← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وإن سماه صاحبه استشفاعا وتوسلا، والخمر خمر وإن سماها صاحبها نبيذا ". فهذه صور حقيقية وإن سماها صانعوها والمتاجرون فيها والمفتونون بالصور لعب أطفال، وفي الحديث: «يجيء في آخر الزمان أقوام يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها (١)». ومن زعم أن لعب عائشة ﵂ صور حقيقية لذوات الأرواح فعليه إقامة الدليل ولن يجد إلى ذلك سبيلا، فإنها ليست منقوشة ولا منحوتة ولا مطبوعة من المعادن المنطبقة ولا نحو ذلك. بل الظاهر أنها من عهن أو قطن أو خرق أو قصبة، أو عظم مربوط في عرضه عودا معترضا بشكل يشبه الموجود في اللعب في أيدي البنات الآن في البلدان العربية البعيدة عن التمدن والحضارة مما لا تشبه الصورة المحرمة إلا بنسبة بعيدة جدا؛ لما في صحيح البخاري من «أن الصحابة يصومون أولادهم فإذا طلبوا الطعام أعطوهم اللعب من العهن يعللونهم بذلك (٢)». ولما في سنن أبي داود وشرحها من حديث عائشة من ذكر الفرس ذي أربعة أجنحة من رقاع يعني من خرق، ولما علم من حال العرب من الخشونة غالبا في أوانيهم ومراكبهم وآلاتهم آلات اللعب وغيرها. وفيما ذكرت ها هنا مقنع لمريد الحق إن شاء الله تعالى. ثم ليعلم أن تطور الزمن بأي نسبة لا يخرج شيئا عن حكمه الشرعي؛ إذ رفع حكم ثبت شرعا بالحوادث لا يجوز بحال لأنه يكون نسخا بالحوادث، ويفضي إلى رفع الشرع رأسا وربما شبه ها هنا بعض الجهلة بقول عائشة ﵂: "لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد، ولا حجة فيه بحمد الله على تغيير الأحكام الثابتة شرعا بالحوادث، فإن عائشة ردت الأمر إلى صاحب الشرع فقالت: لو رأى لمنع. ولم تمنع هي، ولم تر لأحد أن يمنع، وهذا واضح بحمد الله، والله الموفق. محمد بن إبراهيم آل الشيخ - الرياض ٢٢/ ٥ / ١٣٧٣ هـ. انتهى المراد من كلامه رحمه الله تعالى.

стр. 4867

ومما كتبه سماحة والدنا الشيخ (عبد العزيز بن عبد الله بن باز) أثابه الله وجزاه خير الجزاء في كتابه (الجواب المفيد في حكم التصوير)، قال: وأما اللعب المصورة على صورة شيء من ذوات الأرواح فقد اختلف العلماء في جواز اتخاذها للبنات وعدمه. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ (١)». . .) الحديث. بعدما ذكر هذا الحديث وذكر كلام الحافظ في الفتح عليه (٢). قال بعد ذلك: إذا عرفت ما ذكره (الحافظ) رحمه الله تعالى فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصورة؛ لأن في حلها شكا لاحتمال أن يكون إقرار النبي ﷺ لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة قبل الأمر بطمس الصور فيكون ذلك منسوخا بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها إلا ما قطع رأسه أو كان ممتهنا كما ذهب إليه البيهقي وابن الجوزي ومال إليه ابن بطال. ويحتمل أنها مخصوصة من النهي كما قاله الجمهور لمصلحة التمرين، ولأن في لعب البنات بها نوع امتهان. ومع الاحتمال المذكور والشك في حلها الأحوط تركها، وتمرين البنات بلعب غير مصورة حسما لمادة بقاء الصور المجسدة، وعملا بقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٣)»، وقوله في حديث النعمان بن بشير المخرج في الصحيحين مرفوعا: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه (٤)» والله أعلم (٥). انتهى ما كتبه سماحته حفظه الله في هذا الموضوع. ومما كتب في بحث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برقم ٤٠ وتاريخ ٢٨/ ٦ / ١٣٩٤ هـ حول هذا الموضوع ما يلي:

стр. 4868

تحت عنوان ٣ - (ما يباح اتخاذه من الصور) أ- يجوز اتخاذ صور ليلعب بها الصبيان ولو كانت مجسمة على خلاف في ذلك فقد روى البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي (١)»، وقد أول من منع من ذلك قول عائشة كنت ألعب بالبنات، فقال: معناه كنت ألعب مع البنات عند النبي ﷺ . ويروى ما رواه أبو داود والنسائي من وجه آخر عن عائشة قالت: «قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر (٢)». . . إلى أن قالت: «فكشف ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان، فقال: ما هذا؟ قلت: فرس، قال: فرس له جناحان، قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لها أجنحة فضحك (٣)»، فهذا صريح في أن المراد باللعب التماثيل المجسمة لا بنات من بني آدم. ويرده أيضا أنه يلزم على هذا التفسير أن يكون لها بعد: «وكان لي صواحب يلعبن معي (٤)» لغوا لكونه مكررا. وإنما أقر النبي ﷺ عائشة والجواري على اللعب بهذه الصور إما لصغرهن، وهذا يرجح أن قدومه ﷺ كان من غزوة خيبر، وإما لامتهان هذه الصور باللعب بها. ب - يجوز اتخاذ صور ذوات الأرواح إذا كانت في فرش ممتهنة تداس وتوطأ، كما يجوز اتخاذها واستعمالها بعد أن تقطع رءوسها أو تطمس حتى تقطع معالمها. ج - أجاز بعض العلماء الصور التي لا استقرار لها كصور الحلوى وصور الفخار إلحاقا لها بالممتهنة، ومنع منها آخرون لعموم نصوص المنع. ومن أحسن ما كتب في هذا الموضوع ما كتبه الشيخ / حمود بن عبد الله التويجري جزاه الله خيرا في كتابه (إعلان النكير على المفتونين بالتصوير) قال:

стр. 4869

فصل ومن أقوى ما يتعلق به المصورون أيضا حديث عائشة ﵂ قالت: «كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ (١)». . .) الحديث. وقال بعده: رواه الشافعي وأحمد والشيخان وأهل السنن إلا الترمذي، وفي رواية لمسلم: «كنت ألعب بالبنات في بيته (٢)» وهن اللعب. وعنها ﵂ قالت: «قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال: (ما هذا يا عائشة، قالت: بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه (٣)» رواه أبو داود والنسائي. ثم لما ذكر بعد ذلك كلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري إلى قوله: وبهذا جزم الحليمي فقال: إن كانت صورة كالوثن لم يجز وإلا جاز، ثم قال: انتهى المقصود مما ذكره ابن حجر رحمه الله تعالى (٤). قال بعد ذلك: وأحسن هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب قول المنذري والحليمي. وأما ما جزم به عياض وغيره من جواز اتخاذ صور البنات وأن ذلك مخصوص من عموم النهي عن اتخاذ الصور فإنه قول مردود. والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه ليس في حديث عائشة ﵂ تصريح بأن لعبها كانت صورا حقيقية وبانتفاء التصريح بأنها كانت صورا حقيقية ينبغي الاستدلال بالحديث على جواز اتخاذ اللعب من الصور الحقيقية. ومن ادعى أن لعب عائشة كانت صورا حقيقية فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إلى الدليل سبيلا. وأما تسمية اللعب بنات كما في حديث عائشة ﵂ فلا يلزم منه أنها كانت صورا حقيقية كما قد يظن ذلك من قصر فهمه.

стр. 4870

بل الظاهر -والله أعلم- أنها كانت على نحو لعب بنات العرب في زماننا فإنهن يأخذن عودا أو قصبة أو خرقة ملفوفة أو نحو ذلك فيضعن قريبا من أعلاه عودا معترضا ثم يلبسنه ثيابا ويضعن على أعلاه نحو خمار المرأة، وربما جعلنه على هيئة الصبي في المهد ثم يلعبن بهذه اللعب ويسمينهن بنات لهن على وفق ما هو مروي عن عائشة وصواحباتها ﵅. وقد رأينا البنات يتوارثن اللعب بهذه اللعب اللاتي وصفنا زمانا بعد زمان، ولا يبعد أن يكون هذا التوارث قديما ومستمرا في بنات العرب من زمان الجاهلية إلى زماننا هذا والله أعلم. وليس كل بنات العرب في زماننا هذا يلعبن باللعب اللاتي وصفنا، بل كثير منهن يلعبن بالصور الحقيقية من صور البنات وغير البنات من أنواع الحيوانات، وهؤلاء هن اللاتي دخلت عليهن وعلى أهليهن المدنية الإفرنجية، وكثرت مخالطتهم للأعاجم وأشباه الأعاجم. وأما السالمات من أدناس المدنية الإفرنجية ومن مخالطة نساء الأعاجم وأشباه الأعاجم فهؤلاء لم يزلن على طريقة بنات العرب ولعبهن على ما وصفنا من قبل، وكما أن بين لعب هؤلاء وأولئك بونا بعيدا في الحقيقة والشكل الظاهر فكذلك الحكم فيها مختلف أيضا. فأما اللعب اللاتي على ما وصفنا فلا بأس بعملهن واتخاذهن واللعب بهن؛ لأنهن لسن صورا حقيقية، وأما اللعب اللاتي على صور البنات وأنواع الحيوانات فصناعتهن حرام، وبيعهن حرام، وشراؤهن واتخاذهن حرام، والتلهي بهن حرام، وإتلافهن واجب على من قدر على ذلك؛ لأنهن من الأصنام. وقد أمر رسول الله ﷺ بطمس الأصنام كما تقدم في حديث علي ﵁. والقول في الفرس الذي كان في لعب عائشة ﵂ كالقول في لعبها سواء،

стр. 4871

ومن ادعى أنها كانت صورة حقيقية لها رأس ووجه فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إليه سبيلا. والظاهر -والله أعلم- أنها على نحو لعب صبيان العرب في زماننا فإنهم يأخذون العظم ونحوه ويجعلون عليه شبه الأكاف ويسمونه حمارا وربما سموه فرسا. ويأخذون أيضا من كرب النخل ويغرزون في ظهر كل واحدة عودين كهيئة عودي الرحل ثم يضعون بينهما شبه ما يوضح على النجائب من الأخراج وغيرها ويجعلون لها مقودا يمدونها به، وربما اتخذوا ذلك من خشبة منجورة في أعلاها السنام وبين يديه ومن خلفه عودان كهيئة عودي الرحل يوضع بينهما شبه ما يوضع على النجائب ومن أمامها عود كهيئة الرقبة يوضع فيه المقود ولها أربع عجلات تمشي عليهن ويسمون هذه اللعب والتي قبلها إبلا. وليست هذه اللعب من الصور المحرمة في شيء والنسبة بينهما وبين الصور الحقيقية بعيدة جدا. ومما يدل على أن الفرس كانت على نحو لعب صبيان العرب ولم يكن صورة حقيقية أن النبي ﷺ سأل عائشة ﵂ ما هذا؟ فقالت: فرس. ولو كانت صورة حقيقية لعرفه النبي ﷺ من أول وهلة ولم يحتج إلى سؤال عائشة عنه- وكذلك سؤاله ﷺ عن اللعب يدل على أنها لم تكن صورا حقيقية، ولو كانت صورا حقيقية لم يحتج إلى السؤال عنها والله أعلم. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ أنكر على عائشة ﵂ نصب الستر الذي فيه الصور، وتلون وجهه لما رآه ثم تناوله بيده الكريمة فهتكه، وقد قدمت الأحاديث بذلك. وهذا يدل على أن لعب عائشة ﵂ لم تكن صورا حقيقية، ولو كانت صورا حقيقية لكانت أولى بالتغيير من الصور المرموقة في الستر؛ لأن الصور المجسدة أقرب إلى مشابهة الحيوانات وأبلغ في المضاهاة بخلق الله تعالى من الصور المرموقة؛ فكانت أشد تحريما وأولى بالتغيير من الصور المرموقة. الوجه الثالث: ما تقدم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ «لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه (١)» وفي رواية: إلا قضبه. وفي رواية: تصاوير بدل تصاليب. وصيغة هذا الحديث تقتضي العموم؛ لأن شيئا نكرة في سياق النفي فتعم كل

