← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

صفحة فارغة

стр. 4272

الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود - ولد في حوطة بني تميم، من أعمال نجد، سنة ١٣٢٧هـ، وتلقى علومه الأولية على عدد من المشايخ، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ودرس وحفظ كثيرا من الكتب والمتون في الحديث والفقه واللغة. - تقلد أمانة القضاء في دولة قطر، سنة ١٣٥٩هـ، وله جهود طيبة في تطوير القضاء الشرعي. - ألف عددا من الكتب والرسائل، التي تبين اجتهاداته، في ما جد من قضايا تهم المسلمين، وبلغ مجموع مؤلفاته سبعا وأربعين مؤلفا.

стр. 4273

صفحة فارغة

стр. 4274

قولهم العقد شريعة المتعاقدين بقلم الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود الحمد لله ونستعين بالله ونصلي ونسلم على محمد رسول الله. أما بعد: لقد سمعت من قذائف القوانين قول بعضهم (العقد شريعة المتعاقدين) يعنون بذلك العقد الذي ينظمه القانون المدني ويبنون حكمهم عليه مع قطع نظرهم عما يجيزه الشرع أو يحرمه، فلا قيمة لأحكام الشرع عندهم أو في عرفهم، فهذه الكلمة بهذه الصفة تفتح باب الشر فتجعل الحلال حراما -فالزنا في عرفهم وقانونهم متى وقع بطريق الرضا فهو جائز قطعا، وكذلك اللواط بين الذكور، ومثله أكل الربا أضعافا مضاعفة فإنهم يرونه في عرفهم جائزا قطعا، وكذا القمار وبيع الخمر وشراؤه وبيع الخنزير فكل هذا يرونه جائزا وحلالا- لكون القانون المدني مقتبسا من القانون الفرنسي وهو الرائج الآن في البلدان العربية والذي يتصدر الحكم بموجبه القضاة المدنيون وهذا كله باطل، ولا يعتد به ولا نفاذ لحكمه بطريق الشرع لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، وقال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق (٢)».

стр. 4275

وسمعت من بعضهم قولهم (الرضا شريعة المتعاقدين) وهذه الكلمة بهذه الصفة لا تبقي من الإسلام وأمور الحلال والحرام ولا تذر، والله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع أحكامه وبين حلاله وحرامه ليقوم الناس بالقسط، أي بالعدل، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (١) فالكتاب هو الهادي إلى الصواب، والميزان هو العادل يبين الهدى من الضلال-إن قولهم (الرضا شريعة المتعاقدين) هي حملة على القرآن والسنة وأحكام الشريعة الإسلامية، ومثله قولهم (العقد شريعة المتعاقدين) فليس كل عقد يسوغ بأن يكون شريعة للناس، فإن العقد منه الحق ومنه الباطل- والحق أن شريعة المتعاقدين هو حكم الله ورسوله لقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢). ومثله قول الرسول ﷺ : «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا (٣)»، ومثله «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا (٤)»، وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: «الحلال بين، والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس (٥)» الحديث، لكن القليل من الناس هم الراسخون في العلم والفهم يعرفون هذه المتشابهات فيلحقون الحلال بالحلال والحرام بالحرام بمقتضى الدلائل والأحكام، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. ثم إن الأصل في العقود (الإباحة) حتى يقوم دليل التحريم، وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن الأصل في العقود والشروط الحظر إلى أن يقوم دليل الإباحة، وهذا هو مذهب الظاهرية وعليه تدل نصوص الإمام الشافعي وأصوله. وذهب الإمام مالك إلى أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما دل على تحريمه، وعليه تدل نصوص الإمام أحمد وأصوله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن الأصل في العقود الصحة والجواز ولا يحرم

стр. 4276

ويبطل منها إلا ما دل الشرع على إبطاله وتحريمه بنص صحيح أو قياس صريح قال: وأصول الإمام أحمد المنصوصة عنه تجري على هذا القول ومالك قريب منه - انتهى. وقد نهج هذا المنهج العلامة ابن القيم ﵀ قال -في الإعلام الخطأ الرابع-: [فساد اعتقاد من قال: إن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملتهم على البطلان حتى يقوم دليل الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة عقد أو شرط أو معاملة، استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك عقودا كثيرة من معاملات الناس وشروطهم بلا برهان من الله، بناء على هذا الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه، وإن الأصل في العقود والشروط الصحة حتى يقوم الدليل على البطلان، وهذا القول هو الصحيح فإنه لا حرام إلا ما حرم الله ورسوله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله] انتهى. فهذه القوانين الوضعية المخالفة لشرع الله الحكيم يجب أن ترد إلى شرع الله الحكيم، فقد أعطى الله كل ذي حق حقه. وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) يعني المباحة في شرع الله أما القوانين الوضعية فإنه لا قيمة لها في شرع الله الحكيم كما قيل: لا وافق الحكم المحل ولا هو ... استوفى الشروط فكان ذا بطلان والنبي ﷺ قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها، تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه» وحدود الله محرماته، والبشر محكومون وليسوا بحاكمين - وإنما سمي المسلم مسلما لاستسلامه لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣). والنبي ﷺ قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤)» وقال: «كل شرط ليس

