الخارج من السبيلين.
وقد اختلف العلماء فيه:
فقال أبو حنيفة ﵀ مناط الحكم خروج النجاسة: فألحق به الفصد والحجامة وكل نجاسة سالت، وقال: إحالة وجوب الطهارة على النجاسة - وقد عرف تأثيرها في الطهارة في محله أولى من إحالته على المحل الذي منه ينفصل، فسائر أجزاء البدن وأعضائه له حكم واحد في الطهارة والنجاسة: فلا يعرف للمحل مدخل فيه.
وقال الشافعي ﵀: المعتبر خروج خارج من المسلك المعتاد، ولا يتبع خروج، بل يجب بخروج الدود والريح وغيرهما، وتعلقه بالريح يدل على أنه لا تتبع النجاسة -وأن قدر اشتمال الهواء المنفصل بالريح- على نجاسة فيمكن تقدير ذلك في الريح الخارج من غير المسلك المعتاد وفي الحشاء المتغير، ولا تتعلق به الطهارة بالإجماع. فكان المسلك المعتاد متبعا من حيث إن سبب وجوب الوضوء الصلاة، ولكن جعلت الأحداث التي تتكرر بالطبع على الدوام مواقيت لها: فليس في معناها الفصد والحجامة.
وفي معناها انفتاح ثقبة تحت المعدة مع انسداد المسلك المعتاد، فإنه قائم مقامه.
وقال مالك ﵀: بما ذكره الشافعي - وزاد عليه الاعتبار في الخارج: فلا ينتقض بالدم إذا خرج من السبيلين، وبما يندر، لأنه لا يتكرر بالطبع.
وأنكر الشافعي -هذا- وأقام المحل مقام الخارج، فما يخرج من المحل المعتاد يلتحق بالخارج المعتاد - كيفما كان عنده.
ومما تقدم يتضح: أن التنقيح خاص بالعلل المنصوصة: فلا يجري في العلل المستنبطة (١).
وقد سماه بعض الأصوليين القياس في معنى الأصل.
стр. 4342
وأما (تحقيق المناط) -فهو إقامة الدليل على أن علة الأصل - المتفق عليها بين المعترض، والمستدل- موجودة في الفرع، سواء كانت العلة -في الأصل- منصوصة أو مستنبطة.
وقد قال الغزالي فيه: (لا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه). ومثل له بالاجتهاد في تعيين الإمام بالاجتهاد مع قدرة الشارع في الإمام الأول على النص، وتقدير المقدرات، وتقدير الكفايات في نفقة الأقارب، وإيجاب المثل في قيم المتلفات، وطلب المثل في جزاء الصيد (١).
ثم إن كانت العلة منصوصة أو مجمعا عليها - فإن المستدل يجتهد في بيان تحققها في الفرع: كالطواف الذي نص الشارع على أنه علة طهارة الهرة، فيجتهد المجتهد في بيان تحقق علة الطواف في الفأرة ونحوها من الفروع التي يريد إلحاقها بها.
وقد تكون العلة منصوصا عليها، أومتفقا عليها بين المستدل والمعترض وتصلح أن تكون بمثابة القاعدة التي تندرج تحتها الفروع: كاندراج الجزئيات تحت القاعدة واجتهاد المجتهد -في هذه الحالة- يكون في بيان تحقق اندراج تلك الجزئية تحت الحكم الكلي أو تحقق المطلوب فيما اجتهد فيه.
ومثاله قولهم: في حمار الوحش إذا قتله المحرم بقرة، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢) فتكون المثلية هي الواجب شرعا، وتعتبر بمثابة القاعدة الكلية، أما تحقق المثلية بين حمار الوحش والبقرة أو الفيل والجمل مثلا - فذلك يعلم باجتهاد المجتهد في تحقيق المماثلة بين ما قتله المحرم والجزاء الواجب عليه.
ونحوه مقادير الكفاية في النفقات على الأقارب فالشارع أمر بالكفاية في النفقة، وكون هذه الكفاية تتحقق بمد من الطعام الفلاني أو غيره أمر يخضع لاعتبارات كثيرة فيجتهد المجتهد في بيان المقدار، الذي تتحقق به الكفاية المطلوبة ليكون مناطا لحكم الشارع في تلك الجزئية بموجب اجتهاده (٣).
стр. 4343
وقد قال الغزالي - بعد أن بين ذلك: ومن هذا القبيل الاجتهاد في القبلة، وليس ذلك من القياس في شيء، بل الواجب استقبال جهة القبلة وهو معلوم بالنص، أما أن هذه جهة القبلة، فإنه يعلم بالاجتهاد والأمارات الموجبة للظن عند تعذر اليقين، وكذلك حكم القاضي بقول الشهود ظني، لكن الحكم بالصدق واجب وهو معلوم بالنص، وقول العدل صدق معلوم بالظن وأمارات العدالة، والعدالة لا تعلم إلا بالظن.
ثم قال-﵀: فلنعبر عن هذا الجنس بتحقيق مناط الحكم، لأن المناط معلوم بنص أو إجماع لا حاجة إلى استنباطه، لكن تعذرت معرفته باليقين فاستدل عليه بأمارات ظنية.
ثم قال: وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، وهو نوع اجتهاد، والقياس مختلف فيه فكيف يكون هذا قياسا، وكيف يكون مختلفا فيه وهو ضرورة كل شريعة؟! لأن التنصيص على عدالة الأشخاص، وقدر كفاية كل شخص محال: فمن ينكر القياس ينكره حيث يمكن التعريف للحكم بالنص المحيط بمجاري الحكم) (١).
وقد تبعه الموفق ابن قدامة فيما قال.
وأما صاحب جمع الجوامع - فقد عرفه: بأنه إثبات العلة في آحاد صورها: كتحقيق أن النباش سارق بأنه وجد منه أخذ المال خفية - وهي السرقة: فيقطع خلافا للحنفية (٢).
وبنحوه عرفه الأسنوي في شرح المنهاج (٣).
وعلى كل حال فهو عمل من أعمال المجتهد: فالمجتهد ينظر -أولا- في تعرف علة الحكم الذي لم يعلل وغيرها من بين أوصاف المحل، ويثبتها بمسلك من مسالك التعليل، وهذا من (تخريج المناط).
ثم يقوم بتحقيق العلة في الفرع وإقامة الدليل على وجودها فيه، وذلك (تحقيق المناط).
стр. 4344
ثم يلغي الخصوصية التي في المناط، وذلك (من تنقيح المناط).
ثم يلغي الفارق المضر بالتعليل - وهو ما سموه بإلغاء الفارق. واعتبره بعضهم نفس (تنقيح المناط) (١)، وفرق بعضهم بينهما (٢).