стр. 4872

صليب وصورة، وهذا يدل على أن لعب عائشة ﵂ لم تكن صورا حقيقية، ولو كانت صورا حقيقية لقضبها النبي ﷺ كسائر التصاليب والصور. الوجه الرابع: أن النبي ﷺ أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة، وقد تقدمت الأحاديث بذلك، «وأخبر النبي ﷺ عن جبريل ﵇ أنه أتاه ليلة فلم يدخل البيت من أجل كلب فيه، ومن أجل ما فيه من تمثال الرجال، ثم قال للنبي ﷺ : مر بقطع رأس التمثال وإخراج الكلب (١)». وهذا يدل على أن لعب عائشة ﵂ لم تكن صورا حقيقية، ولو كانت صورا حقيقية لمنعت الملائكة من دخول بيتها، وما كان النبي ﷺ ليترك في بيته شيئا يمنع من دخول الملائكة فيه، فتعين أن لعب عائشة ﵂ لم تكن صورا حقيقية وإنما هي على نحو ما وصفته في الوجه الأول. الوجه الخامس: ما تقدم من رواية عكرمة عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت (٢)». وفي رواية: «أنه ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت (٣)». وإذا كان النبي ﷺ قد امتنع من دخول الكعبة مرة واحدة من أجل ما فيها من الصور فكيف يظن به أنه كان يدخل بيت عائشة ﵂ في اليوم والليلة مرارا متعددة وفيه الصور؟ فتعين أن لعب عائشة ﵂ لم تكن صورا حقيقية، وبهذا تجتمع الأحاديث وينتفي عنها التعارض. الوجه السادس. ما تقدم من حديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي ﵁: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ (أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٤)». وفي رواية: «ولا صورة إلا طمستها (٥)». وفي رواية: «أن النبي ﷺ أمر عليا ﵁ أن يسوي كل قبر ويطمس كل صنم (٦)». والفكرة في هذا الحديث من صيغ العموم كما تقدم تقرير ذلك، ويستفاد من هذا أن لعب عائشة ﵂ لم تكن صورا حقيقية، ولو كانت صورا حقيقية لكانت داخلة في عموم ما أمر النبي ﷺ بطمسه. ولم يجئ عن النبي ﷺ ولا حرف واحد يقتضي استثناء لعب عائشة ﵂ من هذا العموم؛ فتعين كونها من غير الصور الحقيقية.

стр. 4873

الوجه السابع. ما تقدم من حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من عاد لصنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (١)»، وفي هذا الزجر الأكيد أوضح دليل على تحريم اتخاذ الصور كلها، ولا فرق بين أن تكون لعبا أو غير لعب. وأكثر الأحاديث التي تقدم ذكرها تدل على ما دل عليه هذا الحديث من عموم تحريم الصنعة والاتخاذ لكل صورة من صور ذوات الأرواح؛ وعلى هذا فيتعين القول بأن لعب عائشة ﵂ لم تكن صورا حقيقية. الوجه الثامن: أن التخصيص نوع من النسخ لكونه رفعا لبعض أفراد الحكم العام بدليل خاص، والنسخ لا بد فيه من أمرين: أحدها: ثبوت دليل النسخ. والثاني: تأخر تاريخه عن تاريخ المنسوخ. وإذا فرضنا إمكان ما زعمه عياض وغيره من تخصيص صور البنات من عموم النهي عن الصور بناء على أن لعب عائشة ﵂ كانت صورا حقيقية فلا بد إذا من إقامة الدليل على أن لعب عائشة ﵂ كانت صورا حقيقية. ولا بد أيضا من ثبوت التخصيص بأن يكون النبي ﷺ رأى تلك الصور عند عائشة ﵂ بعد نهيه العام عن الصور فأقرها على الاتخاذ. وإذا كان كل من الأمرين معدوما فلا شك في بطلان ما زعمه عياض ومن قال بقوله. وقد قال المروذي في كتاب الورع (باب كراهة شراء اللعب وما فيه الصور): قيل لأبي عبد الله -يعني الإمام أحمد بن حنبل - ترى للرجل الوصي تسأله الصبية أن يشتري لها لعب؟ فقال: إن كانت صورة فلا. وذكر فيها شيئا. قلت: الصورة إذا كانت يدا أو رجلا؟ فقال عكرمة: يقول: كل شيء له رأس فهو صورة، قال أبو عبد الله: فقد يصيرون لها صدرا أو عينا وأنفا وأسنانا، قلت: فأحب إليك أن يجتنب شراؤها، قال: نعم. وقال الإمام أحمد - أيضا- في رواية بكر بن محمد وقد سئل

стр. 4874

عن حديث عائشة ﵂ «كنت ألعب بالبنات (١)» قال: لا بأس بلعب اللعب إذا لم يكن فيه صورة، فإذا كان فيه صورة فلا. وهذا نص من أحمد رحمه الله تعالى على منع اللعب باللعبة إذا كانت صورة، وفي رواية المروذي منع شراء الصورة للصبية. وقد كان أحمد رحمه الله تعالى من أتبع الناس للسنة، ومن أعلمهم بأحاديث رسول الله ﷺ . وقد روى في مسنده حديث عائشة ﵂ "أنها كانت تلعب باللعب عند النبي ﷺ " كما تقدم ذكر ذلك ومع هذا فقد أفتى بما ذكره المروذي وبكر بن محمد عنه. ولو ثبت عنده أن لعب عائشة ﵂ كانت صورا حقيقية وأنها مخصوصة من عموم النهي عن الصور لما أفتى بخلاف ذلك. هذا هو المعروف من حاله ﵁ وشدة تمسكه بما ثبت عن النبي ﷺ وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. وبما قررته في هذا الفصل يزول الإشكال عن لعب عائشة ﵂، ويتبين الصواب لكل منصف مؤثر لاتباع السنة النبوية، ويبين أيضا بطلان قول من أجاز اتخاذ اللعب من الصور المحرمة. والله أعلم (٢). انتهى كلام الشيخ حمود بن عبد الله التويجري جزاه الله خيرا، وهذا آخر ما تيسر جمعه في هذه المسألة أعني مسألة التصوير وما يتعلق بلعب الأطفال، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. عبد الله بن حمد العبودي