стр. 4277

في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط، قضاء الله أحق (١)». إن كلمة (العقد شريعة المتعاقدين) هي كلمة كفر واعتقادها كفر، والعمل بها كفر- تزيغ المسلمين عن معتقدهم الصحيح ثم تقودهم إلى الإلحاد والتعطيل والزيغ عن سواء السبيل فهي تنقض عرى الإسلام عروة عروة، بحيث يكون الناس بها أشر من الجاهلية الأولى، فيستبيحون نكاح الأمهات والبنات بناء على الرضا الواقع بينهم. وقد ذكرتني هذه القاعدة الطاغية الباغية خصومة بين أخوين شقيقين يرث أحدهما الآخر، فاشتد الخصام بينهما فتواثقا وتكاتبا على أنه لا يرث أحدهما الآخر، فأشعرتهما بحكم الله ورسوله وأن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا يحق لشخص أن يقطع صلة الإرث الذي شرعه الله، فهذا الاتفاق باطل، وكتابته باطلة، ومن مات منهما ورثه أخوه وإن رغم أنفه. وقد لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له وسماه (التيس المستعار) مع كون هذا النكاح وقع بالتراضي، ومثله نكاح المحارم وذوات الأزواج. والحق أن يقال: إن الرضا الذي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، أشبه (الشرط) فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، ومثله الصلح - جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. ثم إن كتب الفقه الإسلامي من شتى المذاهب لا تغادر صغيرة ولا كبيرة مما عسى أن يقع فيها النزاع بين الناس، وهي مقتبسة من القرآن والسنة ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) فبالغوا في استنباط الأحكام وتصنيفها على حسب اجتهادهم، المصيب له أجران والمخطئ له أجر. أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو من اللوم ... أو سدوا المكان الذي سدوا أولئك قومي إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا وفوا وإن عقدوا شدوا والنبي ﷺ لعن بائع الخمر ومشتريها وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها

стр. 4278

والمحمولة إليه، وكل هؤلاء وقع بطريق التراضي بينهم فشملتهم اللعنة، ومثله حديث: «لعن رسول الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه (١)» لوقوع الرضا بينهم في عمله فشملتهم اللعنة أيضا. ولما قسم سبحانه المواريث بين الورثة وأعطى كل ذي حق حقه ختمها بقوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٣). والحاصل: أن قولهم (الرضا شريعة المتعاقدين). هي كلمة باطلة والحقيقة أنها صيغت لتكون مفتاحا لكل شر، وهي معنى قولهم (العقد شريعة المتعاقدين) فإنهم لا يعنون فيها العقد الصحيح الذي لا يخالف فيها أي مسلم، وإنما يعنون بها العقد على أي صفة وقع، فهي من شريعة قوانين الخارجين عن الدين الذين لا يرجون عند الله ثوابا ولا يخافون عقابا ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥) وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٦). إن كثرة استمرار هذه الكلمة على أسماع الناس وأبصارهم وروجان كتب القوانين بينهم، قد أثرت فيهم شيئا من التهاون من منكرات الجرائم ككبيرة الزنا، فقد كان في صدر الإسلام يرجم الزاني المحصن متى ثبت الزنا عليه باعترافه أو البينة ولا تأخذهم فيه لومة لائم، ومن يهن الله فما له من مكرم وقال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) «وخطب عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله بعث نبيه

стр. 4279

بالكتاب وكان فيما أنزل آية الرجم قرأناها ووعيناها فرجم رسول الله الزاني المحصن ورجمنا معه، وإني أخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق على من زنى إذا أحصن إذا كانت البينة أو الحبل أو الاعتراف (١)» - رواه البخاري. وإن أكبر تأثير وقع بالناس من تهاونهم بهذه الجريمة هو كثرة الابتداء بها، وتعاقب القوانين على عدم العقاب عليها لكون المنكرات متى كثر على القلوب ورودها، وتكرر في العين شهودها، ذهبت عظمتها عن القلوب شيئا فشيئا، إلى أن يراها الناس فلا يرون أنها منكرات، ولا يمر بفكر أحدهم أنها معاص، وذلك بسبب سلب القلوب نور التمييز والإنكار على حد ما قيل: إذا كثر الإمساس قل الإحساس. فالحكم بالقوانين ونصب القضاة لتنفيذها وروجان كتبها بين الناس، يعود بالضرر وفساد الأخلاق على خاصة الشباب وعامة العباد والبلاد كما قيل: الدين يشكو بلية ... من فرقة فلسفية فلا ترى الشرع إلا ... سياسة مدنية ويؤثرون عليه ... مناهج جدلية إن هؤلاء الشباب من أبناء المسلمين متى تخرج أحدهم من إحدى المدارس الأجنبية رجع إلى أهله وبلده وأخذ يبث جراثيم تلك التعاليم السيئة التي حملها من المدرسة، حتى يصير فتنة على أهله وأقاربه وسائر من يقاربه، كما قال تعالى في حق الغلام: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (٢) ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (٣). إن عقيدة الإلحاد هي جرثومة الفساد وخراب البلاد وفساد أخلاق العباد، ومتى سطا الإلحاد على قلب أحد هؤلاء الأولاد فإنه يطيش به عن مستواه إلى حالة الفجور والطغيان ومجاوزة الحد في الكفر والكبر والفسوق والعصيان، فيمقت الدين ويهزأ بالمصلين الراكعين الساجدين، حتى كأنه إنما تعلم العلم لمحاربة الدين وأهله من أجل أنه لم ينطبع في قلبه محبته ولم يذق حلاوة حكمته، وإنما كان حظه من العلم محض دراسته حبرا

