← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

الحكم في السطو والاختطاف والمسكرات " القسم الثاني " إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الفرق بين حقيقة كل من الخمر والمخدر والمفتر والعلاقة بينهما: لا يليق بمن يريد أن يبين الحكم الشرعي في تعاطي شيء من هذه الأنواع الثلاثة أن يتكلم في ذلك إلا بعد أن يعرف من خواصها وآثارها في متعاطيها، وفي المجتمع ما يسهل له الرجوع بها إلى نصوص الشريعة عامها وخاصها، وينير له الطريق في الحكم عليها وإلا كان كمن يقتحم لجة البحر؛ ليسبح فيها وهو لا يحسن السباحة. وكان جريئا على القول على الله بغير علم. وقد نهى سبحانه عن ذلك في عموم قوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١). وفيما يلي بيان معانيها وخواصها: أما الخمر فقد تقدم الكلام على معناها لغة وشرعا بما فيه الكفاية إن شاء الله. وأما المخدر: فهو مأخوذ من الخدر وهو الضعف والكسل والفتور والاسترخاء، يقال: خدر العضو إذا استرخى فلا يطيق الحركة، وخدر الشارب كفرح خدرا إذا فتر وضعف، ويطلق الخدر أيضا على ظلمة المكان وغموضه، يقال: مكان أخدر إذا كان مظلما ومنه قيل للظلمة الشديدة: خدرة وكل ما منعك بصرك عن شيء، وحجبه عنه فقد أخدره. والخدر كل ما واراك، ومنه خدر الجارية وهو ما استترت فيه من البيت، وخدر الأسد يخدر وأخدر لزم خدره وأقام به، وخدره أكمته وأخدره عرينه واراه، ويطلق الخدر أيضا على البرودة- يقال: ليلة خدرة- إذا كانت باردة، ويوم خدر إذا كان باردا. ويطلق الخدور على التحير يقال: رجل خادر- إذا كان متحيرا. . .

стр. 4937

من هذا يتبين أن المادة تدور على معنى الضعف والكسل والفتور. ومعنى الظلمة والسير والغموض، وعلى معنى البرودة ومعنى لزوم الشيء والإقامة به، ويتبع ذلك الجبن والشاخر والخيرة والتردد والتبلد وعدم الغيرة. وكل هذه المعاني متحققة فيمن يتعاطى المخدرات مائعها وجامدها. وأما المفتر: فهو مأخوذ من التفتير والإفتار وهو ما يورث ضعفا بعد قوة، وسكونا بعد حدة وحركة، واسترخاء بعد صلابة، وقصورا بعد نشاط، يقال: فتره الأفيون مثلا يفتره تفتيرا وأفتره يفتره إفتارا إذا أصابه بما ذكر من الضعف والقصور والاسترخاء، ففتر يفتر، ويفتر لان بعد شدة واسترخى بعد صلابة، وضعف بعد قوة، وكسل بعد نشاط، وكل هذه الآفات متحققة فيمن يتعاطى المخدرات على اختلاف أنواعها مائعها وجامدها. مما تقدم يتبين أن بين الثلاثة صلة وثيقة، ونسبا قويا، وإن اختلفت مفاهيمها، فإن كلا منها يجني على العقل، يعبث به، ويذهب برشده، ويقضي على صوابه، فلا يكاد يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، ويجني على الأعصاب وسائر قوى البدن والأخلاق حيرة واضطرابا وذبولا وضعفا ومرضا، ورخاوة وفتورا وجبنا وخورا. ومن هنا أيضا كان شربها أو تناولها جناية على الدين ومدرجة لانتهاك الحرمات، والاعتداء على النفوس والأعراض ومضيعة للأموال، وفي ذلك إخلال بكليات الشريعة العليا. ومقاصدها الضرورية التي علم من الإسلام وجوب المحافظة عليها، والتي فرض الله الحدود والتعزيرات من أجل صيانتها من قريب ومن بعيد؛ تحقيقا لأمن الأمة وتطهيرا للمجتمع مما يدنسه، ويقضي على راحته وطمأنينته وسيأتي بيان مضار استعمالها بعنوان: "دراسات حديثة تؤيد وجهة نظر فقهاء الإسلام " إن شاء الله تعالى.

стр. 4938

ما يثبت أنه شربها من شهادة أو رائحة أو قيء ونحو ذلك: يثبت شرب الخمر بشهادة الشهود والإقرار والرائحة والسكر والقيء، ونظرا إلى أن الرائحة والقيء من قرائن الأحوال التي يثبت بها الشرب عند جماعة من العلماء فإننا نذكر نقولا عن أهل العلم بالعمل بالقرائن، ثم نذكر أدلة العمل بها من الكتاب والسنة وطائفة من أمثلة العمل بها، وبعد ذلك نتكلم على هذه الأدلة الخمسة مبينين خلاف العلماء في كل دليل ومستندهم مع المناقشة:

стр. 4939

أ- أما كلام العلماء فمن ذلك ما جاء في معين الحكام، قال بعض العلماء: على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهو قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها، وقد جاء العمل بها في مسائل اتفق عليها الطوائف الأربع. انتهى (١). وقال ابن فرحون نقلا عن ابن العربي ما يتفق مع هذا الكلام (٢). وقال ابن القيم: ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم في كتابه وعلى لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا، فالعالم من يتوصل بمعرفته الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله - ومضى في ذكر الأدلة والأمثلة إلى أن قال: ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله. انتهى (٣). ب- وأما ما يدل على ذلك من الكتاب فمنه قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤) ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٥) ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٦). قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ على هذه الآية: (يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين، وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب؛ لأن كون القميص مشقوقا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها وهي تنوئه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها فإن عارضها قرينة أقوى منها أبطلت وذلك في

стр. 4940

قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (١) لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب جعلوا على قميصه دم سخلة؛ ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب، ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها وهي عدم شق القميص فقال: سبحان الله! متى كان الذئب حليما يأكل يوسف ولا يشق قميصه! ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٢). وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن (٣) انتهى. والأظهر أن تكذيب يعقوب لبنيه في دعواهم أن الذئب أكل يوسف ليس من أجل كون الدم ليس دم إنسان، ولا من أجل كون الثوب لم يخرق؛ لأن هذين الأمرين منقولان عن بني إسرائيل ونحوهم، وأخبارهم لا تصدق ولا تكذب ولا يعتمد عليها إلا بدليل يدل على صحتها، وإنما كذبهم لأمر آخر إما لكون الرؤيا التي رآها يوسف في سجود الكواكب والشمس والقمر له لم تتحقق، وإما لوحي أوحاه الله إليه عرف منه ما يدل على كذبهم في دعواهم. جـ - وأما الأدلة من السنة فمن ذلك: ١ - أنه ﷺ اعتبر باللوث في القسامة وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دم القتيل في حديث حويصة ومحيصة. ٢ - أنه ﷺ أمر الزبير أن يقرر عم حيي بن أخطب بالعذاب على إخراج المال الذي غيبه وادعى نفاده فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك. ٣ - أنه ﷺ أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وجعل وصفه لعفاصها ووكائها قائما مقام البينة. ٤ - حكم رسول الله ﷺ وحلفائه من بعده بالقافة وجعلها دليلا على ثبوت

стр. 4941

النسب، وليس فيها إلا مجرد الأمارات والعلامات. ٥ - ابنا عفراء تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر فقال لهما رسول الله ﷺ : «هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. فقال ﷺ : أرياني سيفيكما، فلما نظر فيهما قال لأحدهما هذا قتله وحكم له بسلبه (١)». هـ- وأما المسائل التطبيقية للعمل بها فقد ذكر صاحب معين الحكام وابن فرحون والإمام ابن القيم مسائل كثيرة نذكر منها ما يلي: الأولى: أن الفقهاء كلهم يقولون بجواز وطء المرأة إذا أهديت إليه ليلة الزفاف، وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال أن هذه فلانة بنت فلان التي عقدت عليها، وإن لم يستنطق النساء أن هذه امرأته؛ اعتمادا على القرينة الظاهرة المنزلة منزلة الشهادة. الثانية: أن الناس قديما وحديثا لم يزالوا يعتمدون في الصبيان والإماء المرسل معهم الهدايا، وأنها مرسلة إليهم فيقبلون أموالهم ويأكلوا الطعام المرسل به، ونقل القرافي أن خبر الكافر في ذلك كاف. الثالثة: أنهم يعتبرون إذن الصبيان في الدخول إلى المنزل. الرابعة: أن الضيف يشرب من كوز صاحب البيت، ويتكئ على وسادته، ويقضي حاجته في مرحاضه من غير استئذان، ولا يعد متصرفا في ملكه بغير إذنه. الخامسة: جواز أخذ ما يسقط من الإنسان إذا لم يعرف صاحبه مما لا يتبعه الإنسان نفسه كالفلس والتمرة والعصا ونحو ذلك. ووأما الأدلة التي يستدل بها على شربها فقد سبق أنها الشهادة والإقرار والرائحة والقيء والسكر. فأما الشهادة فيشترط أن لا يقل عدد الشهود عن رجلين، تتوفر فيهما شروط الشهادة، ويزيد أبو حنيفة وأبو يوسف على هذا بأن تكون الرائحة قائمة وقت تحمل الشهادة، ويخالفهما محمد فلا يشترط ذلك.