فهذه الأمور كلها في تخريج المناط، وتحقيقه وتنقيحه وإلغاء الفارق كلها أفعال المجتهد، والدليل الحقيقي على وجود العلة -في الأصل وعلى تعديتها إلى الفرع- هو المسلك.
أما اعتبار الوصف وتأثيره -فإن كان بنص أو إجماع- فهذا لا خلاف فيه، وإن كان بغيره ففي بعضه خلاف موضع تفصيله في كتاب (مسالك التعليل) من كتب الأصول.
وأما (تخريج المناط) فهو (استخراج علة معينة للحكم ببعض مسالك التعليل) (٣).
وذلك كاستخراج علة تحريم الربا من بين الأوصاف الصالحة لأن تكون علة لذلك، وبيان ما إذا كانت الطعم أو القوت أو الكيل أو الوزن أو الادخار، فهذه العلل لم يتعرض لها الدليل، ولكن المجتهدين -هم الذين يستنبطونها بالرأي والنظر فيقولون- مثلا: حرم الله -تعالى- الربا في البر لكونه مطعوما فنلحق به الأرز.
ولاستخراج العلة واستنباطها طرق محددة لدى الأصوليين: كالإيماء وإشارة النص والسير وغيرها مما هو معروف.
وظاهر أن (تخريج المناط خاص بالعلل المستنبطة)
стр. 4345
حجية القياس أو التعبد به
بعض الأصوليين عبر: (بحجية القياس) نحو الفخر الرازي والشيرازي والزركشي وابن السبكي والأسنوي والشوكاني.
стр. 4346
وعبر آخرون بلفظ (التعبد) به نحو الغزالي، وابن قدامة وابن الحاجب والآمدي.
والحجة - هي الدليل والبرهان، والمراد بكون القياس حجة: أنه دليل من أدلة الأحكام الشرعية، نصبه الشارع للتعريف ببعض الأحكام.
وأما التعبد -فهو أن يوجب الشارع العمل بموجبه- بقطع النظر عن أن يكون ممتنعا عقلا أوجائزا أو واجبا.
وإيجاب الشارع العمل به إما أن يكون إيجابا لنفس القياس، فيكون بمثابة قول الشارع: (إذا وجدتم مساواة بين أصل وفرع في علة حكمه فأثبتوا نفس حكم الأصل للفرع).
وإما أن يكون إيجابا للعمل بمقتضى القياس، وذلك كإيجاب العمل بمقتضى نصوص الكتاب والسنة.
وظاهر أن القياس -بحد ذاته- ليس عبادة: كالصلاة والصلام: فالتعبد به إنما يتم بطريق العمل بمقتضاه، وذلك أمر لا يتحقق إلا بعد القيام بإلحاق الفرع بالأصل، واعتبار أن هذا الإلحاق -بشروطه- حجة، فكونه حجة يقتضي وجوب التعبدية: فالتعبد به ما هو إلا ثمرة لحجيته، والتلازم بين الأمرين واضح.
وقد قال الإمام الرازي: (المراد من قولنا: القياس حجة أنه إذا حصل للمجتهد ظن أن حكم هذه الصورة مثل حكم تلك الصورة فهو مكلف بالعمل به في نفسه، ومكلف بأن يفتي به غيره (١)
стр. 4347
تحرير محل النزاع:
يتوقف القياس على أمرين:
الأول: ثبوت كون الأصل معللا بعلة معينة بطريق من طرق إثبات العلة في الأصل.
стр. 4348
الثاني: إقامة الدليل على وجود تلك العلة في الفرع.
وهذان الأمران قد يثبتان بطرق تفيد القطع، وقد يثبتان بطرق ظنية.
وقد يثبت الأمر الأول بدليل قطعي، والثاني بدليل ظني. وقد يحدث العكس.
فالأول نحو إلحاق جميع أوجه التأنيب والعنف مع الوالدين بالتأفيف، وخاصة الضرب.
فالتأفيف أصل، والضرب وأوجه التعنيف الأخرى فرع، والحكم التحريم، والعلة الجامعة الأذى الثابت كونها علة للنهي في الأصل بطريق الإجماع المستند إلى النص، ووجودها في الفرع معلوم بطريق الأولى حيث إن الأذى بالضرب وأوجه التعنيف أشد من الأذى بالتأفيف، وما دام المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به فإن هذا النوع من القياس يعتبر مقطوعا به، وكذلك إذا كان المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في المعنى الذي شرع الحكم لأجله، وهذا النوع من القياس ليس بموضع نزاع فإن المنكرين لحجية القياس لا ينازعون في تحريم الضرب والأذى لدلالة النص عليه وإن خالفوا في تسمية ذلك. وهذا النوع يسميه جمهور الأصوليين بالقياس في معنى الأصل، وبالقياس الجلي.
وأما جمهور الحنابلة فإنهم يرون أن هذا من قبيل دلالة اللفظ، فهو مستفاد منه من غير حاجة إلى القياس ويعتبرون منه سراية العتق بالأمة إلحاقا لها بالعبد الذي دل عليه قوله ﵊: «من أعتق شركا له في عبد (١)». . الحديث، وكذلك البول في إناء ثم صبه في الماء الدائم المنهي عن البول فيه بقوله ﵊: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (٢)». . الحديث، وكذلك قياس أنواع الأذى من الضرب ونحوه على التأفيف ويسمونه (فحوى الخطاب) و (التنبيه).
وأما الثاني - وهو ما كان فيه الأمران المذكوران ظنيين فهو كقياس الرز على البر والزبيب على التمر- مثلا في تحريم التفاضل بجامع الطعم في كل منهما أو غير الطعم مما ذكروه فإنه كما يحتمل أن يكون الطعم - هو العلة، يحتمل أن يكون غيره من الكيل والقوت والادخار، ولذلك كانا ظنيين في الأصل والفرع، وهذا النوع من القياس يتمثل بمعظم أقيسة الفقهاء.
стр. 4349
أما النوع الثالث -وهو ما كان الأمر الأول فيه قطعيا والثاني ظنيا- فهو كقياس قضاء القاضي في حالة الجوع والعطش على قضائه - وهو غضبان، ليثبت للأول ما يثبت للثاني من عدم تمكينه من القضاء.
وقد أجمع العلماء على أن علة منع القاضي من القضاء -حالة الغضب- هو ذلك التشويش الذي يحصل نتيجة له، ومستند هذا الإجماع الحديث الصحيح «لا يقضي القاضي وهو غضبان (١)».
وأما النوع الرابع -وهو ما كان الأمر الأول فيه ظنيا، والثاني قطعيا- فهو كقياس الكمثرى - مثلا على الشعير في حرمة التفاضل بعلة الطعم
стр. 4350
مذاهب العلماء فيه
اختلف العلماء في القياس الشرعي وحكم العقل في التعبد به على مذاهب:
١ - فذهب الجمهور - من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وجل الفقهاء وأكثر المتكلمين: إلى أن التعبد بالقياس جائز عقلا.
