← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

الحكمة في مشروعية البيع: الحكمة تقتضي جواز البيع؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه

стр. 4202

ودفع حاجته، ومن الحكمة في ذلك اتساع أمور المعاش وبقاء العالم؛ لأن فيه إطفاء نار المنازعات والنهب والسرقة والخيانات والحيل؛ لأن المحتاج يميل إلى ما في يد غيره فبغير المعاملة يؤول الأمر إلى التقاتل والتنازع وبذلك فناء العالم واختلال نظام المعاش وغير ذلك (١).

стр. 4203

المقارنة بين البيع والربا: سوى الكفار بين البيع والربا فقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (١) أي إنما الزيادة عند حلول الأجل التي هي ربا النسيئة كمثل أصل الثمن في أول العقد (٢)، وهي محاولة فاشلة لأن هناك فروقا عظيمة مؤثرة بين البيع والربا منها: أولا: أن البيع قد أحله الله والربا قد حرمه الله، وعلى العباد أن يتلقوا ذلك بالقبول من غير اعتراض. ثانيا: أن الاتجار بالبيع والشراء قابل للربح والخسارة والمهارة الشخصية والجهد الشخصي، أما الاتجار بالربا فهو محدد الربح في كل حالة (٣) لا يبذل فيه جهد ولا تستخدم فيه مهارة فهو ركود وهبوط وكسل. ثالثا: أن البيع فيه معاوضة ونفع للطرفين، والربا إنما يحصل فيه النفع لطرف واحد، قال في تفسير المنار (٤): وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب يعني قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥) من قبيل إبطال القياس بالنص أي أنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس. ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة، وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن لذلك القول؛ إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون

стр. 4204

الآيات إلا به، ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه، والمعنى الصحيح أن زعمهم مساواة الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب، كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وأكله، ولكن هاهنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف، وأن يكون كل منهم عونا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه، ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم، وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد، فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس. وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل، ولم يجعل لأحد منهم حقا على آخر بغير عمل؛ لأنه باطل لا مقابل له، وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضا يقابل عوضا، وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها. والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله، وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه، ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائما انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعا حقيقيا؛ لأن من يشتري قمحا مثلا فإنما يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعا حقيقيا، وأما الربا وهو عبارة عن إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل لها من عين ولا عمل. وثم وجه آخر لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودا بالاستغلال، فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال، فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة في البنوك، ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء، انتهى. وفيه مقارنة جيدة بين منافع البيع ومضار الربا لكن لا نوافقه على رد الوجه الأول وهو أن قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (١) من قبيل استعمال القياس في مقابلة النص، وذلك باطل مردود؛ لأن هذه قاعدة مسلمة والتعليل بها هو ظاهر الآية الكريمة، ولا

стр. 4205

يمنع ذلك أن يكون هناك فوارق تمنع هذا القياس منها ما أدلي به في هذه المقارنة - والله أعلم - والله أحل البيع وأحل التجارة وحرم الربا، فالمبتاع يبتاع ما يستنفع به كطعام ولباس ومسكن ومركب وغير ذلك، والتاجر يشتري ما يريد أن يبيعه ليربح فيه، وأما آخذ الربا فإنما مقصوده أن يأخذ دراهم بدراهم إلى أجل فيلزم الآخر أكثر مما أخذ بلا فائدة حصلت له لم يبع ولم يتجر.

стр. 4206

تعريف الربا: الربا لغة: الزيادة، قال في القاموس (١): ربا ربوا كعلو ورباء زاد ونما، وقال صاحب المصباح المنير (٢): الربا الفضل والزيادة - وهو مقصور على الأشهر. . وربا الشيء يربو إذا زاد. وأربى الرجل بالألف دخل في الربا. وأربى على الخمسين زاد عليها. وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٣): الربا مقصور وأصله الزيادة. . . ويقال ربا الشيء إذا زاد، ويقال الربا والرماء - وفي فتح الباري (٤): وأصل الربا: الزيادة إما في نفس الشيء كقوله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (٥)، وإما في مقابله كدرهم بدرهمين، فقيل هو حقيقة فيهما، وقيل: حقيقة في الأول، مجاز في الثاني. والربا شرعا: قد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه مع تقارب المعنى فقال بعضهم (٦): هو عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما، وهذا تعريف له بنوعيه: الفضل والنسيئة. وقيل: هو زيادة في شيء مخصوص (٧)، وهذا تعريف قاصر على أحد نوعيه والمفروض في التعريف أن يكون جامعا. وفصل صاحب بدائع الصنائع (٨) فعرف كل نوع على حدة، فقال: الربا في عرف الشرع نوعان: ربا الفضل وربا النسيئة، أما ربا الفضل فهو

стр. 4207

زيادة عين مال شرطت في عقد البيع على المعيار الشرعي، وأما ربا النسيئة فهو فضل الحلول على الأجل، وفضل العين على الدين في المكيلين أو الموزونين عند اختلاف الجنس أو في غير المكيلين أو الموزونين عند اتحاد الجنس عندنا (أي عند الأحناف). وهذه التعاريف كما قلنا وإن كانت مختلفة الألفاظ فهي متفقة في المعنى وبعضها مجمل وبعضها مفصل، والمناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي واضحة إلا أن المعنى الشرعي أخص من المعنى اللغوي، إذ المعنى اللغوي يشمل الزيادة في كل شيء وأما المعنى الشرعي فهو يعني الزيادة في أشياء معينة، وقد يطلق الربا شرعا ويراد به كل بيع محرم (١)

