← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

القرض بالفائدة: علمنا مما سبق تحريم الفائدة المشترطة في القرض من الكتاب والسنة والإجماع، وأن ذلك يتناول أي فائدة يشترطها المقرض على المقترض، فإن مقصود القرض إرفاق

стр. 4237

المقترض ونفعه ليس مقصوده المعاوضة والربح، ولهذا شبه بالعارية حتى سماه رسول الله ﷺ منيحة ورق، فكأنه أعاره الدراهم ثم استرجعها منه لكن لم يمكن استرجاع العين فاسترجع المثل، فهو بمنزلة من تبرع لغيره بمنفعة ماله ثم استعاد العين (١)، فعلى هذا يكون القرض بالفائدة الذي تنتهجه البنوك في العصر الحاضر هو الربا الصريح الذي حرمه الله ورسوله وترتب عليه الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة، حيث تقوم تلك البنوك بعقد صفقات القروض بينها وبين ذوي الحاجات وأرباب التجارات وأصحاب المصانع والحرف المختلفة فتدفع لهؤلاء مبالغ من المال نظير فائدة محددة بنسبة مئوية وتزداد هذه النسبة في حالة التأخر عن السداد في الموعد المحدد فيجتمع بذلك ربا الفضل وربا النسيئة (٢)، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).

стр. 4238

مقارنة بين ربا النسيئة وربا الفضل: ١ - ربا النسيئة ربا جلي وربا الفضل ربا خفي، وربا النسيئة هو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكان الدائن يؤخر الدين عن المدين ويزيده عليه، وكلما أخر زاد الدين حتى تصير المائة آلافا مؤلفة. ٢ - ربا النسيئة حرم قصدا لما فيه من الضرر العظيم، وهو إثقال كاهل المدين من غير فائدة تحصل له، وربا الفضل حرم لأنه وسيلة لربا النسيئة كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرما (١)»، والرما هو الربا فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك إذا باعوا درهما بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت بين النوعين إما في الجودة أو غيرها، فإنهم يتدرجون من الربح المعجل إلى الربح المؤخر وهو ربا النسيئة (٢).

стр. 4239

٣ - ربا النسيئة مجمع على تحريمه إجماعا قطعيا، وربا الفضل وقع فيه خلاف ضعيف كما سبق. ٤ - ربا النسيئة لم يبح منه شيء، وربا الفضل أبيح منه ما دعت الحاجة إليه، كذا يقول ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (١)، قال: لأن ما حرم سدا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد، وذكر من ذلك مسألتين: المسألة الأولى: العرايا فإنها مستثناة من منع تحريم الرطب بالتمر الذي جاء النهي عنه في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (٢)»، فقد خصص من هذا الحديث بيع العرايا - وهي جمع عرية - فعيلة بمعنى مفعولة. وهي في اللغة: كل شيء أفرد من جملة، قال أبو عبيد: من عراه يعروه إذا قصده، ويحتمل أن يكون فعيلة بمعنى فاعلة من عري يعرى إذا خلع ثيابه، كأنها عريت من جملة التحريم - أي خرجت - وقال ابن عقيل هي في الشرع: بيع رطب في رءوس نخله بتمر كيلا - وهذا على الصحيح من مذهب الحنابلة: أن العرية مختصة بالرطب والتمر (٣) - والدليل على تخصيص العرايا من حديث النهي عن بيع الرطب بالتمر هو حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة: «أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة - بيع الثمر بالتمر - إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم (٤)»، وعن زيد بن ثابت: «أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا (٥)»، رواه أحمد والبخاري. وفي لفظ: «رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا (٦)» - متفق عليه (٧) - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما العرايا فإن النبي ﷺ استثناها مما نهى عنه من المزابنة أن يشتري الرطب في الشجر بخرصه من التمر (٨)، ويشترط لإباحة

стр. 4240

بيع العرايا خمسة شروط هي: ١ - أن يبيعها خرصا بمثل ما تؤول إليه إذا جفت كيلا لا جزافا؛ لأن الأصل اعتبار الكيل من الجانبين فسقط في أحدهما وأقيم الخرص مقامه للحاجة، فيبقى الآخر على مقتضى الأصل. ٢ - أن يكون مقدار العرية فيما دون خمسة أوسق لقول أبي هريرة: «أن النبي ﷺ رخص في العرايا أن تباع بخرصها فيما دون خمسة أو خمسة أوسق (١)». شك داود بن الحصين (٢) أحد رواته فلا يجوز في الخمسة لوقوع الشك فيها. والوسق: ستون صاعا بالصاع النبوي. ٣ - أن يكون المشتري محتاجا إلى الرطب لما ذكره الشافعي في اختلاف الحديث عن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ قال: فلان وأصحابه شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يحضر وليس عندهم ذهب ولا فضة يشترون بها منه، وعندهم فضل تمر من قوت سنتهم فرخص لهم أن يشتروا العرايا بخرصها من التمر يأكلونها رطبا، قال الشافعي: وحديث سفيان يدل لهذا فإن قوله: (يأكلونها رطبا) يشعر بأن مشتري العرية يشتريها ليأكلها، وأنه ليس له رطب يأكله غيرها (٣). ٤ - أن يكون مشتري العرية لا ثمن معه كما في حديث محمود بن لبيد المذكور. ٥ - حصول التقابض (٤) بين البائع والمشتري، فالمشتري يقبض الرطب على النخلة بالتخلية، والبائع يقبض التمر بكيله وتسلمه من المشتري. المسألة الثانية: مسألة بيع الحلي المصاغ بذهب زائد على وزنه، قال الشيخ تقي الدين في الاختيارات الفقهية (٥): [ويجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير

стр. 4241

اشتراط التماثل، ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة سواء كان البيع حالا أو مؤجلا ما لم يقصد كونها ثمنا]، ومعنى قوله: [ما لم يقصد كونها ثمنا] أي لم يقصد الثمنية في الحلي وإنما قصد كونه حليا يلبس كالثياب. وقد أفاض العلامة ابن القيم في هذا الموضوع حيث قال (١): " وأما إن كانت الصياغة مباحة كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها فإنه سفه وإضاعة للصنعة "، والشارع أحكم من أن يلزم الأمة بذلك فالشريعة لا تأتي به ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه، فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها ألبتة بل يبيعها بجنس آخر وفي هذا من الحرج والعسر والمشقة ما تنفيه الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائع لا يسمح ببيعه ببر وشعير وثياب، وتكليف الاستصناع لكل من احتاج إليه إما متعذر أو متعسر، والحيل باطلة في الشرع، وقد جوز الشارع بيع الرطب بالتمر لشهوة الرطب، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه، فلم يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع، فلو لم يجز بيعه بالدراهم فسدت مصالح الناس. والنصوص الواردة عن رسول الله ﷺ ليس فيها ما هو صريح في المنع، وغايتها أن تكون عامة أو مطلقة ولا ينكر تخصيص العام وتقييد المطلق بالقياس الجلي، إلى أن قال: " يوضحه أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان، كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع وإن كانت من غير جنسها، فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان وأعدت للتجارة فلا محذور في بيعها بجنسها، ولا يدخلها (إما أن تقضي وإما أن تربي) إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل "، ومضى العلامة ابن القيم يبرر هذا الرأي حتى استغرق قرابة ست صفحات. هذا حاصل رأي الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم في بيع الحلي من الذهب أو الفضة بجنسه مع زيادة -والمذهب أن ذلك لا يجوز - قال في الإقناع وشرحه (٢): فلا

стр. 4242

يجوز بيع مصنوع من الموزونات لم تخرجه الصناعة عن الوزن بجنسه إلا بمثله وزنا سواء ماثله في الصناعة أو لا؛ لعموم الحديث، وجوز الشيخ بيع مصنوع مباح الاستعمال كخاتم ونحوه بيع بجنسه بقيمته حالا جعلا للزائد عن وزن الخاتم في مقابلة الصنعة فهو كالأجرة، وكذا جوزه (أي بيع خاتم بجنسه بقيمته نساء) ما لم يقصد كونها ثمنا فإن قصد ذلك لم يجز النسأ. اهـ.