стр. 4280

على ورق، ثم زال عن طلبه بزواله عنه حتى لم يبق معه أثر منه. ومتى جهر هؤلاء بإلحادهم في بلادهم وأمنوا من العقاب فيما يقولون فإنهم حينئذ يفيضون بفنون من الطعن في الدين بإلقاء الشبهات والشكوك التي تزيغ العوام وضعفة العقول والأفهام عن معقتدهم الصحيح وعن دينهم المستقيم، ثم تقودهم إلى الإلحاد والتعطيل والزيغ عن سواء السبيل فيصيرون فتنة في الأرض وفسادا كبيرا. وحتى الذين لا يعتقدون اعتقادهم ولا يساعدونهم في آرائهم، فإنهم لن يسلموا من مضار أفكارهم، وأقل شيء كون الضعف والوهن يلم بأركان عقائدهم، ثم يسري هذا الفساد وسوء الاعتقاد إلى أهلهم وأولادهم - لأن أكثر الناس مقلدة في دينهم، بحيث يقلد بعضهم بعضا في الأخلاق والعقائد، وقد قال بعض السلف: إنه ما ترك أحد الحق وعدل عنه إلى الباطل إلا لكبر في نفسه، ثم قرأ: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (١). وقد قال بعض الحكماء في أخلاق الكتاب: وقد قال أهل الفطن إن محض العمى هو التقليد في الزندقة، لأنها إذا رسخت في قلب امرئ تقليدا فإنها تطيل جرأته على الدين وأهله ويتغلق على أهل الجدل إفهامه، انتهى، وقد قيل: عمي العيون عموا عن كل فائدة ... لأنهم كفروا بالله تقليدا إن الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه قد نظم حياة الناس أحسن نظام بالحكمة والمصلحة والعدل والإحسان والإتقان ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ (٢) أي صدقا في الأقوال وعدلا في الأحكام، فلو أن الناس آمنوا بتعاليم دين الإسلام وانقادوا لحكمه وتنظيمه ووقفوا عند حدوده ومراسيمه لصاروا به سعداء، ولما حصل بينهم بغي ولا طغيان ولا اعتداء، لأنه يهدي للتي هي أقوم، وقد جعل الله شريعة الإسلام بمثابة الخاتمة للشرائع قبلها، فهي شريعة كافة البشر عربهم وعجمهم يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)

стр. 4281

وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١) فشريعة الإسلام هي شريعة الرحمن والحنان والإحسان، ليست بحرج ولا إغلال، يقول تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٤) الآية، وصار أكثر الناس في هذا الزمان بمثابة من يعطي صاحبه تمرة فيسخطها فيعطيه جمرة، وإن الناس باستبدالهم القوانين بأحكام شريعة الدين هم بمثابة من يفر عن الرمضاء إلى النار. إن الله سبحانه لما قسم الميراث بين الناس في سورة النساء ختم بقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (٥) أي لئلا تضلوا فالحكم بمساواة الأنثى بالذكر فيما فرض الله فيه التفاضل بين الأولاد والبنات وبين الإخوة والأخوات هو كفر بما أنزل الله من الكتاب وضلال مبين: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦). لقد مكث المسلمون ثلاثة عشر قرنا وقضاتهم يحكمون بينهم بالشريعة الإسلامية التي جعلها الله لجميع خلقه شرعة ومنهاجا، وإنما سميت الشريعة من أجل أنها مقتبسة من كتاب الله وسنة رسوله فهي الشريعة التي جعلها الله لجميع خلقه في قوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٧).

стр. 4282

وفي بداية القرن العشرين ضعف العلم وعدم الراسخون في الفقه وأخذ الناس يعللون القضاة بدعوى أنهم يعللون الأحكام، ولا يهتمون بأمر الناس، فتعلقت قلوبهم بالقوانين وهي لم تكن موجودة في البلدان الإسلامية قبل ذلك الوقت، فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار، من أجل أن القوانين تبيح لهم الربا والزنا وشرب الخمور ولا تعاقب على شيء من ذلك، فأثرت في الناس شيئا من الذل والضعف في مجتمعهم، وإنما ضعف المسلمون في هذه الأزمان الأخيرة وساءت حالهم وانتقص الأعداء بعض بلدانهم، كل ذلك من أجل أنه ضعف عملهم بالإسلام وساء اعتقادهم فيه، وصار فيهم منافقون يدعون إلى نبذه ويدعون إلى عدم التقيد بحدوده وحكمه، ويدعون إلى تحكم القوانين بدله، ولأجله صاروا جديرين بزوال النعم والإلزام بالنقم لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقد وقع بهم ما حذرهم نبيهم بقوله: «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم شديد (١)» - رواه ابن ماجه والبيهقي - والله أعلم. عبد الله بن زيد آل محمود.