стр. 4942

وأما الإقرار فيكفي مرة واحدة في المذاهب الأربعة، ويرى أبو يوسف أن كل إقرار يسقط بالرجوع، فعدد الإقرار فيه كعدد الشهود، فلا بد من الإقرار مرتين عنده، وأما الرائحة فالمقدم في مذهب الإمام أحمد ﵀ أنه لا يجب الحد بوجود الرائحة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي - رحمهما الله تعالى -، ويخالفهم مالك ﵀ فيرى وجوب الحد بوجود الرائحة، وقوله هذا رواية عن أحمد ﵀. وكذلك القيء، لا يعتبر وجوده دليلا شرعيا عند أبي حنيفة، وهو مذهب الشافعي ﵀، ورواية عن أحمد ﵀، ويخالفهم مالك ﵀ وهو الرواية الثانية في مذهب أحمد ﵀ وهو القول بوجوب الحد اعتمادا على القيء.

стр. 4943

وأما السكر فالشافعي ومن وافقه يرون عدم حده، والرواية المقدمة في مذهب أحمد ومن يقول بها من العلماء أنه يحد. وفيما يلي نقول عن فقهاء الإسلام في ذلك مع أدلتهم ومناقشتها: ١ - جاء في "البداية وشرحها الهداية" ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة، وجاءوا به سكران فشهد الشهود عليه بذلك؛ فعليه الحد، وكذلك إذا أقر وريحها موجودة؛ لأن جناية الشرب قد ظهرت ولم يتقادم العهد، والأصل فيه قوله ﵊: «من شرب الخمر فاجلدوه؛ فإن عاد فاجلدوه (١)». وإن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -، وقال محمد ﵀: يحد وكذلك إذا شهدوا عليه بعد ما ذهب ريحها والسكر، لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد ﵀: يحد فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالاتفاق غير أنه مقدر بالزمان عنده اعتبارا بحد الزنا، وهذا لأن التأخير يتحقق بعض الزمان والرائحة قد تكون من غيره كما قيل: يقولون لي أني شربت مدامة ... فقلت لهم لا بل أكلت السفرجلا وعندهما يقدر بزوال الرائحة لقول ابن مسعود ﵁ فيه: فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه. ولأن قيام الأثر من أقوى دلالة القرب وإنما يصار إلى التقدير بالزمان عند تعذر اعتباره، والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل وإنما تشتبه على الجهال. وأما الإقرار فالتقادم

стр. 4944

لا يبطله عند محمد ﵀ كما في حد الزنا على ما مر تقريره، وعندهما لا يقام الحد إلا عند قيام الرائحة؛ لأن حد الشرب ثبت بإجماع الصحابة ﵃ ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود ﵁ وقد شرط قيام الرائحة على ما روينا. قال: فإن أخذه الشهود، وريحها توجد منه وهو سكران، فذهبوا به من مصر إلى مصر فيه الإمام فانقطع ذلك قبل أن ينتهوا به صرف قولهم جميعا؛ لأن هذا عذر كبعد المسافة في حد الزنا والشاهد لا يتهم في مثله. ". . . ولا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها " لأن الرائحة محتملة وكذا الشرب، قد يقع عن إكراه أو اضطرار، ويثبت الشرب بشهادة شاهدين ويثبت بالإقرار مرة واحدة، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يشترط الإقرار مرتين وهو نظير الاختلاف في السرقة، ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال؛ لأن فيها شبهة البدلية وتهمة الضلال والنسيان. انتهى (١). وقال ابن الهمام على قول صاحب الهداية: والرائحة قد تكون من غيره إلخ. قال: يظهر أن رائحة الخمر مما يلتبس بغيرها، فلا يناط شيء من الأحكام بوجودها ولا بذهابها، ولو سلمنا أنها لا تلتبس على ذوي المعرفة فلا موجب لتقييد العمل بالبينة بوجودها؛ لأن المعقول تقييد قبولها بعدم التهمة، والتهمة لا تتحقق في الشهادة بسبب وقوعها بعد ذهاب الرائحة، بل بسبب تأخير الأداء تأخيرا يعد تفريطا، وذلك منتف في تأخير يوم ونحوه، وبه تذهب الرائحة. أجاب المصنف وغيره بما حاصله أن اشتراط قيام الرائحة لقبول الشهادة عرف من قول ابن مسعود، وهو ما روى عبد الرزاق حدثنا سفيان الثوري عن يحيى بن عبد الله التميمي الجابر عن أبي ماجد الحنفي قال: جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن مسعود فقال عبد الله: ترتروه ومزمزوه واستنكهوه، ففعلوا فرفعه إلى السجن ثم عاد به من الغد ودعا بسوط ثم أمر به، فدقت تمرته بين حجرين حتى صارت درة، ثم قال للجلاد: اجلد وارجع يدك وأعط كل عضو حقه. ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني، ورواه إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير عن

стр. 4945

عبد الحميد عن يحيى بن عبد الله الجابر به. ودفع بأن محل النزاع كون الشهادة لا يعمل بها إلا مع قيام الرائحة، والحديث المذكور عن ابن مسعود ليس فيه شهادة منع من العمل بها؛ لعدم الرائحة وقت أدائها، بل ولا إقرار إنما فيه أنه حده بظهور الرائحة بالترترة والمزمزة، والمزمزة: التحريك بعنف والترترة والتلتلة التحريك، وهما بتاءين متتاليتين من فوق، قال ذو الرمة يصف بعيرا: بعيد مساف الخطو غوج شمردل ... تقطع أنفاس المهارى ثلاثا أي حركاته، والمساف جمع مسافة، والغوج بالغين المعجمة الواسع الصدر، ومعنى تقطع ثلاثا أنفاس المهارى أنه إذا بارها في السير أظهر في أنفاسها الضيق لما يجهدها، وإنما فعله؛ لأن بالتحريك تظهر الرائحة من المعدة التي كانت خفت، وكان ذلك مذهبه، ويدل عليه ما في الصحيحين عن ابن مسعود «أنه قرأ سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله: والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ ؛ فقال: أحسنت (١)»، فبينما هو يكلمه إذ وجد منه رائحة الخمر فقال: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب فضربه الحد. وأخرج الدارقطني بسند صحيح عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب أنه ضرب رجلا وجد منه ريح الخمر، وفي لفظ ريح شراب. والحاصل أن حده عند وجود الريح مع عدم البينة والإقرار لا يستلزم اشتراط الرائحة مع أحدهما، ثم هو مذهب لبعض العلماء منهم مالك، وقول للشافعي برواية عن أحمد والأصح عن الشافعي وأكثر أهل العلم نفيه، وما ذكرناه عن عمر يعارض ما ذكرنا عنه أنه عزر من وجد منه الرائحة ويترجح؛ لأنه أصح وإن قال ابن المنذر: ثبت عن عمر أنه جلد من وجد منه رائحة الخمر حدا تاما، وقد استبعد بعض أهل العلم حديث ابن مسعود من جهة المعنى وهو أن الأصل في الحدود إذا جاء صاحبها مقرا أن يرد ويدرأ ما يستطيع فكيف يأمر ابن مسعود بالمزمزة عند عدم الرائحة؛ ليظهر الريح فيحده، فإن صح فتأويله أنه كان رجلا مولعا بالشراب مدمنا عليه فاستجاز ذلك فيه (٢). انتهى. ويمكن أن يقال: إنه إنما أمر بترترته ومزمزته؛ لكونه لم يأت تائبا وإنما جاء به عمه؛ ليقام

стр. 4946

عليه الحد؛ فأراد ابن مسعود أن يستثبت في وقوع الشرب منه بالعمل المذكور؛ لتظهر الرائحة.