стр. 4243

٦ - الأشياء التي يجري فيها الربا: هناك أشياء مجمع (١) على جريان الربا فيها وهي الأصناف الستة: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وما عدا هذه الأصناف فقد اختلف في جريان الربا فيه، ومنشأ هذا الخلاف يرجع إلى أنه هل يقاس على هذه الأصناف غيرها مما شاركها في العلة أو لا؟ أو بعبارة أخرى: هل تحريم الربا في هذه الأشياء لمعنى فيها فيقاس عليها غيرها مما شاركها في هذا المعنى أو لأعيانها، وإذا كان لمعنى فيها فهل عرف ذلك المعنى. أولا - إليك أقوالهم في ذلك: القول الأول: أن تحريم الربا محصور في هذه الأشياء الستة لا يتجاوزها إلى غيرها، ويروى هذا القول عن قتادة وهو قول أهل الظاهر (٢) وقال به أيضا طاوس وعثمان البتي وأبو سليمان (٣)، قال ابن حزم بعد (٤) أن ساق بعض الأدلة على تحريم الربا والوعيد عليه: فإذا أحل الله البيع وحرم الربا فواجب طلب معرفته ليتجنب، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥) فصح أن ما فصل لنا بيانه على لسان رسوله ﵇ من الربا أو من الحرام فهو ربا وحرام، وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال؛ لأنه لو جاز أن يكون في الشريعة شيء حرمه الله تعالى ثم لم يفصله لنا ولا بينه رسوله ﵇ لكان تعالى كاذبا في قوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٦) وهذا كفر صريح ممن قال به، ولكان رسول الله ﷺ عاصيا لربه تعالى؛ إذ أمره بالبيان فلم يبين فهذا كفر متيقن ممن أجازه. اهـ

стр. 4244

وهو كلام فيه قسوة وشدة كما هي عادة ابن حزم ﵀. وممن اختار هذا القول الإمام الصنعاني حيث يقول في سبل السلام شرح بلوغ المرام (١) ما نصه: " ولكن لما لم يجدوا - أي الجمهور - علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا يقوي للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها، وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها: (القول المجتبى). اهـ، واختاره من الحنابلة ابن عقيل (٢) في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس القول الثاني: وهو قول جمهور العلماء أن الربا يتجاوز هذه الأصناف الستة إلى غيرها مما شاركها في العلة، قال الشوكاني في الدراري البهية (٣): (ومما يدل على أن الربا يثبت في غير هذه الأجناس حديث ابن عمر في الصحيحين قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بثمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله (٤)»، وفي لفظ لمسلم: عن كل ثمر يخرصه، فإن هذا الحديث يدل على ثبوت الربا في الكرم والزبيب، ورواية مسلم تدل على أعم من ذلك، ومما يدل على الإلحاق ما أخرجه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان»، وأخرجه أيضا الشافعي، وأبو داود في المراسيل، ووصله الدارقطني في الغرائب عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد، وحكم بضعفه وصوب الرواية المرسلة، وتبعه ابن عبد البر، وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار إلى أن قال: وله شاهد أقوى منه في رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم والبيهقي وابن خزيمة، ومما يؤيد ذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة عند الترمذي في رخصة العرايا وفيه: عن بيع العنب بالزبيب وعن كل ثمر يخرصه. ولما اتفقوا على أنه يلحق بالأصناف المنصوصة ما شاركها في العلة ولم تكن تلك العلة منصوصة اختلفوا فيها على الأقوال التالية:

стр. 4245

١ - علة الربا في النقدين: اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: أن العلة فيهما الوزن، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه (١) ومذهب أبي حنيفة (٢) فعلى هذا القول يجري الربا في كل موزون مطعوما كان أو غيره لقوله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن (٣)»، وعلى هذا لا يجري الربا في النقود الورقية المستعملة اليوم ولا في الفلوس من غير ذهب أو فضة لأنها غير موزونة. القول الثاني: أن العلة فيهما الثمنية وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الثانية (٤)، قال العلامة ابن القيم الثانية (٥). وهذا هو الصحيح بل الصواب، وعلل لذلك بأمرين: الأمر الأول: أنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما من الموزونات، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا؛ فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النسأ، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. الأمر الثاني: أن التعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأعمال. اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأظهر أن العلة في ذلك هي الثمنية لا الوزن (٦)، وبناء على هذا القول فإنه يجري الربا في الأوراق النقدية المتعامل بها في هذا العصر، وقد جاء في قرار هيئة كبار العلماء حول هذا الموضوع ما نصه: (٧) وحيث إن القول باعتبار

стр. 4246

مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلا والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة: مالك وأبي حنيفة وأحمد، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما، وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقدا قائما بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية: أولا: جريان الربا بنوعيه فيها كما يجري الربا بنوعيه في النقدين الذهب والفضة وفي غيرها من الأثمان كالفلوس وهذا يقتضي ما يلي: أ- لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقا، فلا يجوز مثلا بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة. ب- لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلا سواء كان ذلك نسيئة أو يدا بيد، فلا يجوز مثلا بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالا سعوديا ورقا. ج - يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقا إذا كان ذلك يدا بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي ورقا كان أو فضة أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يدا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدا بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة. ثانيا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.

стр. 4247

ثالثا: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات. اهـ، هذا ما قررته الهيئة وهو قرار يتسم بالوضوح وسلامة المبنى، حيث بني على القول الراجح باعتبار العلة في النقدين الثمنية فيتعدى ذلك إلى كل ما جعل أثمانا، لكن لم يتضح لي وجه اعتبار النقود الورقية إذا اختلفت جهات إصدارها أجناسا مختلفة يجوز فيها التفاضل، والقرار لم يوضح وجه ذلك، ولئن كان اختلاف الجنس واضحا بين نقود الذهب والفضة ونقود الورق لاختلاف مادة كل منها عن الأخرى فليس ذلك واضحا في نقود الورق التي هي من مادة واحدة اختلف اسمها فقط واختلفت جهة إصدارها، ولم نر لاختلاف الاسم والجهة أثرا في نقود الذهب والفضة لما كانت مادتهما واحدة، كما أن القرار اعتبرها متقومة في مسألة الزكاة كالعروض، فلم يتحرر له رأي فيها. وبعض الباحثين من علماء العصر (١) يميل إلى جواز ربا الفضل في الأوراق النقدية دون ربا النسيئة، وبرر ذلك بعدة أمور: ١ - أن تحريم ربا الفضل إنما كان لأجل أنه وسيلة إلى ربا النسيئة. ٢ - لأن بعض العلماء أجازه (أي ربا الفضل) وإن كان محجوجا بالأدلة الشرعية. ٣ - كون الأوراق غير منقودة حقيقية. ٤ - أن كثيرا من الأصحاب رجح بيع الفلوس بعضها ببعض حاضرا بحاضر بدون شرط التماثل، ومنع بيع بعضها ببعض مؤجلا ومن بيعها بأحد النقدين مؤجلا، والفلوس إلى النقدين أقرب من الأنواط إلى النقدين. ٥ - أن ربا الفضل أبيح منه ما تدعو الحاجة إليه كمسألة العرايا، وأجاز كثير من أهل العلم بيع حلي الذهب بذهب وحلي الفضة بفضة متفاضلا بين الحلي والسكة، جعلا للصنعة أثرها من الثمنية والتقويم. ٦ - الحاجة بل الاضطرار إلى هذه المسألة التي في كثير من الأقطار التي يضطر أهلها على الجري على القواعد المؤسسة عندهم في المعاملات التي لا يمكن للمعامل الخروج عنها مع كونه غير ربا النسيئة مع كون الأنواط غير جوهر الذهب والفضة