стр. 4875

مصادر البحث ١ - فتح الباري شرح صحيح البخاري -الحافظ ابن حجر ﵀. ٢ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري - بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني ﵀. ٣ - شرح مسلم - النووي ﵀. ٤ - الجامع لأحكام القرآن- القرطبي ﵀. ٥ - نيل الأوطار- الشوكاني ﵀. ٦ - الآداب الشرعية- ابن مفلح المقدسي ﵀. ٧ - غذاء الألباب شرح منظومة الآداب- السفاريني ﵀. ٨ - كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع- ابن حجر المكي الهيثمي ﵀. ٩ - فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا ﵀. ١٠ - فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀. ١١ - الجواب المفيد في حكم التصوير- سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز. ١٢ - بحث للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم ٢٠ وتاريخ ٢٨/ ٦ / ١٣٩٤ هـ. ١٣ - إعلان النكير على المفتونين بالتصوير- حمود بن عبد الله التويجري.

стр. 4876

حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء اللواء الركن: محمود شيت خطاب. نسبة وأيامه قبل الإسلام هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي (١)، أبوه: عبد المطلب سيد قريش حتى مات (٢)، وأمه: هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن

стр. 4877

زهرة (١)، وهي بنت عم آمنة بنت وهب أم الرسول ﷺ ، وحمزة شقيق صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوام ﵃ (٢). ولي أبوه عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبل قومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم (٣)، وكان من أعماله الباقية حتى اليوم حفر بئر زمزم (٤). وحمزة: عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطلب، أرضعت النبي ﷺ أياما، وأرضعت قبله حمزة (٥). وكان حمزة أسن من رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل بأربع، والأول أصح (٦)، فإذا كان النبي ﷺ قد ولد سنة (٥٧١م)، فإن حمزة قد ولد سنة (٥٦٩م). وشهد حمزة حرب الفجار الثاني، وكان بعد عام الفيل بعشرين سنة، بعد موت عبد المطلب باثنتي عشرة سنة، ولم يكن في أيام العرب أشهر منه ولا أعظم، وإنما سمي الفجار لما استحل الحيان: كنانة وقيس من المحارم. وكان بين قيس ومعها ثقيف وغيرها، وبين قريش ومعها كنانة والأحابيش وأسد بن خزيمة، فكان على بني هاشم الزبير بن عبد المطلب ومعه رسول الله ﷺ وإخوة الزبير وهم: أبو طالب وحمزة والعباس بنو عبد المطلب، وجرت المعركة بين الجانبين في (عكاظ)، فانتصرت قريش وحلفاؤها على قيس وحلفائها (٧).

стр. 4878

وكانت حرب الفجار أول تدريب عملي بالنسبة لحمزة، مارس فيها التدريب العملي على استعمال السلاح وعاش جو المعركة في حرب حقيقية وتحمل فيها أعباء القتال ومشقات الحرب، فتوج بها تدريبه النظري على الفروسية واستعمال السلاح واستخدام الأرض في المعركة. وكان عمره حين شهد حرب الفجار اثنتين وعشرين سنة، لأنه ولد قبل عام الفيل بسنتين. وكان حمزة مغرما بالصيد والقنص (١)، وهو دليل على مهارته في الفروسية والتسديد الدقيق في الرمي، كما أنه تدريب عملي على ممارسة هذين الفنين العسكريين. وقد كان لحمزة دور بارز في زواج النبي ﷺ بخديجة بنت خويلد ﵂، وكانت خديجة امرأة حازمة عاقلة شريفة، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فعرضت عليه نفسها، وكانت أوسط نساء قريش نسبا وأكثرهن مالا وشرفا، وكل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه. فلما أرسلت إلى النبي ﷺ ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حتى دخل على أهلها، فخطبها إليه وتزوجها. ولما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) جمع النبي ﷺ بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة وأبو لهب، ودعاهم إلى الله (٣). وبدأ المشركون يؤذون رسول الله ﷺ ، وكان ممن يؤذيه عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، وكان شديدا على النبي ﷺ وعلى المسلمين، عظيم التكذيب له، دائم الأذى، فكان يطرح العذرة (٤) والنتن على باب النبي ﷺ ،

стр. 4879

وكان جاره، فكان رسول الله ﷺ يقول: أتى جوار هذا يا بني عبد المطلب!. ورآه يوما حمزة، فأخذ العذرة وطرحها على رأس أبي لهب، فجعل ينقضها عن رأسه ويقول: "صاحبي أحمق! "، وأقصر عما كان يفعله، لكنه يضع من يفعل ذلك (١). وهكذا نصر حمزة ابن أخيه على أخيه، لأنه وجد أن أخاه هو المعتدي، وابن أخيه هو المعتدى عليه، فنصر المظلوم على الظالم، مما يدل على سريرته الطاهرة وانحيازه إلى جانب الحق إذا تبين له الحق، كما يدل على أنه كان يحب النبي ﷺ ليس لأنه عمه وأخاه بالرضاعة، بل لأنه أحبه لسجاياه، والأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف.

