٢ - الثلاثي الصحيح.
٣ - الرباعي.
٤ - الخماسي.
وأردف كلا من هذه الأقسام بملحقات. فألحق بالثنائي المضعف الرباعي (الثنائي الذي تكرر حرفاه) والثنائي المعتل.
وألحق بالثلاثي الصحيح الثلاثي الذي اجتمع فيه حرفان متماثلان. وما كان عين فعله حرف لين، وما لحق بالثلاثي بأحد حروف العلة والنوادر في الهمز.
وألحق بالرباعي والخماسي أبوابا بحسب الأوزان والصيغ من غير ترتيب، وختم معجمه بأبواب لغوية أخرى كثيرة لا نظام لها، عدها من النوادر في موضوعاتها وصيغها فكثرت أبواب معجمه بهذه الملاحق كثرة ملحوظة، ولم يعدل ابن دريد إلى الأبنية فحسب وإنما عدل إلى الترتيب الهجائي معرضا عن الترتيب الصوتي للحروف الذي سارت عليه مدرسة العين.
فرتب أقسام تلك الأبواب أو فصولها بسبب حروف الهجاء (أ- ب- ت- ث. . الخ) فبدأ بالهمزة مع بقية الحروف التي تليها وانتقل إلى الباء مع ما تلاها وهكذا حتى انتهى منها جميعا. غير أنه حين تناول الثلاثي لم يبدأ بالهمزة وإنما أخرها إلى نهاية ما ألحقه بالثلاثي وهو النوادر في الهمز.
ولقد التزم في مواد هذه الفصول بنظام التقاليب الذي أجبره على أخذ الحرف مع ما يليه دائما كما سبق في مدرسة العين.
ومهما يكن من شيء فالبحث عن لفظ في الجمهرة يتطلب أول ما يتطلبه النظر في عدد أحرفه الأصلية لمعرفة إن كان ثنائيا مضعفا أو ثلاثيا أو رباعيا أو خماسيا أو مما يتصل بأي من هذه الأبواب لمعرفة الكتاب أو الباب الذي تضمنه. ثم النظر في موقع أسبق حرف من أحرفه الأصلية في الترتيب الهجائي (الألفبائي) المعروف للوصول إلى الفصل الذي يتناول ذلك اللفظ، وعندها نصل إلى المادة اللغوية المطلوبة وتقاليبها فيه بملاحظة
стр. 4832
تتابع أحرفها الأصلية في الترتيب الهجائي. فلفظ مثل "كتب " ثلاثي صحيح فهو في باب الثلاثي الصحيح. ولما كانت أحرفه في الترتيب الهجائي الباء ثم التاء ثم الكاف فالبحث عنه ينبغي أن يكون في باب الثلاثي الصحيح فصل الباء مقلوب مادة الباء والتاء والكاف ويوسع الباحث عن لفظ فيه أن ينظر في فهرس الألفاظ الذي عمله ناشرو الكتاب إذ رتبت فيه الألفاظ بحسب الترتيب الهجائي المعروف وتوالي الحروف في تلك الألفاظ ابتداء من الحرف الأول كما في المعاجم الحديثة.
стр. 4833
٣ - مدرسة المقاييس:
(أ) مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس المتوفي ٣٩٥ هـ وإليه نسبت المدرسة وقد سمى معجمه هذا بالمقاييس لعنايته بمقاييس اللغة وربطه فروع موادها بأصولها وقياسها عليها لفظا ومعنى (١).
ولقد استقل ابن فارس في تنظيم معجمه بمنهج خاص عمد فيه إلى الترتيب الهجائي (الألفبائي) للحروف. فخص كل حرف منها بكتاب فبدأ بكتابة الهمزة وأعقبه بكتاب الباء ثم التاء ثم الثاء إلى أن انتهى منها جميعا. فخالف بهذا مدرسة العين التي اعتمدت الترتيب الصوتي للحروف. كما خالف مدرسة الجمهرة (لاعتمادها على الأبنية في التقسيم الرئيسي للكتاب. وخالفهما معا في أخذهما بنظام التقاليب وإعراضه عنه إعراضا تاما. ولهذا فليس بالإمكان ربطه بأي من المدرستين السابقتين لاختلافه عنهما اختلافا منهجيا ظاهرا.
وبعد أن قسم كتابه بحسب حروف الهجاء عددا وترتيبا قسم كلا من تلك الكتب إلى ثلاثة أقسام: أولها للثنائي المضعف، وثانيها للثلاثي، وثالثها لما زاد على الثلاثي. غير أنه ألزم نفسه بأخذ الحرف مع ما تلاه من مواد تلك الأبنية حتى إذا فرغ من كل ما تلاه أخذه
стр. 4834
مع ما سبقه فصار السابق- عنده- لاحقا واللاحق سابقا لعدوله عن نظام التقاليب والتزامه بالحرف مع ما تلاه أولا. ففي الثنائي المضعف من كتاب الراء مثلا سيبدأ بالراء والزاء (رز) ثم الراء والسين (رس) ثم الراء والشين (رش) حتى إذا انتهى من كل ما تلاها عاد فأخذها مع ما سبقها فأخذها مع الهمزة (رأ) ومع الباء (رب) ومع التاء (رت) ومع الثاء (رث) إلى أن وصل إلى الراء والذال (رذ) وهو آخر ما كان تركه من الحروف السابقة إذ لم يجدها متصلة بالراء المضعف فأنهى بهذا الثنائي المضعف من كتاب الراء. وهذا شأنه مع الحروف الأخرى.
وفي الثلاثي من كتاب القاف بدأ بالقاف واللام- إذ لم تتصل القاف بالكاف في لفظ عربي- فأخذهما مع الميم (قلم) ومع الهاء (قله) ومع الواو (قلو) ثم عاد فأخذهما مع ما سبقهما- أو في الأصح مع ما سبق الثاني منهما- مبتدئا من الهمزة فلما لم يجدهما متصلين بها أخذهما مع الباء (قلب) ومع التاء (قلت) إلى أن وصل بهما إلى (قلق) آخر ما وجده سابقا اللام من ألفاظ اللغة إذ لم تتصل القاف واللام بالكاف.
وبعد أن أنهى القاف واللام وما يثلثهما من أحرف لاحقة وسابقة انتقل إلى القاف والميم وما يثلثهما سالكا السبيل ذاتها.
حتى إذا انتهى من القاف مع ما تلاها من حروف أخذها مع ما سبقها مبتدئا بالقاف والهمزة وما يثلثهما ثم القاف والباء وما يثلثهما حتى انتهى عند القاف مع كل الحروف اللاحقة والسابقة. وهذا شأنه مع الحروف كلها.
أما ما زاد على الثلاثي فلم يلتزم فيه بغير الحرف الأول منه. فعلى من يبحث عن لفظ كهذا في المقاييس أن يعمد إلى الكتاب الخاص بحرفه الأول وإلى الباب الخاص منه بما زاد على الثلاثي فيبحث فيه عنه حتى يجده.
فلفظ مثل (بعثر) يبحث عنه في كتاب الباء باب ما زاد على الثلاثي، ومما ييسر العثور على مثل هذه الألفاظ في أبوابها قلة مواد هذه الأبواب.
стр. 4835
ب- المجمل: ويلحق بالمقاييس (مجمل اللغة) لابن فارس نفسه، وقد قصد فيه إلى الاختصار والإيجاز (١) متبعا منهج المقاييس بحذافيره، فطريقة استخدامه هي طريق استخدام المقاييس ذاتها.
стр. 4836
٤ - مدرسة الصحاح: نسبة إلى كتاب (تاج اللغة وصحاح العربية) لأبي نصر الجوهري (إسماعيل بن حماد المتوفى سنة ٣٩٩ هـ).
وقد ضمت هذه المدرسة عددا من المعاجم أشهرها.
أ- تاج اللغة وصحاح العربية المشهور بالصحاح وبه سميت المدرسة هذه.
١ - مختار الصحاح.
٢ - التكملة.
ب- العباب.
ج- لسان العرب.
د- القاموس المحيط.
هـ- تاج العروس.
أ- الصحاح: انتخب له الجوهري هذا الأمم لاقتصاره فيه على ما صح عنده من ألفاظ اللغة. واختط لمعجمه هذا منهجا خاصا أعرض فيه عن الترتيب الصوتي (المخرجي) للحروف كما أعرض عن نظام التقاليب والأبنية. وعمد إلى الترتيب الهجائي (الألفبائي) للحروف، واتخذه الأساس الأول والأخير في تنظيم معجمه أبوابا وفصولا وما تضمنه من مواد لغوية، مخالفا بهذا المدارس السابقة متخلصا مما شاب مناهجها من صعوبات. ولقد طبق الترتيب الهجائي- أول ما طبقه- على أواخر الألفاظ ومن ثم على أوائلها وعلى ما تلا الحروف الأولى حتى أتى على حروفها كافة. فقسم معجمه إلى ثمانية وعشرين بابا، جعل لكل حرف من حروف الهجاء بابا منها، إلا أنه جمع الواو والياء في باب واحد. وأودع في كل باب جميع الألفاظ المنتهية بحرفه. فالباب- عنده- يشير إلى الحرف الأخير من اللفظ ولهذا سمي نظامه بنظام القافية. ففي باب الهمزة- مثلا- جمع كل ما
стр. 4837
انتهى بها من ألفاظ وهكذا.