стр. 4248

مع اختلاف أهل العلم في حكمها مما يسوغ هذا القول بل يرجحه. اهـ. هذا حاصل ما علل به لرأيه، والفرق بينه وبين ما في قرار هيئة كبار العلماء الذي سقناه قبل، أن قرار الهيئة أباح التفاضل في الأوراق النقدية بشرط اختلاف جهة الإصدار، وهذا الباحث أجازه مطلقا، وأن القرار اعتبر الأوراق النقدية نقودا مستقلة، وهذا الباحث اعتبرها بمنزلة الفلوس المعدنية، فالمسوغ للتفاضل فيها عنده هو كونها بمنزلة الفلوس، والمسوغ له عند الهيئة هو اختلاف جهة الإصدار باعتبارها اختلاف جنس. ويمكننا أن نناقش هذا الرأي بأنه ما دام يحرم ربا النسيئة في الأوراق النقدية فيلزمه أن يحرم ربا التفاضل فيها؛ لأنه وسيلة إلى ربا النسيئة بناء على قاعدة سد الذرائع، والمعروف في الشرع أن الجنس الواحد من الربويات يحرم فيه ربا الفضل وربا النسيئة كالذهب بالذهب والفضة بالفضة فهكذا الورق النقدي؛ لأنه جنس واحد والعلة فيه واحدة، والمبررات التي ذكرها - خصوصا دعوى الحاجة إلى جريان التفاضل في الأوراق - لا تكفي؛ لأن مجرد دفع الحاجة لا يكفي مبررا لإباحة الشيء دون نظر إلى الضرر المترتب عليه، إذ من المعلوم أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وقوله: أن ربا الفضل أبيح منه ما تدعو الحاجة إليه كمسألة العرايا، وأجاز كثير من أهل العلم بيع الحلي من الذهب أو الفضة بمثله متفاضلا. يجاب عنه بأن العرايا قد استثناها النبي ﷺ مما نهى عنه من المزابنة، وهي أن يشتري الرطب في الشجر بخرصه من التمر؛ لأنه إذا لم يعلم التماثل في ذلك لم يجز البيع، ولهذا يقول الفقهاء: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، والتماثل يعلم بالوزن والكيل، وأما الخرص فيعمل به عند الحاجة، فالعرايا رخصة رخص فيها الشارع تقدر بما ورد به النص فقط، وليس فيها تفاضل محقق بل يجتهد في خرصها وتماثلها، فإن حصل بعد ذلك فيها تفاضل فهو غير متعمد، ثم هل بلغت الحاجة إلى التفاضل في الأوراق النقدية مبلغ الحاجة إلى العرايا التي رخص فيها رسول الله ﷺ ، وأما مسألة إجازة بعض العلماء بيع الحلي المصوغ من الذهب أو الفضة بمثله متفاضلا فهي مسألة اجتهادية تفتقر إلى دليل، ولا يصح أن تتخذ دليلا لما نحن فيه، والله أعلم.

стр. 4249

٢ - علة الربا في بقية الأصناف المنصوصة وهي البر والشعير والتمر والملح ، اختلفوا في ذلك على أقوال: القول الأول: أن علة ربا الفضل فيها الاقتيات والادخار وهذا قول المالكية (١)، أي مجموع الأمرين فالطعام الربوي ما يقتات ويدخر، أي ما تقوم به البينة عند الاقتصار عليه ويدخر إلى الأمد المبتغى منه عادة ولا يفسد بالتأخير (٢)، وهل يشترط مع ذلك كونه متخذا لغلبة العيش بأن يكون غالب استعماله اقتيات الآدمي بالفعل كقمح وذرة أو لا يشترط كاللوبيا؟ قولان عندهم والأكثر منهم على عدم اشتراط ذلك (٣)، ووجه التعليل بالاقتيات والادخار أنه أخص أوصاف الأربعة المذكورة (٤). وعلة ربا النسأ عندهم مجرد الطعم لا على وجه التداوي، أي كونه مطعوما لآدمي فتدخل الفاكهة والخضر كبطيخ أو بقول كخس ونحو ذلك فيمنع بيع بعضها ببعض إلى أجل ولو تساويا، ويجوز التفاضل فيها في الجنس الواحد وغيره، فعلة ربا النسأ مجرد الطعمية، وجد الاقتيات والادخار أو لم يوجدا أو وجد أحدهما فقط (٥) فهم يفرقون بين علة ربا الفضل وعلة ربا النسأ، قال العلامة القرطبي في تفسيره: (٦) واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك، وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتا مدخرا للعيش غالبا جنسا كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص عليها وما في معناها كالأرز والذرة والدخن والسمسم، والقطاني كالفول والعدس واللوبيا والحمص وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت والثمار كالعنب والزبيب والزيتون، واختلف في التين، ويلحق بها العسل والسكر فهذا كله يدخله الربا من جهة النسأ وجائز فيه التفاضل لقوله ﵇: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (٧)»، ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان والكمثرى والقثاء والخيار والباذنجان وغير ذلك من الخضروات. اهـ.

стр. 4250

وهو كلام إذا عرضناه على المصادر التي نقلنا منها الكلام الذي قبله وجدناه يختلف بعض الاختلاف فلعله اختيار له. وقد رجح العلامة ابن القيم قول مالك حيث قال: (١) [وطائفة خصته] أي جريان الربا في القوت وما يصلحه وهو قول مالك وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه، ثم قال بعد ذلك: (٢) وأما الأصناف الأربعة المطعومة فحاجة الناس إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها؛ لأنها أقوات العالم وما يصلحها، فمن رعاية مصالح العباد أن منعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل سواء اتحد الجنس أو اختلف، ومنعوا من بيع بعضها ببعض حالا متفاضلا وإن اختلفت صفاتها. وجوز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها، وسر ذلك - والله أعلم - أنه لو جوز بيع بعضها ببعض نسأ لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح وحينئذ تسمح نفسه ببيعها حالة لطمعه في الربح فيعز الطعام على المحتاج ويشتد ضرره، وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير لا سيما أهل العمود والبوادي، وإنما يتناقلون الطعام بالطعام، فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النسأ فيهم كما منعهم من ربا النسأ في الأثمان؛ إذ لو جوز لهم النسأ فيها لدخلها: (إما أن تقضي وإما أن تربي) فيصير الصاع الواحد قفزانا كثيرة، ففطموا عن النسأ ثم فطموا عن بيعها متفاضلا يدا بيد؛ إذ تجرهم حلاوة الربح وظفر الكسب إلى تجارة فيها نسأ وهو عين المفسدة. القول الثاني: أن العلة في هذه الأربعة هي الطعمية - أي كونها مطعومة -وهذا قول الشافعي في الجديد، ورواية عن الإمام أحمد وهو الأظهر في مذهب الشافعية (٣)، واستدلوا بقوله ﷺ : «الطعام بالطعام مثلا بمثل (٤)»، قال معمر راوي الحديث: وكان طعامنا يومئذ الشعير (٥) فدل على أن العلة الطعم وإن لم يكل ولم يوزن؛ لأنه علق ذلك على الطعام وهو اسم مشتق، وتعليق الحكم على الاسم المشتق يدل على التعليل بما منه الاشتقاق.