стр. 4880

إسلام حمزة مر أبو جهل برسول الله ﷺ وهو جالس عند (الصفا)، فآذاه وشتمه ونال منه وعاب دينه، وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك. وانصرف أبو جهل عن النبي ﷺ فجلس في نادي قريش عند الكعبة، فلم يلبث حمزة أن أقبل من قنصه متوشحا قوسه، وكان أعز قريش وأشدهم شكيمة. فلما مر بالمولاة، وقد قام رسول الله ﷺ ورجع إلى بيته، قالت له: "يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم بن هشام، فإنه سبه وآذاه، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد ". واجتاح الغضب حمزة، فخرج سريعا لا يقف على أحد، كما كان يصنع، يريد الطواف بالكعبة، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به، حتى دخل المسجد، فرآه جالسا في القوم، فأقبل نحوه وضرب رأسه بالقوس، فشجه شجة منكرة، وقال: "أتشتمه وأنا

стр. 4881

على دينه، أقول ما يقول؟ فاردد علي إن استطعت". وقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: "دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبا قبيحا". فلما أسلم حمزة، عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه (١). وكان إسلام حمزة في السنة الثانية من مبعث رسول الله ﷺ (٢) وقيل: بل أسلم بعد دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم في السنة السادسة من مبعثه ﷺ (٣)، والراجح الرواية الأولى، لإجماع أكثر المصادر المعتمدة عليها. وكان حمزة قد أسلم قبل عمر بن الخطاب، فلما أسلم عمر، قوي الإسلام بهما، وعلم المشركون أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ والمسلمين (٤).

стр. 4882

في شعب أبي طالب (١). لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا هي الحبشة، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر وحمزة قد أسلما، وجعل الإسلام يفشو في القبائل؛ اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب: على أن لا ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوا صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم. وانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش، فظاهرهم وكان معهم في تحالفهم على إخوته وبني إخوته.

стр. 4883

وأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إليهم شيء إلا سرا، مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش. وقد كان أبو جهل بن هشام لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ﷺ ومعه في الشعب، فتعلق به وقال: "أتذهب بالطعام إلى بني هاشم! والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة ". وجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد، فقال: "ما لك وله! "، فقال: "يحمل الطعام إلى بني هاشم "، فقال أبو البختري: "طعام كان لعمته عنده، بعثت إليه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها، خل سبيل الرجل"، فأبى أبو جهل، حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحي (١) بعير فضربه به، فشجه، ووطئه وطئا شديدا، وحمزة قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشتموا بهم، ورسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا، مناديا بأمر الله، لا يتقي فيه أحدا من الناس (٢). وأخيرا مزقت الصحيفة، وانتهت القطيعة، وعاد بنو هاشم وبنو المطلب إلى حياتهم الاعتيادية، وعاد معهم حمزة أقوى ما يكون دفاعا عن النبي ﷺ والمسلمين (٣).

стр. 4884

الهجرة العامة أمر النبي ﷺ المسلمين بالهجرة إلى المدينة قاعدة المسلمين الأمينة، فهاجر حمزة مع من هاجر إلى المدينة المنورة قبيل هجرة النبي ﷺ إليها بوقت قصير، فنزل حمزة وزيد بن حارثة وأبو مرثد كناز بن حصن، ويقال: ابن حصين، وابنه مرثد الغنويان حليفا حمزة علي كلثوم بن هدم، أخي بني عمرو بن عوف بـ (قباء)، ويقال: بل نزلوا على سعد بن خيثمة، ويقال: نزل حمزة على أسعد بن زرارة أخي بني النجار.

стр. 4885

وفي المدينة المنورة، آخى النبي ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وإليه أوصى حمزة يوم (أحد) حين حضره القتال، إن حدث به حادث الموت (١).

стр. 4886

أول لواء في الإسلام قدم رسول الله ﷺ المدينة، حين هاجر إليها من مكة، يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وهو المجمع عليه، فكان أول لواء عقده رسول الله ﷺ ، لحمزة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجر رسول الله ﷺ ، لواء أبيض، فكان الذي حمله أبو مرثد كناز الغنوي حليف حمزة، وبعثه رسول الله ﷺ في ثلاثين رجلا من المهاجرين. وخرج حمزة يعترض لعير قريش وقد جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر، يعني ساحله، من ناحية (العيص). والتقى الجانبان حتى اصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفا للفريقين جميعا، إلى هؤلاء مرة وإلى هؤلاء مرة حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا. وتوجه أبو جهل في أصحابه وعيره إلى مكة، وانصرف حمزة في أصحابه إلى المدينة. وبدون شك، أثر المسلمون في معنويات قريش، فتخلوا عن القتال بالرغم من تفوق المشركين على المسلمين تفوقا ساحقا، وخافوا المسلمين على قافلتهم التجارية، ورأس المال دائما جبان كما يقولون.

стр. 4887

وبهذه الغزوة بدأ فرض الحصار الاقتصادي على قريش، بتهديد طريق مكة - الشام الحيوي لتجارة قريش تهديدا إيجابيا خطيرا. وهناك من يذكر أن أول راية عقدها النبي ﷺ وكانت لعبيدة بن الحارث بن المطلب، وذلك أن بعث حمزة وبعث عبيدة كانا في وقتين متقاربين: الأول في رمضان، والثاني في شوال، فشبه ذلك على الناس (١). ولا مجال للاشتباه؛ لأن راية حمزة عقدت في رمضان، بينما عقدت راية عبيدة في شوال، أي بعد شهر تقريبا. كما شهد حمزة مع النبي ﷺ غزوة (ودان) (٢)، وكان لواؤه أبيض يحمله حمزة في هذه الغزوة (٣).

стр. 4888

في غزوة بدر الكبرى خرج النبي ﷺ باتجاه موضع (بدر) من المدينة المنورة لثمان ليال خلون من شهر رمضان، من السنة الثانية الهجرية (٦٢٣ م) على رأس أصحابه، وكان معه سبعون بعيرا يعتقبها أصحابه، وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة موليا رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرا (١) واحدا. وفي بدر، قبل نشوب القتال، خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق، فقال: " أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن "، فخرج إليه حمزة، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن (٢) قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب (٣) رجله دما، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ليبر يمينه، واتبعه حمزة، فضربه حتى قتله في الحوض.