стр. 4283

صفحة فارغة

стр. 4284

غنيم بن مبارك بن غنيم آل غنيم - ولد في بلدة الهلالية بالقصيم عام ١٣٥٥هـ المملكة العربية السعودية. - تخرج من كلية الشريعة بمكة المكرمة عام ١٣٧٦هـ. - عمل قاضيا بمحكمة رابغ عام ١٣٧٧هـ ثم انتقل إلى الطائف وعمل في محاكمها حتى عين رئيسا لها، وفي عام ١٣٩هـ انتقل إلى الرياض ليعمل عضوا في الهيئة القضائية العليا أصبح مسماها أخيرا مجلس القضاء الأعلى ولا يزال عضوا فيه

стр. 4285

صفحة فارغة

стр. 4286

القسامة بقلم الشيخ غنيم بن مبارك بن غنيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين نبينا محمد وآله وصحبه وبعد، فمما لا شك فيه أن شريعة الله كاملة البناء قوية النسج محكمة التشريع لا جمود فيها ولا عسر ولا اعوجاج ولا قصور في تعاليمها، تتلاءم مع طبيعة البشر وتتمشى مع الفطر السليمة والغرائز الإنسانية وتساير العقول النيرة، أقامها الله على أساس متين صالح لكل زمان ومكان، كيف لا وهي تشريع رب العالمين، العليم بحال عباده الخبير بما يصلحهم في أولاهم وأخراهم، وأرسى محمد ﷺ قواعدها وبين أصولها، وسار على نهجه خلفاؤه والأبرار من بعده وأئمة الهدى من بعدهم الذين قاموا بشرح الكتاب والسنة وإيضاح غامضها وبيان مقاصدها حتى نبغ فقهاء مبرزون استطاعوا بصدق نياتهم وصلاح طويتهم وإخلاصهم لله أن يستنبطوا الأحكام ويبينوا الحق ويزيلوا اللبس حتى تركوا لنا الآلاف من الكتب والمراجع جزاهم الله خير الجزاء. من ضمن ما بحثه الفقهاء والمحدثون وأفاضوا فيه (مشروعية القسامة) لكونها مشتملة على أحكام مستثناة من القواعد الشرعية العامة في باب الدعاوى والبينات، ولما لها من الأثر البالغ في حماية الأنفس والأرواح وقصر الشرور وردع كل من تسول له نفسه الاعتداء على حياة مسلم معصوم الدم في غفلة من الناس حيث لا يراه أحد. قال الإمام ابن تيمية ﵀ في الجزء الرابع والثلاثين من الفتاوى صحيفة ٢٣٨: لولا القسامة في الدماء لأفضي إلى سفك الدماء، فيقتل الرجل عدوه خفية ولا يمكن أولياء المقتول إقامة البينة،

стр. 4287

واليمين على القاتل والسارق والقاطع، فإن من يستحل هذه الأمور لا يكترث باليمين اه لقد أولى الفقهاء القسامة جانبا من اهتمامهم وأفاضوا في بحث قواعدها وشروطها، حتى لا يكاد يكون هناك لبس لكل طالب علم رائده الحق والبحث عن الصحيح من القول

стр. 4288

تعريف القسامة ووجودها قبل الإسلام: عرف بعض الفقهاء القسامة: بأنها أيمان مكررة في دعوة قتل معصوم، والقسامة معروفة في الجاهلية فقد عمل بها أبو طالب حسبما أخرج النسائي والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى فانطلق معه في إبله فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فقال أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالا فشد به عروة جوالقه فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرا واحدا فقال الذي استأجره ما بال هذا البعير لم يعقل من بين الإبل، قال ليس له عقال، قال فأين عقاله، قال مر بي رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فاستغاثني فقال أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل فأعطيته عقالا، قال فحذفه بعصا كان فيها أجله، فمر به رجل من أهل اليمن فقال تشهد الموسم؟ قال ما أشهده وربما شهدت قال هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر، قال نعم قال فإذا شهدت فناد يا قريش فإذا أجابوك فناد يا آل هاشم فإن أجابوك فسل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال ومات المستأجر، فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال ما فعل صاحبنا قال مرض فأحسنت القيام عليه ثم مات ووليت دفنه، قال قد كان أهل ذاك منك فمكث حينا. ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه قدم الموسم فقال: يا قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم، قالوا هذه بنو هاشم، قال أين أبو طالب؟ قال: هذا أبو طالب قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلانا قتله في عقال، فأتاه أبو طالب فقال: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا بخطأ، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به فأتى قومه

стр. 4289

فأخبرهم فقالوا: نحلف، فأتت امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم وكانت قد ولدت منه، فقالت: يا أبا طالب أحب أن تجير ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان ففعل، فأتاه رجل منهم فقال يا أبا طالب أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل فيصيب كل رجل منهم بعيرين، هذان بعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف. سقت هذا الأثر للعبرة والفطنة وليتذكر كل من أراد أن يحلف ما لليمين من الأثر البالغ، ولئلا يندفع المسلم وراء العاطفة والحمية والعصبية وليراقب الله في كل أموره

