← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

مذهب الأشاعرة: مذهب الأشاعرة أن لا موجد لشيء -على الحقيقة- إلا واجب الوجود لذاته، والأسباب معدات لقبول الوجود، لا محدثات والفعل يستند وجوده إلى القدرة - التي تنتهي إلى مسبب الأسباب، فهو سبحانه الخالق للعلة وأثرها معا، لا يشاركه في الخلق غيره، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق -كلهم- الجنة: لم يكن حيفا، ولو أدخلهم النار: لم يكن جورا. والواجبات كلها سمعية، والعقل لا يوجب شيئا ولا يقتضيه (١)، ولذلك فإن جمهورهم على أن العلل العقلية غير مؤثرة إلا على معنى جريان سنة الله -تعالى- بخلق آثارها عقبها، وأما العلل الشرعية - فهي مجرد أمارات لإيجاب الله -تعالى- الأحكام عندها. وهم لا ينكرون أن الله -تعالى- قد أناط المصالح بها تفضلا منها وإحسانا، ولكنهم يقولون: لو شاء لجعل المصلحة في ضد ذلك، وأن له -سبحانه- أن ينيطها بهذا الحكم، أو سواه ولو لم يفعل لم يكن ذلك عبثا. وذلك تخلصا من مخالفة ما يذهبون إليه من منع تأثير الحادث بالقديم، والعلة حادثة والحكم قديم: فلا يجوز تعليل القديم بالحادث، فأفعاله -تعالى- لا تعلل بالأغراض، والأحكام لا تتبع الحكم والمصالح - وإن كانت هذه الحكم والمصالح من ثمراتها ولكنها ليست غائية لها: وكل الآيات الكريمة -التي جاء التعليل فيها صريحا يؤولونها بهذا - أي: أن ما علل به ليس غرضا ولا علة غائية، ولكنه يشتمل عليه الحكم فقط (٢). أو أنه من قبيل الاستعارة التبعية تشبيها لها بالأغراض والبواعث (٣). ولذلك فقد

стр. 4307

صرح جمهورهم: (بأنه لا يجوز التعليل مطلقا). (١).

стр. 4308

مذهب الماتريدية: يرى الماتريدية: أن أفعال الله -تعالى- معللة بمصالح العباد، ويخالفون المعتزلة بأن الأصلح غير واجب عليه -تعالى- وإنما هو التفضل منه جل شأنه والإحسان (١). ويشددون النكير على من لا يقولون بذلك، يقول صاحب التلويح: (وما أبعد من الحق قول من قال: إنها غير معللة بها، فإن بعثة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لاهتداء الخلق، وإظهار المعجزات لتصديقهم، فمن أنكر التعليل فقد أنكر النبوة، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (٣)، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ودالة على ما قلنا. وأيضا: لو لم يفعل لغرض -أصلا-: يلزم العبث) (٤). ويرد حجة المانعين للتعليل تنزيها له -سبحانه- عن الغرض بأن الغرض عائد إلى العبد لتحقيق نفعه، أو لدفع الضر عنه، ولذلك فإن المحذور الذي يخافون الوقوع به من القول بالتعليل غير وارد: فالعبد هو المستكمل بالغرض لا الباري جل شأنه (٥). وذلك لإجماع العقلاء على أن ما عدا الواجب -جل شأنه- لا يصلح أن يكون مصدرا لآثار البرهان القطعي الدال على ذلك، فتوقف التأثير في المعلولات على العلل شرعية كانت أو عقلية لنقص في المعلولات لا لعجز في الواجب جل شأنه، فمنفعة تعليل الأحكام بمصالح العباد ترجع إليهم (٦).

стр. 4309

مذهب الحنابلة: لم نعثر على كلام صريح في التعليل للإمام أحمد ﵀ وأما أتباعه فقد

стр. 4310

اختلفوا في هذا، وتعددت أقوالهم: فالقاضي أبو يعلى يقول: (ولا يجوز أن يفعل الله -سبحانه- الشيء لغرض ولا لداع: خلافا للقدرية والبراهمة والثنوية وأهل التناسخ وغيرهم من طوائف البدع. والدليل عليه: أن الأغراض والعلل لا تجوز إلا على من جازت عليه المضار والمنافع، ويكون محتاجا (١). وفي المسودة ورد قوله: (. . . قد أطلق غير واحد -من أصحابنا- القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل والحلواني وغيرهم في غير موضع: أن علل الشرع إنما هي أمارات وعلامات نصبها الله أدلة على الأحكام، فهي تجري مجرى الأسماء. ثم قال: وهذا الكلام ليس بصحيح على الإطلاق، والكلام في حقيقة العلل الشرعية فيه طول: ذكر ابن عقيل وغيره: أنها وإن كانت أمارات فإنها موجبة لمصالح ودافعة لمفاسد وليست من جنس الأمارات العاطلة الساذجة العاطلة عن الإيجاب (٢). أما (العلل العقلية) - فقد قالوا فيها: القياس العقلي حجة يجب العمل به، ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع. وبهذا قال جماعة من الفقهاء والمتكلمين، من أهل الإثبات. . . وذهب قوم من أهل الحديث وأهل الظاهر- فيما ذكره ابن عقيل: إلى أن حجج العقول باطلة، والنظر فيها حرام، والتقليد واجب. وقد نقل عن أحمد الاحتجاج بدلائل العقول (٣). وأما شيخ الإسلام ابن تيمية - فإنه يجعل القول بالتعليل مظهرا من مظاهر التوحيد الهامة، وذلك أثناء كلامه عن التعليل بأكثر من علة، حيث أشار إلى وجوب تظافر العلل وعدم جواز استقلال علة واحدة بالتأثير، إذ أن الاستقلال بالفعل من خصائص رب العالمين، فيقول ﵀: (لا يكون في العالم شيء بالفعل موجود عن بعض الأسباب