وقسم كل باب منها إلى فصول بعدد وترتيب حروف الهجاء (الألفباء) مشيرا بهذه الفصول إلى أوائل حروف الألفاظ. فابتدأ باب الهمزة بفصل الهمزة وأعقبه بفصل الباء ثم التاء إلى آخر الحروف.
وهذا هو شأنه في الأبواب كلها فباب الباء فصل الهمزة ضم جميع الألفاظ المنتهية بالباء والمبدوءة بالهمزة أيا كانت أبنية هذه الألفاظ.
كما أنه رتب مواد كل فصل من هذه الفصول بحسب أسبقية ما بين الحرفين الأول والأخير منها في الترتيب الهجائي أيضا.
ففي باب الدال فصل الواو يتقدم الفعل (وأد) على الفعل (وجد) لا لشيء إلا لأن الهمزة تسبق الجيم في الترتيب الهجائي. والفعل (حرجم) يسبق الفعل (حرم) مع أن كلا منهما في باب الميم فصل الحاء وأن الحرف الثاني فيهما راء غير أن الحرف الثالث في "حرجم " جيم وهو في (حرم) ميم والجيم متسابقة الميم في الترتيب الهجائي.
ولهذا فالبحث عن لفظ في الصحاح وما ماثله في معاجم يتطلب معرفة الحرف الأخير منه لمعرفة بابه كما يتطلب معرفة حرفه الأول للوقوف على الفصل الذي تضمنه من ذلك الباب، وتنظر بعد هذا وذاك بقية أحرفه- بحسب تواليها- لتحديد موضعه من الفصل.
ولقد أعجب بالكتاب ومنهجه أكثر اللغويين وقامت حوله دراسات أثمرت كتبا متعددة متنوعة سلكت سبيل الصحاح في تنظيمها يضيق هذا البحث بالتحدث عنها. لذا نكتفي بذكر مثالين لنوعين من أنواع تلك الدراسات وهما مختار الصحاح، والتكملة والذيل والصلة.
١ - مختار الصحاح:
ألفه الرازي (محمد بن أبي بكر بن عبد القادر ت ٦٦٦ هـ) واقتصر فيه- كما في
стр. 4838
مقدمته- على ما لا بد منه مما كثر استعماله وجريانه على الألسنة (١) ضم إليه ألفاظا كثيرة أخذها من تهذيب اللغة للأزهري وغيره من الأصول اللغوية المعتمدة. واتبع فيه منهج الصحاح ذاته. غير أن وزارة المعارف المصرية كانت قد كلفت الأستاذ محمود خاطر بأن يتولى ترتيبه بحسب الحروف الأولى وما يليها من أحرف الألفاظ على نحو ما نعهده في المعاجم الحديثة. وطبع الكتاب طبعات عديدة.
٢ - التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية.
ألفه الصغاني (الحسن بن محمد بن الحسن ٥٧٧ هـ- ٦٥١ هـ) وقال مؤلفه في مقدمته: (هذا كتاب جمعت فيه ما أهمله أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري ﵀ في كتابه وذيلت عليه وسميته كتاب التكملة والذيل والصلة غير مدع استيفاء ما أهمله) (٢) وقد اتبع فيه سبيل الجوهري في صحاحه فطريقة استخدامهما واحدة.
ب- العباب: ألفه الصغاني صاحب التكملة المتقدم ذكره وقد جاء في مقدمته ما يفسر سبب تسميته حيث قال مؤلفه: (أؤلف كتابا في لغة العرب يكون- إن شاء الله- جامعا شتاتها وشواردها حاويا مشاهير لغاتها وأوابدها، يشتمل على أداني التراكيب وأقاصيها ولا يغادر منها -سوى المهملة - صغيرة ولا كبيرة إلا وهو يحصيها) (٣).
وقد وصفه السيوطي بقوله: (وأعظم كتاب ألف في اللغة بعد عصر الصحاح كتاب المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن سيده الأندلسي الضرير. ثم كتاب العباب للرضي الصغاني (٤).
وقال فيه محمد صديق: (العباب الزاخر واللباب الفاخر في عشرين مجلدا) (٥).
وذكر الدكتور حسين نصار: إن دار الكتب المصرية لا تمتلك منه غير مجلد واحد من
стр. 4839
أول الكتاب إلى مادة (عجرد) (١) وكان مؤلفه قد أشرف به على نهاية مادة (بكم) (٢) ووافاه أجله قبل أن يتمه.
ج- لسان العرب:
ألفه ابن منظور (محمد بن مكرمة بن علي الخزرجي الأفريقي ٦٣٠ هـ- ٧١١). ولقد أراد ابن منظور أن يجمع فيه بين الاستقصاء وجودة الترتيب فعمد لتحقيق الغرض الأول إلى إبراز المعاجم السابقة- كما رآها هو- فأفرغها في موسوعته وذكرها مصرحا بذكرها في مقدمته وهي:
تهذيب اللغة للأزهري، والمحكم لابن سيده، والصحاح للجوهري، وحواشي ابن بري على الصحاح، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير. وقال بكل تواضع: (وليس لي من هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها سوى أني جمعت ما تفرق في تلك الكتب من العلوم وبسطت القول فيه) (٣) وأضاف قائلا:
(فليعتد من ينقل عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة) (٤).
وأما الغرض الثاني (جودة الترتيب) فرأى أن انتهاجه منهج الجوهري في صحاحه كفيل بتحقيقه. فلقد أعرب عن إعجابه به وتفضيله إياه على ما سواه قائلا:
ورأيت أبا نصر إسماعيل بن حماد الجوهري قد أحسن ترتيب مختصره، وشهره بسهولة وضعه فخف على الناس أمره فتناولوه. وقرب عليهم ما أخذه فتداولوه وتناقلوه) (٥) إلى أن قال (ورتبته ترتيب الصحاح في الأبواب والفصول) (٦).
ولقد ذاع صيت اللسان وطبقت شهرته الآفاق.
стр. 4840
د- القاموس المحيط: ألفه الفيروزآبادي (محمد بن يعقوب بن محمد بن يعقوب بن إبراهيم ٧٢٩ هـ ٨١٧).
ولقد أراد له مؤلفه أن يكون جامعا موجزا في الوقت ذاته. فحقق الشمول والاستيعاب بتعويله على العباب للصغاني والمحكم لابن سيده (١) فأودع في كتابه - عن طريقهما- خلاصة ما في العين والجمهرة والتهذيب والصحاح والتكملة وذكر في مقدمته أنه أضاف من زياداته إلى ما تضمنه العباب والمحيط. وقد سبقت الإشارة إلى أنه سماه القاموس المحيط لكونه- كما رآه- البحر الأعظم (٢) وكما عمد إلى الشمول، فقد عمد إلى الإيجاز، وصرح به قائلا: وسئلت تقديم كتاب وجيز على ذلك النظام وعمل مفرغ في قالب الإيجاز والإحكام، مع إتمام المعاني، وإبرام المباني فصرفت صوب هذا القصد عناني، وألفت هذا الكتاب محذوف الشواهد، مطروح الزوائد، معربا عن الفصح والشوارد (٣).
ولم يكتف بحذف الشواهد دون طرح الزوائد بل عمد إلى استخدام الرموز مكتفيا بكتابة (ع، د، ة، ج، م) عن موضع وبلد وقرية والجمع ومعروف (٤).
وقد اتبع الجوهري في منهجه لأنه لم يؤلف كتابه إلا ليتتبعه فيذكر ما أغفله وينبه إلى ما توهمه لاشتهار مؤلفه وتعويل المدرسين عليه فقال:
(وخصصت الجوهري من بين الكتب اللغوية مع ما في غالبها من الأوهام الواضحة والأغلاط الفاضحة لتداوله واشتهاره بخصوصه، واعتماد المدرسين على نصوصه.
стр. 4841
هـ- تاج العروس من جواهر القاموس:
قال الزبيدي (محمد مرتضى الحسيني ١١٤٥ هـ- ١٢٠٥).
وقد ألفه صاحبه شرحا لقاموس الفيروزآبادي، والتزم فيه بإيراد جميع مواد القاموس وتحقيقها والتنبيه إلى مراجعها وتفسير ما يحوج منها إلى تفسير، والإتيان بالشواهد التي استغنى القاموس عنها فاضطره هذا كله أن يرجع إلى مائة وعشرين كتابا، ذكرها في مقدمته وبإيراده ما في القاموس وما استدركه عليه من كل هذه الكتب صار التاج- بحق - أجمع معجم عربي بلا نزاع. وقد طبعته المطبعة الأميرية ببولاق في القاهرة طبعة كاملة في عشرة أجزاء. وقامت وزارة الإرشاد والأنباء الكويتية بطبع أجزاء منه طباعة حديثة أنيقة ولا تزال مستمرة في طبع ما بقي منه.
стр. 4842
٥ - مدرسة الأساس:
عرفت هذه المدرسة بمدرسة الأساس نسبة إلى أساس البلاغة لجار الله الزمخشري (محمود بن عمر بن محمد ٤٦٧ هـ-٥٣٨).
