في أن القتال قبل الهجرة كان محظورا على المسلمين كقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ (١) وقوله ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) فلما استقر النبي ﷺ بالمدينة وصارت له شوكة. . . أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٣) فكان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه،
стр. 4090
وروى جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وابن عباس أن أول آية نزلت في القتال هي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١).
وقد أيد هذا أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن، وذكر أن القتال كان إذنا ثم أصبح فرضا بعد ذلك (٢).
والجهاد في سبيل الله: يكون بالنفس وبالمال وباللسان، وقد أعظم الله الثمن للمجاهدين بالأنفس والأموال فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣).
وروى أبو داود والإمام أحمد والنسائي وابن حبان أن رسول الله ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم (٤)».
والذين جادوا بأنفسهم في سبيل الله بشرهم الله بالحياة الطيبة وأنهم عند ربهم يرزقون فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٥) ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦).
والمال عنصر هام للمجاهدين في سبيل الله، وقد ضرب لنا سلفنا الصالح النماذج الخيرة في مجال التبرع بالمال للجهاد وإعداد العدة، فقد دعا النبي ﷺ للتبرع للجهاد في غزوة تبوك عندما واجهت المسلمين شدة من قلة الأموال والموارد، وكان لا بد من إعداد العدة وتجهيز الجيش بما
стр. 4091
يتناسب مع أهمية تلك الغزوة، فتسابق الناس للتبرع فأراد عمر بن الخطاب ﵁ في هذه المرة أن ينافس أبا بكر الصديق فينفق من ماله أكثر منه، فقسم عمر بن الخطاب ماله شطرين، وجاء بشطر وترك لأهله شطرا، وجاء أبو بكر بماله كله فوضعه بين يدي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «" ما تركت لأهلك يا أبا بكر " قال: تركت لهم الله ورسوله، وقال: " ما تركت لأهلك يا عمر " فقال تركت لهم شطر مالي وجئت بشطر. . . فلما بلغ عمر ما صنعه أبو بكر ﵁ قال: " ما استبقنا إلى الخير قط إلا سبقني إليه (١)». . . أما عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه فقد قام بتجهيز الجيش وكان يسمى جيش العسرة، وتحمل ﵁ معظم النفقات في تلك الغزوة حتى قال له النبي ﷺ : «" ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا (٢)».
стр. 4092
وهناك أمور لا بد منها عند إرادة الجهاد في سبيل منها:
١ - إعداد العدة، والقرآن الكريم صريح في دعوته لهذا إذ يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١).
وقد فسر النبي ﷺ القوة بالرمي كما في صحيح مسلم، والتنكير هنا يفيد العموم لجميع القوى المادية والروحية كالإيمان والصبر والثبات، وقد قال ﷺ : «" إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة. . . صانعه يحتسب في صنعته الخير، ومنبله، والرامي به (٢)». . . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. . . إلخ.
٢ - الثبات، وطاعة القائد وترك النزاع والخلاف مهما كانت النتائج، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤).
٣ - حفظ السر: فإن كشف أسرار الجيش جريمة كبرى، وهو من
стр. 4093
أسباب الهزيمة، وقد نهى الله المسلمين عن ذلك لما فيه من موالاة الأعداء والتجسس على المسلمين، ويظهر ذلك من قصة حاطب بن أبي بلتعة عندما بعث بكتاب إلى قريش يخبرهم فيه بخروج النبي ﷺ إلى مكة وقد أشار القرآن إلى ذلك في أول سورة الممتحنة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (١) إلى قوله ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٢).
ومنها أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يغزو جهة ورى بغيرها ثم انطلق إلى الجهة التي يريدها، وقصة النبي ﷺ في غزوة بدر الكبرى مع «الأعرابي عندما سأله النبي ﷺ عن خبر قريش ومحمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الأعرابي: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما فقال له رسول الله ﷺ إذا أخبرتنا أخبرناك، قال: أوذاك بذاك؟ قال نعم، فأخبرهما بخبر قريش ومحمد وأصحابه، فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ : نحن من ماء. ثم انصرف عنه».