стр. 4208

تحريم الربا: لا خلاف بين المسلمين في تحريم الربا وإن اختلفوا في تفاصيله (١) وضابطه، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) والأحاديث في تحريمه كثيرة مشهورة. وقد توعد الله آكل الربا بضروب من الوعيد مما يدل على عظم إثمه وفحش ضرره، فقد تنوع الوعيد عليه في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وقد أوجزها السيد محمد رشيد رضا ﵀ فيما يلي (٣): ١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٤) أي لا يقومون من قبورهم للبعث إلا كقيام المجنون. ٢ - قوله تعالى: ومن عاد إلى أكل الربا بعد تحريمه: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥)، وهذا من نصوص الوعيد أو هو محمول على من استحله لأن استحلاله كفر.

стр. 4209

٣ - قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (١) أي يمحق بركته. ٤ - قوله بعد ذلك: ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢) فحرمانه من محبة الله يستلزم بغضه ومقته له. ٥ - تسميته كفارا أي مبالغا في كفر النعمة بقسوته على العاجز عن القضاء واستغلاله لما يعرض له من الضرورة بدلا من إنظاره وتأخير دينه إلى الميسرة وإسعافه بالصدقة أو كفار الكفر المخرج من الملة إن استحله. ٦ - تسميته أثيما وهي صيغة مبالغة من الإثم، وهو كل ما فيه ضرر في النفس أو المال أو غيرهما. ٧ - إعلامه بحرب من الله ورسوله؛ لأنه عدو لهما إن لم يترك ما بقي من الربا. ٨ - وصفه بالظلم في قوله: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ (٣). ٩ - عد النبي ﷺ إياه من أهل الموبقات وهي أكبر الكبائر كما في الصحيحين (٤). ١٠ - ورود عدة أحاديث صحيحة في لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. ١١ - ورود أحاديث كثيرة في الوعيد الشديد عليه، منها: أن «درهما من ربا أشد من ثلاث وثلاثين زنية في الإسلام (٥)»، وفي بعضها ست وثلاثين زنية، وفي بعضها بضع وثلاثين وفي بعضها «الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه (٦)».

стр. 4210

مقارنة بين الربا والميسر تحريم الربا أشد من تحريم الميسر الذي هو القمار؛ لأن المرابي قد أخذ فضلا محققا من محتاج، والمقامر قد يحصل له فضل وقد لا يحصل له، فالربا ظلم محقق لأن فيه تسلط الغني على الفقير بخلاف القمار فإنه قد يأخذ فيه الفقير من الغني وقد يكون المتقامران متساويين

стр. 4211

في الغنى والفقر، فهو وإن كان أكلا للمال بالباطل وهو محرم فليس فيه من ظلم المحتاج وضرره ما في الربا، ومعلوم أن ظلم المحتاج أعظم من ظلم غير المحتاج (١).

стр. 4212

متى حرم الربا: قد كان تحريم الربا قديما وقد ذكر الله تحريمه على اليهود حيث يقول سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (١) ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢). إلا أن العلامة القرطبي (٣) يرى أن المراد بالربا المذكور في حق اليهود عموم الكسب المحرم ولم يرد به خصوص الربا الذي حكم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام كما قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٤) يعني به المال الحرام من الرشا وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (٥) وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب، وكان الربا معروفا في الجاهلية عند العرب، وقد ذكره الله تعالى في " سورة الروم " وهي مكية نزلت قبل الهجرة ببضع سنين مقرونا بذمة ومدح الزكاة وذلك قبل فرض الزكاة كما في قوله تع الى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٦)، وقد جاء في السور المكية بيان أصول الواجبات والمحرمات بوجه إجمالي كما في هذه الآية، ثم قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧) ثم نزلت آيات " سورة البقرة " المشتملة على الوعيد الشديد قبل وفاة النبي ﷺ بقليل (٨) ويستمر تحريمه إلى يوم القيامة.

стр. 4213

هذا تاريخ الربا عبر التاريخ وكابوسه الثقيل على الأمم وموقف الشرائع السماوية منه ومحاربته لإنقاذ البشرية من ويلاته، ولكن يأبى الذين استحوذ عليهم الشيطان واستولى عليهم الشح إلا عتوا ونفورا ليستمروا على التحكم بأموال الناس بغير حق.

стр. 4214

٣ - المقارنة بين الربا والصدقة: قد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة فالمرابي ضد المتصدق، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٤)، ثم ذكر الجنة التي أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء (٥). فالمتصدق ضد المرابي؛ لأن المتصدق يحسن إلى الناس والمرابي يظلم الناس، ولهذا قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٧) الآيات. وهكذا تساق آيات الربا بعد آيات الصدقة في القرآن لما بين المتصدقين والمرابين من التضاد، ليتفكر المسلم في صفات الفريقين وجزاء كل منهما، وليقارن بين آثارهما على المجتمع، فالمتصدق يعطي المال بغير عوض يقابله، والمرابي يأخذ المال بغير عوض يقابله، المتصدق يوسع على المحتاجين ويفرج كرب المكروبين، والمرابي يضيق على المحتاجين وينتهز فرصة عوزهم ليثقلهم بالديون فيزيدون كربة إلى كربتهم، المتصدق قد وقاه الله شح نفسه فانتصر عليها، والمرابي قد تملكه الجشع وأهلكه الشح كما أهلك من قبله فاستحل محارم الله بأدنى الحيل.