стр. 4947

قال ابن فرحون: ويجب الحد على من وجدت منه رائحة الخمر أو قاءها، وحكم به عمر رضي الله تعالى عنه، وفي حديث ماعز أن رسول الله ﷺ قال: «أشربت خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر (١)» - قال اللخمي: فيه دليل أن الرائحة يقضي بها دليل آخر أن إقرار السكران غير لازم. (مسألة) قال اللخمي - رحمه الله تعالى -: ذهب مالك رضي الله تعالى عنه وجماعة من أصحابه إلى أن الحد يجب على من وجد منه ريح السكر، والدليل على ذلك ما روي عن السائب بن يزيد أنه حضر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يجلد رجلا وجد منه ريح شراب فجلده الحد تاما، والدليل من جهة المعنى أن هذا معنى يعلم به صفة ما شرب المكلف وجنسه، فوجب أن يكون طريقا إلى إثبات الحد وأصل ذلك الرؤية لما شربه، بل الرائحة أقوى من معرفة حال المشروب من الرؤية؛ لأن الرؤية لا يعلم بها الشراب أسكر هو أم لا، وإنما يعلم ذلك برائحته. (فصل) والكلام في ذلك يتعلق بثلاثة أمور الأول: فيمن يجب استنكاهه، الثاني: فيمن يثبت ذلك بشهادته، الثالث: فيما يجب بذلك إذا تيقن رائحة السكر أو أشكلت. (الأول): فيمن يجب استنكاهه وذلك فيما يرى الحاكم منه تخليطا في قول أو مشي يشبه السكران ففي الموازية من رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه إذا رأى ذلك منه أمر باستنكاهه قال: لأنه قد بلغ إلى الحاكم فلا يسعه إلا تحققه، فإذا ثبت الحد حد أمامه. (مسألة): وكذلك لو شم منه رائحة ينكرها أو أنكرها بحضرته من ينكرها، قال الباجي: فعندي أنه قد تعين عليه استنكاهه وتحقق حاله؛ لأن هذه صفة ينكرها حاله ويستراب بها ويقوى بها الظن في وجوب الحد عليه، فيجب بذلك اختباره وتحقق حاله كالتخليط في الكلام والمشي. (مسألة): فإن لم يظهر منه شيء من هذه الأحوال يريد التخليط في القول والمشي لم يستنكه، رواه أصبغ عن ابن القاسم بالعتبية والموازية قال: ولا يتجسس عليه، ووجه ذلك إن لم ير منه ريبة ولا خروجا عن أحوال الناس المعتادة، فلا يجوز التجسس على الناس والتعرض لهم من غير ريبة. (الثاني) فيمن يثبت ذلك بشهادته قال القاضي أبو

стр. 4948

الوليد: فأما من يثبت ذلك عليه بشهادته فإنه يحتاج إلى معرفة صفتهم وعددهم، فأما صفتهم فقد قال القاضي أبو الحسن في كتابه: إن صفة الشاهدين على الرائحة، أن يكونا ممن خبر شربها في وقت ما، إما في حال كفرهما أو شرباها في إسلامهما فجلدا ثم تابا؛ حتى يكونا ممن يعرف الخمر بريحها- قال القاضي أبو الوليد: هذا عندي فيه نظر؛ لأن من هذه صفته معدوم قليل ولو لم تثبت الرائحة إلا بشهادة من هذه صفته لبطلت الشهادة بها في الأغلب، وقد يكون من لم يشربها قط يعرف رائحتها معرفة صحيحة؛ بأن يخبره عنها المرة بعد المرة من قد شربها أنها هي رائحة الخمر حتى يعرف ذلك كما يعرفها الذي قد شربها. (مسألة): وأما العدد فلا يخلو أن يكون الحاكم أمر الشهود بالاستنكاه أو فعلوا هم ذلك ابتداء، فإن كان الحاكم أمرهم بذلك فقد روى ابن حبيب عن أصبغ أنه يستحب أن يأمر شاهدين، فإن لم يكن إلا واحدا وجب به الحد، وأما إن كان الشهود فعلوا ذلك من قبل أنفسهم فلا يجزئ أقل من اثنين كالشهادة على الشرب، وقد روى ابن وهيب عن مالك رضي الله تعالى عنه أنه إن لم يكن مع الحاكم إلا واحدا فليرفعه إلى من هو فوقه، قال القاضي أبو الوليد - رحمه الله تعالى -: وما رواه ابن حبيب عن أصبغ مبني على أن الحاكم يحكم بعلمه فلذلك جاز عنده علم من استنابه وإلا فقد يجب أن لا يحد في ذلك حتى يشهد عنده فيه شاهدان. (الثالث): فيما يجب بشهادة الاستنكاه ولا يخلو أن يكون الشهود متيقنين للرائحة أو شاكين فيها، فإن كانوا متيقنين للرائحة فلا يخلو أن يتفقوا على أنها رائحة مسكر أو على أنها غير رائحة مسكر، أو يختلفوا في ذلك؛ فإن اتفقوا على أنها غير رائحة مسكر فلا نعلم في المذهب خلافا في وجوب ترك الحد، وإن اتفقوا على أنها رائحة مسكر وجب الحد عليه وإن اختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: رائحة مسكر، وقال بعضهم: ليس برائحة مسكر، فقد قال ابن حبيب: إذا اجتمع منهم اثنان على أنها رائحة مسكر حد؛ ووجه ذلك أن الشهادة قد قامت وكملت، ولا يؤثر في ذلك نفي من نفى مقتضاها، كما لو شهد شاهدان أنهما رأياه شرب خمرا، وقال آخران: لم يشرب خمرا. (مسألة): فإن شك الشهود في الرائحة هل هي رائحة مسكر أو غيره نظرت حاله؛ فإن كان من أهل السفه نكل، وإن كان من أهل العدل خلي سبيله، حكاه ابن القاسم في العتبية والموازية، ووجه ذلك أن من عرف بالسفه والشر والتخليط خيف أن يكون ما شك فيه مما حرم عليه، ووجب أن يزجر عن التسمية بذلك؛ لكي لا يتطرق بذلك إلى إظهار معصية، وأما من كان من أهل العدل فتبعد عنه الريبة، والله أعلم. (مسألة) قال

стр. 4949

القاضي أبو الوليد - رحمه الله تعالى-: فإذا ثبت ذلك فإن الحد يتعلق بما يقع به النظر من تجاوز الشراب من الفم إلى الحلق. (مسألة): ولو شهد شاهدان أنه قاء خمرا وجب عليه الحد؛ لأنه لا يقئها حتى يشربها، وقد روي نحو هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وسيأتي في باب القضاء بالسياسة صفة الشهادة وصفة الضارب والضرب، وما يضاف إلى الحد إن شاء الله تعالى. ٣ - جاء في المنهاج وشرحه نهاية المحتاج " ويحد بإقراره وشهادة رجلين " أو علم السيد دون غيره كما مر نظيره في السرقة لا بريح خمر و "هيئة" سكر وقيء؛ لاحتمال أنه احتقن أو أسعط بها، أو أنه شربها؛ لعذر من غلط أو إكراه. أما حد عثمان بالقيء فاجتهاد له، ويكفي في إقرار وشهادة شرب خمرا أو شرب مما شرب منه غيره فسكر، وسواء أقال وهو محتار عالم أم لا كما في نحو بيع وطلاق؛ إذ الأصل عدم الإكراه، والغالب من حال الشارب علمه بما يشربه. وقيل: يشترط في كل من المقر والشاهد أن يقول شربها وهو عالم به مختار لاحتمال ما مر كالشهادة بالزنا؛ إذ العقوبة لا تثبت إلا بيقين، وفرق الأول بأن الزنا قد يطلق على مقدماته كما في الخبر على أنهم سامحوا في الخمر؛ لسهولة حدها ما لم يسامحوا في غيرها؛ لا سيما مع أن الابتداء بكثرة شربها يقتضي التوسع في سبب الزجر عنها، فوسع فيه ما لم يوسع في غيره. ويعتبر على الثاني زيادة من غير ضرورة؛ احترازا من الإساغة والشرب لنحو عطش أو تداو. انتهى (١).

стр. 4950

٤ - وقال ابن قدامة: ولا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين: الإقرار والبينة، ويكفي في الإقرار مرة واحدة في قول عامة أهل العلم؛ لأنه حد لا يتضمن إتلافا فأشبه حد القذف، وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه؛ لأنه حد لله - سبحانه - فقبل رجوعه عنه كسائر الحدود، ولا يعتبر مع الإقرار وجود الرائحة. وحكي عن أبي حنيفة لا حد عليه إلا أن توجد رائحة، ولا يصح؛ لأنه أحد بينتي الشرب فلم يعتبر معه وجود الرائحة كالشهادة، ولأنه قد يقر بعد زوال الرائحة عنه، ولأنه إقرار بحد فاكتفي به كسائر الحدود.