٢ - وذهب أبو الحسين البصري -من المعتزلة - والقفال الشاشي -من الشافعية - إلى أن التعبد به واجب عقلا.
٣ - وذهب الشيعة الإمامية والنظام وبعض الخوارج، وبعض معتزلة بغداد إلى أن العقل يحيل التعبد به.
٤ - ونقل الشيرازي عن أبي بكر الدقاق القول بوجوب العمل به شرعا وعقلا.
стр. 4351
ومن حيث الوقوع:
انقسم الفريق الأول -القائلون بجواز التعبد به- إلى فريقين من حيث الوقوع:
٥ - ففريق قال بوقوعه.
٦ - وفريق قالوا: لم يقع، ولم يوجد -في السمع- ما يدل على التعبد به.
أما الفرق الأول -القائلون بالوقوع- فقد اتفقوا على أن السمع قد دل عليه، واختلفوا في أمور ثلاثة.
٧ - أولها: هل يدل العقل عليه؟ -أيضا- وقد تقدم في هذا مذهبان:
مذهب الجمهور القائلين بالجواز العقلي.
ومذهب البصري والشاشي القائلين بوجوب ذلك عقلا.
٨ - وثانيها في صفة دلالة الأدلة السمعية عليه.
٩ - فذهب الجماهير -من القائلين به-: إلى أن دلالة الأدلة السمعية عليه قطعية.
١٠ - وزعم أبو الحسين البصري: أن دلالة الدلائل السمعية. عليه ظنية. ومن حيث العمل به انقسموا إلى فريقين:
١١ - فجماهير العلماء ذهبوا إلى العمل بسائر الأقيسة.
١٢ - وذهب الفاشاني والنهرواني إلى العمل بالقياس في صورتين:
إحداهما: إذا كانت العلة منصوصة بصريح اللفظ أو بإيمائه.
والثانية: ما إذا كان قياسا في معنى الأصل: كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفف.
وانقسم الفريق الثالث القائلون بامتناع التعبد به عقلا - إلى فريقين:
١٣ - أحدهما: النظام، حيث خصص ذلك المنع بشرعنا، قال: لأن مبنى شرعنا على الجمع بين المختلفات، والفرق بين المتماثلات، وذلك يمنع من القياس.
стр. 4352
١٤ - والثاني: بقية القائلين بامتناع التعبد به عقلا، وقد قالوا: بامتناع ذلك في جميع الشرائع ثم انقسموا إلى فرق ثلاث - من حيث دلالته:
١٥ - الأولى: قالت بامتناع أن يكون القياس طريقا إلى العلم أو الظن.
١٦ - الثانية: قالت بأنه يفيد الظن، ولكن لا تجوز متابعته لتردده بين الخطأ والصواب.
١٧ - والثالثة: قالت بإفادته الظن - وجواز متابعة الظن، ولكن حيث يتعذر الحصول على نص فقط، كما في قيم المتلفات وأروش الجنايات والفتوى والشهادات، لأنه لا نهاية لتلك الصور: فكان التنصيص على حكم كل صورة منها متعذرا.
أما في غيرها - فإنه يمكن التنصيص عليها: فكان الاكتفاء بالقياس اقتصارا على أدنى البابين مع القدرة على أعلاهما. وهو غير جائز.
أما الأدلة ومناقشاتها فلا نود الإطالة بالتعرض إليها فهي طويلة (١) ويمكن الرجوع إليها في مواضعها من الكتب الأصولية التي ذكرناها.
فالذي يهمنا الآن - هو معرفة حقيقة موقف الحنابلة من حجية القياس.
قال المجد ابن تيمية: (اتباع القياس وجب بالشرع عند القائلين به، وهل يجب بالعقل؟) قال أبو الخطاب: (ثبت بالعقل أيضا وبالنقل) وفي موضع آخر قال: (القياس الشرعي كالقول في القياس العقلي، وحصول الاعتقاد به لا يتوقف على ما يدل من جهة الشرع على صحة القياس وأما وجوب النظر فيه، أو الاعتقاد به فبالشرع).
ثم نقل عن القاضي أبي يعلى ما قاله في كتاب (القولين): القياس الشرعي قد نص أحمد في مواضع على أنه حجة تعلق الأحكام عليه، فقال في رواية محمد بن الحكم: (لايستغني أحد عن القياس، وعلى الإمام والحاكم -يرد عليه الأمر- أن يجمع له الناس ويقيس) وكذلك نقل الحسين بن حسان: (القياس هو: أن يقيس على أصل إذا كان مثله في كل أحواله). وكذلك نقل أحمد بن القاسم: (لا يجوز بيع الحديد
стр. 4353
والرصاص متفاضلا قياسا على الذهب والفضة) (١).
كما نقل أبو الخطاب في التمهيد أقوال الإمام أحمد هذه، وأضاف أن الإمام قد ذكر القياس في كثير من مسائله (٢).
وهذه النقول وكثير غيرها نجدها في كتب أصولي الحنابلة تؤكد احتجاج الإمام أحمد ﵀ بالقياس شأنه في ذلك شأن جمهور أهل السنة فمن أين جاءت شبهة عدم الاحتجاج بالقياس التي نسبها البعض إلى الإمام أحمد؟.
لقد نقل أئمة الحنابلة عن الإمام أحمد قوله: (يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين المجمل والقياس) (٣) وذلك في رواية الميموني كما نقل أبو الحارث عنه - وقد ذكر أهل الرأي وردهم للحديث، فقال: (ما تصنع بالرأي والقياس وفي الأثر ما يغنيك عنه) (٤) هاتان العبارتان هما أصل شبهة أن الإمام أحمد لا يحتج بالقياس.
ونحن نرى أن هذين القولين لا يثيران خيالا فضلا عن شبهة أو ظن بأن الإمام أحمد لا يحتج بالقياس، وذلك لأن عبارته الأولى ظاهرة بأنها لا تعدو أن تكون نصيحة أوتوجيها منه ﵀ لمن يتصدى للكلام في الفقه وإفتاء الناس أن يتجنب الكلام المجمل والكلام الذي يمكن القياس عليه عند المستفتي العامي لئلا يندفع العامة في هذا السبيل فيخرجون من القياس إلى الحكم بالتشهي لأدنى مشابهة.
وأما الثاني فظاهر في أنه في القياس الذي يكون في مسائل فيها سنة وأثر تغني عنه.
قال أبو الخطاب: (. . . وقد تأوله شيخنا على أن المراد به استعمال القياس في معارضة السنة والظاهر خلافه) (٥).