стр. 4311

إلا يشاركه سبب آخر له، فيكون -وإن سمي علة- مقضية سببية، لا علة تامة، ويكون كل منها شرطا للآخر. كما أنه ليس في العالم سبب إلا وله مانع يمنعه في الفعل، فكل ما في المخلوق مما يسمى علة أو سببا أو قادرا أو فاعلا أو مؤثرا فله شريك هو له كالشرط، وله معارض هو له مانع وضد، وقد قال سبحانه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ (١) والزوج يراد به النظير المماثل، والضد المخالف وهذا كثير، فما من مخلوق إلا له شريك وند، والرب -سبحانه- وحده هو الذي لا شريك له ولا ند ولا مثل، ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقا ولا ربا مطلقا ونحو ذلك، لأن ذلك يقتضي الاستقلال، والانفراد بالمفعول المصنوع وليس ذلك إلا لله وحده) (٢). ويستطرد قائلا: (. . ولا يكون في المخلوق علة إلا ما كان مركبا من أمرين فصاعدا، فليس في المخلوقات واحد يصدر عنه علة: فضلا عن أن يقال: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، بل لا يصدر من المخلوق شيء إلا عن اثنين فصاعدا). وأما الواحد الذي يفعل-وحده- فليس إلا الله، فكما أن الوحدانية واجبة له، لازمة له فالمشاركة واجبة للمخلوق لازمة له والوحدانية مستلزمة للكمال، والاشتراك مستلزم للنقصان) (٣). فأنت ترى أنه ﵀ قد اعتبر -بكل وضوح- التعليل من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها. ويشير شيخ الإسلام إلى أن الإمام أحمد يأخذ بالتعليل مسترشدا بما نقل عنه ﵀ في بعض ما يغلظ تحريمه - من قوله: (هذا كلحم خنزير ميت) (٤). كما نقل ابن القاسم عنه ﵀: أنه ذهب إلى أنه لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلا: قياسا على الذهب والفضة، وهذا ظاهر في أنه -عليه الرحمة- قد علل تحريم

стр. 4312

الربا في النقدين، ثم قاس عليهما الحديد والرصاص (١). وشيخ الإسلام ابن تيمية لا يرى حرجا باعتبار العلة مؤثرا وباعثا وداعيا - فيقول: (إن المؤثر الواحد سواء كان فاعلا بإرادة واختيار أو طبع، أو كان داعيا إلى الفعل، وباعثا عليه - متى كان له شريك في فعله وتأثيره كان معاونا ومظاهرا له) (٢). ويقول -أيضا-: (إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء هل هو على الإباحة أو التحريم - فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملا على مفسدة راجحة ظاهرة - فإنه يستحيل على الشارع الأمر به، أو إباحته، بل يقطع: أن الشرع يحرمه، لا سيما إذا كان مفضيا إلى ما يبغضه الله ورسوله). ويقول ابن القيم: (فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها). فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث: فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل (٣). ومن طرائف تعليلات شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (مررت أنا وبعض أصحابي -في زمن التتار بقوم- منهم- يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال فدعهم) (٤). وقد نص أحمد وإسحاق والأوزاعي وغيرهم: على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، وملاحظة التعليل في هذا ظاهرة

стр. 4313

الخلاصة: جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم ذهبوا: إلى أن أحكام الشرع

стр. 4314

معللة بجلب المصالح للعبد دنيوية أو أخروية، ودرء المفاسد عنه بكل أنواعها، وسواء منها ما كان معقول المعنى، وما لم يكن كذلك، ولم يخالف في هذا إلا بعض الظاهرية. ولا نزاع بين القائلين بالقياس في تعليل كل ما يجري فيه القياس، ذلك: لأن العلة ركن من أركان القياس - عند الأكثرين، وأعظم أركانه لدى الجمهور بل عدها بعضهم ركن القياس الوحيد، وما عداها -من الأركان- ليس إلا شروطا لها (١). كما اتضح أن الإمام أحمد وأصحابه مع الجمهور في القول في تعليل الأحكام، وملاحظة كل ما يمكن للعقل البشري أن يلاحظه أو يصل إليه - من وجوه العلل والحكم والمصالح العائدة للعباد في أحكام الشارع الحكيم. والإمام أحمد لا يعتبر العلة حين تصادم نصا أو تخرج عليه، فإنه يرى فيها في هذه الحالة علة غير معتبرة، وأن المستدل قد يكون أخطأ العلة فعليه مواصلة البحث والاستمرار في الجهد

стр. 4315

أقسام القياس والمقبول منها والمردود لدى الحنابلة ينقسم القياس باعتبار تبادر الذهن إليه بلا تأمل، وعدم تبادره إليه إلا بالتأمل إلى قسمين: ١ - جلي، أو في معنى الأصل. ٢ - خفي. (فالجلي) أو القياس في معنى الأصل - هو: ما قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع. مثاله: قياس الأمة على العبد، فإن الفارق -بينهما- وهو: الذكورة والأنوثة - مقطوع بنفي تأثيره، لأن الشارع لم يفرق في أحكام العتق بين الذكر والأنثى. ونحوه قياس الضرب على التأفيف عند القائلين بأنه من قبيل القياس. وقياس البول في إناء، ثم صبه في الماء الراكد، على البول بشكل مباشر.

стр. 4316

وأما (القياس الخفي) فهو: ما لم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع بأن يكون نفي الفارق مظنونا. مثاله: قياس النبيذ على الخمر في الحرمة، لأنه لا يمتنع أن تكون خصوصية الخمر معتبرة، ولذلك اختلفوا في تحريم النبيذ. ومثله قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع القتل العمد العدوان ليثبت وجوب القصاص في المثقل كما وجب في المحدد، فإن الفارق -بينهما- هو: كون أحدهما مثقلا والآخر محددا لم يقطع بإلغاء تأثيره من الشارع، بل يجوز أن يكون الفارق مؤثرا. ولذلك ذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه لا يجب القصاص في القتل بالمثقل. وبالقياس الخفي لا يشمل إلا نوعا واحدا - هو: قياس الأذى، وينقسم القياس - من حيث القطع والظن إلى قسمين: ١ - قياس مقطوع به - وهو: ما قطع فيه بعلة الحكم في الأصل، وبوجودها في الفرع - كقياس الضرب على التأفيف بجامع الإيذاء، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله في الحرمة بجامع الإتلاف عليه، وكقياس الأمة على العبد في سراية العتق. وعلى هذا فإن القياس القطعي يشمل الأولوي والمساوي الآتي ذكرهما، وبيانهما. ٢ - قياس ظني - وهو: ما لم يقطع فيه بالأمرين معا: بأن يقطع بأحدهما دون الآخر، أو بأن يكون كل منهما مظنونا، كقياس التفاح أو السفرجل على البر بجامع الطعم في كل منهما لتثبت فيه حرمة التفاضل، كما ثبتت في البر: فالعلة في البر لم يقطع بأنها الطعم لوجود احتمالات أخرى كالكيل والادخار والاقتيات. وينقسم من حيث التساوي بين الفرع والأصل في قوة الجامع في كل منهما، ومن ثم في مناسبة الحكم لكل منهما إلى:

стр. 4317

١ - قياس أولى أو أولوي - وهو ما كان الفرع فيه أولى من الأصل بالحكم كالضرب والتأفيف. ٢ - وقياس مساو: كقياس الأمة على العبد في سراية العتق. ٣ - وقياس أدنى كقياس التفاح على البر بجامع الطعم في كل منهما، ووجه الأدونية: أن التحريم ثابت في البر سواء قلنا إن العلة في التحريم - هي الطعم أو الكيل أو الاقتيات والادخار لوجود هذه الأوصاف كلها فيه: أما الفرع -وهو التفاح- فإن الحرمة فيه إنما تثبت إذا قيست على البر بجامع الطعم فقط، فإذا قيل بأن العلة في البر غير الطعم فإن قياس التفاح عليه لا يصح. وانقسام القياس إلى الأقسام التي ذكرناها - أمر متفق عليه بين القائلين بالقياس

стр. 4318

أقسام القياس باعتبار العلة للعلة أحوال بحسب ترتيب الأحكام عليها: فهناك حكم يحصل بحصول العلة يقينا، وهناك ما يحصل عقبها ظنا وهناك ما يشك بحصوله عقبها، وهناك علة يتوهم حصول الحكم عقبها. وبحسب أحوال العلة يكون القياس، وقد تقدم ذكر بعض الأقسام من حيثيات مختلفة، والآن نقسمه من حيث الجمع بنفس العلة أو غيرها. قسم الأصوليون القياس -من هذه الحيثية- إلى أقسام ستة: الأول: (قياس العلة)، وهو ما صرح فيه بالعلة، وجمع بين الفرع والأصل بها، كأن يقال: (يحرم النبيذ كالخمر بعلة الإسكار)، (ويسري عتق الشقص في الأمة كسريانه في العبد بجامع الرق)، (ويجب القصاص بالقتل بالمثقل كما يجب بالقتل بالمحدد بعلة القتل العمد العدوان في كل منهما).

стр. 4319

الثاني: (قياس الدلالة)، وهو: قياس يجمع فيه بين الفرع والأصل بدليل العلة، ليدل اشتراكهما فيه على اشتراكهما في العلة. ففي هذا النوع من القياس لا تذكر العلة صراحة، بل يجمع بين الفرع والأصل بوصف جامع لا يكون علة للحكم، لا في نفس الأمر، ولا في نظر المجتهد، لأنه إما ملزوم العلة أو أثرها أو حكمها فأما الجمع بملزوم العلة - فكالجمع بين النبيذ والخمر بالرائحة المشتدة المطربة، كأن يقال: (النبيذ ذو رائحة شديدة مطربة كالخمر: فيحرم) فالعلة هي (الإسكار)، ولكن الرائحة المشتدة ملزوم للإسكار، ومثال الجمع بأثر العلة: إلحاق القتل بالمثقل بالقتل بالمحدد في وجوب القصاص بجامع (الإثم) في كل منهما: كأن يقال: (القاتل بالمثقل آثم كالقاتل بالمحدد، فيجب عليه القصاص). فالإثم أثر العلة التي هي القتل العمد العدوان. ومثال الجمع بحكم العلة: الحكم بحياة شعر المرأة قياسا على سائر شعر بدنها بجامع حله بالنكاح، وحرمته بالطلاق. وكقولهم بجواز رهن المشاع قياسا على جواز بيعه بجامع جواز البيع. وتقول الشافعية والحنابلة بوجوب الزكاة في مال الصبي قياسا على مال البالغ بجامع أنه مال نام. الثالث: (قياس المعنى)، أو (القياس الذي في معنى الأصل)، وهو: أن يجمع بين الفرع والأصل بنفي الفارق بينهما. وهذا عند من يسميه قياسا كالإمام الشافعي (١) وإلا فالأكثرون يسمونه بتنقيح المناط (٢). الرابع: (قياس الشبه)، وقد اختلفوا في تفسيره، كما اختلفوا في حجيته ففسره القاضي أبو يعلى: بأنه القياس الخفي، (٣) وقال في موضع آخر: إنه المتردد بين أصلين (٤)، وهو نفس التفسير المنقول عن الإمام أبي يوسف - صاحب أبي حنيفة (٥).

стр. 4320

وعرفه القاضي الباقلاني: بأنه الوصف الذي لا يناسب الحكم بذاته، لكنه يكون مستلزما لما يناسبه بذاته (١). وأما الإمام الشافعي - فقد سمى هذا النوع من القياس بقياس (غلبة الأشباه) فقال: (القياس من وجهين: أحدهما: أن يكون الشيء في معنى الأصل، فلا يختلف القياس فيه. وأن يكون الشيء له في الأصول أشباه، فذلك يلحق بأولاها وأكثرها شبها فيه، وقد يختلف القايسون في هذا) (٢)

стр. 4321

تعريف القياس لغة واصطلاحا تعريفه لغة: قياس: من جموع (قوس). كذلك - هو مصدر ل (قاس) كالقيس، ولكنه أكثر دورانا على الألسنة منه. وقد استعمل -في اللغة- في معان متعددة منها: ١ - (التقدير)، يقال: (قست الشيء بالشيء) أي: قدرته به، و (قايست بين الأمرين) أي: قدرت بينهما. ٢ - ويطلق على (التسوية) بنوعيها: الحسي - كأن يقال: (قست النعل بالنعل) - أي: ساويتها بها. والمعنوي كقولهم: (فلان لا يقاس بفلان) - أي: لا يساوى به، وكقول الشاعر: خف يا كريم على عرض يدنسه ... مقال كل سفيه لا يقاس بكا ٣ - ويطلق على استعلام المقدار - أي: طلب معرفة مقدار الشيء، ومنه قول الشاعر: إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت

стр. 4322

وقولهم: (مقياس النيل). ٤ - وتأتي بمعنى (الاقتداء والتأسي)، يقال: فلان يقتاس بفلان) أي: يقتدي به، ويأتسي بفعاله. و (يقايس فلانا) أي: يجاريه. . . ٥ - وذكر بعضهم: أنه يرد بمعنى المماثلة، وأنه مأخوذ منها - يقال: (هذا قياس هذا) - أي: مثله، وهي لازمة للتسوية، إذ يلزم من التسوية المشابهة. ٦ - كما يتضمن معنى (الإصابة)، حيث يقال: (قست الهدف) إذا أصبته. وهناك استعمالات أخرى لهذه الكلمة، وجل هذه الاستعمالات يرجع بشكل أو بآخر إلى المعاني الثلاثة الأولة (١). في أي هذه المعاني استعمل اللفظ -على سبيل الحقيقة- وفي أيها استخدم على سبيل المجاز؟. اختلف أهل اللغة والأصول- في أي المعاني المذكورة استعمل - على سبيل الحقيقة، وفي أيها استعمل على سبيل المجاز على أقوال: ١ - فذهب بعضهم: إلى أنه مشترك لفظي بين المعاني الثلاث الأولى. ٢ - وذهب آخرون: إلى أنه حقيقة في التقدير مجاز في غيره، بما فيها التسوية - التي هي لازمة من لوازمه. ٣ - وذهب البعض: إلى أنه مشترك معنوي بين التقدير والتسوية، فهو - وإن كان مجازا في المعنى الثاني في البداية ولكنه تحول إلى حقيقة عرفية بعد ذلك فيه، فيكون اللفظ حقيقة في التقدير، وللتقدير معنى كلي تحته فردان - وهما: استعلام القدر. والتسوية في المقدار حسية كانت أو معنوية.