стр. 4951

(فصل) ولا يجب الحد بوجود الرائحة للخمر من فيه في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي، وروى أبو طالب عن أحمد أنه يحد بذلك وهو قول مالك؛ لأن ابن مسعود جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر. وروي عن عمر أنه قال: إني وجدت من عبيد الله ريح شراب فأقر أنه شرب الطلا، فقال عمر: إني سائل عنه فإن كان يسكر جلدته. ولأن الرائحة تدل على شربه فجرى مجرى الإقرار. والأول أولى؛ لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها وحسبها ماء فلما صارت إلى فيه مجها وظنها لا تسكر أو كان مكرها، أو أكل نبقا بالغا أو شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات، وحديث عمر حجة لنا فإنه لم يحده بوجود الرائحة، ولو وجب ذلك لبادر إليه عمر. (فصل): وإن وجد سكران أو تقيأ الخمر فعن أحمد لا حد عليه؛ لاحتمال أن يكون مكرها أو لم يعلم أنها تسكر، وهذا مذهب الشافعي، ورواية أبي طالب عنه في الحد بالرائحة يدل على وجوب الحد هاهنا بطريق الأولى؛ لأن ذلك لا يكون إلا بعد شربها فأشبه ما لو قامت البينة عليه بشربها. وقد روى سعيد حدثنا هشيم حدثنا المغيرة عن الشعبي قال: لما كان من أمر قدامة ما كان جاء علقمة الخصي فقال: أشهد أني رأيته يتقيؤها، فقال عمر: من قاءها فقد شربها، فضربه الحد. وروى حصين بن المنذر الرقاشي قال: "شهدت عثمان وأتي بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر؛ فشهد أحدهما أنه رآه شربها، وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلي: أقم عليه الحد، فأمر علي عبد الله بن جعفر فضربه " رواه مسلم. وفي رواية له فقال عثمان: لقد تنطعت في الشهادة وهذا بمحضر من علماء الصحابة وسادتهم، ولم ينكر فكان إجماعا؛ ولأنه يكفي في الشهادة عليه أنه شربها ولا يتقيؤها، أو لا يسكر منها حتى يشربها. (فصل): وأما البينة فلا تكون إلا رجلين عدلين مسلمين يشهدان أنه مسكر ولا

стр. 4952

يحتاجان إلى بيان نوعه؛ لأنه لا ينقسم إلى ما يوجب الحد وإلى ما لا يوجبه، بخلاف الزنا فإنه يطلق على الصريح وعلى دواعيه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (١)» فلهذا احتاج الشاهدان إلى تفسيره، وفي مسألتنا لا يسمى غير المسكر مسكرا فلم يفتقر إلى ذكر نوعه، ولا يفتقر في الشهادة إلى ذكر عدم الإكراه ولا إلى ذكر علمه أنه مسكر؛ لأن الظاهر الاختيار والعلم وما عداهما نادر بعيد، فلم يحتج إلى بيانه؛ ولذلك لم يعتبر ذلك في شيء من الشهادات، ولم يعتبره عثمان في الشهادة على الوليد بن عقبة، ولا اعتبره عمر في الشهادة على قدامة بن مظعون ولا في الشهادة على المغيرة بن شعبة، ولو شهدا بعتق أو طلاق لم يفتقر إلى ذكر الاختيار كذا هاهنا (٢) انتهى. وجاء في حاشية المقنع على قوله: (وهل يجب الحد بوجود الرائحة على روايتين إحداهما: لا يحد وهو قول عامة أهل العلم منهم الثوري وأبو حنيفة والشافعي، وعنه يحد وهو قول مالك؛ لأن ابن مسعود ﵁ جلد رجلا وجد منه رائحة الخمر، وعنه يحد إذا لم يدع شبهة، قال ابن أبي موسى: وهي أظهر عن أحمد واختارها ابن عبدوس في تذكرته، والشيخ تقي الدين. ووجه الأول أنه يحتمل أنه تمضمض بها، أو ظنها ماء فلما صارت في فيه مجها أو ظنها لا تسكر، أو كان مكرها (٣) انتهى. وجاء في الإنصاف على قول ابن قدامة وهل يحد بوجود الرائحة؟ على روايتين وأطلقهما في مسبوك الذهب وتجريد العناية ونهاية ابن رزين، إحداهما لا يحد وهو المذهب صححه المصنف والشارح وابن منجا في شرحه وصاحب الخلاصة والتصحيح وغيره، وجزم به في الوجيز والمنور. والرواية الثانية: يحد إذا لم يدع شبهة قال ابن أبي موسى في الإرشاد هذه أظهر عن الإمام أحمد ﵀ واختارها ابن عبدوس في تذكرته والشيخ تقي الدين ﵀ وقدمها في المستوعب، وعنه يحد وإن ادعى شبهة. ذكرها في الفروع. وذكر هذه المسألة في باب حد الزنا، وأطلقهن في تجريد العناية ونقل الجماعة عن الإمام أحمد ﵀ يؤدب برائحته. واختاره الخلال كالحاضر مع من يشربه، فائدتان:

стр. 4953

إحداهما: لو وجد سكران وقد تقيأ الخمر فقيل: حكمه حكم الرائحة، وقدمه في الفصول وجزم به في الرعاية الكبرى. وقيل: يحد هنا وإن لم نحده بالرائحة، واختاره المصنف والشارح، وهو ظاهر كلامه في الإرشاد، وهذا المذهب على ما اصطلحناه في المقدمة وأطلقهما في الفروع. والثانية: يثبت شربه للخمر بإقراره مرة على الصحيح من المذهب كحد القذف، جزم به في الفصول والمذهب والحاوي الصغير والمغني والشرح وقدمه في الفروع. وعنه مرتين واختاره القاضي وأصحابه وصححه الناظم، واختاره ابن عبدوس في تذكرته، وقدمه في المحرر والنظم والرعايتين، وجزم به في المنور وغيره، وجعل أبو الخطاب أن بقية الحدود لا يثبت إلا بإقراره مرتين. وقال في عيون المسائل في حد الخمر بمرتين وإن سلمناه؛ فلأنه لا يتضمن إتلافا بخلاف حد السرقة، قال في الفروع: ولم يفرقوا بين حد القذف وغيره؛ لأنه حق آدمي كالقود، فدل على رواية فيه، قال: وهذا متجه. ويثبت أيضا شربها بشهادة عدلين مطلقا على الصحيح من المذهب، وقيل: ويعتبر قولهما، عالما بتحريمه واختياره وأطلقهما في الرعاية الكبرى (١) انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والحد واجب إذا قامت البينة أو اعترف الشارب، فإن وجدت منه رائحة الخمر أو رؤي وهو يتقايؤها ونحو ذلك فقد قيل: لا يقام عليه الحد؛ لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمر أو شربها جاهلا بها أو مكرها ونحو ذلك. وقيل: يجلد إذا عرف أن ذلك مسكر، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة كعثمان وعلي وابن مسعود، وعليه تدل سنة رسول الله ﷺ وهو الذي اصطلح عليه الناس، وهو مذهب مالك وأحمد في غالب نصوصه. انتهى (٢). وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: وحكم عمر وابن مسعود ﵄ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة بوجوب الحد برائحة الخمر من قيء الرجل أو قيئه خمرا اعتمادا على القرينة الظاهرة. انتهى (٣).

стр. 4954

عقوبة من ثبت عليه شرب الخمر في عهد النبي ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين: روى البخاري في الصحيح بسنده عن أنس بن مالك ﵁ «أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين (١)». وذكر ابن حجر أن هذا الحديث أخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق جعفر بن محمد القلانسي عن آدم شيخ البخاري فيه بلفظ: «أن النبي ﷺ أتي برجل شرب الخمر فضربه بجريدتين نحوا من أربعين ثم صنع أبو بكر مثل ذلك، فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون ففعله عمر (٢)». . . ولفظ رواية خالد التي ذكرتها (٣) إلى قوله: "نحوا من أربعين " وأخرجه مسلم والنسائي أيضا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة مثل رواية آدم إلا أنه قال: "وفعله أبو بكر فلما كان عمر - أي في خلافته - استشار الناس فقال عبد الرحمن- يعني ابن عوف -: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر "، وأخرج النسائي من طريق يزيد بن هارون عن شعبة: «فضربه بالنعال نحوا من أربعين ثم أتي به وأبو بكر فصنع به مثل ذلك (٤)». ورواه همام عن قتادة بلفظ «فأمر قريبا من عشرين رجلا فجلده كل رجل جلدتين بالجريد والنعال (٥)» أخرجه أحمد والبيهقي - وهذا يجمع بين ما اختلف فيه على شعبة، وإن جملة الضربات كانت نحو أربعين لا أنه جلده بجريدتين أربعين، فتكون الجملة ثمانين كما أجاب به بعض الناس. ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: «جلد بالجريد والنعال أربعين (٦)» علقه أبو داود بسند صحيح ووصله البيهقي، وكذا أخرجه مسلم من طريق وكيع عن هشام بلفظ: "كان يضرب في الخمر" مثله (٧) انتهى المقصود. ٢ - أخرج البخاري بسنده عن عقبة بن الحارث «أن النبي ﷺ أتي بنعيمان - أو بابن نعيمان - وهو سكران، فشق عليه وأمر من في البيت أن يضربوه فضربوه بالجريد والنعال، وكنت فيمن ضربه (٨)». ٣ - أخرج البخاري بسنده عن عمير بن سعيد النخعي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ قال: «ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه (٩)».