وقال المجد (. . . وهذا لا يدل على أنه ليس بحجة، وإنما يدل على أنه لا يجوز استعماله مع النص، ولا يعارض الأخبار إذا كانت خاصة أو منصوصة) (٦).
стр. 4354
ومن المعلوم أنه لا يجوز الحكم بالقياس قبل الطلب التام للنصوص: فالحكم به قبل طلبه من النصوص لا يجوز بلا تردد. والحالة الثانية: الحكم به قبل طلب نصوص لا يعرفها مع رجاء الوجود لو طلبها، فالذي يفهم من طريقة الحنفية جواز هذا القياس وصحته. وعند الإمامين أحمد والشافعي وفقهاء الحديث أنه لا يجوز.
والحالة الثالثة: إذا يئس المجتهد من الظفر بنص بحيث يغلب على ظنه عدمه: فهنا يجوز اللجوء إلى القياس بلا تردد.
فالقياس عند أحمد بمنزلة التيمم، لا يجوز إلا إذا غلب على الظن عدم الماء، وهو معنى قول الإمام أحمد: (ما تصنع بالقياس وفي الأثر ما يغنيك عنه) (١).
فالقياس -عند الحنابلة - مأمور به بمعنى أن الله -تعالى- بعثنا عليه بالأدلة، وبمعنى أنه مأمور به بصيغة (افعل) وهو دين أيضا، على ما قاله المجد ابن تيمية (٢).
فأنت ترى أن الحنابلة من القائلين بالقياس والمحتجين به، وهو -عندهم- حجة كما هو كذلك عند سائر أهل السنة
стр. 4355
التنصيص على العلة
التنصيص على العلة - هو: أن يذكر الشارع الوصف الصالح للتعليل بعبارة تدل على التعليل -سواء كانت تلك العبارة من قبيل النص- كأن يقول الشارع: (حرمت الخمر لعلة الإسكار).
أو من قبيل الظاهر - كأن يقول: (حرمت الخمر لكونها مسكرة).
وقد اختلف الأصوليون في التنصيص على العلة هل يكون أمرا بالقياس فيجب على المجتهد أن يعدي الحكم إلى المحل الذي يجد فيه العلة، أو لا يكون أمرا بالقياس؛ فلا يكلف المجتهد بتعدية الحكم إلى غير المحل -الذي نص فيه على العلة- إلا إذا ورد أمر يفيد التعبد بالقياس؟
стр. 4356
تحرير موضع النزاع:
ذهب بعض الأصوليين إلى أن موضع النزاع فيما إذا نص على العلة بقطع النظر عن أدلة التعبد بالقياس، فإذا ضمت أدلة التعبد بالقياس إلى التنصيص على العلة: كان ذلك أمرا بالقياس اتفاقا. . ومن هؤلاء الغزالي والآمدي وآخرون.
وذهب فريق إلى أن موضع النزاع هو التنصيص على العلة وحده أي: من غير أن ينضم إليه واحد من أمور ثلاثة:
أ- دليل يدل على التعبد بالقياس.
ب- كون الوصف مناسبا للحكم.
ج- كون الكثير الغالب في العلل تعديتها.
لموضع النزاع -عند الفريق الأول- صور ثلاث:
أ- التنصيص على العلة دون أن ينضم إليه شيء أصلا.
ب- التنصيص على العلة مع انضمام مناسبة الوصف إليه.
ج - التنصيص على العلة مع انضمام كون الغالب في العلة تعديتها.
ويقتصر محل الوفاق على صورة واحدة، هي التنصيص على العلة إذا انضم إليه دليل يدل على التعبد بالقياس.
وعلى مذهب الفريق الثاني تكون صور الوفاق ثلاثة هي:
أ - التنصيص على العلة إذا انضم إليه دليل التعبد.
ب - التنصيص على العلة إذا انضم إليه كون الوصف مناسبا.
ج - التنصيص على العلة إذا انضم إليه كون الكثير الغالب في العلل تعديتها
стр. 4357
النقل عن النظام:
نقل ابن قدامة وبعض الأصوليين عن النظام: أن التنصيص على العلة يكون أمرا بالقياس -عنده-، ومقتضى هذا النقل أن النظام لا يقول باستحالة التعبد بالقياس مطلقا، بل عند عدم النص على العلة، ونقل عنه في مباحث (حجية القياس) القول بأنه
стр. 4358
يجهل التعبد بالقياس -في شريعتنا- مطلقا.
وقد أجاب بعض الأصوليين عن هذا التعارض: بأن النظام لا يحيل القياس منصوص العلة: فيكون النقل عنه -في هذه المسألة- صحيحا، غير صحيح على إطلاقه في المسألة الأولى، بل يجب تقييده بغير منصوص العلة.
وقال الغزالي: إن النقل الأول هو الصحيح عن النظام، لأنه يرى أن التنصيص على العلة مقتض لثبوت الحكم في جميع الصور بالنص لعموم اللفظ، وليس مقتضيا لثبوته في البعض بالنص وفي البعض الآخر بالقياس.
المذاهب في المسألة ثلاثة:
١ - التنصيص على العلة أمر بالقياس مطلقا في جانب الفعل أو الترك، وهو مذهب النظام وأبي الحسين البصري وبعض الفقهاء كالرازي والكرخي ونقل عن الإمام أحمد.
٢ - ليس أمرا بالقياس - وهو مذهب الجمهور منهم الرازي والآمدي والبيضاوي.
٣ - أمر به في جانب الترك، لا في جانب الفعل وهو مذهب أبي عبد الله البصري
стр. 4359
حقيقة موقف الحنابلة في هذا الموضوع
يفيد كلام أبي الخطاب في التمهيد: بأن النص على العلة يعتبر من قبيل دلالة النص، لا من قبيل القياس فقد ذكر أنه لو قال الشارع: (لا تأكلوا العسل لأنه حلو حرم علينا كل حلو) (١).
وأما القاضي أبو يعلى - فقد قال: (. . . جميع ما يحكم به من جهة القياس على أصل منصوص عليه - فهو مراد بالنص الذي أوجب الحكم في الأصل) (٢).
وقال المجد ابن تيمية: (إذا علل الشارع في صورة بعلة توجد في غيرها، فالحكم ثابت في الكل بجهة النص، لا بالقياس، وهو قول الشافعي، وقد ذكر القاضي في المجرد
стр. 4360
احتمالين. ولفظ أبي الخطاب: النص على علة الحكم يكفي في التعبد بالقياس. ثم قال: وبهذا قال أكثر الجماعة وأكثر منكري القياس، فمن منكريه النظام والفاشاني والنهرواني.