стр. 4323

تعديته: وبعدي ب (الباء) وب (على) والجاري على ألسنة الفقهاء والأصوليين تعديته ب (على)، وأما تعديته ب (إلى)، كما في قول المتنبي: بمن أضرب الأمثال أم من أقيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهر فذلك لتضمينه معنى الضم والجمع، كما قاله الواحدي وغيره من شراح ديوانه (١). أي المعاني أقرب إلى المعنى الاصطلاحي؟ لقد تبين لنا أن (التسوية) من أهم المعاني التي تراد من لفظ (القياس) وقد لاحظ الأصوليون هذا المعنى عند تعريفهم للقياس المطلوب، ولذلك عرفوه بالمساواة الخاصة، أو بما يتضمن هذه المساواة، ويشتمل عليها - كما ستعرفه عند عرض التعاريف الاصطلاحية للقياس.

стр. 4324

حقيقة القياس عند الأصوليين: اختلفت عبارات الأصوليين - في تعريف القياس وبيان حقيقته. فقال بعضهم: - هو: (مساواة المسكوت للمنصوص في علة الحكم). - وقيل: (تقدير للفرع بالأصل في الحكم والعلة). - وقيل: (تشبيه الفرع بالأصل في علة حكمه). - وقيل: (بذل المجتهد الجهد في استخراج الحق). - وقيل: (حمل الشيء على غيره بإجراء حكمه عليه لعلة مشتركة). - وقيل: (إثبات لحكم الأصل للفرع مع تشريك). - وقيل: (تسوية الفرع بالأصل في العلة والحكم). - وقيل: (إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت).

стр. 4325

- والذي اختاره الآمدي وابن الحاجب - هو: (مساواة فرع لأصل في علة حكمه (١). - وعرفه البيضاوي: بأنه إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت (٢). - وقال الإمام الرازي: أسد ما قيل -في هذا الباب- تلخيصا وجهان: الأول: ما ذكره القاضي أبو بكر واختاره جمهور المحققين -منا-: أنه حمل لمعلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما - من حكم أو صفة، أو نفيهما عنه) (٣). - وأما التعريف الثاني الذي اختاره الإمام -فهو تعريف أبي الحسين البصري - وهو: تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد) (٤). - ثم اختار عليهما -مع ترجيحه لهما- التعريف الذي اختاره البيضاوي وهو: (إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لاشتباههما في علة الحكم عند المثبت) (٥).

стр. 4326

أسباب اختلاف تعاريفهم: وقبل الخوض في شرح التعريف المختار، وبيان رجحانه على غيره نود أن نشير إلى أبرز أسباب اختلاف هذه التعريفات: لقد اختلف الأصوليون في القياس، هل هو دليل وأمارة وعلامة على الحكم الشرعي نصبه الشارع للدلالة على الحكم الشرعي كالأدلة السمعية من الكتاب والسنة، وأنه يدل على الحكم الشرعي ويكشف عنه، سواء أوقف عليه المجتهد ونظر فيه، وعرف الحكم عن طريقه أم لا. أم هو إثبات للحكم يقوم به المجتهد؟. إلى كل من المذهبين ذهب فريق.

стр. 4327

فالآمدي وابن الحاجب وابن الهمام وصاحب فواتح الرحموت، والتفتازاني وآخرون ذهبوا إلى الأول، ولذلك عبروا بنحو (مساواة فرع) أو ما يفيد ذلك وقد استحسن التعبير بهذا البزدوي والفيزي والأستاذ - فقد نقل عنه الشوكاني والزركشي قوله: (اختلف أصحابنا فيما وضع له اسم القياس على قولين: أحدهما: أنه استدلال المجتهد وفكرة المستنبط. والثاني: أنه المعنى الذي يدل على الحكم في أصل الشيء وفرعه. قال: وهذا هو الصحيح. والجمهور الذين استحسنوا هذا وذهبوا إلى أن القياس دليل نصبه الشارع وقف عليه المجتهد أم لم يقف. استدلوا لما ذهبوا إليه: ١ - بأن ذلك هو الأنسب للمعنى اللغوي للقياس وهو التوسية أو المساواة. ٢ - أن عمل المجتهد لبيان مماثلة حكم الفرع لحكم الأصل -ليس إلا ثمرة للمساواة التي كانت موجودة بينهما- قبل وقوفه عليها واكتشافه لها - فهي الدليل الحقيقي على الحكم، لا عمل المجتهد. ٣ - أن القياس من مدارك الشريعة، كالكتاب والسنة: فيلزم أن يكون موجودا قبل اجتهاد المجتهد. وأما القائلون بأنه فعل المجتهد -فقد اختاروا من التعاريف ما يفيد ذلك أو يشير إليه- كقولهم: (حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به على الأصل أو (بذل الجهد في طلب الحق)، أو (إلحاق المختلف فيه بالمتفق عليه)، أو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع إلى غير ذلك. وقد استدلوا لما ذهبوا إليه في ذلك بما يلي: ١ - أن تلك المساواة -في حد ذاتها- لا فائدة منها، ولا يترتب أثر عليها إلا بعد أن

стр. 4328

ينظر المجتهد، ويعمل فكره، ويبذل جهده لإظهارها، ثم يلحق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بوساطتها. ١ - أن القياس -باعتباره عمل المجتهد- هو المعول عليه في استنباط الأحكام - التي لا نص فيها ولاإجماع. ٢ - أن هذا المعنى هو المناسب لتعابير المجتهدين والفقهاء في مثل قولهم: (قاس فلان كذا على كذا) أي: حمله عليه وشبهه به، وساواه به وكل ذلك يدل على نسبة الفعل إلى المجتهد. والتحقيق: أن (الحمل والإثبات والجعل) ونحوها لم تجعل دليلا على حكم الفرع إلا بالنظر لكونه ناشئا عن تلك المساواة فهي -في الحقيقة- الدليل والأمارة، لكن لما كانت لا تعرف إلا بفعل المجتهد أطلق لفظ القياس على هذا الفعل -على سبيل المجاز المرسل، ثم صار هذا اللفظ حقيقة عرفية في فعل المجتهد، بحيث لا يفهم منه- عند الإطلاق إلا هو- كما صرح بذلك بعض المحققين. وبذلك يظهر أنه كما يصح تعريف القياس ب (المساواة) يصح تعريفه بنحو (الإثبات)، بل إن التعريف الثاني أصح وأولى من التعريف الأول وأشهر: فلا معنى لتخطئة المعرفين به (١).