стр. 4290

دليل شرعية القسامة: جمهور أهل العلم يرون أن القسامة مشروعة وأنها أصل من الأصول الشرعية التي يثبت بها القصاص أو الدية إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار ووجد اللوث، استنادا إلى ما رواه الإمام مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي والبيهقي عن سهل بن أبي حثمة قال «انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه، ثم قدم إلى المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال كبر كبر وهو أحدث القوم فسكت، فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟ فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود خمسين يمينا، فقالوا: كيف تقبل أيمان كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده (١)». وفي رواية لأبي داود أن النبي ﷺ قال: «يقسم خمسون على رجل منهم فيدفع برمته (٢)»، وقد أخذ بعض الفقهاء من هذا الحديث مشروعية القسامة لإثبات القتل لأن النبي ﷺ عرضها على أولياء الدم، إذ لو كانت غير مشروعة لما قام ﷺ بعرضها ورتب عليها استحقاق الدم، والنبي ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. قال ابن القيم ﵀ في الجزء الثاني من كتابه إعلام الموقعين صفحة ٢٥٢ - في معرض رده على من لم يأخذ بهذا الحديث من العلماء قال: رد حديث القسامة الصحيح الصريح المحكم بالمتشابه من قوله: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال

стр. 4291

دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه، والذي شرع الحكم بالقسامة هو الذي شرع أن لا يعطى أحد بدعواه المجردة، وكلا الأمرين حق من عند الله لا اختلاف فيه ولم يعط في القسامة بمجرد الدعوى، وكيف يليق بمن بهرت حكمة شرعه العقول أن لا يعطي المدعي بمجرد دعواه عودا من أراك ثم يعطيه بدعوى مجردة دم أخيه المسلم؟ وإنما أعطاه ذلك بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقه فوق تغلب الشاهدين وهو اللوث والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولا في بيت عدوه، فقوى الشارع الحكيم هذا السبب باستحلاف خمسين من أولياء القتيل الذي يبعد أو يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدم ليس بسبيل ولا يكون فيهم رجل رشيد يراقب الله، ولو عرض على جميع العقلاء هذا الحكم، والحكم بتحليف العدو الذي وجد القتيل في داره بأنه ما قتله لرأى أن ما بينهما من العدل كما بين السماء والأرض

стр. 4292

من الذي يحلف في القسامة: إذا عرفنا أن الجمهور من أهل العلم يرون اعتبار القسامة طريقا من طرق إثبات جريمة القتل، وأنها سنة مقررة بنفسها مخصصة للأصول كسائر السنن المخصصة استنادا إلى حديث سهل بن أبي حثمة -المار ذكره- والذي جاء فيه «أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم؟ (١)». فهل يحلف الوارث وغير الوارث أم الوارث فقط: اختلف العلماء في هذه المسألة فالإمام مالك وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد أن الذي يحلف من الأولياء هم العصبة، قال في الجزء العاشر من المغني والشرح الكبير: (يحلف العصبة الوارث وغير الوارث خمسون رجلا كل واحد منهم يمينا واحدة يؤخذ الأقرب من العصبة فالأقرب من قبيلته التي ينتسب إليها ويعرف كيفية نسبه من المقتول، فأما من عرف أنه من القبيلة ولم يعرف وجه النسب لم يقسم، إلى أن قال فإن لم يوجد من نسبه خمسون ردت الأيمان عليهم لقول النبي ﷺ «يحلف خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم (٢)» وقد علم ﷺ أنه لم يكن لعبد الله بن سهل خمسون رجلا وارثا فإنه لا يرثه إلا أخوه أو من هو في درجته أو أقرب منه نسبا ولأنه خاطب بهذا ابني عمه وهما غير وارثين). وما أحرانا باتباع ما أوضحه النبي ﷺ في هذا الحديث والعمل به فالخير كل الخير في اتباع هديه والسير على نهجه، قال ابن القيم ﵀ في كتابه إعلام الموقعين في الجزء

стр. 4293

الرابع صحيفة ٢١٢: [كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله ﷺ برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان، ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من يضرب له الأمثال ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١)]. وفريق آخر من العلماء يرون أن الذي يحلف الأيمان هم الوارثون فقط وممن قال بهذا الرأي الإمام الشافعي، جاء في الجزء الخامس من الأم صحيفة ٩٢: [وإذا قتل الرجل فوجبت فيه القسامة لم يكن لأحد أن يقسم عليه إلا أن يكون وارثا، كان قتله عمدا أو خطأ، وذلك أنه لا تملك النفس بالقسامة إلا دية المقتول ولا يملك دية المقتول إلا وارث فلا يجوز أن يقسم على ما لا يستحقه إلا من له المال بنفسه أو من جعل الله تعالى له المال من الورثة] وفي الشرح الكبير لابن قدامة الجزء العاشر صحيفة ٣٢ [أن الأيمان تختص بالورثة دون غيرهم لأنها يمين في دعوى حق فلا تشرع في حق غير المتداعين كسائر الأيمان] فعلى هذه الرواية يقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر إرثهم إن كانوا جماعة وإن كان واحدا حلفها. إلخ.