стр. 4251

والطعام: ما قصد للطعم بضم الطاء مصدر طعم بكسر العين، أي أكل غالبا، وذلك بأن يكون أظهر مقاصده الطعم وإن لم يؤكل إلا نادرا كالبلوط والطرثوث، وإن لم يكل ولم يوزن، وسواء أكل بقصد الاقتيات أو التفكه أو التداوي، فالبر والشعير المقصود منهما التقوت فألحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة، والتمر المقصود منه التفكه والتأدم، فألحق به ما في معناه كالتين والزبيب، والملح المقصود منه الإصلاح، فألحق به ما في معناه كالمصطكي والسقمونيا والطين الأرمني والزنجبيل، ولا فرق بين ما يصلح الغذاء أو يصلح البدن، فإن الأغذية لحفظ الصحة، والأدوية لرد الصحة، هذا حاصل هذا القول (١) لكن نوقش (٢) الاستدلال له بالحديث السابق بأن راويه قال: وقد كنت أسمع النبي ﷺ يقول: «الطعام بالطعام مثلا بمثل (٣)»، قال عقبة: (وكان طعامنا يومئذ الشعير)، وهذا صريح في أن الطعام في عرفهم يومئذ الشعير، وقد تقرر في الأصول أن العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام، فلا يعم لفظ الطعام الوارد في الحديث كل مطعوم؛ لأنه خصص بالعرف، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن التخصيص بالعرف موضع خلاف بين الأصوليين ليس محل وفاق. القول الثالث: أن العلة في الأربعة المذكورة كونها مكيلة، جنس فيتعدى الحكم فيها إلى كل مكيل ولو كان غير طعام كالجص والنورة والأشنان، وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر مذهبه (٤) وأبي حنيفة (٥) واستدلوا بقوله ﷺ : «ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به (٦)» وغيره من الأحاديث التي ورد فيها لفظ (مثلا بمثل) فإنه يدل على الضبط بالكيل والوزن، قال العلامة الشنقيطي (٧): وهذا القول أظهر دليلا. اهـ.

стр. 4252

فعلى هذا لا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات، فتباع بيضة وخيارة وبطيخة ورمانة بمثلها (١). القول الرابع: وهو قول الشافعي في القديم (٢) أن العلة فيها هي الطعمية مع الكيل أو الوزن، فالعلة فيها كونها مطعومة موزونة أو مكيلة بشرط الأمرين، فعلى هذا لا ربا في البطيخ والسفرجل ونحوه مما لا يكال ولا يوزن (٣) ولا فيما يكال أو يوزن لكنه غير مطعوم كالزعفران والأشنان والحديد والرصاص ونحوها، وهذا قول سعيد بن المسيب وهو أيضا رواية عن أحمد (٤) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (٥) [والعلة في تحريم ربا الفضل الكيل أو الوزن مع الطعم وهو رواية عن أحمد ﵀]. اهـ. هذا حاصل آراء المذاهب الأربعة في علة الربا في الأصناف المنصوصة، وهناك آراء أخرى في هذه المسألة ذكرها العلامة الشنقيطي في تفسيره، والإمام ابن حزم في المحلى فليراجعها من شاء. وكنتيجة لما سبق من خلاف في تحديد العلة كل على مذهبه فيها نختم بالجملة التالية: يقول الإمام النووي ﵀ في شرحه على صحيح مسلم (١١/ ٩): وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلا ومؤجلا، وذلك كبيع الذهب بالحنطة وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل، وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل، وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالا كالذهب بالذهب، وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير. وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدا بيد كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا إلا ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - عن ابن عباس في تخصيص الربا بالنسيئة. اهـ.

стр. 4253

٧ - تحريم الوسائل والحيل الربوية: الربا حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وكل وسيلة إلى الحرام فهي حرام، لكن قد أخبر ﷺ أن طائفة من أمته ستستحل الربا باسم البيع فقال: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع (١)»، والربا لم يحرم لمجرد لفظه بحيث إذا غير هذا اللفظ تغير حكمه وانتقل من التحريم إلى الإباحة، وإنما حرم لحقيقته ومعناه، وهذه الحقيقة موجودة رغم الحيل والمراوغات، وقد قال ﷺ : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل»، والتحيل لا يرفع المفسدة التي حرم الربا من أجلها بل يزيدها قوة وتأكيدا، قال العلامة ابن القيم (٢): وذلك من وجوه عديدة: منها: أنه يقدم على مطالبة المحتاج بقوة لا يقدم بمثلها المرابي الصريح؛ لأنه واثق بصورة العقد واسمه. ومنها: اعتقاده أن ذلك تجارة مدارة حاضرة والنفوس أرغب شيء في التجارة، ومن الذرائع التي حرمها الشارع لإفضائها إلى الربا: ١ - أنه نهى عن بيع الربوي بالربوي عن طريق الخرص والتخمين في تقديرهما أو تقدير أحدهما خشية من وقوع ربا الفضل، وقد ترجم لذلك العلماء بقولهم: الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره (٣) بسنده عن جابر قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٤) قال رسول الله ﷺ : «من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله (٥)»، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي خيثم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، والمزابنة وهي اشتراء الرطب في رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والمحاقلة وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض، إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها حسما لمادة الربا؛ لأنه لا

стр. 4254

يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم إلى أن قال: والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله؛ لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. انتهى كلام ابن كثير. وقد عد المزارعة من وسائل الربا وهذا على قول من يحرمها، والمسألة خلافية كما هو موضح في كتب الفقه وشروح الحديث فليرجع إليها. ٢ - نهى الشارع عن بيع العينة قال ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم (١)»، وبيع العينة: أن يبيع السلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها ممن باعها منه بثمن حال أقل مما باعها به - سميت عينة لحصول النقد - لأن المشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه من فوره ليصل به إلى مقصوده (٢)، فالقصد التفاضل في الدراهم وإنما جعلت السلعة وسيلة إلى ذلك. وقد قال ﷺ : «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع (٣)» يعني العينة؛ فإن مستحلها يسميها بيعا، وفي هذا الحديث بيان أنها ربا لا بيع، فإن المسلم لا يستحل الربا الصريح وإنما قد يستحله باسم البيع وصورته. والتعامل ببيع العينة إنما يقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن عليه الموسر بالقرض إلا أن يربح في المائة ما أحب، فيبيعه المائة بضعفها بواسطة سلعة يعانها، وكان الرجل في الجاهلية يكون له على الرجل دين فيأتيه عند حلول الأجل فيقول له: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاد المدين في المال وزاد الغريم في الأجل، فيكون قد باع المال بأكثر منه إلى أجل، فأمرهم الله إذا تابوا أن لا يطالبوا إلا برأس المال، وأهل الحيل يقصدون ما يقصده أهل الجاهلية لكنهم يخادعون الله، ولهم طرق منها بيع العينة.