стр. 4215

٤ - الحكمة في تحريم الربا: يلخص العلامة ابن حجر الهيتمي في كتاب الزواجر (١) تلك الحكمة في النقاط التالية: ١ - انتهاك حرمة مال المسلم بأخذ الزائد من غير عوض. ٢ - الإضرار بالفقير لأن الغالب غنى المقرض وفقر المستقرض فلو مكن الغني من أخذ أكثر من المثل أضر بالفقير. ٣ - انقطاع المعروف والإحسان الذي في القرض؛ إذ لو حل درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله. ٤ - تعطل المكاسب والتجارات والحرف والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها؛ إذ من يحصل درهمين بدرهم كيف يتجشم مشقة كسب أو تجارة. إن الله يشرع لعباده ما يربيهم على التراحم والتعاطف، وأن يكون كل منهم عونا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه، ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد، كما أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم قائما على أن يكون استفادة كل واحد من الآخر في مقابل عمل يقوم به نحوه أو عين يدفعها إليه، والربا خال عن ذلك؛ لأنه عبارة عن إعطاء المال مضاعفا من طرف لآخر بدون مقابلة من عين ولا عمل. إن إباحة الربا مفسدة من أكبر المفاسد للأخلاق وشئون الاجتماع تزيد أطماع الناس وتجعلهم ماديين لا هم لهم إلا الاستكثار من الأموال من غير أن يستفيد منها مجتمعهم (٢). ففي الغالب لا يخضع للزيادة الربوية إلا معدم محتاج إذا رأى أن الدائن يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها تكلف بذل هذه الزيادة ليفتدي بها من أسر المطالبة

стр. 4216

والحبس ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه، وأذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر (١).

стр. 4217

٥ - أنواع الربا: الربا نوعان: ربا نسيئة وربا فضل. فالنوع الأول ربا النسيئة - من النساء بالمد وهو التأخير - هو نوعان: أحدهما: قلب الدين على المعسر، وهذا هو أصل الربا في الجاهلية: أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل، فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي، فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال والأصل واحد. وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين (١)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢) من آية (٢٨٠) من سورة البقرة، فإذا حل الدين وكان الغريم معسرا لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب الدين عليه بل يجب إنظاره. وإن كان موسرا كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره (٣) لكن الكفار يعارضون حكم الله في ذلك ويقولون: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (٤) أي سواء زدنا في أول البيع أو عند محل المال، فكذبهم الله في قيلهم فقال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥) يعني جل ثناؤه وأحل الله الأرباح في التجارة والشراء والبيع، (وحرم الربا) يعني الزيادة التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل وتأخيره دينه عليه، يقول : فليست الزيادتان اللتان إحداهما من وجه البيع إلى أجل، والأخرى من وجه تأخير المال إذا حل أجله، والزيادة في الأجل سواء فليست الزيادة

стр. 4218

من وجه البيع نظير الزيادة من وجه الربا لأني أحللت البيع وحرمت الربا، والأمر أمري والخلق خلقي أقضي فيهم ما أشاء وأستعبدهم بما أريد، ليس لأحد أن يعترض في حكمي، ولا أن يخالف أمري، وإنما عليهم طاعتي والتسليم لحكمي (١). وأيضا لو كانت الزيادتان سواء لما اختلف حكمهما عند أحكم الحاكمين. فالزيادة التي تؤخذ في معاوضة صحيحة خالية من أكل أموال الناس بالباطل هي زيادة حلال، والزيادة التي تؤخذ لأجل التأخير في الأجل إذا حل زيادة محرمة لأنها لا معاوضة فيها ولا مقابل لها فهي ظلم (٢). وأيضا المعسر الذي لا يستطيع الوفاء عند حلول الأجل يجب إنظاره إلى ميسرة لا مضاعفة الدين عليه وإثقال كاهله بالغرامة فيزداد حملا على حمله.

стр. 4219

مسألة: (ضع وتعجل): ويتعلق بهذه المسألة مسألة: (ضع وتعجل)، وهي أن يصالح عن الدين المؤجل ببعضه حالا - وهي عكس قلب الدين - لأن معناه: زد وأجل، وقد أجمع المسلمون على تحريمه كما سبق، وأما هذه المسألة (ضع وتعجل) فقد اختلف العلماء فيها على أقوال: القول الأول: تحريم ذلك وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والمشهور عن أحمد، ووجه ذلك: أنه شبيه بالزيادة مع الإنظار المجمع على تحريمها؛ لأنه جعل للزمان مقدارا من الثمن بدلا منه في الموضعين جميعا، فهو في الصورتين جعل للزمان ثمنا لزيادته ونقصه؛ هذا