وأما ابن عقيل - فقال: (. . . هو عندنا ليس بقياس). وذكرها في موضع آخر من كتابه (العدة) واعتبرها نوعا من الاستدلال وقال: (. . الاستدلال ليس بقياس عندنا، وهو مذهب جماعة من الفقهاء. وقال قوم من الفقهاء وأهل الجدل: هو قياس، ومثل ذلك بما توجد فيه العلة المنصوصة) (١)
стр. 4361
قياس الشبه وموقف الحنابلة منه
قياس الشبه مما كثرت الأقوال وتضاربت في بيان حقيقته وتحديد مفهومه.
وأقرب ما قيل في بيان حقيقته: أنه مشاركة فرع لأصلين في أوصافهما فيلحق بأكثرهما شبها به: العبد إذا قتل خطأ، فإنه يشارك الحر في كونه ناطقا قابلا للصناعات مكلفا بالأحكام.
ويشارك البهيمة في كونه مما يباع ويورث: فيقاس على الحر لأن شبهه به أكثر من شبهه بالبهيمة، لأنه يشابهه في الصفات البدنية والنفسية وفي أكثر الأحكام التكليفية ولذلك فإن الأئمة أحمد والشافعي وأبا يوسف ذهبوا إلى أن في قتله خطأ الدية كالحر.
وذهب الإمام أبو حنيفة ومالك إلى أن فيه القيمة كالدابة، لأنهما اعتبرا شبهه بها أكثر (١).
وبعض الأصوليين لم يعتد بهذا النوع من القياس أصلا، وذلك لأنه إما أن يكون الوصف المسمى (بالشبه) مناسبا فيكون معتبرا بالاتفاق. أو يكون غير مناسب، وهو مردود بالاتفاق.
стр. 4362
كما أن المعتمد في إثبات القياس عمل الصحابة - رضوان الله عليهم ولم يثبت أنهم تمسكوا بالشبه (١).
أما الأئمة - فإن الإمام الشافعي ﵀ قد اعتد بهذا النوع من القياس، فقال: والقياس قياسان: أحدهما أن يكون في مثل معنى الأصل، فذلك لا يحل لأحد خلافه، ثم قياس أن يشبه الشيء بالشيء من الأصل، والشيء من الأصل غيره، فيشبه هذا بهذا الأصل، ويشبه غيره بالأصل غيره.
قال الشافعي: وموضع الصواب فيه عندنا -والله تعالى أعلم- أن ينظر، فأيهما كان أولى بشبهه صيره إليه: إن أشبه أحدهما في خصلتين، والآخر في خصلة ألحقه بالذي هو أشبه في خصلتين) (٢).
وفي الرسالة قال: (. . والقياس من وجهين: أحدهما أن يكون الشيء في معنى الأصل، فلا يختلف القياس فيه، وأن يكون الشيء له في الأصول أشباه، فذلك يلحق بأولاها به وأكثرها شبها فيه. وقد يختلف القايسون في هذا) (٣).
وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀ في قياس الشبه فروى أنه صحيح ويحتج به، والثانية: أنه غير صحيح ولا يحتج به (٤).
والقاضي أبو يعلى اعتبر هذا القياس من قبيل القياس الخفي، ولذلك فإنه بعد أن تكلم عن القياس الواضح، شرع في الكلام عن القياس الخفي، فقال: (. . . إنه قياس غلبة الشبه) (٥) ومثل له بأن يتجاذب الحادثة أصلان لكل واحد منهما أوصاف خمسة والحادث لا يجمع الخمسة، بل بعضها، فيلحق بأكثرها شبها، وبسط القول في ذلك.
قال المجد ابن تيمية: وفي مثل ذلك نص الشافعي، ثم نقل أقوال المخالفين فيه كأبي إسحاق المروزي والحنفية والقاضي والباقلاني.
стр. 4363
ثم نقل المجد قول القاضي أبي يعلى: (. . . المتردد بين الأصلين يجب إلحاقه بأحد الأصلين، وهو أشبههما به، وأقربهما إليه.
ثم قال المجد من قال: (. . . قياس غلبة الشبه كما فسره القاضي حجة) فلا كلام، لكن يرد عليه التسوية بين الشيئين في الحكم مع العلم بافتراقهما في بعض الصفات المؤثرة، وإنما فعلوه لضرورة إلحاق الفرع بأحد الأصلين، فألحقوه بالأشبه، كما تفعل القافة بالولد.
ومن قال: ليس بحجة فقد يحكم فيه بحكم ثالث مأخوذ من الأصلين، وهو طريقة الشبهتين، فيعطيه بعض حكم هذا وبعض حكم هذا، كما فعله أحمد في ملك العبد، وكذا مالك، وهذا كثير في مذهب مالك وأحمد - مثل تعلق الزكاة بالعين أو الذمة، والوقف هل هو ملك لله تعالى أو للموقوف عليه، ونحو ذلك. وطريقة الشبهين ينكرها كثير من أصحاب الشافعي وأحمد.
ثم قال: والأشبه أنه إن أمكن استعمال الشبهين، وإلا ألحق بأشبههما به (١).
فيمكن القول -إذن- بأن الحنابلة يأخذون بالقياس بأنواعه كالجمهور، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك ولكنهم في قياس الشبه -الذي هو نوع من أنواع القياس- لهم عن الإمام أحمد روايتان: الأول: أنه حجة ويعمل به. وهي التي انتصر لها القاضي أبو يعلى ورجحها، ومال إليها المجد ابن تيمية، وسماها (طريقة الشبهين).
الثانية: أنه ليس بحجة، وليس من القياس، لأنه ليس فيه أصل، لأنه متردد بين أصلين فلا تتحقق فيه التسوية بين الفرع والأصل.
طه جابر فياض العلواني
стр. 4364
دراسات
تاريخية
стр. 4365
صفحة فارغة
стр. 4366
صفحة فارغة
стр. 4367
الدكتور / محمد بن لطفي الصباغ
- ولد عام ١٣٥٠هـ، وتلقى علومه الأولية على يد علماء بلده.
- عمل في التدريس الجامعي مدة تزيد على ٢٢ سنة، ويعمل الآن في جامعة الملك سعود أستاذا لمادة علوم القرآن والحديث.
- له عدد من المؤلفات المطبوعة منها: الحديث النبوي، لمحات في علوم القرآن
стр. 4368
صفحة فارغة
стр. 4369
معركة شقحب
أو معركة مرج الصفر
بقلم: د. محمد بن لطفي الصباغ
لا تزال حادثة سقوط بغداد سنة ست وخمسين وستمائة غصة في صدر كل مسلم، وشجى في حلق كل مؤمن، إن ذكرها ليحدث رعشة في القلب، وإن جراحاتها ما تزال تنزف دما في أعماق أعماقنا.