стр. 4889

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بن أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فصل (١) من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار، فقالوا: "من أنتم؟ "، فقالوا: "رهط من الأنصار ". قالوا: "ما لنا بكم من حاجة"، ثم نادى مناديهم: "يا محمد أخرج إلينا أكفأنا من قومنا "، فقال رسول الله ﷺ : " قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي ". ولما قاموا ودنوا منهم قالوا: "من أنتم؟ "، فذكروا أسماءهم، فقالوا: "نعم، أكفاء كرام". وبارز عبيدة -وكان أسن القوم- عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة. فأما حمزة، فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما جرح صاحبه، فكر علي وحمزة بأسيافهما على عتبة، فدففا عليه (٢)، واحتملا صاحبهما إلى معسكر المسلمين (٣). لقد أبلى في بدر بلاء عظيما، وقاتل بسيفين (٤)، وقد سأل أمية بن خلف الذي أسر يوم (بدر) عبد الرحمن بن عوف: "من الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره؟ "، فقال عبد الرحمن بن عوف: " حمزة بن عبد المطلب "، فقال أمية: "هو الذي فعل بنا الأفاعيل" (٥). إن دور حمزة في غزوة بدر الكبرى الحاسمة لم يكن دورا اعتياديا، بل كان دورا بارزا للغاية، فقد قتل أشجع شجعان قريش وأكثرهم إقداما، الذي تحدى المسلمين في محاولة الشرب من حوضهم أو هدمه، وقتل شيبة وشارك في قتل عتبة ابني ربيعة، وهما من أبرز أشراف قريش ومن أشجع شجعانها، وبذلك أثر أعمق الأثر في معنويات قريش، فانهارت تلك المعنويات من جراء هذه البداية غير الموفقة، والجيش الذي يخسر معنوياته لا ينتصر أبدا.

стр. 4890

ولم يكن حمزة يقاتل بصورة اعتيادية في بدر، بل كان مستقتلا في قتاله، فقتل كثيرا من المشركين، ومزق صفوفهم، وشد عليهم شدة لا هوادة فيها، وطارد فلولهم بدون رحمة، وفعل بهم الأفاعيل. لقد كان حمزة بحق بطل غزوة بدر الكبرى، فلا عجب أن تشتد نقمة المشركين عليه ويستهدفون حياته الغالية إذا نشب القتال بينهم وبين المسلمين من جديد.

стр. 4891

في غزوة بني قينقاع لما عاد رسول الله ﷺ من بدر، أظهرت يهود له الحسد بما فتح الله عليه وبغوا ونقضوا العهد، وكان قد وادعهم حين قدم المدينة مهاجرا، فلما بلغه حسدهم، جمعهم بسوق بني قينقاع وقال لهم: «احذروا ما نزل بقريش وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل " فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة»، فكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبينه. وبينما هم على مجاهرتهم وكفرهم، إذ جاءت امرأة مسلمة إلى سوق بني قينقاع، فجلست عند صائغ لأجل حلي لها، فجاء رجل منهم فحل درعها إلى ظهرها، وهي لا تشعر، فلما قامت بدت عورتها، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فقتله، ونبذوا العهد إلى رسول الله ﷺ وتحصنوا بحصونهم، فغزاهم رسول الله ﷺ وحاصرهم خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، فأجلاهم عن المدينة إلى (أذرعات) (١). وكان لواء النبي ﷺ مع حمزة، وكان اللواء أبيض (٢) وكانت الغزوة يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجرته ﵊ (٣).

стр. 4892

ومن المعلوم أن اللواء يحمله أشجع الشجعان؛ لأن الدفاع عنه وإبقاءه مرفوعا دون أن يهوي إلى الأرض أو يعفر بالتراب، لا يتم إلا بالشجاعة والإقدام والثبات وقوة الأعصاب والألمعية والذكاء.

стр. 4893

في غزوة أحد ١ - في المعركة كانت غزوة أحد يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره ﵊ (١) في السنة الثالثة الهجرية (٦٢٤م)، وقد استقبل النبي ﷺ المدينة، وترك أحدا خلف ظهره، وجعل وراءه الرماة وهم خمسون رجلا، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوات بن جبير، وقال له: «انضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا» وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وأمر الزبير بن العوام على الخيل ومعه المقداد، وخرج حمزة بالجيش بين يديه (٢). ونشب القتال بين الجانبين، واقتتل الناس قتالا شديدا، وأمعن في الناس وعلي وأبو دجانة في رجال من المسلمين وكانت الهزيمة على المشركين، وهرب النساء مصعدات في الجبل، ودخل المسلمون عسكرهم، فلما نظر بعض الرماة إلى العسكر حين انكشف الكفار عنه، أقبلوا يريدون الغنائم، وثبتت طائفة منهم وقالوا: نطيع رسول الله ﷺ ونثبت في مكاننا. ولما فارق بعض الرماة مكانهم، رأى خالد بن الوليد قلة من بقي من الرماة، فحمل عليهم وقتلهم، وحمل على أصحاب النبي ﷺ من خلفهم. فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل، أعادوا الكرة على المسلمين. فهزموهم وقتلوهم (٣).

стр. 4894

وكان حمزة قد أبلى بلاء عظيما في هذه المعركة، فقد قتل واحدا وثلاثين من الكفار (١).

стр. 4895

٢ - الشهيد قاتل حمزة حتى مر به سباع بن عبد العزى العبشاني، وكان يكنى بأبي نيار، فقال له حمزة: "هلم إلي يا ابن مقطعة البظور"، وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن الأخنس بن شريق، وكانت ختانة بمكة، فلما التقيا ضربه حمزة فقتله. قال وحشي غلام جبير بن مطعم: "والله إني لأنظر إلى حمزة يهد (١) الناس بسيفه ما يليق (٢) به شيئا مثل الجمل الأورق (٣) إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور، فضربه ضربة، فكأنما أخطأ رأسه (٤). وهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته (٥)، حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوي، فقلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر، ولم يكن لي بشيء حاجة غيره" (٦). وكان وحشي غلاما لجبير بن مطعم وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد، قال جبير لوحشي: "إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق"، فخرج وحشي مع الناس. وكان رجلا حبشيا يقذف بالحربة قذف الحبشة، قلما يخطئ، فلما التقى الجانبان خرج ينظر حمزة، فلما قتل حمزة عاد أدراجه إلى معسكر قريش وقعد فيه؛ إذ لم يكن له بغير حمزة حاجة، وإنما قتله ليعتق، فلما عاد إلى مكة أعتق (٧).