стр. 4220

معنى ما علل به ابن رشد في بداية المجتهد. وعلل صاحب فتح القدير من الحنفية ذلك بقوله: لأن المعجل خير من المؤجل وهو غير مستحق بالعقد، فيكون بإزاء ما حطه عنه وذلك اعتياض عن الأجل وهو حرام. اهـ. وهو بمعنى التعليل الذي قبله، وعلل صاحب مغني المحتاج من الشافعية لذلك بقوله: (لأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها. . فإن لم يحصل الحلول لا يصح الترك) يعني أن صحة ترك البعض تنبني على صحة التعجيل، والتعجيل غير صحيح فالترك غير صحيح، وعلل ذلك صاحب المبدع من الحنابلة بقوله: (لأنه يبذل القدر الذي يحطه عوضا عن تعجيل ما في ذمته وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز)، وهذا التعليل بمعنى ما علل به صاحب فتح القدير من الحنفية حيث يقول: (وذلك اعتياض عن الأجل وهو حرام)، وهما يتفقان مع قول ابن رشد: (لأنه جعل للزمان مقدارا من الثمن) فاتفقت كلمتهم على أن بيع الأجل لا يجوز وهو الذي من أجله منعوا مسألة: (ضع وتعجل): قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: (١). واحتج المانعون بالأثر والمعنى؛ أما الآثار ففي سنن البيهقي «عن المقداد بن الأسود قال: (أسلفت رجلا مائة دينار فقلت له: عجل تسعين دينارا وأحط عشرة دنانير). فقال: نعم، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: أكلت ربا مقداد وأطعمته» وفي سنده ضعف. وصح عن ابن عمر ﵄ أنه قد سئل عن الرجل يكون له الدين على رجل إلى أجل فيضع عنه صاحبه ويعجل له الآخر، فكره ذلك ابن عمر ونهى عنه، وصح عن أبي المنهال أنه سأل ابن عمر ﵄ فقال لرجل: علي دين، فقال لي: عجل لي لأضع عنك، قال: فنهاني عنه. وقال: نهى أمير المؤمنين - يعني عمر - أن يبيع العين بالدين. وقال أبو صالح مولى السفاح واسمه عبيد: بعت برا من أهل السوق إلى أجل ثم أردت الخروج إلى الكوفة فعرضوا علي أن أضع عنهم وينقدوني

стр. 4221

فسألت عن ذلك زيد بن ثابت فقال: (لا آمرك أن تأكل هذا ولا توكله) رواه مالك في الموطأ. وأما المعنى فإنه إذا تعجل البعض وأسقط الباقي فقد باع الأجل بالقدر الذي أسقط وذلك عين الربا، كما لو باع الأجل بالقدر الذي يزيده إذا حل عليه الدين، فقال: زدني في الدين وأزيدك في المدة، فأي فرق بين أن تقول حط من الأجل وأحط من الدين، أو تقول: زد في الأجل وأزيد في الدين. . . قالوا: فنقص الأجل في مقابلة نقص العوض كزيادته في مقابلة زيادته، فكما أن هذا ربا فكذلك الآخر. القول الثاني: جواز الوضع والتعجل وهو رواية عن أحمد (١)، ونسب ابن رشد (٢) وابن القيم القول بجوازه إلى ابن عباس وزفر من الحنفية، والقول بالجواز هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال في الاختيارات (٣): (ويصح الصلح عن المؤجل ببعضه حالا، وهو رواية عن أحمد وحكي قولا للشافعي)، واختار هذا القول أيضا ابن القيم وقال (٤): (لأن هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا، فإن الربا الزيادة، وهي منتفية هاهنا، والذين حرموا ذلك قاسوه على الربا ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: (إما أن تربي وإما أن تقضي)، وبين قوله: (عجل لي وأهب لك مائة) فأين أحدهما من الآخر فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح. اهـ. قال ابن رشد وقال (٥) ٥٥: وعمدة من أجازه ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير جاء ناس منهم فقالوا: يا نبي الله إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس

стр. 4222

ديون لم تحل، فقال رسول الله ﷺ : ضعوا وتعجلوا. القول الثالث: يجوز ذلك في دين الكتابة ولا يجوز في غيره؛ لأن ذلك يتضمن تعجيل العتق المحبوب إلى الله، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولا ربا بين العبد وبين سيده، فالمكاتب وكسبه للسيد فكأنه أخذ بعض كسبه وترك بعضه (١). والراجح: هو القول الثاني وهو جواز ذلك مطلقا؛ لأنه ليس مع من منعه دليل صحيح، والأصل في المعاملات الصحة والجواز ما لم يدل دليل على التحريم، وقياسهم منع ذلك على منع زيادة الدين وتمديد أجله قياس مع الفارق؛ لأن منع الزيادة في مقابلة التمديد ملاحظ فيه منع إثقال كاهل المدين من غير استفادة تحصل له، بخلاف هذه المسألة فإن فيها تخفيفا عنه، فإن قيل: والمدين يحصل له في المسألة الأولى فائدة التمديد في الأجل. فالجواب: أن التمديد في الأجل في هذه المسألة إن كان المدين معسرا فهو واجب على الدائن بدون مقابل، وإن كان المدين موسرا وجب عليه أداء الحق عند حلوله، ويبدي العلامة ابن القيم رأيا آخر في مسألة: (ضع وتعجل) فيقول (٢): (ولو ذهب ذاهب إلى التفصيل في المسألة وقال: لا يجوز في دين القرض إذا قلنا بلزوم تأجيله ويجوز في ثمن المبيع والأجرة وعوض الخلع والصداق لكان له وجه، فإنه في القرض يجب رد المثل، فإذا عجل له وأسقط باقيه خرج عن موجب العقد، وكان قد أقرضه مائة فوفاه تسعين بلا منفعة حصلت للمقرض، بل اختص المقترض بالمنفعة فهو كالمربي سواء في اختصاصه بالمنفعة دون الآخر. وأما في البيع والإجارة فإنهما يملكان فسخ العقد وجعل العوض حالا أنقص مما كان، وهذا هو حقيقة الوضع والتعجيل لكن تحيلا عليه، والعبرة في العقود