أ- الأساس: سماه الزمخشري أساس البلاغة لمخالفته أصحاب المعاجم اللغوية؛ إذ لم يكن همه فيه استقصاء الألفاظ العربية ومعانيها اللغوية وإنما انحصر همه أو كاد في اقتناص العبارات الأدبية البليغة من آيات وأحاديث وأمثال وأشعار، والوقوف من خلالها على معاني الألفاظ واستعمالاتها مبتدئا بالحقيقة ثم الدلالات المجازية فاصلا- في الأعم الأغلب- بين هذه وتلك منبها إليها.
ولقد خالف في تنظيم معجمه النظم التي اتبعت في المعاجم الأخرى. إذ أخذ بالترتيب الهجائي (الألفبائي) للحروف وطبقه على أحرف الألفاظ. مبتدئا من أوائلها والتي تليها بحسب تسلسلها فيها حتى انتهى بأواخرها. فقسم معجمه إلى كتب بعدد وترتيب حروف الهجاء، فالألفاظ المبدوءة بالهمزة- مثلا- جمعها كتاب الهمزة في أول
стр. 4843
المعجم، والمبدوءة بالباء ضمها كتاب الباء التالي لكتاب الهمزة والسابق لكتاب التاء وهكذا.
ورتبت مواد كل كتاب بحسب تسلسل حروفها الثواني، ففي كتاب الدال تتقدم الألفاظ المبدوءة بالدال والهمزة على المبدوءة بالدال والراء. فلفظ (دأب) قبل لفظ (درب) وإذا درج اللفظان في الحرفين الأول والثاني ينظر إلى الحرف الثالث، فلفظ (درج) يسبق لفظ (درس) لتأخر السين عن الجيم في الترتيب الهجائي وهكذا.
وطريقته هذه- بالطبع- أيسر طرائق البحث عن الألفاظ في المعاجم وهي المتبعة الآن في المعاجم الحديثة.
وقد طبع أكثر من مرة في مجلدين كما طبع أخيرا في مجلد واحد بأحرف أصغر من غير ما إخلال بمواد المعجم.
ولقد آثر اللغويون المحدثون طريقة الزمخشري في ترتيب الألفاظ اللغوية لسهولتها على العالم والمتعلم فاتبعوها في تأليف معاجمهم الحديثة.
ب - محيط المحيط: لبطرس بن بولس بن عبد الله البستاني اللبناني (١٨١٩م. - ١٨٨٣).
وقد اتخذ من القاموس المحيط للفيروزآبادي أساسا لمادة معجمه، وحذف أسماء الأماكن والأشخاص والقبائل والمشتقات القياسية وبعض اللغات، وصاغ التفسيرات صياغة تلائم روح العصر الحديث وأضاف غير قليل من المعاني المولدة والمسيحية والعامية والمصطلحات العلمية والفلسفية (١).
ج- قطر المحيط: لبطرس البستاني أيضا وقد قال فيه مؤلفه أنه سماه بهذا الاسم لأن نسبته إلى محيط المحيط نسبة قطر دائرة إلى محيطها وقد أتى فيه على مواد المحيط غير أنه حذف جزءا كبيرا من كل مادة منها واتبع فيه منهج المحيط.
د- أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد:
стр. 4844
ألفه سعيد بن عبد الله الخوري الشرتوني (١٨٤٩ - ١٩١٢). وعنوانه يشير إلى ما قصد إليه مؤلفه من التيسير ودقة التنظيم. فقسم معجمه إلى قسمين: استقل الأول منهما بالمفردات، والثاني بالمصطلحات العلمية والكلم المولد والإعلام وأردفهما بذيل لما استدركه على نفسه وعلى غيره.
وقد أصدر القسم الأول والذيل وأرجأ القسم الثاني غير أن الموت لم يهمله لإصداره، وكان قد عول في القسم الأول من معجمه على مواد القاموس للفيروزآبادي بعد أن غير ترتيبها بحسب ترتيب الأساس. وقام بمثل ما قام به البستاني في محيطه من حذف وإضافة وصياغة غير أنه خالف البستاني أيضا فحذف كثيرا من الألفاظ العامية والمسيحية وأسماء الكتب، واستعمل الرموز مشيرا بها إلى أبواب الأفعال والتزم نظاما صارما لتقديم الأفعال على الأسماء، وراعى ترتيبا معينا في تناول الأفعال ذاتها. فمعجمه أكثر انتظاما من محيط البستاني تيسيرا للبحث مع كونه أغزر منه مادة. وقد لا نجانب الصواب إذا ما قلنا إنه أشمل المعاجم التي أصدرها اللبنانيون للمفردات.
هـ- المنجد: للأب لويس المعلوف أخرجه سنة ١٩٠٨م اختصر فيه محيط المحيط للبستاني وسار على نظامه، ورجع إلى التاج كثيرا في تفسير مواده. واستعان بالرموز على غرار المعاجم الأجنبية فرمز للصيغ وتكرار اللفظ المشروح. وأكثر من الصور الموضحة. فلقي رواجا منقطع النظير لما انطوى عليه من مميزات فهو مبرأ من فصول القول والاستطرادات وتعدد الأوجه، مكثف المادة غزيرها، رائق في حجمه ومظهره. غير أنه مع هذا كله لا يصلح مرجعا موثوقا للباحثين المختصين لوقوعه في بعض الأخطاء، ولأنه مشوب في عدد من مواده بأمور تتصل بالدين الإسلامي والتراث العربي مما درج على ترديده عدد من المستشرقين المغرضين. وعلى الرغم من تعدد طبعاته فإن القائمين على طبعه لم يتلافوا المآخذ التي دأب الباحثون على كشفها فيه طوال هذه السنين العديدة.
ولقد أدخلت عليه تحسينات كثيرة فحفل بالصور والجداول والخرائط وكتبت المواد في أول السطر باللون الأحمر، وألحق به معجم للآداب والعلوم حوى تراجم لأعلام الشرق والغرب صنعه الأب فرديناند توتل سنة ١٩٥٦م فصار المنجد في طليعة المعاجم العربية الحديثة تنظيما، وأيسرها تناولا، وأكثرها انتشارا مع ما فيه من مآخذ.
стр. 4845
والبستان: لعضو المجمع العربي بدمشق في حينه، عبد الله بن ميخائيل البستاني (١٨٥٤م- ١٩٣٠) استقى مادته من محيط المحيط لبطرس البستاني وتصرف فيها حذفا وإضافة وأفاد كثيرا مما أدخل في المعاجم الحديثة من تحسينات.
ولقد أكثر من الألفاظ الداخلية والمولدة وبخاصة المخترعات والمصطلحات الحديثة وآثر في تفسيره للألفاظ عبارات التاج على عبارات القاموس المحيط فتضخم معجمه فاستنفذ مجلدين كبيرين أصدرهما سنة ١٩٣٠ م.
ز- فاكهة البستان: لعبد الله البستاني أيضا اختصر فيه البستان ليتيسر اقتناؤه ويعم الانتفاع به فطبعه في مجلد واحد ١٩٣٥ أيضا.
ح- معجم متن اللغة: للشيخ أحمد رضا العاملي عضو المجمع العربي في دمشق سابقا. صنعه بتكليف من مجمعه. ويبدو أنه أخذ بتوجيهات مجمعه عند تأليف معجمه فجاءت محتويات كل مادة من مواده مرتبة ترتيبا دقيقا. إذ قدم الأفعال على الأسماء، وبدأ بالمجرد من الأفعال فرتبها بحسب تسلسل أبوابها الستة المعروفة ورتب المزيد منها ترتيبا خاصا وكذلك الأسماء، معولا في تفسيرها على معاجم الأقدمين معرضا عن المعاجم الحديثة كيلا تتسرب أخطاؤها إلى صنيعه، غير أنه أفاد كثيرا مما فيها من مظاهر التنظيم.
ولقد تجنب تعدد الأوجه وكثرة الاستطرادات والتعليلات في المعاجم القديمة. وحرص على ذكر المجاز إلى جانب الحقيقة. وأدخل الألفاظ المصرية والمستحدثة والصيغ التي أقرها كل من المجمعين اللغويين في القاهرة ودمشق. وأفرد الألفاظ العامية في هوامش مواده كيلا تختلط بالفصيح ولا يفتقر إليها معجمه. ولم يكثر من المصطلحات العلمية والفنية لكونها خارجة عن متن اللغة. وإذا أورد مصطلحا دخيلا وضع إلى جواره اسمه الأجنبي بأحرفه اللاتينية.
وقد صدر معجمه هذا في سبعة مجلدات عن دار الحياة في بيروت سنة ١٩٥٨ بعد وفاة مؤلفه.