стр. 4255

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (١) ومسألة العينة غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم، وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس بن مالك. اهـ. وأجازها الشافعي وأصحابه (٢) أخذا من قوله ﷺ في حديث أبي سعيد وأبي هريرة: «بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا (٣)»، والجمع هو التمر الرديء، وقيل: هو التمر المجموع من أنواع مختلفة، والجنيب هو التمر الجيد (٤)، ووجه الاستدلال أنه لم يخص بقوله: ثم اشتر بالدراهم جنيبا غير الذي باع له الجمع، واستدلوا بالاتفاق على أن من باع السلعة التي اشتراها ممن اشتراها منه بعد مدة فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك والتأجيل، فيدل على أن المعتبر في ذلك وجود شرط في أصل العقد وعدمه فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد فهو باطل (٥)، وطرحوا الأحاديث الواردة في تحريم العينة (٦)، قال الصنعاني: (٧) ولعلهم يقولون حديث العينة فيه مقال فلا ينتهض دليلا على التحريم. والحق ما ذهب إليه الأكثر من تحريم بيع العينة، ويجاب عن استدلال المخالفين بحديث أبي سعيد وأبي هريرة بأنه عام فيخصص بأحاديث تحريم بيع العينة أو بأنه مطلق يجب تقييده بالأدلة الدالة على وجوب سد الذرائع، ويجاب عن الاستدلال الثاني بأنه إن صح ما ادعوه من الاتفاق على جواز بيع السلعة من بائعها الأول بعد مدة - أي بعد قبضه ثمنها - فلا نسلم قياس ما قبل القبض على ما بعده؛ لأنه قياس في مقابلة نص فلا يصح، ويجاب عن طرحهم الاستدلال بأحاديث تحريم العينة لضعفها عندهم بأنها أحاديث يقوي بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض فيحصل من مجموعها الدلالة الواضحة على تحريم العينة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٨): فهذه أربعة أحاديث تبين أن

стр. 4256

رسول الله ﷺ حرم هذا - يعني بيع العينة. حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة، وقد فسرت في الحديث المرسل بأنها من الربا، وفي حديث أنس وابن عباس بأنها بيع حريرة، مثلا بمائة إلى أجل ثم يبتاعها بدون ذلك نقدا، وقالوا: هو دراهم بدراهم وبينهما حريرة، وحديث أنس وابن عباس أيضا: هذا ما حرم الله ورسوله، والحديث المرسل الذي له ما يوافقه أو الذي عمل به السلف حجة باتفاق الفقهاء، وحديث عائشة: أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب يعني لما تعاطى بيع العينة، ومعلوم أن هذا قطع بالتحريم وتغليظ له، ولولا أن عند أم المؤمنين علما من رسول الله ﷺ لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة. واستحلال مثل هذا كفر؛ لأنه من الربا واستحلال الربا كفر، لكن عذر زيد أنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا أمرت بإبلاغه، فمن بلغه التحريم وتبين له ذلك ثم أصر عليه لزمه هذا الحكم، وإن لم تكن قصدت هذا فإنها قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فما كأنه عمل شيئا. اهـ. ٣ - التورق - وهو أن يحتاج إلى نقد فلم يجد من يقرضه فيشتري سلعة ليبيعها من غير بائعها الأول، ويأخذ ثمنها ليدفع به حاجته فليس به حاجة إلى نفس السلعة وإنما حاجته إلى ثمنها، فيأخذ مثلا ما قيمته مائة بمائة وعشرين مؤجلا ليبيعها ويرتفق بثمنها، والفرق بينها وبين العينة أن يبيعها من غير من اشتراها منه، وسميت هذه المسألة بمسألة التورق؛ لأن المقصود منها الورق. وقد اختلف العلماء في حكمها على قولين: قول بالجواز؛ لأنها لم تعد إلى البائع بحال بل باعها المشتري لآخر، فلا تدخل في مسألة العينة، وهو قول إياس بن معاوية ورواية عن الإمام أحمد. والقول الثاني: كراهة مسألة التورق، وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد وقول عمر بن عبد العزيز، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (١)، فعلى هذا القول تعتبر من وسائل الربا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الله حرم أخذ دراهم بدراهم

стр. 4257

أكثر منها إلى أجل لما في ذلك من ضرر المحتاج وأكل ماله بالباطل، وهذا المعنى موجود في هذه الصورة، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، وإنما الذي أباحه الله البيع والتجارة وهو أن يكون المشتري غرضه أن يتجر فيها، فأما إذا كان قصده مجرد الدراهم بدراهم أكثر منها فهذا لا خير فيه. وقال في الاختيارات (١): وتحرم مسألة التورق وهو رواية عن أحمد، وقال العلامة ابن القيم: تهذيب سنن أبي داود ص١٠٨ ج ٥. وعلل الكراهة بأنه بيع مضطر، وقد روى أبو داود عن علي: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضطر (٢)»، وفي المسند عن علي قال: سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٣)، ويبايع المضطرون وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر وذكر الحديث، فأحمد - رحمه الله تعالى - أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد؛ لأن الموسر يضن عليه بالقرض، فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعها كانت عينة، وإن باعها من غيره فهي التورق، ومقصوده في الموضعين الثمن، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه، ولا معنى للربا إلا هذا، لكنه ربا بسلم لم يحصل له مقصوده إلا بمشقة، ولو لم يقصده كان ربا بسهولة. اهـ. والذي يظهر لي جواز مسألة التورق إذا حصلت من غير تواطؤ مع طرف ثالث وهو المشتري الأخير؛ لأنها حينئذ تفترق عن العينة، وكذلك لا بد أن تكون السلعة موجودة في ملك البائع الأول حين العقد، والله أعلم. ٤ - النهي عن بيع كل رطب من حب وتمر بيابسه، عن سعد بن أبي وقاص قال: «سمعت النبي ﷺ يسأل عن شراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم فنهى عن ذلك (٤)»، قال الشوكاني: (٥) قوله: (أينقص) الاستفهام هاهنا ليس المراد به حقيقته - أعني طلب الفهم - لأنه ﷺ كان عالما بأنه ينقص إذا يبس بل المراد تنبيه السامع بأن هذا الوصف الذي وقع عنه الاستفهام هو علة النهي، ومن المشعرات

стр. 4258

بذلك الفاء في قوله: (فنهى عن ذلك)، ويستفاد من هذا عدم جواز بيع الرطب بالرطب؛ لأن نقص كل واحد منهما لا يحصل العلم بأنه مثل نقص الآخر، وما كان كذلك فهو مظنة الربا. اهـ. وقال الخطابي في معالم السنن (١): وذلك أن كل شيء من المطعوم مما له نداوة ولجفافه نهاية فإنه لا يجوز رطبه بيابسه كالعنب والزبيب واللحم النيئ بالقديد ونحوهما، وكذلك على هذا المعنى لا يجوز منه الرطب بالرطب كالعنب بالعنب والرطب بالرطب؛ لأن اعتبار المماثلة إنما يصح فيهما عند أوان الجفاف، وهما إذا تناهى جفافهما كانا مختلفين؛ لأن أحدهما قد يكون أرق رقة وأكثر مائية من الآخر، فالجفاف ينال منه أكثر، وتتفاوت مقاديرهما في الكيل عند المماثلة، إلى أن قال: وقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن بيع الرطب بالتمر غير جائز، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وعن أبي حنيفة (٢) جواز بيع الرطب بالتمر نقدا. اهـ. وقال ابن رشد في بداية المجتهد (٣): وأما اختلافهم في بيع الربوي الرطب بجنسه من اليابس مع وجود التماثل في القدر والتناجز فإن السبب في ذلك ما روى مالك عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله ﷺ : «أينقص الرطب إذا جف؟ فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك (٤)» فأخذ به أكثر العلماء، وقال: لا يجوز بيع التمر بالرطب على حال - مالك والشافعي وغيرهما - وقال أبو حنيفة يجوز ذلك، وخالفه في ذلك صاحباه. . وسبب الخلاف معارضة ظاهر حديث عبادة وغيره له، واختلافهم في تصحيحه، وذلك أن حديث عبادة اشترط في الجواز فقط المماثلة والمساواة، وهذا يقتضي بظاهره حال العقد لا حال المآل، فمن غلب ظواهر أحاديث الربويات رد هذا الحديث، ومن جعل هذا الحديث أصلا بنفسه قال: هو أمر زائد ومفسر لأحاديث الربويات. اهـ. قال صاحب بدائع الصنائع من الحنفية (٥)، ولأبي حنيفة ﵀ الكتاب الكريم