ولا يستطيع دارس أحداث هذه العصور أن ينسى الآلام والمآسي التي تجرعها المسلمون في تلك الحقبة، فيكاد يذوب قلب المسلم أسفا وأسى وكمدا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 4370
ويحسن أن أورد هنا ما قاله ابن الأثير عن خروج التتار، فلقد تحدث حديثا مؤثرا عن خروجهم في سنة سبع عشرة وستمائة - ولم تكن بغداد قد سقطت - فقال ما سأورده فيما يأتي، فكيف يكون كلامه لو وقف على الفظائع التي قام بها هؤلاء الوحوش في بغداد سنة ٦٥٦ هـ.
قال ابن الأثير: ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة: لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها، كارها لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا منسيا، إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء علي تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا، فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم، وإلى الآن، لم يبتلوا بمثلها؛ لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.
ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله (بخت نصر) ببني إسرائيل من القتل، وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد، التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا؟ فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج.
وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه، ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (١).
قال ابن كثير:
[وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة - يعني سقوط بغداد - فقيل: ٨٠٠ ألف، وقيل: ألف ألف و٨٠٠ ألف، وقيل: بلغت القتلى
стр. 4371
ألفي ألف نفس] (١).
وقال أيضا:
[وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد] (٢).
ولكن الشخصية المسلمة كانت ما تزال متماسكة، وأركان المجتمع كانت - على الأغلب - قائمة على معان أصيلة من الإسلام. . ولذلك فسرعان ما كان الثأر واسترداد الكرامة في معركة عين جالوت التي كانت سنة ٦٥٨هـ، ولم يمض وقت طويل حتى دان الغزاة بدين أهل البلاد المغلوبين، دين الإسلام وإن لم يتخلوا عن همجيتهم وعدوانهم وشرهم.
ثم كانت معركة انتصر فيها المسلمون انتصارا عظيما، وربما كانت أقل شهرة من المعارك التي سبقتها، وهي معركة شقحب موضوع بحثنا هذا.
في اليوم الثاني من رمضان سنة اثنتين وسبعمائة للهجرة (الموافق للعشرين من نيسان (إبريل) سنة ١٣٠٣م) وقعت هذه المعركة بين المسلمين والمغول. . . بين عسكر السلطان الناصر، وعسكر قطلوشاه.
وقد عرفت هذه المعركة باسمين هما: (موقعة مرج الصفر)، و (معركة شقحب) (٣) وكان عدد الجيش المغولي الذي اشترك في هذه الموقعة كبيرا، يقدره بعضهم بخمسين ألف مقاتل، وهناك من يقول: إن عدده يصل إلى مائة ألف.
والفرق بين الرقمين يدل على أن التقدير غير دقيق، لكن الشيء الواضح من ذلك ضخامة عدد ذلك الجيش، وقد كان في عداد هذا الجيش فرقتان من الكرج والأرمن (٤)
стр. 4372
أما جيش المسلمين فلم يذكر المؤرخون له عددا، وإن كان يرجح كثير من الباحثين أنه كان كبيرا أيضا، اعتمادا على قرائن عدة.
ولا بد من دراسة معركة شقحب على أنها حلقة من سلسلة الهجمات المغولية على ديار الإسلام.
لقد كان السبب الذي حرك المغول في معاركهم واحتلالاتهم واحدا، سواء كان فيما سبق سقوط بغداد أو كان بعدها.
فمن المعلوم أن بلاد المسلمين قد تعرضت إلى أخطار من جهة أوروبا النصرانية التي جيشت الجيوش، وسيرت الحملات الصليبية تلو الحملات، وجاءت هذه القوى الباغية المعتدية إلى ديار المسلمين، فعاثت في الأرض فسادا، وأهلكت الحرث والنسل، وانتهى بها الأمر إلى أن تقيم في قلب العالم الإسلامي دولا، منها إمارات الرها وأنطاكية، وبيت المقدس، وطرابلس.
واستمر وجود الصليبيين في بلاد المسلمين قرابة قرنين، وقد أدرك المسلمون خطورة بقاء هذه الإمارات الصليبية في بلادهم، واستيقظ وعيهم، فقامت حركة الجهاد، يذكيها علماء الأمة ومصلحوها، وتجاوب الناس معها، فكان توحيد الجبهة الإسلامية غرضا مهما وكان لنور الدين الشهيد محمود زنكي فضل كبير في تحقيق ذلك، وجاء من بعده صلاح الدين الأيوبي، فاستطاع أن يقطف ثمرة جهاد الرجل العظيم نور الدين، وانتصر في معركة حطين، واستطاع أن يطهر معظم بلاد الشام من رجس الصليبيين.
واسترد المسلمون بيت المقدس، وكل ما كان بأيدي النصارى من قلاع وحصون، ولم يبق للصليبيين إلا جيوب يسيرة في أنطاكية وطرابلس والساحل بين صور ويافا.
في هذا الوقت بالذات ظهرت حركة المغول في أقصى الشرق، بزعامة جنكيز خان.
ولقد ثبت بأدلة قاطعة أن حركة المغول هذه كانت بتحريض وتخطيط من الصليبيين المهزومين من ديار المسلمين، فقد كانت هناك اتصالات بين الفريقين قبل سنة ٦٥٦هـ (١٢٥٨م)، فقد أوفد البابا أنوسنت الرابع رجلا في مهمة سياسية إلى منغوليا سنة ٦٤٢هـ (١٢٤٥م).
стр. 4373
ثم أوفد لويس التاسع المعروف ب (الناسك) بعد ذلك بثلاث سنوات رجلا آخر وقد كتب الدكتور مصطفى طه بدر كتابا عنوانه: (مغول إيران بين المسيحية والإسلام)، وقد قرر في هذا الكتاب تعاون النصرانية البابوية مع المغول، في اجتياح بلاد المسلمين لمصالح النصرانية، ومن أجل انتزاع الأراضي المقدسة عندهم من أيدي المسلمين، وأثبت ذلك بأدلة قوية.
إن الوجود النصراني في بلاد الشام تضعضع بتوفيق الله ثم بسبب اليقظة التي بدأت تظهر، ثم بسبب وجود بعض العمالقة من رجالاتهم السياسيين من أمثال نور الدين الشهيد، وصلاح الدين الأيوبي، ثم بسبب قيام عدد من رجال الفكر والعلم والتوجيه بواجبهم.