стр. 4223

بمقاصدها لا بصورها، فإن كان الوضع والتعجيل مفسدة فالاحتيال عليه لا يزيل مفسدته، وإن لم يكن مفسدة لم يحتج إلى الاحتيال عليه. الثاني: من نوعي ربا النسيئة: ما كان في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما - ويسميه بعضهم: ربا اليد (١) - كبيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، وكذا بيع جنس بآخر من هذه الأجناس مؤجلا، وما شاركها في العلة يجري مجراها في هذا الحكم، قال النبي ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد (٢)» في أحاديث كثيرة جاءت بمعناه (٣) فقوله ﷺ : (يدا بيد) يعني الحلول والتقابض قبل التفرق في بيع هذه الأشياء بعضها ببعض، ويقاس عليها ما شاركها في العلة - كما يأتي بيانه إن شاء الله.

стр. 4224

النوع الثاني من أنواع الربا: ربا الفضل وهو الزيادة، وقد نص الشارع على تحريمه في ستة أعيان هي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، واتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس (١)، فقد حكى غير واحد الإجماع على تحريمه بين الستة المذكورة إذا بيع بعضها ببعض (٢)، فإن قيل: كيف تصح حكاية الإجماع مع أنه ثبت في الصحيح عن ابن عباس عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: «لا ربا إلا في النسيئة (٣)» فمقتضاه جواز ربا الفضل، وقد روي عن ابن عمر وابن عباس ﵄ القول بجوازه (٤)، قيل عن ذلك عدة أجوبة:

стр. 4225

الجواب الأول: أن حديث أسامة منسوخ بالأحاديث التي تدل على تحريم ربا الفضل، ومما يدل على نسخه بها الإجماع على ترك العمل به (١)، قال الشوكاني: لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. الجواب الثاني: أنه محمول على ما إذا اختلف الجنسان، فإنه في هذه الحالة يجوز التفاضل ويحرم النسأ بدليل الروايات الصحيحة المصرحة بأن ذلك هو محل جواز التفاضل، وأنه في الجنس الواحد ممنوع (٢) فيكون حديث أسامة عاما في الجواز فيما إذا اتحد الجنس أو اختلف، والأحاديث الأخرى خاصة بالمنع مع اتحاد الجنس، والخاص مقدم على العام كما هو مقتضى القواعد. الجواب الثالث: أنه حديث مجمل والأحاديث التي تمنع ربا الفضل مبينة، فيجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه (٣). الجواب الرابع: أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ رووها صريحة عنه ﷺ ناطقة بمنع ربا الفضل، ورواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد عن الخطأ من رواية الواحد (٤).

стр. 4226

الجواب الخامس: أن المعنى في قوله: لا ربا إلا في النسيئة، أي الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل (١). الجواب السادس: أن إباحة ربا الفضل في حديث أسامة المذكور إنما هي بدلالة المفهوم، وتحريمه بالأحاديث الأخرى بدلالة المنطوق، ولا شك أن دلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم (٢). هذا ما أجيب به عن حديث أسامة، وكل جواب منها يكفي بمفرده لرد الاستدلال به بحمد الله، ولكن كلما تكاثرت الأجوبة كان أقوى في الرد وأقطع لحجة الخصم. وأما الإجابة عما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا بجواز ربا الفضل فهي أن يقال: إنما قالا ذلك باجتهادهما ثم لما بلغهما حديث رسول الله ﷺ في منعه رجعا عن رأيهما، فلم يبق أي شبهة في تحريم ربا الفضل، وصحت حكاية الإجماع على تحريمه كما سبق. جودة أحد الجنسين الربويين على الآخر

стр. 4227

هل جودة أحد الجنسين الربويين تبرر الزيادة من الجنس الرديء؟ لا تكون جودة أحد الجنسين مبررة للزيادة إذا بيع أحدهما بالآخر، والأصل في هذا حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ «أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟، قال: لا والله يا رسول

стр. 4228

الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل - بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا (١)». والجنيب قيل هو الطيب، وقيل هو الذي أخرج من حشفه ورديئه، وقيل هو الذي لم يختلط بغيره (٢)، وعلى كل التفاسير فالمراد به الجيد من التمر، والجمع تمر رديء أو هو الخليط من أنواع مختلفة (٣). قال الشوكاني في نيل الأوطار (٤): والحديث يدل على أنه لا يجوز بيع رديء الجنس بجيده متفاضلا، وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه، انتهى، وقد أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث إلى الطريقة السليمة البعيدة عن الربا التي يسلكها من أراد أن يستبدل التمر الجيد بالتمر الرديء، وذلك بأن يبيع التمر الرديء بدراهم ويشتري بالدراهم تمرا جيدا، وهذه الطريقة تتبع في كل ربوي يراد استبداله بربوي أحسن منه؛ لأن الجودة في أحد الجنسين لا تبرر الزيادة إذا بيع أحدهما بالآخر والله أعلم. إذا باع ربويا بثمن مؤجل فهل يجوز له أن يعتاض عن ذلك الثمن ربويا آخر؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥): (هذه فيها نزاع بين العلماء فمذهب الفقهاء السبعة ومالك وأحمد في المنصوص عليه (٦) أن ذلك لا يجوز، فمن باع مالا ربويا كالحنطة والشعير وغيرهما إلى أجل لم يجز أن يعتاض عن ثمنه بحنطة أو شعير أو غير ذلك مما لا يباع به نسيئة؛ لأن الثمن لم يقبض فكأنه قد باع حنطة أو شعيرا بحنطة أو شعير إلى أجل متفاضلا). وهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، وقال أبو حنيفة والشافعي: (هذا يجوز وهو اختيار أبي محمد المقدسي من أصحاب أحمد؛ لأن البائع إنما يستحق الثمن في ذمة المشتري وبه اشترى فأشبه ما لو قبضه ثم اشترى من غيره)، وقد علل الشيخ المنع بأن الثمن لم يقبض