٤ - اختيار المكان المناسب: وهو ما يعرف في النظم الحديثة بالاستراتيجية العسكرية وقد تحدث التاريخ عن موقف الحباب بن المنذر في غزوة بدر الكبرى، وقد نزل النبي ﷺ بمكان «فقال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله ﷺ : بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله إن هذا المكان ليس لنا بمنزل، وأشار عليه بأرض تصلح للحرب. . . فقال ﷺ : لقد أشرت بالرأي. . . ونهض رسول الله ﷺ بمن معه من الناس (٣)».
٥ - دعوة الكفار للإسلام قبل الحرب، وعدم الغدرة والمثلة وقتل النساء والصبيان.
فقد «كان رسول الله ﷺ إذا أمر على الجيش أو السرية أميرا أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا ثم قال له " اغزوا باسم الله في سبيل
стр. 4094
الله قاتلوا من كفر بالله ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا (١)». . .
وفي وصية أبي بكر لجنده. . . " ستجدون قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له ولا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما " (٢).
٦ - ما يعرف في الحروب الحديثة بالحرب النفسية: وهذا من أخطر الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها كل فريق ضد الآخر، والقرآن الكريم أشار إلى أن إعداد العدة المادية والمعنوية فيه إرهاب للأعداء وتمكين للرعب في قلوبهم، وهو هدف من أهداف إزهاق الباطل وإذلاله قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (٣) الآية.
وقد نصر النبي ﷺ بالرعب على عدوه، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره (٤). وقصة أبي دجانة سماك بن خرشة ﵁ مشهورة حيث كان يختال في مشيته أمام المشركين ويتبختر وفي يده السيف الذي أعطاه رسول الله ﷺ «فقال ﷺ حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن (٥)».
وفي عمرة القضاء في السنة السابعة «قالت قريش: إنه سيقدم عليكم محمد وأصحابه وقد أنهكتهم حمى يثرب فلما بلغ النبي ﷺ مقالة المشركين حسر عن كتفه وعن عضده الأيمن مضطبعا بردائه، ورمل في الأشواط الثلاثة الأولى قال لأصحابه " رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة (٦)» (٧). والمواقف والخطط التي ترعب
стр. 4095
الأعداء كثيرة جدا، وقصة خالد بن الوليد ﵁ في غزوة مؤتة في منتهى الروعة والدهاء، ولو ذهبنا نستشهد بتلك المواقف الجهادية المثالية في تاريخ المسلمين لخرجنا عن حد الإيجاز.
стр. 4096
ويمكن أن نضرب أمثلة رائعة من سلفنا الصالح في الثبات على المبادئ واستعلائهم بالإيمان على أعداء الإسلام ومن هذه المواقف البطولية ما يلي:
١ - موقف سعد بن معاذ وسعد بن عبادة مع المشركين في غزوة الأحزاب؛ فقد ذكرت الروايات «أن المشركين حاصروا المدينة المنورة قرابة شهر وخشي النبي ﷺ على أصحابه اشتداد البلاء فبعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه. . . ولما أراد النبي ﷺ أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ فقال رسول الله ﷺ بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. . . فقال النبي ﷺ " أنت وذاك. . . (١)» وقد سر النبي ﷺ بهذه الشجاعة النادرة، واطلع الله على صدق العزيمة عند المسلمين فهزم الله الأحزاب، وسلط عليهم ريحا قلعت أطنابهم وكفأت قدورهم، وسفت التراب في وجوههم، وكفى الله المؤمنين القتال. . .