стр. 4329

شرح التعريف المختار: قد اتضح أن التعريف الذي اختاره جمهور المحققين من الأصوليين هو تعريف القاضي أبو بكر الباقلاني - وهو: (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة، أو نفيهما عنه). وأبرز ما يمتاز به هذا التعريف عن التعاريف الأخرى: ١ - أنه لا يرد عليه ما ورد على غيره من الاعتراضات ومع أن الإمامين الرازي والآمدي قد أوردا عليه جملة من الاعتراضات إلا أنها اعتراضات كثير منها لا يرد

стр. 4330

وبعضها مما يسهل رده. ٢ - أنه لاحظ القياس بالصفتين: فلاحظ كونه عمل المجتهد - حيث قال: (حمل معلوم على معلوم). كما لاحظ ما هو دليل المجتهد على هذا الحمل - وهو: المساواة في العلة. وأما معنى التعريف وشرحه -على الجملة- فهو: إلحاق متصور بمتصور آخر في حكمه، لوجود جامع بينهما، وهذا الإلحاق كما يكون على سبيل الثبوت يكون على سبيل النفي. وكذلك (الجامع) قد يكون وصفا حقيقيا، وقد يكون حكما شرعيا، وكل واحد منهما - قد يكون إثباتا وقد يكون نفيا. أما شرحه على التفصيل - فهو: قوله: (حمل. . .) جنس في التعريف - بمعنى إلحاق متصور وهو الفرع بمتصور، وهو الأصل. وقوله: (معلوم على معلوم) أراد بالمعلوم الأول الفرع وبالمعلوم الثاني الأصل، وإنما عبر به في الموضعين ولم يعبر ب (الشيء): لأن القياس يجري في الموجود وفي المعدوم - سواء أكان ذلك المعدوم جائزا ممكنا أم مستحيلا ممتنعا و (المعلوم) يشمل كلا من الموجود والمعدوم بقسميه. وأما (الشيء) فهو الثابت المتقرر في الخارج: فلا يشمل المعدوم الممتنع باتفاق الأشاعرة والمعتزلة. كما لا يشمل المعدوم الممكن عند الأشاعرة وإن كان يشمله عند المعتزلة، لأنه -عندهم- ثابت ومتقرر في الخارج -وإن كان غير متصف بصفة الوجود- فلو عبر ب (الشيء) لكان التعريف غير جامع عند الفريقين للقياس في المعدوم الممتنع وغير جامع عند الأشاعرة للقياس في المعدوم الممكن. مثال القياس في الممتنع: قياس المؤثر من الحوادث مع الله -تعالى- على الشريك له -سبحانه- في أنه لا يجوز اعتقاده، بجامع أن كلا منهما يترتب عليه فساد الكون وخراب العالم.

стр. 4331

ومثال قياس المعدوم الممكن: قياس العنقاء على الغول في جواز الوجود بجامع أنه لا يترتب عليه محال. ويرجع التعبير ب (المعلوم) في الموضعين، ويقدم على التعبير ب (الفرع) و (الأصل) لأمرين. أولهما: رفع إيهام هذين المعلومين لا بد أن يكونا وجوديين، ذلك الإيهام الناشئ عن أن (الأصل): ما يبنى عليه غيره و (الفرع): ما يبنى على غيره - مع أنهما قد يكونان عدميين، كما تقدم. وثانيهما: رفع إيهام أن هذا التعريف حينئذ يشتمل على الدور، لأنه قد يقال: إن تصور كل من (الأصل) و (الفرع) فرع عن تصور نفس القياس، لأن (الأصل) هو المقيس عليه و (الفرع) هو: المقيس، فكل منهما مشتق من (القياس) ومعرفة المشتق تتوقف على معرفة المشتق منه: فتكون معرفة (الأصل) و (الفرع) متوقفة على معرفة القياس؛ مع أن المفروض أن معرفة القياس هي المتوقف على معرفتها: فيكون المتوقف قد حدث من جانبي التعريف، وهو حقيقة الدور. وبذلك يتضح أن التعبير ب (معلوم على معلوم) أصح وأولى من التعبير ب (الأصل والفرع) لأنه لا يترتب عليه شيء مما ذكرنا. وأما قوله: (في إثبات حكم) ف (الإثبات) يراد منه القدر المشترك بين العلم والاعتقاد والظن سواء تعلقت هذه الثلاثة بثبوت الحكم أو بعدمه وقد يطلق لفظ (الإثبات) ويراد به الخبر باللسان لدلالته عليه. وإن كان معناه -في الأصل- إدراك الثبوت - أي: التصديق بثبوت أمر لأمر، فهو: التصديق المتعلق بالنسبة الثبوتية. ويصح أن يراد به: التصديق المعلق بالنسبة -مطلقا- سواء أكانت ثبوتية إيجابية، أم كانت التقائية سلبية، - وهو: حكم الذهن بأمر على أمر أي: بثبوت أمر لأمر أو بانتفائه عنه: كالحكم بأن الوتر مندوب، والخمر حرام، وبأن الكلب لا يصح بيعه، والحائض لا تجب عليها الصلاة.

стр. 4332

وأما لفظ (حكم) - فالحكم: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. والحكم قد يكون إثباتا، وقد يكون نفيا. وقوله: (بجامع بينهما. .) الجامع هو العلة، والجامع قد يكون أمرا حقيقيا، وقد يكون حكما شرعيا، وكل واحد منهما قد يكون نفيا وقد يكون إثباتا. وأما الاعتراضات عليه فمناقشاتها يمكن لارجوع إليها في نحو المحصول والأحكام ونحوهما.