стр. 4229

فكأنه قد باع الربوي بالربوي إلى أجل متفاضلا، وهذه الصورة لا تجوز بالإجماع فكذا ما شابهها وهي مسألتنا، وعلل صاحب الكشاف المنع بأنه ذريعة إلى بيع الربوي بالربوي نسيئة، ويكون الثمن المعوض عنه بينهما كالمعدوم لأنه لا أثر له (١)، والشيخ تقي الدين حكى الخلاف ولم يرجح، ولكن مما لا شك فيه أن الخروج من الخلاف والاحتياط أمر مطلوب ومرغب فيه، والله أعلم.

стр. 4230

ربا القرض: المشهور أن الربا ينقسم إلى قسمين: ربا نسيئة وربا فضل، وبعضهم (١) يزيد قسما ثالثا هو ربا القرض المشروط فيه جر نفع، قال ابن حجر المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر (١/ ١٨٠): لكنه في الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل؛ لأنه الذي فيه شرط يجر نفعا للمقرض، فكأنه أقرضه هذا الشيء بمثله مع زيادة ذلك النفع الذي عاد إليه. انتهى. ولعل وجهة من عده قسما مستقلا هي أن القرض عقد مستقل وله أحكام خاصة به.

стр. 4231

وصفة ربا القرض: أن يقرضه شيئا ويشترط عليه أن يرد أفضل منه، أو شرط عليه نفعا ما نحو أن يسكنه داره، وهو حرام إجماعا لأنه عقد إرفاق وقربة فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، والدليل على تحريم ذلك: ١ - عموم نصوص الكتاب والسنة الواردة في النهي عن الربا وهذا منه. ٢ - الحديث الوارد بخصوص المنع منه وهو قوله ﷺ : «إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على دابة فلا يركبها ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك (١)»، وما ورد بمعناه من الآثار التي تقويه عن جماعة من الصحابة (٢).

стр. 4232

ما جاء عن أعيان الصحابة في تحريمه، وهم: عمر وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وأبي بن كعب وابن عباس وفضالة بن عبيد ﵃ (١). ٣ - الإجماع وقد حكاه غير واحد (٢) من العلماء. فإذا كان النفع الذي يبذله المقترض للمقرض غير مشترط، فلا بأس به بدليل «أن النبي ﷺ استسلف بكرا ورد خيرا منه، وقال: خيركم أحسنكم قضاء (٣)» إلا أن الإمام مالكا كره أن يزيده في العدد، لا إن أعطاه أجود عينا وأرفع صفة، وأما أن يزيده في الكيل أو الوزن أو العدد فلا (٤). وتعقب ذلك الإمام الشوكاني (٥) فقال: ويرد عليهم (يعني المالكية) «حديث جابر قال: أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين فقضاني وزادني (٦)» فإنه صرح بأن النبي ﷺ زاده والظاهر أن الزيادة كانت في العدد، وقد ثبت في رواية البخاري أن الزيادة كانت قيراطا. وهذا التفصيل في حكم النفع الذي يجره القرض من زيادة أو غيرها إذا بذل هذا النفع عند القضاء، أما إذا بذل قبل القضاء بأن أهدى إليه هدية فلا يحل له قبولها مطلقا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (٧): فنهى النبي ﷺ هو وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء؛ لأن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء وإن كان لم يشترط ذلك ولم يتكلم به فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة وألف مؤخرة وهذا ربا، ولهذا جاز أن يزيد عند الوفاء ويهدي له بعد ذلك لزوال معنى الربا، ومن لم ينظر إلى المقاصد في العقود أجاز مثل ذلك وخالف بذلك سنة رسول الله ﷺ ، وهذا أمر بين.