وانهار هذا الوجود النصراني بعد معركة حطين وغيرها، عند ذاك فكر النصارى بأسلوب أكثر قوة وأشد عودا وأشنع وحشية وبربرية، فلم يجدوا إلا التتار، يقول الدكتور مصطفى طه بدر: (ومع أن المغول هددوا المسيحية في أوروبا كما هددوا الإسلام في الشرق، واجتاحوا أراضيها في روسيا وبولندا، ووصلوا حتى هنغاريا، وقتلوا، ونهبوا، وسبوا، وأنزلوا الرعب في قلوب المسيحيين هناك، إلا أن المسيحية ما لبثت غير قليل، حتى صحت من غفوتها، وزالت عنها الدهشة التي تملكتها، وفارقها الخوف والفزع، وفكرت في الاستفادة من المغول، خصوصا بعد أن رأت أن تيارهم قد وقف ولم يستقر لهم حال إلا في روسيا.
وقد اتجهت المسيحية نحو المغول، راغبة في استمالتهم، وعقد أواصر الصداقة معهم لكسبهم إلى المسيحية أولا وللاستعانة بهم ضد أعدائها المسلمين ثانيا.
والتاريخ يذكر لنا الشيء الكثير عن العلاقات التي قامت بين حكام المغول الأول من أبناء جنكيز خان، وبين الدول المسيحية على اختلافها، تلك العلاقات التي كان أثرها رحلات يوحنا الكربيني ووليم الروبريكي).
стр. 4374
وقال أيضا:
أما العلاقات بين البابوات والتتر فكانت مستمرة ولم تنقطع طول مدة حكم التتر في إيران.
وقد كان الرسل يترددون من وقت إلى آخر بين بلاط البابوات وبلاط التتار، ويحملون الرسائل التي تفيض بمظاهر الحب والعطف المتبادل.
ويقال: إن البابا إسكندر الرابع أرسل إلى هولاكو خان مؤسس دولة الإيلخانات كتابا مؤرخا في سنة ١٢٦٠م - ٦٥٨هـ) (١)، وقد ذكرنا في صدر هذا المقال أن الاتصالات بدأت مبكرة قبل هذا التاريخ، إذ أرسل البابا أنوسنت الرابع رجلا إلى زعماء المغول في سنة ٦٤٢هـ (١٢٤٥م).
وقال الدكتور مصطفى طه بدر:
(ولا يختلف المؤرخون في أقوالهم عندما يتناولون مسألة عطف الإيلخانات على المسيحيين من رعاياهم، ويؤيد بعضهم بعضا.
ويتضح من أقوالهم أن هولاكو كانت له زوجة مسيحية، وأنه بسببها عامل المسيحيين من رعاياه معاملة حسنة، ولما فتح (٢) بغداد أعفى أهلها المسيحيين من القتل. . ولما فتح (٣) المغول في عهده دمشق ودخلوها، تساهلوا مع المسيحيين من أهلها، حتى أصبحوا نتيجة لهذا التساهل يشربون الخمر علنا في رمضان، ويرشونها على المسلمين، كما صاروا يمرون في الطرقات وهم يحملون الصليب، ويجبرون المسلمين على القيام احتراما وإجلالا لهم) (٤).
وقد أورد ابن العماد في (شذرات الذهب) قصيدة مؤثرة لتقي الدين بن أبي اليسر في رثاء بغداد يوم سقوطها في يد التتار وفيها قال:
стр. 4375
علا الصليب على أعلى منابرها ... وقام بالأمر من يحويه زنار
وقبل هذا البيت يقول تقي الدين:
لسائل الدمع عن بغداد أخبار ... فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدار ديار
تاج الخلافة والربع الذي شرفت ... به المعالم قد عفاه إقفار
أضحى لعطف البلى في ربعه أثر ... وللدموع على الآثار آثار
يا نار قلبي من نار لحرب وغى ... شبت عليه ووافى الربع إعصار
علا الصليب على أعلى منابرها ... وقام بالأمر من يحويه زنار (١)
لقد كان النصارى في أوروبا يأملون في أن يعتنق المغول المسيحية، وأن يتم التحالف بينهم، وأن يوجهوا ضربة قاصمة للإسلام، غير أن هذه الآمال لم تلبث أن تبددت بفضل من الله ثم بسبب جهود دولة المماليك في مصر والشام، وإنزال الهزيمة الساحقة بالمغول في معركة عين جالوت (في رمضان سنة ٦٥٨ هـ) فتحطمت الأسطورة القائلة: إن المغول قوة لا تقهر.
يرى المؤرخ الأرمني (هيتون) أن السبب في سير هذه الحملة التي وقعت فيها معركة شقحب كان رغبة قازان في تحطيم سلطان المسلمين في مصر، واسترداد الأرض المقدسة، وتسليمها إلى النصارى، وأن قازان كان يريد السير بنفسه على رأس تلك الحملة، ولكن تهديد حدوده الشرقية أدى إلى أن ينيب عنه قطلوشاه، الذي تعاون مع النصارى، ولا سيما الأرمن الذين كانوا يشكلون قوة كبيرة في جيش قطلوشاه، وقد استولوا على عدد من مدن المسلمين، وقتلوا فيها ومثلوا ونهبوا، وفعلوا الأفاعيل البالغة في الفظاعة والشناعة.
كان الرعب الذي يرافق تحركات المغول شديدا، يملأ صدور الناس ويوهن من
стр. 4376
قواهم، فكلما سمع الناس قصدهم إلى بلد فروا من مواجهتهم. وقد سهل هذا الرعب لهؤلاء الغزاة المعتدين سبيل النصر والغلبة.
وكان الخليفة المستكفي بالله والسلطان الناصر مقيمين في مصر - كما هو معلوم - ويبدو أن أخبار عزم التتار على تجديد حملاتهم لدخول بلاد الشام وإزالة دولة المماليك بلغ المسئولين في مصر، فعمل العلماء وأولو الفكر والرأي على إشراك الخليفة والسلطان في مواجهة هؤلاء الغزاة، وقام شيخ الإسلام ابن تيمية بمهمة جسيمة في هذا المجال.
ففي شهر رجب من سنة ٧٠٢هـ قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك، واشتد خوفهم جدا كما يقول الحافظ ابن كثير (١)، وقنت الخطيب في الصلوات، وقرئ البخاري، وهذه عادة كانوا يستعملونها في مواجهة الأعداء، فيعمدون إلى قراءته في المسجد الجامع (٢).
وشرع الناس في الهرب إلى الديار المصرية والكرك والحصون المنيعة، وتأخر مجيء العساكر المصرية عن إبانها فاشتد لذلك الخوف.
قال ابن كثير:
(وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة- أي قلعة دمشق - وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان بالعساكر من مصر لمناجزة التتار المخذولين. . . وفي ثامن عشر من شعبان قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين، فيهم كبار الأمراء من أمثال (ركن الدين بيبرس الجاشنكير وحسام الدين لاجين وسيف الدين كراي).