ط- المعجم الوسيط: ألفته لجنة من أعضاء مجمع اللغة العربية في القاهرة بتكليف منه. وقد أفادت اللجنة من آخر ما وصلت إليه المعاجم العربية الحديثة من تطور في المادة
стр. 4846
والمنهج. فضمت إلى المعاجم كثيرا من المصطلحات. وما استحدث في حياتنا العامة من ألفاظ مولدة ومعربة حديثا واستغنت عن الحوشي والمهجور من ألفاظ اللغة وبعسر المتراصات، واستعانت بالرموز للاختصار، والتزمت بمنهج خاص في ترتيب ما أوردته في كل مادة، كتقديم الأفعال على الأسماء، ومجردها على مزيدها ولازمها على متعديها، واتخذت- بالطبع- نظام الأساس نظاما لها في ترتيب معجمها. فجاء معجمها أكثر المعاجم العربية الصغيرة مادة، وأرحبها صدرا للمصطلحات، والمستحدث من الألفاظ والدلالات وأضبطها وأوثقها وأحكها منهجا. وهو بعد هذا كله أول معجم عربي حديث صدر عن مجمع له حق التشريع في اللغة. غير أنه مع هذا كله لم يسلم من سقطات وهفوات. وقد تتبعها الدكتور عدنان الخطيب ونشرها تباعا في سلسلة مقالات نشرها في مجلة اللغة العربية في دمشق من سنة ١٩٦٣ - ١٩٦٧ ثم تولى جمعها في كتاب خاص به نشره سنة ١٩٦٧.
ي- المعجم الكبير: شرع مجمع اللغة العربية في القاهرة منذ فترة في عمل معجم كبير للغة العربية يغني عن غيره من المعاجم وقد استطاع أن ينتهي من جزئه الأول الخاص بحرف الهمزة فنشره سنة ١٩٧٠ م في سبعمائة صفحة.
ويتضح من مقدمة هذا الجزء أن المجمع كان قد رمى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
أ- دقة الترتيب: إذ اختار ترتيب الأساس أي الترتيب الهجائي (الألفبائي) ابتداء من الحرف الأصلي الأول من أحرف الألفاظ إلى آخر حرف فيها. أما الألفاظ الدخيلة (غير العربية) التي لم يشتق العرب منها فقد اعتبرت جميع أحرفها أصيلة فلفظ مثل: إستبرق وضع في الهمزة وما تلاها من أحرف اللفظ بحسب ترتيبها. ولقد رتبت كل مادة ترتيبا دقيقا شاملا فقسمت إلى ستة أقسام هي:
١ - نظائرها في اللغات السامية.
٢ - معانيها الكلية أو العامة.
٣ - أفعالها.
стр. 4847
٤ - مصادرها.
٥ - مشتقاتها.
٦ - الأسماء.
ولم يهمل من هذه الأقسام إلا ما ليس له وجود في اللغة، والتزم في ترتيب المعاني والأفعال والأسماء بما التزم به في المعجم الوسيط من تقديم المعاني الأصلية على الفرعية، والحسية على المعنوية، وتقديم المجرد من الأفعال على المزيد، واللازم على المتعدي.
ورتبت الأسماء بحسب أسبقية أوائلها في الترتيب الهجائي. كما رتبت الشواهد بحسب قدمها.
واستخدم الرموز الدالة بغية الإيجاز، وفسر المواد بعبارات واضحة موجزة دقيقة.
ب- الإحاطة اللغوية: تلك الإحاطة القائمة على الاستيعاب وتصوير المادة تصويرا كاملا في جميع الأزمنة والأمكنة التي عاشت فيها. فبحث عن المواد في المعاجم القديمة وتجاوزها إلى كتب الأدب والعلوم ولم يشر إلى غير ما انفرد منها بشيء مما أخذه. وأكمل اشتقاقات بعض المواد التي سمعت طائفة من اشتقاقاتها ولم تسمع بقيتها. وأقر تعريب المحدثين، فجاء المعجم شاملا لما يريده الباحث من ألفاظ القدماء والمحدثين ودلالاتها إلى عصرنا الحاضر.
ج- موسوعية التأليف المعجمي: وقد تمثلت في تقديم ألوان من المعارف والعلوم تحت أسماء المصطلحات والأعلام جميع المصطلحات القديمة وما أقره المجمع من مصطلحات حديثة وما كان وثيق الصلة بالاستعمال الأدبي واللغوي وأورد الأعلام العربية وكل ما له من أهمية تاريخية أو أدبية وفسر هذه الألوان من المعارف والعلوم بدقة ووضوح وإيجاز.
والحق أن المجمع في عمله كان قد طبق منهج المستشرق الألماني فيشر في معجمه (المعجم اللغوي التاريخي) الذي تولى مجمع اللغة العربية في القاهرة نشر مقدمته وقسم من باب الهمزة (ينتهي بمادة (أبد).) ويظهر- كما ذهب الدكتور إبراهيم مدكور - أن فيشر كان قد احتذى منهج معجم أكسفورد وأراد أن يطبقه على العربية.
стр. 4848
المصادر والمراجع
١ - أساس البلاغة- الزمخشري (محمود بن عمر ت ٣٥٨ هـ) الطبعة الأولى بطريقة الأوفست- مطبعة أولاد أورنايد- القاهرة ١٣٧٢ هـ ١٩٥٢م.
٢ - أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد- الشرتوني (سعيد بن عبد الله الخوري ١٨٤٩ - ١٩١٢م).
٣ - البحث اللغوي عند العرب مع دراسة لقضية التأثير والتأثر - الدكتور أحمد مختار عمر - دار المعارف بمصر - ١٩٧١م.
٤ - البستان- البستاني (عبد الله بن ميخائيل ١٨٥٤ م- ١٩٣٠ المطبعة الأمريكية- بيروت - ١٩٢٧ م.
٥ - التاج (تاج العروس من جواهر القاموس) - الزبيدي (محمد مرتضى الحسيني) - المطبعة الخيرية بمصر ١٣٠٦ هـ- ١٣٠٧ هـ.
٦ - التكملة (التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية) الصغاني (الحسن بن محمد بن الحسن ت ٦٥٠ هـ).
٧ - التهذيب (تهذيب اللغة) - الأزهري (أبو منصور محمد بن أحمد - ٢٨٢ هـ ٣٧٠) مطبعة الدار القومية للطباعة- القاهرة ١٣٨٤ هـ ١٩٦٤م.
٨ - الجمهرة (جمهرة اللغة) - ابن دريد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت ٣٢١ هـ) - الطبعة الأولى: مطبعة دائرة المعارف في حيدرآباد الدكن - ١٣٤٤ هـ.
٩ - الخليل بن أحمد الفراهيدي أعماله ومنهجه - الدكتور مهدي المخزومي مطبعة الزهراء- بغداد - ١٩٦٠م.
١٠ - ديوان الأدب- الفارابي (أبو نصر إسحاق بن إبراهيم ت ٣٥٠هـ) مخطوط - مكتبة الأوقاف ببغداد رقم ١١٠٦.
١١ - رواية اللغة- الدكتور عبد الحميد الشلقاني - دار المعارف بمصر ١٩٧١.
١٢ - سر صناعة الإعراب- ابن جني (أبو الفتح عثمان) الجزء الأول منه فقط تحقيق مصطفى السقا وآخرين- الطبعة الأولى مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ١٣٧٤ هـ- ١٩٥٤م.
١٣ - شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك - ابن عقيل عبد الله بن عقيل العقيلي ٦٩٨ هـ- ٧٦٩) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد الطبعة الرابعة عشرة مطبعة السعادة بمصر ١٣٨٤ هـ ١٩٦٤م).
١٤ - شرح الشافية (شرح شافية ابن الحاجب) - الرضي الأستراباذي (محمد رضي الدين بن الحسن ت ١٠٩٣ هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد وآخرين- الطبعة الأولى مطبعة حجازي في
стр. 4849
القاهرة - ١٣٥٨ - ١٩٢٩ م.
١٥ - الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية) - الجوهري (إسماعيل بن حماد ٣٣٢ هـ- ٣٦٩) تحقيق أحمد عبد الغفور عطار - مطبعة دار الكتاب العربي - القاهرة - ١٣٧٦ هـ- ١٩٥٦م).
١٦ - ضحى الإسلام- أحمد أمين - الطبعة السابعة مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر- القاهرة ١٩٦٤ م).
١٧ - العين- الخليل (الخليل بن أحمد الفراهيدي ١٠٠ هـ- ١٧٥) تحقيق الدكتور عبد الله درويش - مطبعة العاني- بغداد ١٣٨٦ هـ ١٩٦٧ م (الجزء الأول منه فقط).
١٨ - فاكهة البستان- البستاني (عبد الله بن ميخائيل ١٨٥٤ م- ١٩٣٠م). المطبعة الأمريكية- بيروت ١٩٣٠ م).
١٩ - الفهرست- ابن النديم (أبو الفرج محمد بن إسحاق ت ٤٣٨ مطبعة الاستقامة في القاهرة.
٢٠ - القاموس المحيط- الفيروزآبادي (محمد بن يعقوب بن محمد ٧٢٩ هـ ٨١٧) الطبعة الرابعة- مطبعة دار المأمون- القاهرة ١٣٥٧ هـ ١٩٣٨م).
٢١ - قطر المحيط- البستاني (بطرس بن بولس بن عبد الله ١٨١٩ - ١٨٨٣). بيروت - ١٨٧٠م.
٢٢ - الكتاب- سيبويه (أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر ١٤٨ هـ- ١٨٠) نسخة مصورة بالأوفست عن الطبعة الأولى- المطبعة الأميرية ببولاق القاهرة - ١٣١٦ هـ.
٢٣ - اللسان (لسان العرب) - ابن منظور (محمد بن مكرم بن منظور ٦٣٠ هـ- ٧١١) - دار صادر ودار بيروت للطباعة والنشر- بيروت ١٣٨٨ هـ- ١٩٦٨ م).