٢ - موقف أبي بكر الصديق من المرتدين بعد وفاة النبي ﷺ ، فقد وقف
стр. 4097
وقفة خالدة، نصر الله به دينه واعتز بموقفه الإسلام والمسلمون. . . لقد وقف قائلا: " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت " وأنفذ جيش أسامة بن زيد الذي كان معسكرا خارج المدينة رغم اقتراح بعض الصحابة بإبقاء هذا الجيش للدفاع عن المدينة، قال أبو بكر في صرامة وعزيمة ماضية: " والله لو جرت كلاب المدينة بأرجل أمهات المؤمنين ما حللت راية عقدها رسول الله ﷺ " وقاتل أبو بكر أهل الردة ومانعي الزكاة والمتنبئين الكذابين وفي مقدمتهم مسيلمة الكذاب.
فاستقر الأمر وعاد الأمن إلى أنحاء الجزيرة العربية وبدأ بإعداد الجيوش الإسلامية لفتح بلاد فارس والروم ولكن عاجلته المنية قبل إتمام ذلك، ولكن تم معظم ذلك في عهد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ على أيدي قادة المسلمين العظماء كسعد بن أبي وقاص والمثنى بن حارثة وخالد بن الوليد وأبي عبيدة عامر بن الجراح وعمرو بن العاص وغيرهم من القادة الذين خلدهم التاريخ، وبعد فإن الجهاد في سبيل الله مطلب أساسي، ولا تقوم للمسلمين قائمة إلا به.
فما أفلحت في موكب المجد أمة ... إذا لم يكن درب الجهاد لها دربا
الدكتور زاهر عواض الألمعي
стр. 4098
موارد تقي الدين الفاسي في كتابه
العقد الثمين
بقلم الأستاذ معالي عبد الحميد حمودة
- من مواليد سنة ١٩٤٧ م، جمهورية مصر العربية.
- عضو جمعية الأدباء بالقاهرة، وعضو الأندية الثقافية والأدبية بجدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة، وعضو لجنة التأليف والنشر بجمعية دعاة الإسلام بالإسكندرية.
- يمارس كتابة البحوث والمقالات في صحافة المملكة العربية السعودية وفي المجلات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.
стр. 4099
نبذة عن تقي الدين الفاسي.
هو محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرحمن الفاسي المكي الحسني المالكي المعروف بالتقي الفاسي تقي الدين أبو عبد الله أبو طالب قاضي مكة شيخ الحرم.
محدث ومؤرخ ولد بمكة المكرمة شرفها الله تعالى في ربيع الأول سنة ٧٧٥ هجرية ونشأ بها وبالمدينة ودخل اليمن والشام ومصر مرارا وولي قضاء المالكية وكف بصره وتوفي ﵀ بمكة في شوال ٨٣٢ هجرية.
من تصانيفه:
- شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام
- العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
- مختصر حياة الحيوان لكمال الدين الدميري
- ذيل سير النبلاء
- ذيل على التقييد لمعرفة رواة السند والأسانيد لابن نقطة.
стр. 4100
موارد التقي الفاسي في العقد الثمين
مقدمة:
يعد كتاب (العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين) الكتاب الوافي الجامع الشامل لتراجم أعيان مكة المكرمة وغيرها ممن سكنها أو مات بها وولاتها وقضاتها وخطبائها وأئمتها ومؤذنيها من أهلها وغيرهم، وتراجم من وسع المسجد الحرام أو عمره أو عمر شيئا منه وغير ذلك.
وإذا كان مؤلف كتاب العقد الثمين هدفه الأول إيراد ذكر تراجم مكة المعظمة فإن الكتاب لم يكن قاصرا على تراجم الأعيان مثلما ذهب القاضي ابن خلكان في كتابه النفيس (وفيات الأعيان) ولكن تقي الدين الفاسي فوق أنه قصد في تأليفه لكتابه الترجمة لأعيان مكة إلا أنه بجانب ذلك جمع بين التراجم الذاتية للأعيان وبين التاريخ العلمي الرصين لمكة المكرمة وأسمائها وفضلها وشيء من أخبار الكعبة