ثم قدمت بعدهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير السلاح وأيبك الخزندار.
فقويت القلوب في دمشق، واطمأن كثير من الخلق، ولكن الناس في الشمال سيطر
стр. 4377
عليهم الذعر، واستبد بهم الفزع، فنزح عدد عظيم من بلاد حلب وحماة وحمص وتلك النواحي، وتقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص. . ثم خافوا أن يدهمهم التتار فنزلوا إلى المرج.
ووصل التتار إلى حمص وبعلبك وعاثوا في تلك البلاد فسادا، وقلق الناس قلقا عظيما لتأخر قدوم السلطان ببقية الجيش، وخافوا خوفا شديدا، وبدأت الأراجيف تنتشر وشرع المثبطون يوهنون عزائم المقاتلين ويقولون:
لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لقلة المسلمين وكثرة التتار.
وزينوا للناس التراجع والتأخر عنهم مرحلة مرحلة.
ولكن تأثير العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية كان يتصدى لهؤلاء المرجفين المثبطين، حتى استطاعوا أن يقنعوا الأمراء بالتصدي للتتار مهما كان الحال.
واجتمع الأمراء وتعاهدوا، وتحالفوا على لقاء العدو، وشجعوا أنفسهم ورعاياهم، ونودي بالبلد دمشق أن لا يرحل منه أحد، فسكن الناس وهدأت نفوسهم، وجلس القضاة بالجامع يحلفون جماعة من الفقهاء والعامة على القتال، وتوقدت الحماسة الشعبية، وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند، وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أعظم التأثير في ذلك الموقف، فلقد عمل على تهدئة النفوس، حتى كان الاستقرار الداخلي عند الناس، والشعور بالأمن ورباطة الجأش.
ثم عمل على إلهاب عواطف الأمة، وإذكاء حماستها، وتهيئتها لخوض معركة الخلاص. . ثم توجه بعد ذلك ابن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم في القطيفة (١)، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرة منصورون.
стр. 4378
فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله.
فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.
وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ (١) وقد ظهرت عند بعضهم شبهات تفت في عضد المحاربين للتتار، من نحو قولهم: كيف نقاتل هؤلاء التتار وهم يظهرون الإسلام وليسوا بغاة على الإمام. . فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه. فرد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الشبهة قائلا:
هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية ﵄ ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين وهم متلبسون بالمعاصي والظلم.
فانجلى الموقف وزالت الشبهة، وتفطن العلماء لذلك، ومضى يؤكد لهم هذا الموقف قائلا:
إذا رأيتموني في ذلك الجانب - يريد جانب العدو - وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، (٢) فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم.
وامتلأت قلعة دمشق والبلد بالناس الوافدين، وازدحمت المنازل والطرق، وخرج الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر، بمشقة كبيرة، وصحبته جماعة كبيرة؛ ليشهد القتال بنفسه وبمن معه، فظن بعض الرعاع أنه خرج للفرار، فقالوا: أنت منعتنا من الجفل وها أنت ذا هارب من البلد. . . فلم يرد عليهم إعراضا عنهم وتواضعا لله، ومضى في طريقه إلى ميدان المعركة.
وخرجت العساكر الشامية إلى ناحية قرية الكسوة.
ووصل التتار إلى قارة (٣) وقيل: إنهم وصلوا إلى القطيفة فانزعج الناس لذلك،
стр. 4379
وخافوا أن يكون العساكر قد هربوا، وانقطعت الآمال، وألح الناس في الدعاء والابتهال في الصلوات وفي كل حال، وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان. . . فلما كان آخر هذا اليوم وصل أحد أمراء دمشق، فبشر الناس بأن السلطان قد وصل وقت اجتماع العساكر المصرية والشامية.
وتابع التتار طريقهم من الشمال إلى الجنوب، ولم يدخلوا دمشق، بل عرجوا إلى ناحية تجمع العساكر، ولم يشغلوا أنفسهم باحتلال دمشق وقالوا: إن غلبنا فإن البلد لنا، وإن غلبنا فلا حاجة لنا به.
ووقفت العساكر قريبا من قرية الكسوة، فجاء العسكر الشامي، وطلبوا من شيخ الإسلام ابن تيمية أن يسير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق، فسار إليه، فحثه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر. فجاء هو وإياه جميعا، فسأله السلطان أين يقف معه في معركة القتال؟ فقال له الشيخ ابن تيمية: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم.
وحرض السلطان على القتال، وبشره بالنصر، وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: إنكم منصورون عليهم في هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.
وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أيضا، وكان يدور على الأجناد والأمراء، فيأكل من شيء معه في يده؛ ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا به على القتال أفضل من صيامهم.
ولقد نظم المسلمون جيشهم في يوم السبت ٢ رمضان (١٩ نيسان - إبريل) أحسن تنظيم، في سهل شقحب الذي يشرف عليه جبل غباغب.
وكان السلطان الناصر في القلب، ومعه الخليفة المستكفي بالله والقضاة والأمراء.
وقبل بدء القتال اتخذت الاحتياطات اللازمة، فمر السلطان ومعه الخليفة والقراء بين صفوف جيشه، بقصد تشجيعهم على القتال وبث روح الحماسة فيهم.
وكانوا يقرءون آيات القرآن التي تحض على الجهاد والاستشهاد، وكان الخليفة
стр. 4380
يقول: دافعوا عن دينكم وعن حريمكم.
ووضعت الأحمال وراء الصفوف، وأمر الغلمان بقتل من يحاول الهرب من المعركة.
ولما اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتا عظيما، وأمر بجواده فقيد حتى لا يهرب، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف يريد إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله، وصدق الله فصدقه الله.
وجرت خطوب عظيمة، وقتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي، وثمانية من الأمراء المقدمين معه.
واحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستحر القتل، واستطاع المغول في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارة ضخمة، فقتل من قتل من الأمراء. . . ولكن الحال لم يلبث أن تحول بفضل الله ، وثبت المسلمون أمام المغول، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتغير وجه المعركة، وأصبحت الغلبة للمسلمين، حتى أقبل الليل فتوقف القتال إلا قليلا، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغب، وبقوا هناك طول الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمروا منها، وقد تتبعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عددا كبيرا، كما أنهم مروا بأرض موحلة، وهلك كثيرون منهم فيها، وقبض على بعضهم. قال ابن كثير:
(فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله ، وجعلوا يجيئون بهم من الجبال فتضرب أعناقهم) (١).
ثم لحق المسلمون أثر المنهزمين إلى (القريتين) (٢) يقتلون منهم ويأسرون.
ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته، فلم يقدروا على العبور. . . والذي عبر فيه هلك، فساروا على جانبه إلى بغداد، فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة (٣).