стр. 4259

والسنة المشهورة، أما الكتاب فعمومات البيع من نحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١)، وقوله عز شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). فظاهر النصوص يقتضي جواز كل بيع إلا ما خص بدليل، وقد خص البيع متفاضلا على المعيار الشرعي فبقي البيع متساويا على ظاهر العموم. وأما السنة المشهورة فحديث أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت ﵄ حيث جوز رسول الله ﷺ بيع الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلا بمثل، عاما مطلقا من غير تخصيص وتقييد، ولا شك أن اسم الحنطة والشعير يقع على كل جنس الحنطة والشعير على اختلاف أنواعهما وأوصافهما، وكذلك اسم التمر يقع على الرطب والبسر؛ لأنه اسم لتمر النخل لغة، فيدخل فيه الرطب واليابس والمذنب والبسر والمنقع. اهـ. ولا شك أن الحق ما ذهب إليه الأكثر والأئمة الثلاثة من عدم جواز بيع الرطب باليابس؛ لأن غاية ما تمسك به الإمام أبو حنيفة ﵀ عمومات تخصص بحديث النهي عن بيع الرطب باليابس مع وجوب سد الذريعة المفضية إلى الربا، والله أعلم. ٥ - النهي عن بيع الربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، ويترجم له الفقهاء بمسألة - مد عجوة - لأن من صوره أن يبيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم ونحو ذلك، والأصل فيها «حديث فضالة بن عبيد قال: اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا يباع حتى يفصل (٣)» رواه مسلم (٤)، قال النووي: في هذا الحديث إنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى يفصل فيباع الذهب بوزنه ذهبا، ويباع الآخر بما أراد، وكذا لا تباع فضة مع غيرها بفضة، وكذا الحنطة مع غيرها بحنطة والملح مع غيره بملح، وكذا سائر الربويات، بل لا بد من فصلها (٥)، وقال شيخ الإسلام

стр. 4260

ابن تيمية: وأصل مسألة مد عجوة (١) أن يبيع مالا ربويا بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، فإن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: المنع مطلقا كما هو مذهب الشافعي (٢) ورواية عن أحمد (٣). والثاني: الجواز مطلقا كقول أبي حنيفة (٤)، ويذكر رواية عن أحمد. والثالث: الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلا أو لا يكون وهذا مذهب مالك (٥) وأحمد (٦) في المشهور عنه، ثم رجح القول الثالث حيث قال: فإن الصواب في مثل هذا القول بالتحريم كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وإلا فلا يعجز أحد في ربا الفضل أن يضم إلى القليل شيئا من هذا (٧). انتهى.

стр. 4261

ماذا يفعل من تاب من الربا ؟ التوبة مطلوبة وواجبة على العبد من كل ذنب في أسرع وقت ممكن قبل فوات أوانها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١) ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢)، والربا من أعظم الذنوب بعد الشرك بالله فهو أحد السبع الموبقات، فتجب المبادرة بالتوبة منه على من كان يتعاطاه، فإذا من الله على المرابي فوفقه فتاب وقد تعامل بالربا فماذا يفعل للتخلص من أموال الربا؟ إنه لا يخلو من إحدى حالتين:

стр. 4262

الحالة الأولى: أن يكون الربا له في ذمم الناس لم يقبضه بعد، ففي هذه الحالة قد أرشده الله تعالى إلى أن يسترجع رأس ماله، ويترك ما زاد عليه من الربا فلا يستوفيه ممن هو في ذمته، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ (١) قال الإمام القرطبي ﵀: روى أبو داود (٢) عن سليمان بن عمر عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «ألا أن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (٣)»، فردهم تعالى مع التوبة إلى رءوس أموالهم وقال لهم: لا تظلمون في أخذ الربا، ولا تظلمون في مطل؛ لأن مطل الغني ظلم، فالمعنى: أنه يكون القضاء مع وضع الربا إلى أن قال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٤) تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه (٥)، وقال الإمام ابن القيم: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٦) يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه وقد عاقدتم عليه فإنما لكم رءوس أموالكم لا تزادون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها، فإن كان هذا القابض معسرا فالواجب إنظاره إلى ميسرة، وإن تصدقتم عليه وأبرأتموه فهو أفضل لكم وخير لكم (٧)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه على أن التراضي بين الطرفين على فعل محرم لا يبيحه قال: وهذا مثل الربا فإنه وإن رضي به المرابي وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك لما فيه من ظلمه، ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا رأس ماله وإن كان قد بذله باختياره (٨)، وقال أيضا: وهذا المرابي لا يستحق في ذمم الناس إلا ما أعطاهم أو نظيره، فأما الزيادات فلا يستحق شيئا منها، لكن ما قبضه قبل ذلك بتأويل يعفى عنه، وأما ما بقي له في الذمم فهو ساقط لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٩)، والله أعلم (١٠). الحالة الثانية: أن يكون التائب من الربا قد قبضه وتجمعت عنده أموال منه والفتوى

стр. 4263

في هذا خطيرة جدا، وأنا أنقل في هذا قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: قاعدة في المقبوض بعقد فاسد، وذلك أنه لا يخلو إما أن يكون العاقد يعتقد الفساد ويعلمه، أو لا يعتقد الفساد، فالأول يكون بمنزلة الغاصب حيث قبض ما يعلم أنه لا يملكه، لكنه بشبهة العقد وكون القبض عن التراضي هل يملكه بالقبض أو لا يملكه أو يفرق بين أن يتصرف فيه أو لا يتصرف؟ هذا فيه خلاف مشهور في الملك هل يحصل بالقبض في العقد الفاسد؟ وأما إن كان العاقد يعتقد صحة العقد مثل أهل الذمة فيما يتعاقدون بينهم من العقود المحرمة في دين الإسلام مثل بيع الخمر والربا والخنزير، فإن هذه العقود إذا اتصل بها القبض قبل الإسلام والتحاكم إلينا أمضيت لهم ويملكون ما قبضوه بها بلا نزاع لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) فأمر بترك ما بقي وإن أسلموا أو تحاكموا قبل القبض فسخ العقد ووجب رد المال إن كان باقيا أو بدله إن كان فائتا، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣) أمر الله تعالى برد ما بقي من الربا في الذمم ولم يأمر برد ما قبضوه قبل الإسلام، وجعل لهم مع ما قبضوه قبل الإسلام رءوس الأموال، فعلم أن المقبوض بهذا العقد قبل الإسلام يملكه صاحبه، أما إذا طرأ الإسلام وبينهما عقد ربا فينفسخ، وإذا انفسخ من حين الإسلام استحق صاحبه ما أعطاه من رأس المال، ولم يستحق الزيادة الربوية التي لم تقبض، ولم يجب عليه من رأس المال ما قبضه قبل الإسلام؛ لأنه ملكه بالقبض في العقد الذي اعتقد صحته، وذلك العقد أوجب ذلك القبض، فلو أوجبناه عليه لكنا قد أوجبنا عليه رده وحاسبناه به من رأس المال الذي استحق المطالبة، وذلك خلاف ما تقدم، وهكذا كل عقد اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقليد مثل المعاملات الربوية التي يبيحها مجوزو الحيل، ومثل بيع النبيذ المتنازع فيه عند من يعتقد صحته، ومثل بيوع الغرر المنهي عنها عند من يجوز بيعها، فإن هذه العقود إذا حصل فيها التقابض مع اعتقاد الصحة لم تنقض بعد ذلك لا بحكم ولا برجوع عن ذلك الاجتهاد.