стр. 4294

هل يشترط وجود ذكر بالغ حين الدعوى: من أخذ بالرواية الثانية في مذهب الإمام أحمد أنه لا يقسم إلا الوارث وأن الأيمان تعرض على ورثة المقتول دون غيرهم على حسب مواريثهم، من أخذ بهذه الرواية ولم يجد للقتيل إلا ابنا قاصرا فهل يؤول الأمر إلى القسامة؟ قبل الإجابة على هذا السؤال يجب الرجوع إلى نص أقوال أهل العلم في ذلك لنكون على بينة من الأمر: جاء في الجزء السادس من كتاب كشاف القناع صفحة ٥٩ ما نصه: [الشرط الرابع من شروط القسامة: أن يكون في المدعين ذكور مكلفون ولو واحدا] وقال في الجزء الثالث من المنتهى صفحة ٣٣٣: [الشرط التاسع كون فيهم أي الورثة ذكور مكلفون لحديث «يقسم خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم (١)» ولأن القسامة يثبت فيها قتل فلم يسمع من النساء كالشهادة والدية إنما تثبت ضمنا لا قصدا، ولا يقدح غيبة بعضهم أي

стр. 4295

الورثة ولا عدم تكليفه بأن كان بعضهم صغيرا أو مجنونا] إلخ. وقال في مطالب أولي النهى الجزء السادس صفحة ١٥١: [الشرط التاسع: كونه في الورثة ذكور مكلفين لقول النبي ﷺ : «يقسم خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم (١)»] ولأن القسامة يثبت بها قتل العمد فلم تسمع من النساء. إلخ وقال في المقنع وحاشيته الجزء الرابع صفة ٧٤ الشرط الرابع: [أن يكون في المدعين رجال عقلاء ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة، عمدا كان القتل أو خطأ]. إلخ هذا هو رأي فقهاء الحنابلة في المسألة. أما الإمام مالك ﵀ فيرى أنه في حال قتل العمد لا يحلف إلا العصبة ولا يحلف أقل من رجلين من العصبة ويستوي أن يكون العاصب وارثا أم غير وارث، قال في الجزء السادس من المدونة صفحة ٤١٦ [أرأيت إن لم يكن للمقتول إلا وارث واحد أيحلف هذا الوارث وحده خمسين يمينا ويستحق الدية أو القتيل إن ادعي العمد؟] قال مالك: [أما في الخطأ فإنه يحلف خمسين يمينا ويستحق الدية كلها فأما في العمد فلا يقتل إلا بقسامة رجلين فصاعدا، فإن نكل واحد من ولاة الدم الذين يجوز عفوهم إن عفوا فلا سبيل إلى القتل وإن كانوا أكثر من اثنين، وإن كان ولاة الدم رجلين فنكل أحدهما فلا سبيل إلى الدم] وقال في الصحيفة بعدها [سألت مالكا عن الرجل يقتل وله ولد صغار كيف ترى في أمره أينتظر بالقاتل إلى أن يكبر ولده؟ قال: إذا بطل الدماء ولكن ذلك إلى أولياء المقتول ينظرون في ذلك، فإن أحبوا القتل قتلوا، وإن أرادوا العفو فإنه بلغني عن مالك أن ذلك لا يجوز لهم إلا بالدية ولا يجوز عفوهم بغير دية لأن ولاة الدم هؤلاء الصغار، قال مالك إن كان الكبار اثنين فصاعدا فذلك لهم لأن الصغار منهم ليسوا بمنزلة من نكل عن اليمين وإن استؤني به إلى أن يكبر الصغار بطلت الدماء]. ومن المعلوم أن رأي الإمام أبي حنيفة أنه لا يوجب بعد القسامة إلا الدية في العمد، وغير العمد لأن القسامة جعلت لحقن دماء المدعى عليهم، ويرى الشافعي في القديم جواز القصاص بالقسامة في العمد، لكن رأيه الأخير أنه لا يجب بالقسامة إلا الدية سواء كان الفعل عمدا أو شبه عمد أو خطأ. ومن هذا يتضح أن الإمامين أبا حنيفة والشافعي في الجديد لا يرون أن القسامة بعد تحقق شروطها لديهم توجب القصاص وإنما توجب الدم فقط.

стр. 4296

أما المالكية فيعتبرون أقل العدد في القسامة رجلين وأنه إذا لم يكن إلا صغار فإن الدماء تبطل، ولا ينتظر حتى بلوغ الصغار. أما الحنابلة فيقولون بانتظار الصغير والغائب ونحوه بالقسامة عند وجود ذكر بالغ، أما عند عدمه فلا يرون القسامة، ولهذا قال صاحب كشاف القناع في الجزء السادس صفحة ٦٠ [وإن كان الجميع من الورثة لا مدخل لهم في القسامة كالنساء والصبيان فكما لو نكل الورثة فيحلف المدعى عليه خمسين يمينا ويبرأ] اه. واتفاق فقهاء الحنابلة على اشتراط وجود ذكر بالغ واضح من أقوالهم آنفة الذكر وأختم قولي بما ذكره صاحب المغني بأن النساء والصبيان لا يقسمون، وأنه إن كان القتل عمدا لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير، وهذا مفهومه إن كان ثمة كبير، أما إذا لم يكن هناك كبير فقد اختلت القاعدة. وقد اطلعت على رأي لبعض طلبة العلم رأوا فيه أنه إذا لم يكن للقتيل إلا ابن قاصر فإنه يحبس القاتل لحين بلوغ القاصر وحلفه الأيمان، وحيث إن هذا الرأي لا يستند إلى نص من أقوال أهل العلم حسبما اطلعت عليه، أردت إيضاح هذه النقطة بالذات ليكون طالب العلم على بينة من أمره. وفي الختام أرجو من إخواني طلبة العلم وخصوصا ممن ابتلي بنظر شيء من الدماء أن يحرصوا على الاطلاع على أقوال أهل العلم قبل البت في القضية، وأن يكون رائدهم إصابة الحق وأن يتركوا التعصب لرأي رأوه، طالما أن شخصا ولو كان في نظرهم أقل منهم أرشدهم إلى دليل أقوى مما رأوه، وأسأل الله العلي القدير أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه إنه على كل شيء قدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. غنيم بن مبارك بن غنيم