стр. 4233

وقال ابن القيم (١): فنهى النبي ﷺ وأصحابه المقرض عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء، فإن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء وإن كان لم يشترط ذلك سدا لذريعة الربا. ويفصل العلامة الشوكاني في ذلك فيقول: (٢) والحاصل أن الهدية والعارية ونحوها إذا كانت لأجل التنفيس في أجل الدين أو لأجل رشوة صاحب الدين أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه فذلك محرم لأنه نوع من الربا أو رشوة، وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس، وإن لم يكن ذلك لغرض أصلا فالظاهر المنع لإطلاق النهي عن ذلك. اهـ. وهذا التفصيل يشهد له ما جاء في الحديث السابق من قوله ﷺ : إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك. والحاصل أن النفع المبذول من المقترض للمقرض فيه التفصيل التالي: ١ - إن كان ذلك باشتراط فهو حرام مطلقا قبل الوفاء وبعده. ٢ - إن كان بغير اشتراط جاز بعد الوفاء ولم يجز قبله إلا أن يكون الباعث عليه عادة جارية بينهما لا من أجل القرض، والله أعلم. ويتعلق بمبحث ربا القرض مسألتان نص عليهما الفقهاء ﵏: ١ - المسألة الأولى: إذا أقرضه مبلغا ثم اشترى المقترض من المقرض شيئا واشترط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض ليأخذ غلة المبيع ونفعه ثم يرد المقترض القرض ويرد المقرض المبيع بالخيار، فهذا البيع والشرط باطل لأنه من الحيل، قال في الإقناع وشرحه (٣): (وإن شرطه) أي الخيار بائع (حيلة، ليربح فيما أقرضه حرم نصا) لأنه يتوصل به إلى قرض يجر نفعا (ولم يصح البيع لئلا يتخذ ذريعة للربا)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه

стр. 4234

الله - (١) لما سئل عن ذلك: (إذا كان المقصود أن يأخذ أحدهما من الآخر دراهم وينتفع المعطي بعقار الآخر مدة مقام الدراهم في ذمته، فإذا أعاد الدراهم إليه أعاد إليه العقار فهذا حرام بلا ريب)، وهذا دراهم بدراهم مثلها، ومنفعة الدار وهو الربا البين. وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراما، وكذلك إذا تواطأ على ذلك في أصح قولي العلماء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك (٢)»، حرم النبي ﷺ الجمع بين السلف والبيع لأنه إذا أقرضه وباعه حاباه في البيع لأجل القرض، وكذلك إذا آجره وباعه وما يظهرونه من بيع الأمانة الذي يتفقون فيه على أنه إذا جاءه بالثمن أعاد إليه المبيع هو باطل باتفاق الأئمة سواء شرطه في العقد أو تواطأ عليه قبل العقد على أصح قولي العلماء، والواجب في مثل هذا أن يعاد العقار إلى ربه والمال إلى ربه ويعزر كل من الشخصين إن كانا علما بالتحريم. والقرض الذي يجر منفعة قد ثبت النهي عنه عن غير واحد من الصحابة الذين ذكرهم السائل وغيرهم كعبد الله بن سلام وأنس بن مالك وروي ذلك مرفوعا إلى النبي ﷺ . انتهى. فشرط المنفعة في مقابلة القرض أو التواطؤ عليها من غير اشتراط ظاهر حرام، وكذلك الاحتيال على حصول هذه المنفعة كما في هذه المسألة وغيرها من الحيل حرام، والله أعلم. المسألة الثانية: مسألة السفتجة: يتعلق بمبحث النفع الذي يجره القرض أيضا مسألة السفتجة المشهورة عند الفقهاء. السفتجة بالسين المهملة والتاء وإسكان الفاء بينهما وبالجيم: كتاب يكتبه المستقرض للمقرض إلى نائبه ببلد آخر ليعطيه ما أقرضه، وهي لفظة أعجمية (٣)، قال في المغني (٤): وإن شرط أن يعطيه إياه (يعني القرض) في بلد آخر وكان لحمله مؤنة لم يجز؛ لأنه زيادة، وإن لم يكن لحمله مؤنة جاز، وحكاه ابن المنذر عن علي وابن عباس والحسن بن علي

стр. 4235

وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود وأيوب السختياني والثوري وأحمد وإسحاق وكرهه الحسن البصري وميمون بن أبي شبيب وعبدة بن أبي لبابة. . ومالك والأوزاعي والشافعي؛ لأنه قد يكون في ذلك زيادة، وقد نص أحمد على أن من شرط أن يكتب له بها سفتجة لم يجز، ومعناه اشتراط القضاء في بلد آخر. وروي عنه جوازها لكونها مصلحة لهما جميعا إلى أن قال: والصحيح جوازه لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منها، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها بل بمشروعيتها، ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص. اهـ. وقال الشيخ تقي الدين (١): إذا أقرضه دراهم ليستوفيها منه في بلد آخر مثل أن يكون المقرض غرضه حمل الدراهم إلى بلد آخر، والمقترض في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض فيقترض منه ويكتب له (سفتجة) أي ورقة إلى بلد المقترض فهذا يصح في أحد قولي العلماء، [وقيل: نهي عنه لأنه قرض جر منفعة، والقرض إذا جر منفعة كان ربا، والصحيح الجواز] لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وقد انتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد وأمن خطر الطريق فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم وإنما ينهى عما يضرهم. اهـ. وبناء على ما اختاره هذان الإمامان من مذهب من يرى جواز هذه المعاملة يتضح أن التحويل عن طريق المصارف والبنوك من بلد إلى بلد عملية جائزة إذا خلت من أخذ المصرف أو البنك زيادة من العميل (٢)، أما إذا أخذها فالمسألة موضع إشكال وتحتاج إلى دراسة متعمقة، والله أعلم.