стр. 4955

٤ - أخرج البخاري بسنده عن السائب بن يزيد قال: «كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر فصدرا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين (١)». وقد علق ابن حجر على قوله: (حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين) ظاهره أن التحديد بأربعين إنما وقع في آخر خلافة عمر، وليس كذلك لما في قصة خالد بن الوليد وكتابته إلى عمر ﵁، فإنه يدل على أن أمر عمر بجلد ثمانين كان في وسط إمارته؛ لأن خالدا مات في وسط خلافة عمر (٢). انتهى المقصود. ٥ - قال ابن حجر: أخرج النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد «أتي النبي ﷺ بنشوان فأمر به فنهز بالأيدي وخفق بالنعال (٣)» الحديث. ولعبد الرزاق بسند صحيح عن عبيد بن عمير - أحد كبار التابعين - «كان الذي يشرب الخمر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وبعض إمارة عمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه (٤)». ٦ - قال ابن حجر: وقع في مرسل عبيد بن عمير - أحد كبار التابعين - فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه نحو حديث السائب وفيه: "أن عمر جعله أربعين سوطا فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين سوطا، فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا وقال هذا أدنى الحدود (٥). ٧ - أخرج مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد أن عمر استشار في الخمر فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجعله ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلد عمر في الخمر ثمانين. قال ابن حجر (٦): وهذا معضل وقد وصله النسائي والطحاوي من طريق يحيى بن فليح عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس مطولا ولفظه: «أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ بالأيدي والنعال والعصا حتى توفي. فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم، فقال أبو بكر: لو فرضنا عليهم حدا فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد النبي ﷺ ، فجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر فجلدهم كذلك» حتى أتي برجل فذكر قصة وأنه تأول قوله تعالى:

стр. 4956

﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١)، وأن ابن عباس ناظره في ذلك واحتج ببقية الآية وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (٢) والذي يرتكب ما حرمه الله ليس بمتق، فقال عمر ما ترون؟ فقال علي فذكره وزاد بعد قوله: وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر به عمر فجلده ثمانين، ولهذا الأثر عن علي طرق أخرى منها ما أخرجها الطبراني والطحاوي والبيهقي من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن (أن رجلا من بني كلب يقال له: ابن دبرة أخبره أن أبا بكر كان يجلد في الخمر أربعين، وكان عمر يجلد فيها أربعين، قال فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر فقلت: إن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة، فقال عمر لمن حوله: ما ترون؟ قال: ووجدت عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في المسجد، فقال علي فذكر مثل رواية ثور الموصولة. ومنها ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة أن عمر شاور الناس في الخمر فقال له علي: إن السكران إذا سكر هذى" الحديث. ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية المذكورة فاستشار عمر فيهم، فقلت: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين وإلا ضربت أعناقهم؛ لأنهم استحلوا ما حرم الله فاستتابهم فتابوا. فضربهم ثمانين ثمانين. وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي ﷺ بحنين، وفيه فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد: أن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة قال: وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين وقال علي فذكر مثله. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج ومعمر عن ابن شهاب قال: "فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطا، وفرض فيها عمر ثمانين، قال الطحاوي: جاءت الأخبار متواترة عن علي «أن النبي ﷺ لم يسن في الخمر شيئا (٣)»، ويؤيده فذكر الأحاديث التي ليس فيها تقييد بعدد حديث أبي هريرة وحديث عقبة بن الحارث المتقدمين، وحديث عبد الرحمن بن أزهر «أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر فقال للناس: اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه بالجريد، ثم أخذ رسول الله ﷺ ترابا فرمى به في وجهه (٤)» وتعقب بأنه قد ورد في بعض طرقه ما يخالف قوله وهو ما عند أبي داود والنسائي في هذا الحديث، ثم أتي أبو بكر بسكران فتوخى الذي كان من ضربهم عند رسول الله ﷺ فضربه أربعين، ثم أتي عمر بسكران فضربه أربعين؛ فإنه يدل على أنه وإن لم يكن في الخبر تنصيص على عدد معين ففيما اعتمده أبو بكر حجة على ذلك، ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق حضير بمهملة وضاد معجمة مصغرا ابن المنذر «أن عثمان أمر عليا بجلد

стр. 4957

الوليد بن عقبة في الخمر فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده، فجلده فلما بلغ أربعين قال أمسك، جلد رسول الله ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة. وهذا أحب إلي (١)»؛ فإن فيه الجزم بأن النبي ﷺ جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها عدد إلا بعض الروايات الماضية عن أنس ففيها نحو الأربعين، والجمع بينهما أن عليا أطلق الأربعين فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب. وادعى الطحاوي أن رواية أبي ساسان هذه ضعيفة؛ لمخالفتها الآثار المذكورة، ولأن راويها عبد الله بن فيروز المعروف بالداناج بنون وجيم ضعيف وتعقبه البيهقي بأنه حديث صحيح مخرج في المسانيد والسنن. وأن الترمذي سأل البخاري عنه فقواه وقد صححه مسلم وتلقاه الناس بالقبول، وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب قال البيهقي: وصحة الحديث إنما تعرف بثقة رجاله، وقد عرفهم حفاظ الحديث وقبلوهم وتضعيفه الداناج لا يقبل؛ لأن الجرح بعد ثبوت التعديل لا يقبل إلا مفسرا، ومخالفة الراوي غيره في بعض ألفاظ الحديث لا تقتضي تضعيفه ولا سيما مع ظهور الجمع، قلت: وثق الداناج المذكور أبو زرعة والنسائي وقد ثبت عن علي في هذه القصة من وجه آخر أنه جلد الوليد أربعين، ثم ساقه من طريق هشام بن يوسف عن معمر وقال: أخرجه البخاري وهو كما قال، وقد تقدم في مناقب عثمان وأن بعض الرواة قال فيه: إنه جلد ثمانين وذكرت ما قيل في ذلك هناك وطعن الطحاوي ومن تبعه في رواية أبي ساسان أيضا بأن عليا قال: وهذا أحب إلي، أي: جلد أربعين مع أن عليا جلد النجاشي الشاعر في خلافته ثمانين، وبأن ابن أبي شيبة أخرج من وجه آخر عن علي أن حد النبيذ ثمانون، والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أنه لا تصح أسانيد شيء من ذلك عن علي. والثاني: على تقدير ثبوته فإنه يجوز أن ذلك يختلف بحال الشارب، وأن حد الخمر لا ينقص عن الأربعين، ولا يزيد على الثمانين، والحجة إنما هي في جزمه بأنه ﷺ جلد أربعين، وقد جمع الطحاوي بينهما بما أخرجه هو والطبري من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن عليا جلد الوليد بسوط له طرفان، وأخرج الطحاوي أيضا من طريق عروة مثله، لكن قال: "له ذنبان أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان " قال الطحاوي: ففي هذا الحديث أن عليا جلد ثمانين؛ لأن كل سوط سوطان، وتعقب بأن السند الأول منقطع فإن أبا جعفر ولد بعد موت علي بأكثر من عشرين سنة، وبأن الثاني في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وعروة لم يكن في الوقت المذكور مميزا، وعلى تقدير ثبوته فليس في الطريقين أن الطرفين أصاباه في كل ضربة. وقال البيهقي: يحتمل أن يكون ضربه بالطرفين عشرين، فأراد بالأربعين مما اجتمع من عشرين وعشرين، ويوضح ذلك قوله في بقية الخبر: "وكل سنة وهذا أحب إلي " لأنه لا يقتضي التغاير، والتأويل المذكور يقتضي أن يكون كل من الفريقين جلد ثمانين فلا يبقى هناك عدد يقع التفاضل فيه. وأما دعوى من زعم أن المراد بقوله هذا الإشارة إلى الثمانين، فيلزم من ذلك أن يكون علي رجح ما فعل عمر على ما فعل النبي