стр. 4297

صفحة فارغة

стр. 4298

الدكتور طه جابر العلواني - أستاذ في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعضو أمناء معهد الفكر الإسلامي، ومسئول البحث العلمي فيه. - محقق كتاب المحصول للإمام فخر الدين الرازي في أصول الفقه، وله كتاب التقليد، وله عدد من المقالات

стр. 4299

صفحة فارغة

стр. 4300

تعليل الأحكام الشرعية واختلاف العلماء فيه وحقيقة موقف الحنابلة منه وأثر ذلك في حجية القياس بقلم الدكتور طه جابر فياض العلواني التعليل لغة: (العلة) -بالكسر- معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل، ومنه سمي المرض (علة). و (العلة): الحدث يشغل صاحبه عن وجهه، كأن تلك (العلة) قد صارت شغلا ثانيا منعه عن شغله الأول. و (المعلل): دافع جابي الضرائب بالعلل. و (التعلة والعلالة): ما يتعلل به. و (علله تعليلا) لهاه به.

стр. 4301

و (هذا علة لهذا) - أي: سبب. و (اعتل): إذا تمسك بحجة (١) ذكر معناه الفارابي. و (أعله): جعله ذا علة ومنه إعلالات الفقهاء، واعتلالاتهم (٢). التعليل اصطلاحا: من الواضح أن التعليل كان ظاهرا بينا في الكثير من آيات القرآن العظيم، كما هو ظاهر كذلك في أحاديث كثيرة فالله يقول- معللا إيجاد العباد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣) ويعلل إرسال الرسل بقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٤) وعلل تشريع القصاص بحفظ النفوس: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٥). وعلل بعض التشريعات الخاصة كتعليل أمر الله لرسوله بالزواج من زينب بقوله: ﴿لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ (٦) وغير ذلك كثير. كما علل رسول الله ﷺ أمورا كثيرة صراحة وإيماء - فمنها قوله ﵊: «كنت قد نهيتكم عن لحوم الأضاحي من أجل الدافة، فكلوا وادخروا (٧)». ونحو قوله: «لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (٨)».

стр. 4302

ولقد أدرك أصحاب رسول الله ﷺ ذلك فساروا عليه، ونهجوا نهجه، والمتتبع لاجتهادات الصحابة، وطرائق استنباطهم، يلاحظ -بوضوح- بناءهم معظم ما قالوا به على التعليل بالمصلحة، أو سد الذرائع، ودفع المفاسد، وتوقف العمل بالحكم لزوال علته.

стр. 4303

الخلاف في التعليل: مع كل ما تقدم فإن شيوع كلمة (التعليل) وظهورها كمصطلح أصولي لم يظهر بشكل واضح إلا في عصر التمذهب الفقهي، وقد كان لمباحث الإمام الشافعي الأصولية، والضوابط -التي تولى إيضاحها ونقده للتوسع في استعمال الرأي- أثرها في دفع العلماء إلى البحث في التعليل، والنظر في ماهيته، والعمل على ضبط قواعده وتحديد مسالكه وطرائقه. وقد تأثرت مذاهب الأصوليين في (التعليل) إلى حد كبير بمذاهبهم الكلامية: فالذين ساغ في مذاهبهم الكلامية (تعليل) أفعال الله -تعالى- وأحكامه، ولم يروا في ذلك ما ينافي التوحيد أو يخدشه -كان (للتعليل) - في نظرهم مفهوم ينسجم مع هذا المذهب. والذين رأوا أن القول (بالتعليل) - هو نفسه القول (بالغرض) الذي ينافي التوحيد وقفوا من التعليل ومن حقيقته موقفا آخر. يتفق مع مذهبهم هذا. والمذاهب الكبرى في (التعليل) هي:

стр. 4304

مذهب المعتزلة: والمعتزلة يرون أن لكل معلول علة مؤثرة بذاتها: أنى وجدت أنتجت شيئا مشابها دون حاجة إلى شيء آخر: فالعلة -عندهم- وصف ذاتي لا يتوقف على جعل جاعل،

стр. 4305

ويعبر عنه تارة (بالموثر) وتارة (بالموجب). وهذا بناء على مذهبهم الكلامي وقولهم (بالحسن والقبح العقليين) و (وجوب الأصلح)