стр. 4264

انتهى (١)، وحاصل هذه القاعدة أن الشيخ يفرق بين من قبض مالا بعقد فاسد يعتقد صحته كالكافر الذي كان يتعامل بالربا قبل إسلامه أو تحاكمه إلينا، وكالمسلم إذا عقد عقدا مختلفا فيه بين العلماء وهو يرى صحته، فهذا النوع من المتعاقدين يملك ما قبضه. أما من تعامل بعقد مختلف في تحريمه وهو لا يرى صحته أو بعقد مجمع على تحريمه، فما قبضه بموجب ذلك العقد فهو فيه كالغاصب حيث قبض ما يعلم أنه لا يملكه، ويقرب مما ذكره الشيخ ما قاله ابن القيم في كسب الزانية حيث قال: فإن قيل: ما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته ثم تابت، هل يجب عليها رد ما قبضته إلى أربابه أم يطيب لها أم تتصدق به؟ قيل: هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهي أن من قبض ما ليس له قبضه شرعا ثم أراد التخلص منه، فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضى صاحبه ولا استوفى عوضه رده عليه، فإن تعذر رده عليه قضى به دينا يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك رده إلى ورثته، فإن تعذر ذلك تصدق به عنه. . إلى أن قال: وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض عن خمر أو خنزير أو على زنا أو فاحشة فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان وتيسير أصحاب المعاصي عليه. . إلى أن قال: ولكن لا يطيب للقابض أكله بل هو خبيث. . . فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به، فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته ويتصدق بالباقي فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه عينا كان أو منفعة، ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع، فإن النبي ﷺ حكم بخبث كسب الحجام، ولا يجب رده على دافعه (٢). انتهى. وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (٣): على قول الأصحاب المقبوض بعقد فاسد إنه مضمون على القابض كالمغصوب: أقول واختار الشيخ تقي الدين أن المقبوض بعقد فاسد غير مضمون، وأنه يصح التصرف فيه؛ لأن الله تعالى لم يأمر برد المقبوض بعقد الربا بعد التوبة، وإنما أمر برد الربا الذي لم يقبض، وأنه قبض برضى مالكه فلا يشبه المغصوب، ولأن فيه من التسهيل والترغيب في التوبة ما ليس في القول بتوقيف توبته على

стр. 4265

رد التصرفات الماضية مهما كثرت وشقت والله أعلم، وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار على قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) أي فمن بلغه تحريم الله تعالى للربا ونهيه عنه فترك الربا فورا بلا تراخ ولا تردد انتهاء عما نهى الله عنه فله ما كان أخذه فيما سلف من الربا لا يكلف رده إلى من أخذه منهم، بل يكتفي منه بأن لا يضاعف عليهم بعد البلاغ شيئا ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) يحكم فيه بعدله، ومن العدل أن لا يؤاخذ بما أكل من الربا قبل التحريم وبلوغه الموعظة من ربه (٣). انتهى، أقول: ولعلنا من هذه النقول نستفيد أن من تاب من الربا وعنده أموال مجتمعة منه، فإن من مقتضى التوبة الإمساك والتوقف عن التعامل بالربا إلى الأبد، ولا يرد الأموال الربوية إلى من أخذها منهم؛ لأن هذا يعينهم على المراباة مع غيره بحيث يستغلونه في ذلك، ولا يأكل هذه الأموال الربوية؛ لأنه من كسب خبيث، ولكن يتخلص منها بالتصدق بها أو جعلها في مشاريع خيرية. وفي الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٤) جواب للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - رحمه - الله قال فيه: (إذا وقع عقد فاسد في معاملة في الإسلام قد انقضت بالتقابض فيظهر مما قاله شيخ الإسلام ﵀ في آية الربا في قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) فاقتضى أن السالف للقابض، وأن أمره إلى الله ليس للغريم فيه أمر، وذلك أنه لما جاءه موعظة من ربه فانتهى كان مغفرة ذلك الذنب والعقوبة عليه أمره إلى الله إن علم من قلبه صحة التوبة غفر له وإلا عاقبه ثم قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦) فأمر بترك الباقي ولم يأمر برد المقبوض، وقال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ (٧) إلا أنه يستثنى منها ما قبض وهذا الحكم ثابت في حق الكافر إذا عامل كافرا بالربا وأسلما بعد القبض وتحاكما إلينا فإن ما قبضه يحكم له به كسائر ما قبضه الكافر بالعقود التي يعتقدون حلها، وأما المسلم فله ثلاثة أحوال: تارة يعتقد حل بعض الأنواع باجتهاد أو تقليد، وتارة يعامل بجهل ولا يعلم أن ذلك ربا محرم، وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم.

стр. 4266

أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك محرم قيل: يرد ما قبض كالغاصب، وقيل: لا يرده وهو أصح إذا كان معتقدا أن ذلك حلال، والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر إذا تاب يغفر الله ما استحله، ويباح له ما قبضه، فالمسلم إذا تاب أولى أن يغفر له. إذا فمن أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله، وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك فليس هو شرا من الكافر، وقد ذكرنا فيما يتركه من الواجبات التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ على قولين أظهرهما لا قضاء عليه، إلى أن قال: فمن فعل شيئا لم يعلم أنه محرم ثم علمه لم يعاقب، وإذا عامل بمعاملات ربوية يعتقدها جائزة وقبض منها ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ولا يكون شرا من الكافر، والكافر إذا غفر له ما قبضه لكونه قد تاب فالمسلم بطريق الأولى، والقرآن يدل على هذا بقول: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه فانتهى، فقد جعل الله له ما سلف - انتهى - لكن هذا الكلام ينصب على الكافر إذا أسلم وعنده أموال قد قبضها بطريق التعامل الربوي، والمسلم الذي تعامل ببعض المعاملات المختلف فيها هل هي من الربا أو لا؟ أو لكونه يجهل الربا وقبض بموجبها ما لا تحصل لديه ثم تبين له أنها من الربا وتاب منها، وتبقى قضية المسلم الذي تعامل بالربا متعمدا وهو يعلم أنه ربا ثم تاب منه وقد تحصل لديه منه مال فهذا موضع الإشكال، ولعل الحل لهذا الإشكال أن يتصدق به ولا يرده للمرابين كما ذكره ابن القيم في الكلام الذي نقلناه عنه في مهر البغي، والله أعلم.