стр. 4958

صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهذا لا يظن به قاله البيهقي، واستدل الطحاوي لضعف حديث أبي ساسان بما تقدم ذكره من قول علي: أنه إذا سكر هذى إلخ. قال: فلما اعتمد علي في ذلك على ضرب المثل، واستخرج الحد بطريق الاستنباط، دل على أنه لا توقيف عنده من الشارع في ذلك، فيكون جزمه بأن النبي ﷺ جلد أربعين غلطا من الراوي؛ إذ لو كان عنده الحديث المرفوع لم يعدل عنه إلى القياس، ولو كان عند من بحضرته من الصحابة كعمر وسائر من ذكر في ذلك شيء مرفوع لأنكروا عليه، وتعقب بأنه إنما يتجه الإنكار لو كان المنزع واحدا، فأما مع الاختلاف فلا يتجه الإنكار، وبيان ذلك أن في سياق القصة ما يقتضي أنهم كانوا يعرفون أن الحد أربعون، وإنما تشاوروا في أمر يحصل به الارتداع، يزيد على ما كان مقررا. ويشير إلى ذلك ما وقع من التصريح في بعض طرقه أنهم احتقروا العقوبة وانهمكوا، فاقتضى رأيهم أن يضيفوا إلى الحد المذكور قدره، إما اجتهادا بناء على جواز دخول القياس في الحدود، فيكون الكل حدا، أو استنبطوا من النص معنى يقتضي الزيادة في الحد لا النقصان منه، أو القدر الذي زادوه كان على سبيل التعزير تحذيرا وتخويفا؛ لأن من احتقر العقوبة إذا عرف أنها غلظت في حقه كان أقرب إلى ارتداعه، فيحتمل أن يكونوا ارتدعوا بذلك. ورجع الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك فرأى علي الرجوع إلى الحد المنصوص، وأعرض عن الزيادة لانتفاء سببها، ويحتمل أن يكون القدر الزائد كان عندهم خاصا بمن تمرد وظهرت منه آمارات الاشتهار بالفجور، ويدل على ذلك أن بعض طرق حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عند الدارقطني وغيره، فكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف تكون منه الزلة جلده أربعين. قال: وكذلك عثمان جلد أربعين وثمانين. وقال المازري: لو فهم الصحابة أن النبي ﷺ حد في الخمر حدا معينا؛ لما قالوا فيه بالرأي كما لم يقولوا بالرأي في غيره، فلعلهم فهموا أنه ضرب فيه باجتهاده في حق من ضربه. انتهى. وقد وقع التصريح بالحد المعلوم فوجب المصير إليه، ورجح القول بأن الذي اجتهدوا فيه زيادة على الحد إنما هو التعزير على القول بأنهم اجتهدوا في الحد المعين؛ لما يلزم منه من المخالفة التي ذكرها، كما سبق تقريره. وقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أنبأنا عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: كان الذي يشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم، فلما كان عمر فعل ذلك حتى خشي فجعله أربعين سوطا، فرآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا، وقال: هذا أخف الحدود. والجمع بين حديث علي المصرح بأن النبي ﷺ جلد أربعين، وأنه سنة، وبين حديثه المذكور في هذا الباب، أن النبي ﷺ لم يسنه، بأن يحمل النفي على أنه لم يحد الثمانين، أي: لم يسن شيئا زائدا على الأربعين، ويؤيده قوله: " وإنما هو شيء صنعناه نحن ". يشير إلى ما أشار به على عمر، وعلى هذا فقوله: لو مات لوديته "أي في الأربعين الزائدة" وبذلك جزم البيهقي وابن حزم، ويحتمل أن يكون قوله: "لم يسنه" أي: الثمانين لقوله في الرواية الأخرى: "وإنما هو شيء صنعناه " فكأنه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن

стр. 4959

لا يكون مطابقا، واختص هو بذلك؛ لكونه الذي كان أشار بذلك، واستدل له ثم ظهر له أن الوقوف عند ما كان الأمر عليه أولا أولى، فرجع إلى ترجيحه وأخبر بأنه لو أقام الحد ثمانين فمات المضروب وداه للعلة المذكورة، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: (لم يسنه) لصفة الضرب، وكونها بسوط الجلد أي: لم يسن الجلد بالسوط، وإنما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها مما تقدم ذكره، أشار إلى ذلك البيهقي، وقال ابن حزم أيضا: لو جاء عن غير علي من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون، وأنه غير مسنون لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر، فضلا عن علي مع سعة علمه وقوة فهمه. وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد وخبر أبي ساسان، فخبر أبي ساسان أولى بالقبول؛ لأنه مصرح فيه برفع الحديث عن علي، وخبر عمير موقوف على علي، وإذا تعارض المرفوع والموقوف؛ قدم المرفوع، وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة والجمع أولى مهما أمكن من توهين الأخبار الصحيحة، وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتين وهما فرواية الإثبات مقدمة على رواية النفي، وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ النقلة عن قتادة، وعلى تقدير أن يكون بينهما تمام التعارض، فحديث أنس سالم من ذلك.

стр. 4960

خلاف العلماء في أن العقوبة في شرب الخمر هل هي حد أو تعزير مع بيان ما يترتب على ذلك: اختلف أهل العلم في عقوبة شارب الخمر على قولين أحدهما: أنها حد. والثاني: أنها تعزير، والذين قالوا بأنها حد اختلفوا على قولين هما المشهوران، منهم من قال بأنه ثمانون، ومنهم من قال بأن الحد أربعون وما زاد على ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام؛ فإن رأى الزيادة زاد وإلا فلا، وفيما يلي بيان هذه الأقوال مع الأدلة والمناقشة: القول الأول: إنه تعزير قال: الحافظ ابن حجر: إن الطبري وابن المنذر حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها، وإنما فيها التعزير. واستدلوا بأحاديث الباب؛ فإنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب وأصرحها حديث أنس، ولم يجزم فيه بالأربعين في أرجح الطرق عنه، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج ومعمر سئل ابن شهاب «كم جلد رسول الله ﷺ في الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدا، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم: ارفعوا، (١)» وورد أنه لم يضربه أصلا وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي عن ابن عباس أن رسول الله

стр. 4961

صلى الله عليه وسلم «لم يوقت في الخمر حدا (١)»، قال ابن عباس: «وشرب رجل فسكر فانطلق به إلى رسول الله ﷺ ، فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس، فالتزمه فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك ولم يأمر فيه بشيء (٢)». وأخرج الطبري من وجه آخر عن ابن عباس «ما ضرب رسول الله ﷺ في الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك فغشي حجرته من الليل سكران فقال: ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله». والجواب: أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد؛ لأن أبا بكر تحرى ما كان النبي ﷺ ضرب السكران فصيره حدا واستمر عليه، وكذا استمر من بعده، وإن اختلفوا في العدد. وجمع القرطبي بين الأخبار بأنه لم يكن أولا في شرب الخمر حد، وعلى ذلك يحمل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شرع الحد ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين، ومن ثم توخى أبو بكر على ما فعل بحضرة النبي ﷺ فاستقر عليه الأمر، ثم رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين إما حدا بطريق الاستنباط، وإما تعزيرا. انتهى المقصود من كلام ابن حجر (٣). القول الثاني: إنها حد وأنه ثمانون، وهو مذهب الحنفية والمالكية والمقدم عند الحنابلة. ففي بداية المهتدي: وحد الخمر والسكر إلى ثمانين سوطا (٤) وفي قوانين الأحكام الفقهية وهو ثمانون جلدة للحر (٥)، وقال ابن قدامة: إحداهما: أنه ثمانون، وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم (٦). انتهى. واستدل لهذا بإجماع الصحابة؛ فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين وكتب به إلى خالد

стр. 4962

وأبي عبيدة بالشام. وروي أن عليا قال في المشورة: إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحدوه حد المفتري. روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما. انتهى من كلام ابن قدامة (١). ونوقش هذا الدليل بما يلي: أولا: أن فعل النبي ﷺ حجة لا يجوز تركه بفعل غيره، ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر ﵄، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز فعلها إذا رآه الإمام- ذكر هذا الوجه ابن قدامة (٢) ثانيا: أن عليا أشار على عمر بذلك، ثم رجع علي عن ذلك واقتصر على الأربعين؛ لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر مستندين إلى تقدير ما فعل النبي ﷺ ، وأما الذي أشار به فقد تبين من سياق قصته أنه أشار بذلك؛ ردعا للذين انهمكوا؛ لأن في بعض طرق القصة - كما تقدم - أنهم احتقروا العقوبة (٣). القول الثالث: أنه أربعون، وما زاد عن ذلك يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، وبهذا قال الشافعي، وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد، وبه قال أبو ثور وداود ومن وافقهم من أهل العلم. قال الشيرازي وقال الشافعي وأبو ثور وداود: الحد في ذلك أربعون- ومضى إلى أن قال: فإن رأى الإمام أن يبلغ بحد الحر ثمانين وبحد العبد أربعين جاز (٤). انتهى.

стр. 4963

وقال ابن قدامة: والرواية الثانية أن الحد أربعون، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي (١). انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا أوجه القولين (٢). واستدل لهذا القول بما روى أبو ساسان قال: «لما شهد على الوليد بن عقبة، قال عثمان لعلي: دونك ابن عمك فاجلده. قال: قم يا حسن فاجلده. قال: فيما أنت وذاك ول هذا غيري. قال: ولكنك ضعفت وعجزت ووهنت. فقال: قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده وعلي يعد ذلك، فعد أربعين، وقال: جلد رسول الله ﷺ في الخمر أربعين، وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل سنة (٣)». أخرجه البيهقي. وأخرج مسلم عن حصين بن المنذر قال: «شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب، وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى يشربها. فقال: يا يا علي قم فاجلده. فقال علي: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه. فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي ﷺ وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة، وهذا أحب إلي (٤)». وأما كون الزيادة عن الأربعين راجعة إلى رأي الإمام، فقد استدلوا لذلك بما رواه أبو وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر ﵁، فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطارق والزبير ﵃، فقلت: إن خالد بن الوليد ﵁ يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة فيه. قال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال: تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: بلغ صاحبك ما قالوا. فجلد خالد ثمانين، وجلد عمر ثمانين. وقال: وكان عمر إذا أتي بالرجل القوي المنهمك في الشراب جلده ثمانين، وإذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه زلة جلده أربعين (٥).