٢٤ - المباحث اللغوية في العراق ومشكلة العربية العصرية الدكتور مصطفى جواد الطبعة الثانية- مطبعة العاني بغداد - ١٣٨٥ هـ- ١٩٦٥ م).
٢٥ - المجمل (مجمل اللغة) - ابن فارس (أبو الحسين أحمد بن فارس ت ٣٩٥ هـ) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - الطبعة الأولى- مطبعة السعادة- القاهرة ١٣٦٦ هـ- ١٩٤٧ م (الجزء الأول منه فقط).
٢٦ - محيط المحيط- البستاني - بطرس البستاني - نسخة مصورة بالأوفست عن الطبعة الأولى ١٨٧٠ م.
٢٧ - المحكم والمحيط الأعظم في اللغة- ابن سيده (علي بن إسماعيل ت ٤٥٨ هـ) مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ١٩٥٨ م الأجزاء الثلاثة الأولى حققت لمعهد الدراسات العربية العليا في القاهرة.
٢٨ - مختار الصحاح- الرازي (محمد بن أبي بكر بن عبد القادر ت ٦٦٦ هـ) القاهرة.
٢٩ - مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو- الدكتور مهدي المخزومي مطبعة الزهراء- بغداد - ١٩٦٠م.
٣٠ - المزهر في علوم اللغة وأنواعها- السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر ت٩١١ هـ) مطبعة عيسى
стр. 4850
الحلبي وشركاه- القاهرة.
٣١ - مصادر التراث العربي في اللغة والمعاجم والأدب والتراجم- الدكتور عمر الدقاق - الطبعة الثالثة- دار الشرق- بيروت.
٣٢ - المعاجم العربية- الدكتور حسين نصار - معهد التربية الأنروا- اليونسكو بيروت. القسم الأول trepa / A / ٨ القسم الثاني prepa / A / ٩
٣٣ - المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم العين للخليل بن أحمد - الدكتور عبد الله درويش - مطبعة الرسالة- القاهرة ١٣٧٥ هـ ١٩٥٦م.
٣٤ - معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) - ياقوت الحموي (ياقوت بن عبد الله ٥٧٤ هـ- ٦٢٦). نسخة مصورة بالأوفست عن الطبعة الثانية مطبعة هندية- القاهرة ٩٢٣ م.
٣٥ - المعجم العربي بين الماضي والحاضر- الدكتور عدنان الخطيب مطبعة النهضة الجديدة- القاهرة - ١٩٦٧م.
٣٦ - المعجم العربي نشأته وتطوره- الدكتور حسين نصار الطبعة الثانية- دار مصر للطباعة- القاهرة - ١٩٦٨م.
٣٧ - المعجم الكبير- معجم اللغة العربية في القاهرة - مطبعة دار الكتب المصرية القاهرة ١٩٧٠م (الجزء الأول منه فقط).
٣٨ - المعجم اللغوي التأريخي- المستعرب الألماني أ. فيشر - الطبعة الأولى المطابع الأميرية- القاهرة - ١٣٨٧ هـ ١٩٦٧م (القسم الأول منه فقط).
٣٩ - معجم متن اللغة- الشيخ أحمد رضا العاملي - دار مكتبة الحياة- بيروت ١٩٥٨ م.
٤٠ - المعجم الوسيط- معجم اللغة العربية (إبراهيم مصطفى وآخرون) مطبعة مصر- ١٣٨٠ هـ- ١٩٦٠م.
٤١ - المفردات (المفردات في غريب القرآن) الراغب الأصفهاني (أبو القاسم حسين بن محمد ت٥٠٢ هـ) تحقيق محمد سيد كيلاني مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده في القاهرة ١٣٨٩ هـ-١٩٦٩م.
٤٢ - مقاييس اللغة- ابن فارس (أبو الحسين أحمد بن فارس ت ٣٩٥ هـ) تحقيق عبد السلام محمد هارون - الطبعة الثانية- مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده في القاهرة ١٣٨٩ هـ- ١٩٧٠ م.
٤٣ - المكتبة العربية (دراسة لأمهات الكتب في الثقافة العربية) الدكتور عزة حسن دمشق - ١٣٩٠ هـ- ١٩٧٠ م (الجزء الأول منه فقط).
٤٤ - المنجد في اللغة والأدب والعلوم- لويس المعلوف الطبعة الخامسة عشرة- مطبعة الآباء اليسوعيين- بيروت - ١٩٥٦م.
стр. 4851
صفحة فارغة
стр. 4852
الاسم: عبد الله بن حمد بن عبد الله العبودي
مكان الولادة: أشيقر، تاريخها: ١٣٥٨هـ.
الدراسة بمدرسة أشيقر الابتدائية، ثم بمعهد الرياض العلمي، ثم بكلية الشريعة بالرياض، حصل على شهادة الليسانس من كلية الشريعة عام ١٣٨١هـ.
بعد التخرج عين مدرسا بالمرحلة المتوسطة ثم بالمرحلة الثانوية ثم موجها للمواد الدينية لجميع المراحل.
ثم موجها إسلاميا بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (بإدارة الدعوة بالخارج).
ثم رشح للعمل بإدارة البحوث العلمية - بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء ولا يزال.
стр. 4853
صفحة فارغة
стр. 4854
حكم
لعب الأطفال
مجسمة
وغير
مجسمة
إعداد الشيخ: عبد الله بن حمد بن عبد الله العبودي
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. . .
فحيث وكل إلي عمل بحث في (لعب الأطفال مجسمة وغير مجسمة) يتضمن أقوال العلماء والمفسرين وآراء الفقهاء في ذلك. وحيث لم أجد كلاما مستقلا في كتب المفسرين والمحدثين والفقهاء مما اطلعت عليها يتضمن هذا الموضوع بعينه جملة وتفصيلا، وإنما يشار إلى ذلك في باب البيوع أو اللباس أو التصاوير أو العشرة أو الانبساط إلى الناس، وكلهم مركز على ما ورد عن عائشة ﵂:
стр. 4855
«كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي (١)». رواه البخاري، وأخرج أبو داود والنسائي من وجه آخر عن عائشة ﵂ قالت: «قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها، قالت: فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة (لعب) فقال: (ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، قالت: ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان فقال: ما هذا؟ قلت فرس، قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة؟ فضحك (٢)».
وأغلب من تكلم منهم عن هذين الحديثين ضمن كلامه آراء علماء وفقهاء عصره، أو من تقدموا عليه، وكل منهم متقارب؛ إذ في الغالب أن المتأخر منهم ينقل عن المتقدم إما نصا أو بزيادة بسيطة تتضمن رأيه وأحيانا رأي علماء عصره في الموضوع، لذا رأيت أن أختار مما اطلعت عليه في هذا الموضوع ما يسر الله لي نقله وكتابته مما أظنه كافيا لأداء الغرض. علما بأني لم أتعرض لأي نقل أو كتابة في موضوع التصوير بذاته؛ إذ يوجد لدى الأمانة فيه كتابات سابقة ولاحقة وتكلم عليه المفسرون والمحدثون والفقهاء والعلماء قديما وحديثا بما هو واضح وجلي والحمد لله. وذلك اقتصارا مني على المطلوب وتوخيا للاختصار.
وخلاصة ما كتب في الموضوع تتضمنها فتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تعالى- وكذا ما كتبه والدنا سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد أثابه الله وجزاه خيرا في كتابه (الجواب المفيد في حكم التصوير)، وكذا ما كتبه الشيخ (حمود بن عبد الله التويجري) جزاه الله خيرا في كتابه (إعلان النكير على المفتونين بالتصوير)، وقد نقلت كلامهم ضمن ما كتبته هنا.
هذا وأرجو من الله أن يوفق عباده المؤمنين لاتباع هديه وشرع نبيه وأن يجنبهم المخالفة إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 4856
قال الإمام الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في باب " الانبساط إلى الناس " بعد هذا الحديث حدثنا محمد أخبرنا أبو معاوية حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي (١)».
بعدما تكلم ﵀ عن لغويات الحديث وما يتعلق بها قال:
واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ وإليه مال ابن بطال، وحكى ابن زيد عن مالك " أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور"، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ، وقد ترجم ابن حبان "الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب"، وترجم له النسائي "إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات" فلم يقيد بالصغر وفيه نظر.
قال البيهقي -بعد تخريجه-: ثبت النهي عن اتخاذ الصور فيحتمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزي، وقال المنذري: إن كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم، وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة وبهذا جزم الحليمي فقال: إن كانت صورة كالوثن لم يجز والإ جاز، وقيل: معنى هذا الحديث "اللعب مع البنات، أي الجواري والباء هنا بمعنى مع حكاه ابن التين عن الداودي ورده، قلت: ويرده ما أخرجه ابن عيينة في الجامع من رواية سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه عن هشام بن عروة في هذا الحديث: «وكن جواري يأتين فيلعبن بها معي (٢)» وفي رواية جرير عن هشام: «كنت ألعب بالبنات وهن اللعب (٣)» أخرجه أبو عوانة وغيره، وأخرج أبو داود والنسائي من وجه آخر عن عائشة ﵂ قالت: «قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر (٤)» فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها قالت: «فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لعب فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، قالت: ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان فقال ما هذا؟ قلت: فرس، قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة؟ فضحك (٥)» فهذا صريح في أن المراد باللعب غير
стр. 4857
الآدميات. قال الخطابي في هذا الحديث: إن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور الذي جاء فيها الوعيد وإنما أرخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ، قلت: وفي الجزم به نظر لكنه محتمل؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة إما أكملتها أو جاوزتها أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قطعا فيترجح رواية من قال في خيبر ويجمع بما قال الخطابي لأن ذلك أولى من التعارض (١) انتهى المراد مما قاله الحافظ ابن جحر -رحمه الله تعالى-.