стр. 4896

وقد استشهد حمزة يوم السبت النصف من شهر شوال (١) من سنة ثلاث من الهجرة (٢) (٦٢٤م). وخرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فحزن عليه النبي ﷺ . فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. ولما وقف رسول الله ﷺ على حمزة قال: «لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت موقفا أغيظ إلي من هذا (٣)». وكفن حمزة في بردة (٤) إذا غطي رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه خرج رأسه، فغطي رأسه وجعل على رجليه إذخر (٥). «ووضع النبي ﷺ حمزة فصلى عليه، ثم جيء برجل فوضع فصلى عليهما جميعا، ثم رفع الرجل وجيء بآخر، فما زال يفعل ذلك حتى صلى يومئذ على حمزة سبعين صلاة (٦)». «وأقبلت صفية بنت عبد المطلب شقيقة حمزة لتنظر إلى حمزة قبل دفنه، فقال النبي ﷺ لابنها الزبير بن العوام: (القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها)، فقال لها: " يا أمت إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي، وذلك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله". فلما جاء الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، قال: خل سبيلها، فأتته ونظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت له (٧)».

стр. 4897

ولم ير النبي ﷺ منظرا أوجع لقلبه من منظر حمزة مقتولا ممثلا به، فقال: «رحمك الله أي عم- فلقد كنت وصولا للرحم، فعولا للخيرات، فوالله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثلن بسبعين منهم (١)» فما برح حتى نزل قول الله في قول رسول الله ﷺ وقول أصحابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٢) ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٣)، فعفا رسول الله ﷺ وصبر، ونهى عن المثلة (٤). ثم أمر رسول الله ﷺ بحمزة فدفن في (أحد) ودفن معه ابن أخته عبد الله بن جحش وأمه أميمة بنت عبد المطلب، وكان قد مثل به أيضا (٥). وقبرهما معروف في (أحد) حتى اليوم. «ولما رجع رسول الله ﷺ من أحد، سمع نساء بني عبد الأشهل من الأنصار يبكين على شهدائهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فاجتمع نساء وبكين حمزة، فسمع رسول الله ﷺ بكاءهن، فقال: "من هؤلاء؟ " فقيل: نساء الأنصار، فخرج إليهن فقال: "ارجعن، لا بكاء بعد اليوم (٦)» ودعا لهن ولأولادهن وأولاد أولادهن بالخير والبركة والرحمة (٧). وكان النبي ﷺ قد مر في طريق عودته من أحد إلى المدينة بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها قالت: "فما فعل رسول الله ﷺ ؟ "، قالوا: خيرا يا أم فلان! هو بحمد الله كما تحبين قالت: " أرونيه حتى أنظر إليه "، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: "كل مصيبة بعدك جلل "، تريد صغيرة (٨).

стр. 4898

وهكذا ضحى حمزة بنفسه من أجل الدفاع عن عقيدته، ولم يضح بعقيدته من أجل الدفاع عن نفسه، فاستحق لقب: أسد رسوله (١)، وسيد الشهداء (٢)، وحزن عليه النبي ﷺ حزنا لم يحزن مثله على أحد غيره، وقال عنه: «حمزة سيد الشهداء (٣)» لأنه كان يقاتل بين يدي رسول الله ﷺ في أحد بسيفين، فيذهل الناس بشجاعته وإقدامه، حتى يقول قائلهم فيه: أي أسد (٤). لقد كان استشهاد حمزة خسارة للمسلمين كافة، لا لآل البيت وحدهم، لأنه كان رجلا في أمة، وأمة في رجل، لا يعيش لنفسه بل للمسلمين جميعا.

стр. 4899

رثاؤه حظي حمزة بعد استشهاده بكثير من المراثي لكثير من الشعراء المسلمين، مما يدل على حب الناس له وإعجابهم به وتقديرهم لسجاياه. قال كعب بن مالك يرثي حمزة وقتلى أحد من المسلمين ﵃: نشجت وهل لك من منشج ... وكنت متى تذكر تلجج (١) فقلبك من ذكرهم خافق ... من الشوق والحزن المنضج وقتلاهم في جنان النعيم ... كرام المداخل والمخرج بما صبروا تحت ظل اللواء ... لواء الرسول بذي الأضوج (٢) غداة أجابت بأسيافها ... جميعا بنو الأوس والخزرج وأشياع أحمد إذ شايعوا ... على الحق ذي النور والمنهج

стр. 4900

فما برحوا يضربون الكماة ... ويمضون في القسطل المرهج (١) كذلك حتى دعاهم مليك ... إلى جنة دوحة المولج (٢) فكلهم مات حر البلاء ... على ملة الله لم يحرج (٣) كحمزة لما وفى صادقا ... بذي هبة صارم سلجج (٤) فلاقاه عبد بني نوفل ... يبربر كالجمل الأدعج (٥) فأوجره حربة كالشهاب ... تلهب في اللهب الموهج (٦) ونعمان أوفى بميثاقه ... وحنظلة الخير لم يحنج (٧) عن الحق حتى غدت روحه ... إلى منزل فايز الزبرج (٨) أولئك لا من ثوى منكم ... من النار في الدرك المرتج (٩) وقال حسان بن ثابت يرثي حمزة وشهداء أحد: أشاقك من أم الوليد ربوع ... بلاقع ما من أهلهن جميع (١٠) عفاهن صيفي الرياح وواكف ... من الدلو رجاف السحاب هموع فلم يبق إلا موقد النار حوله ... رواكد أمثال الحمام كنوع