стр. 4964

وأما بيان ما يترتب على القول بأنها تعزير وحد، فعلى القول بأنها حد لا يدخله العفو والإسقاط والصلح؛ لأنه من حقوق الله - جل وعلا - وإذا مات المضروب ثمانين عند من يقول بذلك، وأربعين عند من يقول بهذا؛ فإنه يموت هدرا لا دية له، وعلى القول بأنها تعزير، يدخله العفو والإسقاط والصلح من جهة أصله عند من يقول بأنه تعزير، وما زاد على الأربعين ففيه الدية. وفيما يلي نقول عن أهل العلم في ذلك: ١ - قال الشيرازي: فإن جلده أربعين ومات لم يضمن؛ لأن الحق قتله، وإن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية؛ لأن نصفه حد ونصفه تعزير، وسقط النصف بالحد ووجب النصف بالتعزير. انتهى المقصود (١). ٢ - قال الخرقي (مسألة): فإن مات في جلده فالحق قتله، يعني ليس على أحد ضمانه، قال ابن قدامة: وهذا قول مالك وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي، إن لم يزد على الأربعين، وإن زاد على الأربعين فمات فعليه الضمان؛ لأن ذلك تعزير؛ إنما يفعله الإمام برأيه، وفي قدر الضمان قولان: أحدهما: نصف الدية؛ لأنه تلف من فعلين: مضمون وغير مضمون، فكان عليه نصف الضمان. والثاني: تقسط الدية على عدد الضربات كلها، فيجب من الدية بقدر زيادته على الأربعين. وروي عن علي ﵁ أنه قال: «ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر، ولو مات وديته؛ لأن النبي ﷺ لم يسنه لنا (٢)». ولنا أنه حد وجب لله فلم يجب ضمان من مات به كسائر الحدود، وما زاد على الأربعين قد ذكرنا أنه من الحد، وإن كان تعزيرا فالتعزير يجب وهو بمنزلة الحد. وأما حديث علي فقد صح عنه أنه قال: «جلد رسول الله ﷺ أربعين وأبو بكر أربعين، (٣)» وثبت الحد بالإجماع فلم تبق فيه شبهة (٤).

стр. 4965

كلمة عن التعزير: قال أبو محمد ابن قدامة في المغني (مسألة) قال: (ولا يبلغ التعزير الحد). التعزير هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها، كوطء الشريك الجارية المشتركة، أو أمته المزوجة، أو جارية ابنه، أو وطء امرأته في دبرها أو حيضها، أو وطء أجنبية دون الفرج، أو سرقة ما دون النصاب، أو من غير حرز، أو النهب أو الغصب أو الاختلاس، أو الجناية على إنسان بما لا يوجب حدا ولا قصاصا ولا دية، أو شتمه بما ليس بقذف ونحو ذلك يسمى تعزيرا؛ لأنه منع من الجناية. والأصل في التعزير المنع، ومنه التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه منع لعدوه من أذاه، واختلف عن أحمد في قدره، فروي عنه أنه لا يزاد على عشر جلدات، نص أحمد على هذا في مواضع، وبه قال إسحاق: لما روى أبو بردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى (١)» متفق عليه. والرواية الثانية: لا يبلغ به الحد، وهو الذي ذكره الخرقي، فيحتمل أنه أراد لا يبلغ به أدنى حد مشروع، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، فعلى هذا لا يبلغ به أربعين سوطا؛ لأنها حد العبد في الخمر والقذف، وهذا قول أبي حنيفة، وإن قلنا: إن حد الخمر أربعون لم يبلغ به عشرين سوطا في حد العبد، وأربعين في حد الحر، وهذا مذهب الشافعي، فلا يزاد العبد على تسعة عشر سوطا، ولا الحر على تسعة وثلاثين سوطا. وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: أدنى الحدود ثمانون فلا يزاد في التعزير على تسعة وسبعين، ويحتمل كلام أحمد والخرقي أنه لا يبلغ كل جناية حدا مشروعا في جنسها، ويجوز أن يزيد مائة إلا سوطا؛ لينقص عن حد الزنا، وما كان سببه غير الوطء لم يبلغ به أدنى الحدود؛ لما روي عن النعمان بن بشير في الذي وطئ جارية امرأته بإذنها بجلد مائة، وهذا تعزير؛ لأنه في حق المحصن وحده إنما هو الرجم. وعن سعيد بن المسيب عن عمر في أمة بين رجلين وطئها أحدهما، يجلد الحد إلا سوطا واحدا، رواه الأثرم واحتج به أحمد، قال القاضي: هذا عندي من نص أحمد لا يقتضي اختلافا في التعزير، بل المذهب أنه لا يزاد على عشر جلدات؛ اتباعا للأثر إلا في وطء جارية امرأته؛ لحديث النعمان، وفي الجارية المشتركة؛ لحديث عمر، وما عداهما يبقى على العموم؛ لحديث أبي بردة، وهذا قول حسن. وإذا ثبت تقدير أكثر فليس أقله مقدرا؛ لأنه لو تقدر لكان حدا، ولأن النبي ﷺ قدر أكثره ولم يقدر أقله، فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام

стр. 4966

فيما يراه وما يقتضيه حال الشخص. وقال مالك: يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رأى الإمام؛ لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتما على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالا، فبلغ عمر ﵁ فضربه مائة وحبسه فكلم فيه، فضربه مائة أخرى فكلم فيه من بعد، فضربه مائة ونفاه. وروى أحمد بإسناده أن عليا أتي بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطا لفطره في رمضان. وروي أن أبا الأسود استخلفه ابن عباس على قضاء البصرة فأتي بسارق قد كان جمع المتاع في البيت ولم يخرجه، فقال أبو الأسود: أعجلتموه المسكين، فضربه خمسة وعشرين سوطا، وخلى سبيله. ولنا: حديث أبي بردة وروى الشالنجي بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «ومن بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين». ولأن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم عن غيرها، فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمها، وما قالوه يؤدي إلى أن من قبل امرأة حراما يضرب أكثر من حد الزنا، وهذا غير جائز؛ لأن الزنا مع عظمه وفحشه لا يجوز أن يزاد على حده فما دونه أولى. فأما حديث معن فيحتمل أنه كانت له ذنوب كثيرة فأدب على جميعها، أو تكرر منه الأخذ، أو كان ذنبه مشتملا على جنايات أحدها تزويره، والثاني: أخذه لمال بيت المال بغير حقه، والثالث: فتحه باب هذه الحيلة لغيره وغير هذا. وأما حديث النجاشي فإن عليا ضربه الحد لشربه، ثم عزره عشرين لفطره فلم يبلغ بتعزيره حدا، وقد ذهب أحمد إلى هذا، وروي أن من شرب الخمر في رمضان يحد، ثم يعزر لجنايته من وجهين، والذي يدل على صحة ما ذكرناه، ما روي أن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى أن لا يبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطا. (فصل): والتعزيز يكون بالضرب والحبس والتوبيخ، ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه، ولا أخذ ماله؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به، ولأن الواجب أدب والتأديب لا يكون بالإتلاف. (فصل): والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي: ليس بواجب؛ لأن «رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها. فقال: أصليت معنا؟ قال: نعم، فتلا عليه:

стр. 4967

(٢)». وقال في الأنصار: «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم (٣)» «وقال رجل للنبي ﷺ في حكم حكم به للزبير: أن كان ابن عمتك؛ فغضب النبي ﷺ ولم يعزره على مقالته (٤)». وقال له رجل: «إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله (٥)»، فلم يعزره. ولنا أن ما كان من التعزير منصوصا عليه كوطء جارية امرأته أو جارية مشتركة، فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن منصوصا عليه، إذا رأى الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا ينزجر إلا به وجب؛ لأنه زجر مشروع لحق الله تعالى، فوجب كالحد.