стр. 4306

مذهب الأشاعرة: مذهب الأشاعرة أن لا موجد لشيء -على الحقيقة- إلا واجب الوجود لذاته، والأسباب معدات لقبول الوجود، لا محدثات والفعل يستند وجوده إلى القدرة - التي تنتهي إلى مسبب الأسباب، فهو سبحانه الخالق للعلة وأثرها معا، لا يشاركه في الخلق غيره، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق -كلهم- الجنة: لم يكن حيفا، ولو أدخلهم النار: لم يكن جورا. والواجبات كلها سمعية، والعقل لا يوجب شيئا ولا يقتضيه (١)، ولذلك فإن جمهورهم على أن العلل العقلية غير مؤثرة إلا على معنى جريان سنة الله -تعالى- بخلق آثارها عقبها، وأما العلل الشرعية - فهي مجرد أمارات لإيجاب الله -تعالى- الأحكام عندها. وهم لا ينكرون أن الله -تعالى- قد أناط المصالح بها تفضلا منها وإحسانا، ولكنهم يقولون: لو شاء لجعل المصلحة في ضد ذلك، وأن له -سبحانه- أن ينيطها بهذا الحكم، أو سواه ولو لم يفعل لم يكن ذلك عبثا. وذلك تخلصا من مخالفة ما يذهبون إليه من منع تأثير الحادث بالقديم، والعلة حادثة والحكم قديم: فلا يجوز تعليل القديم بالحادث، فأفعاله -تعالى- لا تعلل بالأغراض، والأحكام لا تتبع الحكم والمصالح - وإن كانت هذه الحكم والمصالح من ثمراتها ولكنها ليست غائية لها: وكل الآيات الكريمة -التي جاء التعليل فيها صريحا يؤولونها بهذا - أي: أن ما علل به ليس غرضا ولا علة غائية، ولكنه يشتمل عليه الحكم فقط (٢). أو أنه من قبيل الاستعارة التبعية تشبيها لها بالأغراض والبواعث (٣). ولذلك فقد

стр. 4307

صرح جمهورهم: (بأنه لا يجوز التعليل مطلقا). (١).

стр. 4308

مذهب الماتريدية: يرى الماتريدية: أن أفعال الله -تعالى- معللة بمصالح العباد، ويخالفون المعتزلة بأن الأصلح غير واجب عليه -تعالى- وإنما هو التفضل منه جل شأنه والإحسان (١). ويشددون النكير على من لا يقولون بذلك، يقول صاحب التلويح: (وما أبعد من الحق قول من قال: إنها غير معللة بها، فإن بعثة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لاهتداء الخلق، وإظهار المعجزات لتصديقهم، فمن أنكر التعليل فقد أنكر النبوة، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (٣)، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ودالة على ما قلنا. وأيضا: لو لم يفعل لغرض -أصلا-: يلزم العبث) (٤). ويرد حجة المانعين للتعليل تنزيها له -سبحانه- عن الغرض بأن الغرض عائد إلى العبد لتحقيق نفعه، أو لدفع الضر عنه، ولذلك فإن المحذور الذي يخافون الوقوع به من القول بالتعليل غير وارد: فالعبد هو المستكمل بالغرض لا الباري جل شأنه (٥). وذلك لإجماع العقلاء على أن ما عدا الواجب -جل شأنه- لا يصلح أن يكون مصدرا لآثار البرهان القطعي الدال على ذلك، فتوقف التأثير في المعلولات على العلل شرعية كانت أو عقلية لنقص في المعلولات لا لعجز في الواجب جل شأنه، فمنفعة تعليل الأحكام بمصالح العباد ترجع إليهم (٦).

стр. 4309

مذهب الحنابلة: لم نعثر على كلام صريح في التعليل للإمام أحمد ﵀ وأما أتباعه فقد

стр. 4310

اختلفوا في هذا، وتعددت أقوالهم: فالقاضي أبو يعلى يقول: (ولا يجوز أن يفعل الله -سبحانه- الشيء لغرض ولا لداع: خلافا للقدرية والبراهمة والثنوية وأهل التناسخ وغيرهم من طوائف البدع. والدليل عليه: أن الأغراض والعلل لا تجوز إلا على من جازت عليه المضار والمنافع، ويكون محتاجا (١). وفي المسودة ورد قوله: (. . . قد أطلق غير واحد -من أصحابنا- القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل والحلواني وغيرهم في غير موضع: أن علل الشرع إنما هي أمارات وعلامات نصبها الله أدلة على الأحكام، فهي تجري مجرى الأسماء. ثم قال: وهذا الكلام ليس بصحيح على الإطلاق، والكلام في حقيقة العلل الشرعية فيه طول: ذكر ابن عقيل وغيره: أنها وإن كانت أمارات فإنها موجبة لمصالح ودافعة لمفاسد وليست من جنس الأمارات العاطلة الساذجة العاطلة عن الإيجاب (٢). أما (العلل العقلية) - فقد قالوا فيها: القياس العقلي حجة يجب العمل به، ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع. وبهذا قال جماعة من الفقهاء والمتكلمين، من أهل الإثبات. . . وذهب قوم من أهل الحديث وأهل الظاهر- فيما ذكره ابن عقيل: إلى أن حجج العقول باطلة، والنظر فيها حرام، والتقليد واجب. وقد نقل عن أحمد الاحتجاج بدلائل العقول (٣). وأما شيخ الإسلام ابن تيمية - فإنه يجعل القول بالتعليل مظهرا من مظاهر التوحيد الهامة، وذلك أثناء كلامه عن التعليل بأكثر من علة، حيث أشار إلى وجوب تظافر العلل وعدم جواز استقلال علة واحدة بالتأثير، إذ أن الاستقلال بالفعل من خصائص رب العالمين، فيقول ﵀: (لا يكون في العالم شيء بالفعل موجود عن بعض الأسباب
следующие страницы →