стр. 4333

العلة ووجوه الاجتهاد فيها العلة -في الأصل- ما يتأثر المحل بوجوده، ولذلك سمي المرض (علة) (١) لأن بحلوله يتغير الحال من القوة إلى الضعف أو هي الداعي إلى فعل الشيء. أو سببه، فيقال: (هذا علة كذا) - أي سببه

стр. 4334

العلة - في الاصطلاح: اختلف الأصوليون في تعريفها. ١ - فعرفها الغزالي: بأنها (الوصف المؤثر في الحكم، لا بذاته، بل بجعل الشارع) (١). ٢ - وعرفها المعتزلة بأنها (الوصف المؤثر في الحكم بذاته)، أو (الموجب).

стр. 4335

٣ - وعرفها آخرون - بأنها (الوصف الباعث على الحكم)، أو (الداعي) له واختاره الآمدي وابن الحاجب والحنفية. وكل من هذه التعريفات عليه إيرادات واعتراضات وإجابات عن تلك الاعتراضات، تكفلت بإيرادها المطولات. ٤ - وقد اختار الإمام الرازي ونحوه تعريفها - بأنها (الوصف المعرف للحكم). وقد رجح كثيرون هذا التعريف، واختاروه ومنه ابن السبكي - حيث نسبه إلى (أهل الحق) (١). شرح هذا التعريف: قوله: (الوصف) - هو: المعنى القائم بالغير، وهو جنس في التعريف يشمل سائر الأوصاف: سواء أكانت مؤثرة أو معرفة، معتبرة عند الشارع، أو غير معتبرة، وقوله: (المعرف) قيد أول كالفصل معناه: الذي جعل علامة على الحكم من غير تأثير فيه ولا أن يكون باعثا عليه. وقد خرج به كل وصف لا يحصل به تعريف. وقوله: (للحكم) قيد ثاني والمتبادر منه الاستغراق لأنه لم يتقدم له ذكر لحكم معهود، فيكون شاملا لحكم الأصل والفرع معا، ومن غير فرق بين أن تكون العلة مستنبطة أو منصوصة. وقد خرج به المعرف لغير الحكم كالمانع، فإنه معرف لنقيض الحكم، لا للحكم. وقد زاد بعضهم عليه قيدا آخر وهو: (بحيث يضاف إليه)، وقد أراد من زاد هذا القيد إخراج العلامات الشرعية التي لا تكون علة كالأذان فهو علامة على وجوب الصلاة بدخول وقتها وليس علة للوجوب. واعترض على التعريف بأن فيه دورا، وقد دفع الجمهور ذلك فلا تطيل بإيراد الاعتراض ودفعه

стр. 4336

وجوه الاجتهاد في العلة: مما يتعلق بالعلة وتلزم معرفته أمور ثلاثة هي:

стр. 4337

١ - تنقيح المناط. ٢ - تحقيق المناط. ٣ - تخريج المناط. وقد قال الإمام الرازي في (المحصول): (. . . واعلم أن الجمع بين الأصل والفرع تارة يكون بإلغاء الفارق والغزالي يسميه (تنقيح المناط)، وتارة باستخراج الجامع، وها هنا لا بد من بيان أن الحكم -في الأصل- معلل بكذا، ثم بيان وجود ذلك المعنى في الفرع، والغزالي يسمي الأول (تخريج المناط)، والثاني (تحقيق المناط). (١). أما ابن السبكي فقد جعل (تنقيح المناط) مغايرا لإلغاء الفارق. إذا عرفت هذا فنقول: (تنقيح المناط) مركب إضافي جعل علما على طريق من الطرق المثبتة للعلية. وأما قبل ذلك ف (التنقيح) -لغة- التهذيب والتخليص، يقال: نقح الشاعر القصيدة إذا هذبها وخلصها مما لا يحسن بقاؤه فيها. وأما (المناط) - فهو -في الأصل- مصدر ميمي بمعنى اسم المكان، ومعناه: الإناطة والتعلق، فمناط الحكم هو الشيء الذي علق عليه الحكم وأنيط به. أو ما أضاف الشرع الحكم إليه، ونصبه علامة عليه. وأما معناه الاصطلاحي -فقد عرفه البيضاوي - بأنه: (بيان المستدل) إلغاء الفارق بين الأصل والفرع ليتعين المشترك بينهما للعلية. وبذلك يكون تنقيح المناط -عنده- مساويا لإلغاء الفارق، لا مغايرا له كما قال ابن السبكي (٢). ولبيان إلغاء الفارق طرق ثلاثة منها تنقيح المناط. وأما ابن السبكي - فقد عرف (تنقيح المناط) بقوله: (أن يدل نص ظاهر على التعليل بوصف، فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد، ويناط الحكم بالباقي). وقد ذكر شارح المحلى: أن حاصله يرجع على الاجتهاد في الحذف والتعيين (٣).

стр. 4338

ويستخلص مما قالوه: أن (تنقيح المناط) - هو اجتهاد المجتهد في تعريف الأوصاف المختلفة لمحل الحكم لتحديد ما يصلح منها مناطا للحكم، واستبعاد ما عداه بعد أن يكون قد علم مناط الحكم على الجملة. وينقسم (تنقيح المناط) إلى أقسام ثلاثة: ١ - ما عرف المناط فيه بورود الحكم مرتبا على وقوع الواقعة، ومثاله ما روي «أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: (هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان)، فقال: (أعتق رقبة) (١)»، ففهم من قول رسول الله ﷺ أمران: أحدهما: وجوب الكفارة على الأعرابي. والثاني: تعليق هذا الوجوب بما صدر منه، وجعل الفعل الصادر منه موجبا، وهذا الفعل الصادر منه مقيد بقيود: فالنظر في حذف تلك القيود أو اعتبارها نظر واجب مقول به بالاتفاق. ويتضح عمل المجتهد لتنقيح المناط في مثالنا هذا ببيان أن الجماع -في حق الأعرابي- وقع على وجوه: إذا كان حرا بالغا عاقلا، فالحكم به في العبد والصبي والمرأة إذا جومعت مأخوذ من النظر في (تنقيح المناط). وهو بالإضافة - إلى المرأة تقييد بخصوص، إذا صادف آدمية حية أنثى منكوحة حرة؛ فالحكم به في الجماع المصادف للبهيمة والميتة، والإتيان في غير المأتى من الرجال والنساء وفي المملوكة التي ليست منكوحة، وفي المنكوحة الرقيقة وفي الأجنبية المحرمة مأخوذ من فهم المناط وتنقيحه. وهو -بالإضافة- إلى العبادة التي لاقاها وأفسدها مقيد بكونه صوما فرضا أداء في رمضان؛ فالحكم فيما ليس بصوم - كالحج وفي النفل وفي أداء صوم آخر وفي القضاء مأخوذ من فهم المناط وتنقيحه وهو -بالإضافة إلى الجماع- نفسه -مخصوص بكونه إفطارا بمقصود- وهو: قضاء شهوة الفرج، فالحكم في ابتلاع الحصاة، وهو ليس بمقصود وفي الأكل وليس بقضاء شهوة الفرج مأخوذ من النظر في فهم المناط وتنقيحه. فهذه وجوه من القيود والخصوص اتفقت في الواقعة - التي فيها الحكم: بعضها محذوف لا مدخل له في الاقتضاء.