стр. 4236

القرض بالفائدة: علمنا مما سبق تحريم الفائدة المشترطة في القرض من الكتاب والسنة والإجماع، وأن ذلك يتناول أي فائدة يشترطها المقرض على المقترض، فإن مقصود القرض إرفاق

стр. 4237

المقترض ونفعه ليس مقصوده المعاوضة والربح، ولهذا شبه بالعارية حتى سماه رسول الله ﷺ منيحة ورق، فكأنه أعاره الدراهم ثم استرجعها منه لكن لم يمكن استرجاع العين فاسترجع المثل، فهو بمنزلة من تبرع لغيره بمنفعة ماله ثم استعاد العين (١)، فعلى هذا يكون القرض بالفائدة الذي تنتهجه البنوك في العصر الحاضر هو الربا الصريح الذي حرمه الله ورسوله وترتب عليه الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة، حيث تقوم تلك البنوك بعقد صفقات القروض بينها وبين ذوي الحاجات وأرباب التجارات وأصحاب المصانع والحرف المختلفة فتدفع لهؤلاء مبالغ من المال نظير فائدة محددة بنسبة مئوية وتزداد هذه النسبة في حالة التأخر عن السداد في الموعد المحدد فيجتمع بذلك ربا الفضل وربا النسيئة (٢)، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).

стр. 4238

مقارنة بين ربا النسيئة وربا الفضل: ١ - ربا النسيئة ربا جلي وربا الفضل ربا خفي، وربا النسيئة هو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكان الدائن يؤخر الدين عن المدين ويزيده عليه، وكلما أخر زاد الدين حتى تصير المائة آلافا مؤلفة. ٢ - ربا النسيئة حرم قصدا لما فيه من الضرر العظيم، وهو إثقال كاهل المدين من غير فائدة تحصل له، وربا الفضل حرم لأنه وسيلة لربا النسيئة كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرما (١)»، والرما هو الربا فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك إذا باعوا درهما بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت بين النوعين إما في الجودة أو غيرها، فإنهم يتدرجون من الربح المعجل إلى الربح المؤخر وهو ربا النسيئة (٢).

стр. 4239

٣ - ربا النسيئة مجمع على تحريمه إجماعا قطعيا، وربا الفضل وقع فيه خلاف ضعيف كما سبق. ٤ - ربا النسيئة لم يبح منه شيء، وربا الفضل أبيح منه ما دعت الحاجة إليه، كذا يقول ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (١)، قال: لأن ما حرم سدا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد، وذكر من ذلك مسألتين: المسألة الأولى: العرايا فإنها مستثناة من منع تحريم الرطب بالتمر الذي جاء النهي عنه في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (٢)»، فقد خصص من هذا الحديث بيع العرايا - وهي جمع عرية - فعيلة بمعنى مفعولة. وهي في اللغة: كل شيء أفرد من جملة، قال أبو عبيد: من عراه يعروه إذا قصده، ويحتمل أن يكون فعيلة بمعنى فاعلة من عري يعرى إذا خلع ثيابه، كأنها عريت من جملة التحريم - أي خرجت - وقال ابن عقيل هي في الشرع: بيع رطب في رءوس نخله بتمر كيلا - وهذا على الصحيح من مذهب الحنابلة: أن العرية مختصة بالرطب والتمر (٣) - والدليل على تخصيص العرايا من حديث النهي عن بيع الرطب بالتمر هو حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة: «أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة - بيع الثمر بالتمر - إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم (٤)»، وعن زيد بن ثابت: «أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا (٥)»، رواه أحمد والبخاري. وفي لفظ: «رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا (٦)» - متفق عليه (٧) - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما العرايا فإن النبي ﷺ استثناها مما نهى عنه من المزابنة أن يشتري الرطب في الشجر بخرصه من التمر (٨)، ويشترط لإباحة

стр. 4240

بيع العرايا خمسة شروط هي: ١ - أن يبيعها خرصا بمثل ما تؤول إليه إذا جفت كيلا لا جزافا؛ لأن الأصل اعتبار الكيل من الجانبين فسقط في أحدهما وأقيم الخرص مقامه للحاجة، فيبقى الآخر على مقتضى الأصل. ٢ - أن يكون مقدار العرية فيما دون خمسة أوسق لقول أبي هريرة: «أن النبي ﷺ رخص في العرايا أن تباع بخرصها فيما دون خمسة أو خمسة أوسق (١)». شك داود بن الحصين (٢) أحد رواته فلا يجوز في الخمسة لوقوع الشك فيها. والوسق: ستون صاعا بالصاع النبوي. ٣ - أن يكون المشتري محتاجا إلى الرطب لما ذكره الشافعي في اختلاف الحديث عن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ قال: فلان وأصحابه شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يحضر وليس عندهم ذهب ولا فضة يشترون بها منه، وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم فرخص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبا، قال الشافعي: وحديث سفيان يدل لهذا فإن قوله: (يأكلونها رطبا) يشعر بأن مشتري العرية يشتريها ليأكلها، وأنه ليس له رطب يأكله غيرها (٣). ٤ - أن يكون مشتري العرية لا ثمن معه كما في حديث محمود بن لبيد المذكور. ٥ - حصول التقابض (٤) بين البائع والمشتري، فالمشتري يقبض الرطب على النخلة بالتخلية، والبائع يقبض التمر بكيله وتسلمه من المشتري. المسألة الثانية: مسألة بيع الحلي المصاغ بذهب زائد على وزنه، قال الشيخ تقي الدين في الاختيارات الفقهية (٥): [ويجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير
следующие страницы →