стр. 4901

فدع ذكر دار بددت بين أهلها ... نوى لمتينات الحبال قطوع وقل إن يكن يوم بأحد يعده ... سفيه فإن الحق سوف يشيع (١) فقد صابرت فيه بنو الأوس كلهم ... وكان لهم ذكر هناك رفيع وحامى بنو النجار فيه وصابروا ... وما كان منهم في اللقاء جزوع أمام رسول الله لا يخذلونه ... لهم ناصر من ربهم وشفيع وفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم ... ولا يستوي عبد وفى ومضيع (٢) بأيديهم بيض إذا حمش الوغى ... فلا بد أن يردى لهن صريع (٣) كما غادرت في النقع عتبة ثاويا ... وسعدا مريعا والوشيج شروع (٤) وقد غادرت تحت العجاجة مسندا ... أبيا وقد بل القميص نجيع (٥) بكف رسول الله حيث تنصبت ... على القوم مما يثرن نقوع (٦) أولئك قوم سادة من فروعكم ... وفي كل قوم سادة وفروع بهن نعز الله حتى يعزنا ... وإن كان أمر يا سخين فظيع (٧) فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم ... قتيل ثوى لله وهو مطيع فإن جنان الخلد منزلة له ... وأمر الذي يقضي الأمور سريع وقتلاكم في النار أفضل رزقهم ... حميم معا في جوفها وضريع (٨) وقال حسان بن ثابت يرثي حمزة سيد الشهداء بأحد: أتعرف الدار عفا رسمها ... بعدك صوب المسبل الهاطل (٩)

стр. 4902

بين السراديح فأدمانة ... فمدفع الروحاء في حائل سألتها عن ذاك فاستعجمت ... لم تدر ما مرجوعة السائل (١) دع عنك دارا قد عفا رسمها ... وابك على حمزة ذي النائل (٢) المالئ الشيزى إذا أعصفت ... غبراء في ذي الشبم الماحل والتارك القرن لذي لبدة ... يعثر في ذي الخرص الذابل (٣) واللابس الخيل إذا أحجمت ... كالليث في غابته الباسل أبيض في الذروة من هاشم ... لم يمر دون الحق بالباطل مال شهيدا بين أسيافكم ... شلت يدا وحشي من قاتل أي امرئ غادر في آلة ... مطرورة مارنة العامل أظلمت الدنيا لفقدانه ... واسود نور القمر الناصل (٤) صلى عليه الله في جنة ... عالية مكرمة الداخل كنا نرى حمزة حرزا لنا ... في كل أمر نابنا نازل وكان في الإسلام ذا تدرأ ... يكفيك فقد القاعد الخاذل (٥) لا تفرحي يا هند واستجلبي ... دمعا وأذري عبرة الثاكل (٦) وابكي على عتبة إذ قطه ... بالسيف تحت الرهج الجائل إذ خر في مشيخة منكم ... من كل عات قلبه جاهل

стр. 4903

أرداهم حمزة في أسرة ... يمشون تحت الحلق الفاضل غداة جبريل وزير له ... نعم وزير الفارس الحامل (١) وقال كعب بن مالك يبكي حمزة ﵁: طرقت همومك فالرقاد مسهد ... جزعت أن سلخ الشباب الأغبد ودعت فؤادك للهوى ضمرية ... فهوال غوري وصيبك منجد (٢) فدع التمادي في الغواية سادرا ... قد كنت في طلب الغواية تفندا ولقد أنى لك أن تناهى طائعا ... أو تستفيق إذا نهاك المرشد (٣) ولقد هددت لفقد حمزة هدة ... ظلت بنات الجوذ منها ترعد (٤) ولو أنه فجعت حراء بمثله ... لرأيت راسي صخرها يتبدد (٥) قرم تمكن في ذؤابة هاشم ... حيث النبوة والندى والسؤدد (٦) والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت ... ريح يكاد الريح فيها يجمد والتارك القرن الكمي مجدلا ... يوم الكريهة والقنا يتقصد (٧)

стр. 4904

وتراه يرفل في الحديد كأنه ... ذو لبدة شثن البراثن أربد عم النبي محمد وصفيه ... ورد الحمام فطاب ذاك المورد وأتى المنية معلما في أسرة ... نصروا النبي ومنهم المستشهد (١) ولقد إخال بذاك هندا بشرت ... لتميت داخل غصة لا تبرد (٢) مما صبحنا بالعقنقل قومها ... يوم تغيب فيه عنها الأسعد (٣) وببئر بدر إذا يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد حتى رأيت لدى النبي سراتهم ... قسمين نقتل من نشاء ونطرد (٤) فأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود (٥) وابن المغيرة قد ضربنا ضربة ... فوق الوريد لها رشاش مزبد (٦) وأمية الجمحي قوم ميله ... عضب بأيدي المؤمنين مهند (٧) فأتاك فل المشركين كأنهم ... والخيل تثفنهم نعام شرد شتان من هو في جهنم ثاويا ... أبدا ومن هو بالجنان مخلد (٨) وقال كعب بن مالك يرثي حمزة ﵁: صفية قومي ولا تعجزي ... وتبكي النساء على حمزة ولا تسأمي أن تطيلي البكا ... على أسد الله في الهزة (٩)

стр. 4905

فقد كان عزا لأيتامنا ... وليث الملاحم في البزة (١) يريد بذاك رضا أحمد ... ورضوان ذي العرش والعزة (٢) وقال كعب أيضا في رثاء حمزة ﵁ (٣). بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل (٤) على أسد الإله غداة قالوا ... أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا ... هناك وقد أصيب به الرسول أبا يعلى لك الأركان هدت ... وأنت الماجد البر الوصول عليك سلام ربك في جنان ... مخالطها نعيم لا يزول ألا يا هاشم الأخيار صبرا ... فكل فعالكم حسن جميل رسول الله مصطبر كريم ... بأمر الله ينطق إذ يقول ألا من مبلغ عني لؤبا ... فبعد اليوم دائلة تدول (٥) وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا ... وقائعنا بها يشفى الغليل (٦) نسيتم ضربنا بقليب بدر ... غداة أتاكم الموت العجيل (٧) غداة ثوى أبو جهل صريعا ... عليه الطير حائمة تجول (٨) وعتبة وابنه خرا جميعا ... وشيبة عضه السيف الصقيل (٩) ومتراكنا أمية مجلعبا ... وفي حيزمومه لدن نبيل (١٠)
следующие страницы →