стр. 4339

وبعضها معتبر، وبعضها مختلف فيه، والبحث في الإلغاء والإبقاء على تأثيرات معقولة من مورد الشرع. والمجتهد ينظر فيها: فما عرف كونه مؤثرا أو مؤيدا لتأثير الأصل أبقاه وما علم أنه لا مدخل له في اقتضاء الحكم ألغاه. فمن الأوصاف المذكورة يعتبر البلوغ: فلا كفارة على صبي جامع في نهار رمضان، لأن الشرع اعتبر الصبا مؤثرا في إسقاط العقوبات. وأما العبد فيلحق به من ناحية، وهو كالحر المعسر، لأنهما يستويان في التكليف، وليس للرق تأثير في إفساد العبادات. وأما المرأة فملحقة في قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي بالرجل، وإن لم يتعرض لها رسول الله ﷺ . وأما على قول الشافعي الآخر فتختلف عنه، لأن للأنوثة تأثيرا في إسقاط الغرامات المالية المتعلقة بالجماع: كالمهر وثمن ماء الغسل وغيره (١). وأما القيود في حق المحل وهي المرأة: فلا تأثير للحرمة ولا للمحل قطعا: فالأمة والأجنبية في معنى المنكوحة الحرة، إذ لم يعرف للنكاح والمحل مدخل في إيجاب الكفارة: فالتحق ذلك بالأوصاف التي لا مدخل لها في التأثير، ولا في تأييد المؤثر. وأما جماع الميتة والبهيمة والإتيان في غير المأتى فهو في محل النظر: فالشافعي ﵀ يوجب الكفارة، فإنه قضاء شهوة بالجماع بخلاف الإنزال بين الغضون والأفخاذ فإن ذلك ليس جماعا. وأبو حنيفة يقول: هذا يسمى جماعا مجازا وليس المحل محل الشهوة في الأصل إلا في حق المضطر: فلا تتعدى إليه الكفارات. وأما قيود العبادة فهي مرعية. وأما الجماع -نفسه- فقد ذهب مالك ﵀ إلى حذف قيوده، وأوجب بابتلاع الحصاة، وقال: الجناية من حيث كان إفسادا والكل مفسد، موجب للقضاء مفوت لفضيلة الوقت.

стр. 4340

وأبو حنيفة اعتبر كمال الإفطار بمقصود تتشوف النفس إليه، فإن هذه عقوبة بإزاء جناية فتتأثر بما يؤثر في إثارة باعثه التشوف، فساعده الشافعي والإمام أحمد عليه، وزادا فاعتبرا كونه جماعا. فهذه وجوه من التصرفات معقولة من مورد الشرع، إذ فهم أن الكفارة منوطة بنوع جناية، وفهم مناسبتها وتأثيرها، فحكم التأثير في إلغاء القيود وإبقائها. ٢ - القسم الثاني-من أقسام تنقيح المناط -: ما عرف بالإضافة اللفظية بصيغة التسبيب من الترتيب بقاء التعقيب وترتيب الجزاء على الشرط كما سيأتي في مسالك (الإيماء). مثال المرتب بالفاء، قوله ﵊: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب (١)». ومثال المرتب بصيغة الجزم والشرط قوله ﵊: «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي (٢)». فالولوغ -في الحديث الأول- مقيد عن الكروع وغيره، والكلب قيد عن سائر الحيوانات حتى الخنزير، والإناء قيد عن الثوب وغيره، وقوله: (فليغسله) قيد عن فعل آخر: من الفرك والتشمس وغيره، وقيد من غسل غير صاحب الإناء، وقوله: (سبعا) قيد عن سائر الأعداد سواه. وقوله: (إحداهن بالتراب) قيد عن الصابون والأشنان وغيره. فنظر المجتهدين وتصرفهم -في هذه القيود- تنقيح للمناط. وأما الحديث الثاني - فقوله: (أعتق) قيد عن سائر التصرفات الأخرى: كالبيع والطلاق وغيرها. وقوله: (شركا) قيد عن نصف العبد المستخلص، والبعض المعتق من العبد، وقوله: (له) قيد عن إعتاقه ملك غيره، وقوله: (في عبد) قيد عن الأمة. وهذه القيود منها المعتبر ومنها الملغي. ٣ - القسم الثالث: ما عرف مناط الحكم فيه بحدوث حكم عقيب أمر حادث يعلم على الجملة: أن الحادث موجبه، ثم ينظر في تنقيح قيوده: كالحكم بلزوم الوضوء بخروج

стр. 4341

الخارج من السبيلين. وقد اختلف العلماء فيه: فقال أبو حنيفة ﵀ مناط الحكم خروج النجاسة: فألحق به الفصد والحجامة وكل نجاسة سالت، وقال: إحالة وجوب الطهارة على النجاسة - وقد عرف تأثيرها في الطهارة في محله أولى من إحالته على المحل الذي منه ينفصل، فسائر أجزاء البدن وأعضائه له حكم واحد في الطهارة والنجاسة: فلا يعرف للمحل مدخل فيه. وقال الشافعي ﵀: المعتبر خروج خارج من المسلك المعتاد، ولا يتبع خروج، بل يجب بخروج الدود والريح وغيرهما، وتعلقه بالريح يدل على أنه لا تتبع النجاسة -وأن قدر اشتمال الهواء المنفصل بالريح- على نجاسة فيمكن تقدير ذلك في الريح الخارج من غير المسلك المعتاد وفي الحشاء المتغير، ولا تتعلق به الطهارة بالإجماع. فكان المسلك المعتاد متبعا من حيث إن سبب وجوب الوضوء الصلاة، ولكن جعلت الأحداث التي تتكرر بالطبع على الدوام مواقيت لها: فليس في معناها الفصد والحجامة. وفي معناها انفتاح ثقبة تحت المعدة مع انسداد المسلك المعتاد، فإنه قائم مقامه. وقال مالك ﵀: بما ذكره الشافعي - وزاد عليه الاعتبار في الخارج: فلا ينتقض بالدم إذا خرج من السبيلين، وبما يندر، لأنه لا يتكرر بالطبع. وأنكر الشافعي -هذا- وأقام المحل مقام الخارج، فما يخرج من المحل المعتاد يلتحق بالخارج المعتاد - كيفما كان عنده. ومما تقدم يتضح: أن التنقيح خاص بالعلل المنصوصة: فلا يجري في العلل المستنبطة (١). وقد سماه بعض الأصوليين القياس في معنى الأصل.