وحول موضوع "لعب البنات" وهو ما نحن بصدده قال "الشيخ الإمام بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني "- رحمه الله تعالى- في "باب التصاوير" (في باب عذاب المصورين يوم القيامة) ما نصه:
وفي التوضيح قال أصحابنا وغيرهم: تصوير صورة الحيوان حرام أشد التحريم وهو من الكبائر وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فحرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله وسواء كان في ثوب أو بساط أو دينار أو درهم أو فلس أو إناء أو حائط، وأما ما ليس فيه صورة حيوان كالشجر ونحوه فليس بحرام، وسواء كان في هذا كله ما له ظل وما لا ظل له، وبمعناه قال جماعة العلماء: مالك والثوري وأبو حنيفة وغيرهم، وقال القاضي: إلا ما ورد في لعب البنات، وكان مالك يكره شراء ذلك (٢).
وقال أيضا رحمه الله تعالى (في باب التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك) بعدما تكلم عن حكم التصاوير وآراء العلماء في ذلك قال ما نصه:
وقال عياض: وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك، وكره مالك شراء ذلك لابنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب للبنات منسوخ.
وقال القرطبي: واستثنى بعض أصحابنا من ذلك ما لا يبقى كصور الفخار والشمع وما شاكل ذلك وهو مطالب بدليل التخصيص وقال - رحمه الله تعالى- أيضا في كتاب الآداب " باب الانبساط إلى الناس ":
стр. 4858
١٥٤ (حدثنا محمد أخبرنا أبو معاوية حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ ثم ذكر حديث عائشة السابق الذي ساقه البخاري في باب الانبساط إلى الناس، وتكلم عليه الحافظ ابن حجر في الفتح (١) ثم قال العيني في شرحه لحديث عائشة ﵂:
مطابقته للترجمة من حيث إن رسول الله ﷺ كان ينبسط إلى عائشة حيث يرضى بلعبها بالبنات ويرسل إليها صواحبها حتى يلعبن معها، وكانت عائشة حينئذ غير بالغة، فلذلك رخص لها، والكراهة لها فيها قائمة للبوالغ. ومحمد هو ابن سلام. وجوز الكرماني أن يكون محمد بن المثنى، وأبو معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي، وهشام هو ابن عروة، يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن أبي كريب عن أبي معاوية.
قوله: "بالبنات" وهي "التماثيل" التي تسمى لعب البنات وهي مشهورة، وقال الداودي: يحتمل أن تكون الباء بمعنى مع والبنات الجواري. قوله: (صواحب) جمع صاحبة وهي الجواري من أقرانها، قوله: (إذا دخل) أي البيت، قوله: "يتقمعن" منه أي يذهبن ويستترن من النبي ﷺ وهو من الانقماع من باب الانفعال، وهو رواية الكشميهني. وعند غيره يتقمعن من التقمع من باب التفصل ومادته (قاف وميم وعين مهملة)، وقال أبو عبيد: يتقمعن يعني يدخلن البيت ويغبن. ويقال: الإنسان قد انقمع وتقمع إذا دخل في الشيء، وقال الأصمعي: ومنه سمي القمع الذي يصب فيه الدهن وغيره لدخوله في الإناء. قوله: "فيسربهن بالسين المهملة" أي يرسلهن من التسريب وهو الإرسال والتسريح، والسارب الذاهب، يقال: سرب عليه الخيل وهو أن يبعث عليه الخيل قطعة بعد قطعة. قوله: (إلي) بتشديد الياء المفتوحة.
واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور اللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ وإليه مال ابن بطال وقد ترجم له ابن حبان "الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب"، وترجم له النسائي "إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات"
стр. 4859
ولم يقيد بالصغر، وفيه نظر. وجزم ابن الجوزي بأن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وقال المنذري: إن كانت كالصورة فهي مثل التحريم وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة، وقال الخطابي في هذا الحديث: إن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما رخص لعائشة رضي الله تعالى عنها فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ (١) انتهى المقصود من إيراد ما ذكره العيني رحمه الله تعالى.
وقال النووي رحمه الله تعالى في الكلام عن التصوير في باب "تحريم صورة الحيوان" في شرحه لصحيح مسلم ما نصه:
وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره. قال القاضي: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك. لكن كره مالك (شراء الرجل ذلك لابنته).
وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث، والله أعلم (٢).
انتهى المراد من كلامه رحمه الله تعالى.
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) في تفسير قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (٣).
قال فيه ثماني مسائل: إلى أن قال:
الثانية: وقد استثني من هذا الباب لعب البنات لما ثبت عن عائشة ﵂ لأن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة، وعنها أيضا قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي (٤)» أخرجهما مسلم.
قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن، ثم إنه لا بقاء لذلك. وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له،
стр. 4860
فرخص في ذلك والله أعلم (١).
انتهى المراد من كلام القرطبي رحمه الله تعالى.
وقال الإمام " محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار في (باب إحسان العشرة وبيان حق الزوجين) بعد إيراده هذا الحديث الآتي:
٣ - وعن عائشة قالت: «كنت ألعب بالبنات عند رسول الله ﷺ في بيته "وهن اللعب") (٢)»، الحديث. قوله: (بالبنات) قال في القاموس: والبنات التماثيل الصغار يلعب بها انتهى.
وقوله (اللعب) بضم اللام جمع لعبة قال في القاموس: واللعبة بالضم التمثال وما يلعب به كالشطرنج ونحوه.
قوله: (يتقمعن) قال في القاموس: (تقمع) دخل البيت مستخفيا وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز تمكين الصغار من اللعب بالتماثيل.
وقد روي عن مالك (أنه كره للرجل أن يشتري لبنته ذلك) وقال القاضي عياض: إن اللعب بالبنات للبنات الصغار رخصة.
وحكى النووي عن بعض العلماء "أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخة بالأحاديث الواردة في تحريم الصور ووجوب تغييره " (٣).
انتهى المقصود من إيراده.
وحول موضوع (لعب البنات) قال الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى ما نصه:
" فصل- في إباحة اللعب للبنات ومن قيدها بغير المصورة"
لولي الصغيرة الإذن لها في اللعب بلعب غير مصورة نص عليه، قال في الرعاية
стр. 4861
الكبرى: وله شراؤها بمالها نص عليه، وقيل: بل بماله. وقال في التلخيص: هل يشتريها من مالها أو من ماله؟ فيه احتمالان. قال ابن حمدان: المراد بالمصورة ما لها جسم مصنوع له طول وعرض وعمق.
وقال القاضي في الأحكام السلطانية في فصل والي الحسبة: وأما اللعب فليس يقصد بها المعاصي وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد، ففيها وجه من وجوه التدبير يقارنه معصية بتصوير ذات الأرواح ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجه وللمنع منها وجه بحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره، وظاهر كلام الإمام أحمد المنع منها وإنكارها إذا كانت على صورة ذوات الأرواح، قال في رواية المروذي: وقد سئل عن الوصي يشتري للصبية لعبة إذا طلبت، فقال: إن كانت صورة فلا، وقال: في رواية بكر بن محمد وقد سئل عن حديث عائشة «كنت ألعب بالبنات (١)»، قال لا بأس بلعب اللعب إذا لم يكن فيه صورة، فإذا كان فيه صورة فلا، وظاهر أنه منع من اللعب بها إذا كانت صورة، وقد روى أحمد بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي «أن النبي ﷺ دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات، ومعها جوار فقال: ما هذه يا عائشة؟ فقالت: هذا خيل سليمان، فجعل يضحك من قولها ﷺ » قال أحمد: وهو غريب لم أسمعه من غيرهم عن يحيى بن سعيد. انتهى كلام القاضي وفي الصبح (أنها كانت في متاع عائشة ﵂ لما تزوجها النبي ﷺ فمن العلماء من جعله مخصوصا من عموم الصور، ومنهم من جعله في أول الأمر قبل النهي عن الصور ثم نسخ، وذكر القاضي عياض أنه قول جمهور العلماء. (٢).
ومما كتبه العالم / محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه: (غذاء الألباب شرح منظومة الآداب) ما يلي:
- مطلب في حكم شراء اللعبة لليتيمة-
وحل شراه لليتيمة لعبة ... بلا رأس أن تطلب وبالرأس فاصدد
(وحل شراه) أي الولي (لليتيمة) القاصرة عن درجة البلوغ (لعبة) بالضم تمثالا تلعب به بشرط كونه بلا رأس حتى يخرج عن التصاوير المحرمة.