стр. 4267

الخاتمة والفهارس الخاتمة: تبين لنا مما سبق شدة تحريم الربا وخطورته، وأن آكله والمعين على أكله كلاهما ملعون على لسان رسول الله ﷺ وأن الوسائل المفضية إليه تأخذ حكمه في التحريم والإثم، وأن من استباحه فهو كافر، ومن أكله مع الإقرار بتحريمه فهو فاسق، وقد عرفنا ما هو الربا

стр. 4268

وما هي الأشياء التي يدخلها. فيجب على المسلم الابتعاد عنه والتحرز منه؛ لأنه قد كثر الوقوع فيه في هذا الزمان لما طغت المادة وضعف المسلمون وفشا الجهل بأحكام الدين، وقد أخبر النبي ﷺ بذلك فيما رواه أبو هريرة ﵁ أنه قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره (١)»، قال المناوي (٢) في شرح هذا الحديث: (ليأتين) اللام جواب لقسم محذوف، (على الناس زمان لا يبقى منهم) أي من الناس، (أحد إلا أكل الربا) الخالص، (فإن لم يأكله أصابه من غباره) أي يحيق به ويصل إليه من أثره بأن يكون موكلا أو متوسطا فيه أو كاتبا أو شاهدا أو معامل المرابي أو من عامل معه وخلط ماله بماله، ذكره البيضاوي إلى أن قال: وفي رواية: (من بخاره) وهو ما ارتفع من الماء من الغليان كالدخان والماء لا يغلي إلا بنار توقد تحته، ولما كان المال المأكول من الربا يصير نارا يوم القيامة يغلي منه دماغ آكله، ويخرج منه بخار ناسب جعل البخار من أكل الربا، والبخار والغبار إذا ارتفع من الأرض أصاب كل من حضر وإن لم يأكل. ووجه النسبة بينهما أن الغبار إذا ارتفع من الأرض أصاب كل من حضر وإن لم يكن هو أثاره، كما يصيب البخار إذا انتشر من حضر وإن لم يتسبب فيه، وهذا من معجزاته ﷺ ، فإن من تأمل حال الناس اليوم أدرك مصداق هذا الحديث الشريف. وذلك أنه لما فاضت الأموال وتضخمت في أيدي كثير من الناس وضعوها في البنوك الربوية فأصابهم من الربا ما أصابهم، فمنهم من أكله، ومنهم من لم يأكله لكن أعان على أكله فأصابه من غباره، والله المستعان، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمن سواك، وقنعنا بما رزقتنا، وبارك لنا فيما أعطيتنا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان

стр. 4269

المراجع ١ - القرآن الكريم. ٢ - تفسير ابن جرير. ٣ - تفسير ابن كثير. ٤ - تفسير القرطبي. ٥ - التفسير القيم لابن القيم. ٦ - أضواء البيان للشنقيطي. ٧ - تفسير المنار. ٨ - صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري. ٩ - صحيح مسلم مع شرح النووي. ١٠ - نيل الأوطار للشوكاني. ١١ - الزواجر لابن حجر الهيتمي. ١٢ - المعاملات المصرفية لابن دريب. ١٣ - الروضة الندية للشيخ محمد بن إبراهيم. ١٤ - الربا والمعاملات في الإسلام للشيخ محمد رشيد رضا. ١٥ - مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. ١٦ - إعلام الموقعين لابن القيم. ١٧ - زاد المعاد لابن القيم. ١٨ - القاموس المحيط في اللغة. ١٩ - مغني المحتاج في الفقه. ٢٠ - المبدع شرح المقنع. ٢١ - بداية المجتهد لابن رشد. ٢٢ - الاختيارات الفقهية. ٢٣ - إغاثة اللهفان لابن القيم. ٢٤ - الكافي لابن عبد البر.

стр. 4270

٢٥ - المحلى لابن حزم. ٢٦ - سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني. ٢٧ - بدائع الصنائع في الفقه. ٢٨ - مجلة البحوث الإسلامية. ٢٩ - الفتاوى السعدية. ٣٠ - الشرح الكبير للدردير. ٣١ - الشرح الصغير. ٣٢ - تهذيب سنن أبي داود لابن القيم. ٣٣ - فتح القدير فقه حنفي. ٣٤ - كشاف القناع عن متن الإقناع. ٣٥ - تهذيب الأسماء واللغات للنووي.

стр. 4271

صفحة فارغة

стр. 4272

الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود - ولد في حوطة بني تميم، من أعمال نجد، سنة ١٣٢٧هـ، وتلقى علومه الأولية على عدد من المشايخ، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ودرس وحفظ كثيرا من الكتب والمتون في الحديث والفقه واللغة. - تقلد أمانة القضاء في دولة قطر، سنة ١٣٥٩هـ، وله جهود طيبة في تطوير القضاء الشرعي. - ألف عددا من الكتب والرسائل، التي تبين اجتهاداته، في ما جد من قضايا تهم المسلمين، وبلغ مجموع مؤلفاته سبعا وأربعين مؤلفا.

стр. 4273

صفحة فارغة

стр. 4274

قولهم العقد شريعة المتعاقدين بقلم الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود الحمد لله ونستعين بالله ونصلي ونسلم على محمد رسول الله. أما بعد: لقد سمعت من قذائف القوانين قول بعضهم (العقد شريعة المتعاقدين) يعنون بذلك العقد الذي ينظمه القانون المدني ويبنون حكمهم عليه مع قطع نظرهم عما يجيزه الشرع أو يحرمه، فلا قيمة لأحكام الشرع عندهم أو في عرفهم، فهذه الكلمة بهذه الصفة تفتح باب الشر فتجعل الحلال حراما -فالزنا في عرفهم وقانونهم متى وقع بطريق الرضا فهو جائز قطعا، وكذلك اللواط بين الذكور، ومثله أكل الربا أضعافا مضاعفة فإنهم يرونه في عرفهم جائزا قطعا، وكذا القمار وبيع الخمر وشراؤه وبيع الخنزير فكل هذا يرونه جائزا وحلالا- لكون القانون المدني مقتبسا من القانون الفرنسي وهو الرائج الآن في البلدان العربية والذي يتصدر الحكم بموجبه القضاة المدنيون وهذا كله باطل، ولا يعتد به ولا نفاذ لحكمه بطريق الشرع لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، وقال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق (٢)».

стр. 4275

وسمعت من بعضهم قولهم (الرضا شريعة المتعاقدين) وهذه الكلمة بهذه الصفة لا تبقي من الإسلام وأمور الحلال والحرام ولا تذر، والله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع أحكامه وبين حلاله وحرامه ليقوم الناس بالقسط، أي بالعدل، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (١) فالكتاب هو الهادي إلى الصواب، والميزان هو العادل يبين الهدى من الضلال-إن قولهم (الرضا شريعة المتعاقدين) هي حملة على القرآن والسنة وأحكام الشريعة الإسلامية، ومثله قولهم (العقد شريعة المتعاقدين) فليس كل عقد يسوغ بأن يكون شريعة للناس، فإن العقد منه الحق ومنه الباطل- والحق أن شريعة المتعاقدين هو حكم الله ورسوله لقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢). ومثله قول الرسول ﷺ : «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا (٣)»، ومثله «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا (٤)»، وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: «الحلال بين، والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس (٥)» الحديث، لكن القليل من الناس هم الراسخون في العلم والفهم يعرفون هذه المتشابهات فيلحقون الحلال بالحلال والحرام بالحرام بمقتضى الدلائل والأحكام، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. ثم إن الأصل في العقود (الإباحة) حتى يقوم دليل التحريم، وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن الأصل في العقود والشروط الحظر إلى أن يقوم دليل الإباحة، وهذا هو مذهب الظاهرية وعليه تدل نصوص الإمام الشافعي وأصوله. وذهب الإمام مالك إلى أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما دل على تحريمه، وعليه تدل نصوص الإمام أحمد وأصوله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن الأصل في العقود الصحة والجواز ولا يحرم
следующие страницы →