стр. 4342

وأما (تحقيق المناط) -فهو إقامة الدليل على أن علة الأصل - المتفق عليها بين المعترض، والمستدل- موجودة في الفرع، سواء كانت العلة -في الأصل- منصوصة أو مستنبطة. وقد قال الغزالي فيه: (لا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه). ومثل له بالاجتهاد في تعيين الإمام بالاجتهاد مع قدرة الشارع في الإمام الأول على النص، وتقدير المقدرات، وتقدير الكفايات في نفقة الأقارب، وإيجاب المثل في قيم المتلفات، وطلب المثل في جزاء الصيد (١). ثم إن كانت العلة منصوصة أو مجمعا عليها - فإن المستدل يجتهد في بيان تحققها في الفرع: كالطواف الذي نص الشارع على أنه علة طهارة الهرة، فيجتهد المجتهد في بيان تحقق علة الطواف في الفأرة ونحوها من الفروع التي يريد إلحاقها بها. وقد تكون العلة منصوصا عليها، أومتفقا عليها بين المستدل والمعترض وتصلح أن تكون بمثابة القاعدة التي تندرج تحتها الفروع: كاندراج الجزئيات تحت القاعدة واجتهاد المجتهد -في هذه الحالة- يكون في بيان تحقق اندراج تلك الجزئية تحت الحكم الكلي أو تحقق المطلوب فيما اجتهد فيه. ومثاله قولهم: في حمار الوحش إذا قتله المحرم بقرة، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢) فتكون المثلية هي الواجب شرعا، وتعتبر بمثابة القاعدة الكلية، أما تحقق المثلية بين حمار الوحش والبقرة أو الفيل والجمل مثلا - فذلك يعلم باجتهاد المجتهد في تحقيق المماثلة بين ما قتله المحرم والجزاء الواجب عليه. ونحوه مقادير الكفاية في النفقات على الأقارب فالشارع أمر بالكفاية في النفقة، وكون هذه الكفاية تتحقق بمد من الطعام الفلاني أو غيره أمر يخضع لاعتبارات كثيرة فيجتهد المجتهد في بيان المقدار، الذي تتحقق به الكفاية المطلوبة ليكون مناطا لحكم الشارع في تلك الجزئية بموجب اجتهاده (٣).

стр. 4343

وقد قال الغزالي - بعد أن بين ذلك: ومن هذا القبيل الاجتهاد في القبلة، وليس ذلك من القياس في شيء، بل الواجب استقبال جهة القبلة وهو معلوم بالنص، أما أن هذه جهة القبلة، فإنه يعلم بالاجتهاد والأمارات الموجبة للظن عند تعذر اليقين، وكذلك حكم القاضي بقول الشهود ظني، لكن الحكم بالصدق واجب وهو معلوم بالنص، وقول العدل صدق معلوم بالظن وأمارات العدالة، والعدالة لا تعلم إلا بالظن. ثم قال-﵀: فلنعبر عن هذا الجنس بتحقيق مناط الحكم، لأن المناط معلوم بنص أو إجماع لا حاجة إلى استنباطه، لكن تعذرت معرفته باليقين فاستدل عليه بأمارات ظنية. ثم قال: وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، وهو نوع اجتهاد، والقياس مختلف فيه فكيف يكون هذا قياسا، وكيف يكون مختلفا فيه وهو ضرورة كل شريعة؟! لأن التنصيص على عدالة الأشخاص، وقدر كفاية كل شخص محال: فمن ينكر القياس ينكره حيث يمكن التعريف للحكم بالنص المحيط بمجاري الحكم) (١). وقد تبعه الموفق ابن قدامة فيما قال. وأما صاحب جمع الجوامع - فقد عرفه: بأنه إثبات العلة في آحاد صورها: كتحقيق أن النباش سارق بأنه وجد منه أخذ المال خفية - وهي السرقة: فيقطع خلافا للحنفية (٢). وبنحوه عرفه الأسنوي في شرح المنهاج (٣). وعلى كل حال فهو عمل من أعمال المجتهد: فالمجتهد ينظر -أولا- في تعرف علة الحكم الذي لم يعلل وغيرها من بين أوصاف المحل، ويثبتها بمسلك من مسالك التعليل، وهذا من (تخريج المناط). ثم يقوم بتحقيق العلة في الفرع وإقامة الدليل على وجودها فيه، وذلك (تحقيق المناط).

стр. 4344

ثم يلغي الخصوصية التي في المناط، وذلك (من تنقيح المناط). ثم يلغي الفارق المضر بالتعليل - وهو ما سموه بإلغاء الفارق. واعتبره بعضهم نفس (تنقيح المناط) (١)، وفرق بعضهم بينهما (٢). فهذه الأمور كلها في تخريج المناط، وتحقيقه وتنقيحه وإلغاء الفارق كلها أفعال المجتهد، والدليل الحقيقي على وجود العلة -في الأصل وعلى تعديتها إلى الفرع- هو المسلك. أما اعتبار الوصف وتأثيره -فإن كان بنص أو إجماع- فهذا لا خلاف فيه، وإن كان بغيره ففي بعضه خلاف موضع تفصيله في كتاب (مسالك التعليل) من كتب الأصول. وأما (تخريج المناط) فهو (استخراج علة معينة للحكم ببعض مسالك التعليل) (٣). وذلك كاستخراج علة تحريم الربا من بين الأوصاف الصالحة لأن تكون علة لذلك، وبيان ما إذا كانت الطعم أو القوت أو الكيل أو الوزن أو الادخار، فهذه العلل لم يتعرض لها الدليل، ولكن المجتهدين -هم الذين يستنبطونها بالرأي والنظر فيقولون- مثلا: حرم الله -تعالى- الربا في البر لكونه مطعوما فنلحق به الأرز. ولاستخراج العلة واستنباطها طرق محددة لدى الأصوليين: كالإيماء وإشارة النص والسير وغيرها مما هو معروف. وظاهر أن (تخريج المناط خاص بالعلل المستنبطة)

стр. 4345

حجية القياس أو التعبد به بعض الأصوليين عبر: (بحجية القياس) نحو الفخر الرازي والشيرازي والزركشي وابن السبكي والأسنوي والشوكاني.
следующие страницы →