стр. 4862
(أن تطلب) اليتيمة ذلك، فظاهره عدم الحل إن لم تطلبه وليس مرادا. وإنما قيده بذلك لما يأتي من النص وليستقيم الوزن والله الموفق.
وأما اللعبة (بالرأس) التي تكون على هيئة ذي الروح من الحيوان (فاصدد) لها عن اللعب بها وامنعها.
ولا يشتري ما كان من ذاك صورة ... ومن ماله لا مالها في المجرد
ولا يشتري الولي (ما) الذي (كان) هو (من ذاك) اسم إشارة يرجع إلى المذكور أو التمثال أي ولا يشتري ما كان من التمثال أو الشيء المذكور (صورة) أي ذا صورة؛ لأنه محرم.
قال في الآداب الكبرى: لولي الصغيرة الإذن لها في اللعب باللعب غير المصورة، نص عليه فظاهر كلامه عدم اختصاصه باليتيمة وهو كذلك.
ولذلك عبر في الإقناع بقوله: " وللولي أن يأذن للصغيرة أن تلعب بلعب غير مصورة أي بلا رأس "، انتهى. وكذا في الفروع وغيره.
وكلام النظم يخص اليتيمة والحق الشمول لقضية عائشة ﵂ قال القاضي في الأحكام السلطانية في (فصل والي الحسبة): وأما اللعب فليس يقصد بها المعاصي وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد، ففيها وجه من وجوه التدبير يقارنه معصية بتصوير ذوات الأرواح ومشابهة الأصنام فللتمكين منها وبحسب ما يقضيه شواهد الأحوال يكون إقراره وإنكاره يعني إن كانت قرينة الحال تقتضي المصلحة أقره، وإلا أنكره.
وظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ الإنكار إذا كانت على صورة ذوات الأرواح فإنه سئل عن الوصي يشتري للصبية لعبة إذا طلبت فقال: إن كانت صورة فلا. وقال في رواية بكر بن محمد وقد سأله عن حديث عائشة ﵂ «كنت ألعب بالبنات (١)» فقال: لا بأس بلعب اللعب إذا لم يكن فيها صورة، فإن كان فيها صورة فلا.
وروى أحمد من حديث عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ دخل عليها وهي تلعب بالبنات ومعها جوار، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: هذا خيل سليمان. قال: فجعل يضحك من قولها». قال الإمام أحمد هو غريب.
стр. 4863
وفي الصحيح أنها كانت في متاع عائشة لما تزوجها رسول الله ﷺ فمن العلماء من جعله مخصوصا من عموم الصور، ومنهم من جعل هذا في أول الأمر ثم نسخ، قال القاضي عياض: هو قول الجمهور من العلماء.
قلت: وممن ذكر الخصوصية الإمام النووي فقال في شرح صحيح مسلم: قال ابن حزم: (وجائز للصبايا خاصة اللعب بالصور ولا يجوز لغيرهن. والصور محرمة إلا هذا إلا ما كان رقما في ثوب) انتهى.
وقد علمت حرمه كونه رقما في ثوب. وكذا لعبة ما لم تكن على غير صور ذوات الأرواح من نحو شجرة أو بلا رأس. والله أعلم.
وحيث جاز شراء الولي للعبة فثمنها من ماله أي من مال الولي لا من مالها أي اليتيمة على ما في كتاب الإمام الأوحد، والهمام الأمجد، حامل لواء مذهب سيدنا الإمام أحمد القاضي أبي يعلى طيب الله ثراه، وجعل الفردوس مأواه المسمى (بالمجرد).
وقال في الرعاية الكبرى. وله شراؤها بمالها، نص عليه، وقيل: بل بماله وفي التلخيص: هل يشتريها من مالها أو من ماله؟ فيه احتمالان:
وفي الإنصاف: للولي أن يأذن للصغيرة أن تلعب باللعب إذا كانت غير مصورة وشراؤه لها بمالها. نص عليهما. وهذا المذهب.
وقيل من ماله، وصححه الناظم في آدابه وهما احتمالان مطلقان في التلخيص في باب اللباس. انتهى.
وقال ابن حمدان: المراد بالصورة ما لها جسم مصنوع له طول وعرض وعمق. قلت: والمعتمد له شراؤها من مالها كما جزم به في الإقناع وغيره والله الموفق (١).
انتهى ما قاله السفاريني رحمه الله تعالى.
ومما ورد في كتاب (كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع) لمؤلفه أبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر المكي الهيثمي رحمه الله تعالى.
стр. 4864
قال: وأما المصور صورة الحيوان فإن كان معلقا على حائط أو سقف كثوب أو عمامة أو نحوها مما لا يعد ممتهنا فحرام أو ممتهنا كبساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها فلا يحرم، لكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ الأظهر أنه عام في كل صورة لإطلاق قوله ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (١)» ولا فرق بين ما له ظل ولا ما لا ظل له، هذا تلخيص مذهب جمهور علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم كالشافعي، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة وغيرهم وأجمعوا على تغيير ما له ظل.
قال القاضي: إلا ما ورد في لعب البنات الصغار من الرخصة، ولكن كره مالك شراء الرجل ذلك لبنته. وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن منسوخ- انتهى (٢).
وقال الشيخ (محمد رشيد رضا) رحمه الله تعالى (٣):
في باب (في باب (حكم التصوير وصنع الصور والتماثيل واتخاذها) بعدما ذكر حديث عائشة السابق في اللعب بالبنات. قال: وقد حرف بعض المشددين في مسألة الصور هذا الحديث فزعم أن معنى قولها: (كنت ألعب بالبنات) (كنت ألعب مع البنات) ثم ذكر كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على الحديث، وعلق على شرحه لما قاله الخطابي بقوله:
قال الخطابي في شرح حديث اللعب: أن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعد وإنما رخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ. ثم قال:
قال الحافظ عقب نقله: وفي الجزم به نظر لكنه محتمل؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة إما أكملتها أو جاوزتها أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قطعا، فيترجح رواية من قال في خيبر. ويجمع بما قال الخطابي؛ لأن ذلك أولى من التعارض. اهـ.
وأقول: إن هذا ليس بجمع إذ لو كانت لعب البنات محرمة لما أقر النبي ﷺ عائشة وصواحبها عن اللعب بها وإن كن غير بالغات، ولما تركها في بيته.
والصواب أن هذا اللعب لا تدخل في عموم ما أنكره من الصور المعلقة، بل هي
стр. 4865
أشبه بما أقره من الصور في الوسائد والمرافق في أن كلا منهما لا يشبه ما كان يعبد من الصور والتماثيل (١).
انتهى المراد من فتاوى الشيخ (محمد رشيد رضا).
ومن فتاوى ورسائل لسماحة الشيخ (محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ) طيب الله ثراه. جمع وترتيب وتحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم وفقه الله. الطبعة الأولى الجزء الأول.
قرأت في ص ١٨٠ كلاما جامعا وفتوى مقنعة حول هذا الموضوع ونصه ما يلي:
١٠٠ - الصور المجسمة الصغيرة ولعب عائشة ﵂.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد: فقد نشرت جريدة البلاد السعودية بعددها ١٤١٩ الصادر في يوم الثلاثاء الموافق ٩/ ٤ - ٧٣ حول مطالعات أحمد إبراهيم الغزاوي بعنوان " عرائس البنات " تعليقا قالت فيه: إن عرائس البنات ولعب الأولاد أو الدمى لا زالت حاجة ملحة من حاجات الطفولة تدخل إلى الأطفال المسرة، وتشيع البهجة في نفوسهم، إلا أن هذه اللعب "الدمى" قد تطورت مع الزمن كما تطور كل شيء في الدنيا فأخذت تصنعها المصانع فزادت فيها تشويقا وتلوينا وتنويعا ولكنها لم تخرج عن حقيقتها كلعب أطفال. فهل يختلف الحكم في هذه اللعب عن الحكم على لعب عائشة ﵂؟
وقد وجهت الجريدة إلي استفتاءها في ذلك فأقول مستعينا بالله تعالى:
نعم يختلف حكم هذه الحادثة الجديدة عن حكم لعب عائشة ﵂، لما في هذه الجديدة الحادثة من حقيقة التمثيل والمضاهاة والمشابهة بخلق الله تعالى لكونها صورا تامة بكل اعتبار، ولها من المنظر الأنيق والصنع الدقيق والرونق الرائع ما لا يوجد مثله، ولا قريب منه في الصور التي حرمتها الشريعة المطهرة. وتسميتها لعبا وصغر أجسامها لا يخرجها عن أن تكون صورا؛ إذ العبرة في الأشياء بحقائقها لا بأسمائها. فكما أن الشرك شرك
стр. 4866
وإن سماه صاحبه استشفاعا وتوسلا، والخمر خمر وإن سماها صاحبها نبيذا ".
فهذه صور حقيقية وإن سماها صانعوها والمتاجرون فيها والمفتونون بالصور لعب أطفال، وفي الحديث: «يجيء في آخر الزمان أقوام يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها (١)».
ومن زعم أن لعب عائشة ﵂ صور حقيقية لذوات الأرواح فعليه إقامة الدليل ولن يجد إلى ذلك سبيلا، فإنها ليست منقوشة ولا منحوتة ولا مطبوعة من المعادن المنطبقة ولا نحو ذلك. بل الظاهر أنها من عهن أو قطن أو خرق أو قصبة، أو عظم مربوط في عرضه عودا معترضا بشكل يشبه الموجود في اللعب في أيدي البنات الآن في البلدان العربية البعيدة عن التمدن والحضارة مما لا تشبه الصورة المحرمة إلا بنسبة بعيدة جدا؛ لما في صحيح البخاري من «أن الصحابة يصومون أولادهم فإذا طلبوا الطعام أعطوهم اللعب من العهن يعللونهم بذلك (٢)». ولما في سنن أبي داود وشرحها من حديث عائشة من ذكر الفرس ذي أربعة أجنحة من رقاع يعني من خرق، ولما علم من حال العرب من الخشونة غالبا في أوانيهم ومراكبهم وآلاتهم آلات اللعب وغيرها. وفيما ذكرت ها هنا مقنع لمريد الحق إن شاء الله تعالى.
ثم ليعلم أن تطور الزمن بأي نسبة لا يخرج شيئا عن حكمه الشرعي؛ إذ رفع حكم ثبت شرعا بالحوادث لا يجوز بحال لأنه يكون نسخا بالحوادث، ويفضي إلى رفع الشرع رأسا وربما شبه ها هنا بعض الجهلة بقول عائشة ﵂: "لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد، ولا حجة فيه بحمد الله على تغيير الأحكام الثابتة شرعا بالحوادث، فإن عائشة ردت الأمر إلى صاحب الشرع فقالت: لو رأى لمنع. ولم تمنع هي، ولم تر لأحد أن يمنع، وهذا واضح بحمد الله، والله الموفق.
محمد بن إبراهيم آل الشيخ - الرياض ٢٢/ ٥ / ١٣٧٣ هـ.
انتهى المراد من كلامه رحمه الله تعالى.
стр. 4867
ومما كتبه سماحة والدنا الشيخ (عبد العزيز بن عبد الله بن باز) أثابه الله وجزاه خير الجزاء في كتابه (الجواب المفيد في حكم التصوير)، قال:
وأما اللعب المصورة على صورة شيء من ذوات الأرواح فقد اختلف العلماء في جواز اتخاذها للبنات وعدمه.
وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ (١)». . .) الحديث. بعدما ذكر هذا الحديث وذكر كلام الحافظ في الفتح عليه (٢).
قال بعد ذلك: إذا عرفت ما ذكره (الحافظ) رحمه الله تعالى فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصورة؛ لأن في حلها شكا لاحتمال أن يكون إقرار النبي ﷺ لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة قبل الأمر بطمس الصور فيكون ذلك منسوخا بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها إلا ما قطع رأسه أو كان ممتهنا كما ذهب إليه البيهقي وابن الجوزي ومال إليه ابن بطال.
ويحتمل أنها مخصوصة من النهي كما قاله الجمهور لمصلحة التمرين، ولأن في لعب البنات بها نوع امتهان.
ومع الاحتمال المذكور والشك في حلها الأحوط تركها، وتمرين البنات بلعب غير مصورة حسما لمادة بقاء الصور المجسدة، وعملا بقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٣)»، وقوله في حديث النعمان بن بشير المخرج في الصحيحين مرفوعا: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه (٤)» والله أعلم (٥).
انتهى ما كتبه سماحته حفظه الله في هذا الموضوع.
ومما كتب في بحث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برقم ٤٠ وتاريخ ٢٨/ ٦ / ١٣٩٤ هـ حول هذا الموضوع ما يلي:
стр. 4868
تحت عنوان ٣ - (ما يباح اتخاذه من الصور)
أ- يجوز اتخاذ صور ليلعب بها الصبيان ولو كانت مجسمة على خلاف في ذلك فقد روى البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي (١)»، وقد أول من منع من ذلك قول عائشة كنت ألعب بالبنات، فقال: معناه كنت ألعب مع البنات عند النبي ﷺ .
ويروى ما رواه أبو داود والنسائي من وجه آخر عن عائشة قالت: «قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر (٢)». . . إلى أن قالت: «فكشف ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان، فقال: ما هذا؟ قلت: فرس، قال: فرس له جناحان، قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة فضحك (٣)»، فهذا صريح في أن المراد باللعب التماثيل المجسمة لا بنات من بني آدم.
ويرده أيضا أنه يلزم على هذا التفسير أن يكون لها بعد: «وكان لي صواحب يلعبن معي (٤)» لغوا لكونه مكررا.
وإنما أقر النبي ﷺ عائشة والجواري على اللعب بهذه الصور إما لصغرهن، وهذا يرجح أن قدومه ﷺ كان من غزوة خيبر، وإما لامتهان هذه الصور باللعب بها.
ب - يجوز اتخاذ صور ذوات الأرواح إذا كانت في فرش ممتهنة تداس وتوطأ، كما يجوز اتخاذها واستعمالها بعد أن تقطع رءوسها أو تطمس حتى تقطع معالمها.
ج - أجاز بعض العلماء الصور التي لا استقرار لها كصور الحلوى وصور الفخار إلحاقا لها بالممتهنة، ومنع منها آخرون لعموم نصوص المنع.
ومن أحسن ما كتب في هذا الموضوع ما كتبه الشيخ / حمود بن عبد الله التويجري جزاه الله خيرا في كتابه (إعلان النكير على المفتونين بالتصوير) قال:
стр. 4869
فصل
ومن أقوى ما يتعلق به المصورون أيضا حديث عائشة ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ (١)». . .) الحديث.
وقال بعده: رواه الشافعي وأحمد والشيخان وأهل السنن إلا الترمذي، وفي رواية لمسلم: «كنت ألعب بالبنات في بيته (٢)» وهن اللعب.
وعنها ﵂ قالت: «قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال: (ما هذا يا عائشة، قالت: بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه (٣)» رواه أبو داود والنسائي. ثم لما ذكر بعد ذلك كلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري إلى قوله: وبهذا جزم الحليمي فقال: إن كانت صورة كالوثن لم يجز وإلا جاز، ثم قال: انتهى المقصود مما ذكره ابن حجر رحمه الله تعالى (٤). قال بعد ذلك: وأحسن هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب قول المنذري والحليمي.
وأما ما جزم به عياض وغيره من جواز اتخاذ صور البنات وأن ذلك مخصوص من عموم النهي عن اتخاذ الصور فإنه قول مردود. والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه ليس في حديث عائشة ﵂ تصريح بأن لعبها كانت صورا حقيقية وبانتفاء التصريح بأنها كانت صورا حقيقية ينبغي الاستدلال بالحديث على جواز اتخاذ اللعب من الصور الحقيقية.
ومن ادعى أن لعب عائشة كانت صورا حقيقية فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إلى الدليل سبيلا.
وأما تسمية اللعب بنات كما في حديث عائشة ﵂ فلا يلزم منه أنها كانت صورا حقيقية كما قد يظن ذلك من قصر فهمه.
стр. 4870
بل الظاهر -والله أعلم- أنها كانت على نحو لعب بنات العرب في زماننا فإنهن يأخذن عودا أو قصبة أو خرقة ملفوفة أو نحو ذلك فيضعن قريبا من أعلاه عودا معترضا ثم يلبسنه ثيابا ويضعن على أعلاه نحو خمار المرأة، وربما جعلنه على هيئة الصبي في المهد ثم يلعبن بهذه اللعب ويسمينهن بنات لهن على وفق ما هو مروي عن عائشة وصواحباتها ﵅.
وقد رأينا البنات يتوارثن اللعب بهذه اللعب اللاتي وصفنا زمانا بعد زمان، ولا يبعد أن يكون هذا التوارث قديما ومستمرا في بنات العرب من زمان الجاهلية إلى زماننا هذا والله أعلم.
وليس كل بنات العرب في زماننا هذا يلعبن باللعب اللاتي وصفنا، بل كثير منهن يلعبن بالصور الحقيقية من صور البنات وغير البنات من أنواع الحيوانات، وهؤلاء هن اللاتي دخلت عليهن وعلى أهليهن المدنية الإفرنجية، وكثرت مخالطتهم للأعاجم وأشباه الأعاجم.
وأما السالمات من أدناس المدنية الإفرنجية ومن مخالطة نساء الأعاجم وأشباه الأعاجم فهؤلاء لم يزلن على طريقة بنات العرب ولعبهن على ما وصفنا من قبل، وكما أن بين لعب هؤلاء وأولئك بونا بعيدا في الحقيقة والشكل الظاهر فكذلك الحكم فيها مختلف أيضا. فأما اللعب اللاتي على ما وصفنا فلا بأس بعملهن واتخاذهن واللعب بهن؛ لأنهن لسن صورا حقيقية، وأما اللعب اللاتي على صور البنات وأنواع الحيوانات فصناعتهن حرام، وبيعهن حرام، وشراؤهن واتخاذهن حرام، والتلهي بهن حرام، وإتلافهن واجب على من قدر على ذلك؛ لأنهن من الأصنام. وقد أمر رسول الله ﷺ بطمس الأصنام كما تقدم في حديث علي ﵁.
والقول في الفرس الذي كان في لعب عائشة ﵂ كالقول في لعبها سواء،