стр. 4968

(فصل): وإذا مات من التعزير لم يجب ضمانه، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي: يضمنه؛ لقول علي: ليس أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي شيئا أن الحق قتله إلا حد الخمر، فإن رسول الله ﷺ لم يسنه لنا، وأشار على عمر بضمان التي أجهضت جنينها حين أرسل إليها. ولنا أنها عقوبة مشروعة للردع والزجر، فلم يضمن من تلف بها كالحد، وأما قول علي في دية من قتله حد الخمر، فقد خالفه غيره من الصحابة، فلم يوجبوا شيئا به، ولم يعمل به الشافعي ولا غيره من الفقهاء، فكيف يحتج به مع ترك الجميع له؟ وأما قوله في الجنين: فلا حجة لهم فيه؛ فإن الجنين الذي تلف لا جناية منه ولا تعزير عليه فكيف يسقط ضمانه؟ ولو أن الإمام حد حاملا فأتلف جنينها، ضمنه مع أن الحد متفق عليه بيننا على أنه لا يجب ضمان المحدود إذا أتلف به (١). وقال ابن تيمية ﵀ (٢): وقد تنازع العلماء في مقدار أعلى التعزير الذي يقام بفعل المحرمات على أقوال: (أحدها): - وهو أحسنها وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما- أنه لا يبلغ في التعزير في كل جريمة الحد المقدر فيها، وإن زاد على حد مقدر في غيرها، فيجوز التعزير في المباشرة المحرمة، وفي السرقة من غير حرز بالضرب الذي يزيد على حد القذف، ولا يبلغ بذلك الرجم والقطع، والقول الثاني: أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود: إما

стр. 4969

أربعين وإما ثمانين، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. والقول الثالث: أن لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد وغيره. وعلى القول الأول: هل يجوز أن يبلغ بها القتل مثل قتل الجاسوس المسلم؟ في ذلك قولان: (أحدهما): قد يبلغ بها القتل فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة، وهو قول مالك وبعض أصحاب أحمد كابن عقيل، وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعي وأحمد في قتل الداعية إلى البدع، ومن لا يزول فساده إلا بالقتل، وكذلك مذهب مالك قتل الداعية إلى البدع كالقدرية ونحوهم. والقول الثاني: أنه لا يقتل الجاسوس، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والقاضي أبي يعلى من أصحاب أحمد، والمنصوص عن أحمد التوقف في المسألة. وممن يجوز التعزير بالقتل في الذنوب الكبار أصحاب أبي حنيفة في مواضع يسمون القتل فيها (سياسة) كقتل من تكرر لواطه أو قتله بالمثقل، فإنهم يجوزون قتله سياسة وتعزيرا؟ وإن كان أبو حنيفة لا يوجب ذلك بل ولا يجوزه فيمن فعله مرة واحدة، وأما صاحباه فمع سائر الأئمة فيخالفون في أنه يجب القود في القتل، وفي وجوب قتل اللوطي إما مطلقا سواء كان محصنا أو غير محصن، كمذهب مالك وأحمد في أشهر روايتيه، والشافعي في أحد قوليه. وإما أن يكون حده مثل حد الزاني كقول صاحبي أبي حنيفة والشافعي في أشهر قوليه، وأحمد في أحد روايتيه. والمنقول عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين يوافق القول الأول، فإن النبي ﷺ أمر بجلد الذي أحلت امرأته له جاريتها مائة، وجلد أبو بكر وعمر رجلا وجد مع امرأة في فراش مائة، وعمر بن الخطاب ضرب الذي زور عليه خاتمه، فأخذ من بيت المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني والثالث مائة مائة، وليس هذا موضع بسط أصناف التعزير؛ فإنها كثيرة الشعب.

стр. 4970

حكم من تكرر عنه شربها "القتل أو الجلد": اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين أحدهما: أنه يقتل وبه قال ابن حزم ومن وافقه من أهل العلم. والثاني: أنه لا يقتل، وبه قال جمهور أهل العلم، وفيما يلي بيان القولين مع الأدلة والمناقشة:

стр. 4971

القول الأول: إن شارب الخمر إذا شرب ثم حد، ثم شرب ثم حد، ثم شرب ثم حد، ثم شرب الرابعة قتل، وهذا يقول به ابن حزم ومن يوافقه من أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقيل: هو محكم وقد يقال: هو تعزير يفعله الإمام عند الحاجة، وقال أيضا: وطائفة يقولون: إذا لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك. انتهى المقصود (١). والحجة لهذا القول: ١ - قال ابن حزم: نا أحمد بن قاسم نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم نا جدي قاسم بن أصبغ نا الحرث- هو ابن أبي أسامة - نا عبد الوهاب بن عطاء نا قرة بن خالد عن الحسن بن عبد الله بن البصري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ائتوني برجل أقيم عليه حد في الخمر؛ فإن لم أقتله فأنا كاذب. انتهى (٢). وهذا الحديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو، وقال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه (٣)» قال عبد الله: ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة فلكم علي أن أقتله. وأجيب عن هذا الحديث بأنه منقطع فلا حجة لهم فيه، قال ابن حجر: (وهذا منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو كما جزم به ابن المديني وغيره، فلا حجة فيه، وإذا لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رد الإجماع على ترك القتل متمسك حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عذره أنه لم يبلغه النسخ، وعد ذلك من نزره المخالف. وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أشد من الأول، فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند لين قال: لو رأيت أحدا يشرب الخمر واستطعت أن أقتله لقتلته) (٤) انتهى. ٢ - عن معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم (٥)» رواه الخمسة إلا النسائي، قال الشوكاني: قال البخاري: هو أوضح ما في هذا الباب، وأخرجه أيضا الشافعي والدارمي

стр. 4972

وابن المنذر وابن حبان، وصححه من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي سعيد، والمحفوظ أنه عن معاوية، وأخرجه أبو داود من رواية أبان العطار وفيه "فإن شربوا - يعني بعد الرابعة - فاقتلوهم ". ورواه أيضا أبو داود من حديث ابن عمرو قال: وأحسبه قال في الخامسة: "ثم إن شربها فاقتلوه " قال: وكذا في حديث غطيف في الخامسة. انتهى (١). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه (٢)» رواه الخمسة إلا الترمذي: وأجيب عن هذه الأحاديث وما في معناها أن القتل منسوخ وأدلة النسخ: ١ - قال الترمذي: إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إن شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه قال: ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله (٣)»، وأخرجه النسائي أيضا. -٢ عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه. فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل وكان رخصة (٤)». رواه أبو داود وذكره الترمذي بمعناه. وأخرجه أيضا الشافعي وعبد الرزاق وعلقه الترمذي، وأخرجه أيضا الخطيب عن ابن إسحاق عن الزهري عن قبيصة، قال سفيان بن عيينة: حدث الزهري بهذا، وعند منصور بن المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما: كونا وافدا أهل العراق بهذا الحديث، وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة، ولد عام الفتح، وقيل: إنه ولد أول سنة من الهجرة، ولم يذكر له سماع من رسول الله ﷺ ، وعده الأئمة من التابعين، وذكروا أنه سمع الصحابة. قال المنذري: وإذا ثبت أن مولده أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون سمع من النبي ﷺ ، وقد قيل: إنه أتي به ﷺ وهو غلام يدعو له، وذكر عن الزهري أنه كان إذا ذكر قبيصة بن ذؤيب قال: كان من علماء هذه الأمة

стр. 4973

وأما أبوه ذؤيب بن حلحلة فله صحبة. انتهى. ورجال الحديث مع إرساله ثقات، وأعله الطحاوي بما أخرجه من طريق الأوزاعي أن الزهري راويه قال: بلغني عن قبيصة، ولم يذكر أنه سمع منه. وعورض بأنه رواه ابن وهب عن يونس قال: أخبرني الزهري أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي ﷺ ، ويونس أحفظ لحديث الزهري من الأوزاعي، وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر مثله. انتهي (١) من كلام الشوكاني. وقال ابن حجر: وأخرجه الخطيب في المبهمات من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري، وقال فيه: فأتي برجل من الأنصار يقال له، نعيمان فضربه أربع مرات، فرأى المسلمون أن القتل قد أخر، وأن الضرب قد وجب. وقال ابن حجر على قوله: " بلغه" والظاهر أن الذي بلغ قبيصة ذلك صاحبي فيكون الحديث على شرط الصحيح؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر. وله شاهد أخرجه عبد الرزاق عن معمر قال: حدثت به ابن المنكدر فقال: ترك ذلك، «قد أتي رسول الله ﷺ بابن نعيمان فجلده ثلاثا، ثم أتي به في الرابعة فجلده ولم يزد (٢)». ووقع عند النسائي من طريق محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر عن جابر «فأتي رسول الله ﷺ برجل منا قد شرب في الرابعة فلم يقتله». وأخرجه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق بلفظ: «فإن عاد الرابعة فأضربوا عنقه (٣)»، فضربه رسول الله ﷺ أربع مرات، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع، وأن القتل قد رفع (٤) انتهى. يمكن أن يقال أن هذه العقوبة تعزير، وأن أمرها إلى الإمام تشديد أو تخفيف على ما يراه الإمام بمقتضى الظروف والأحوال، فلا يلزم أن يكون الترك نسخا.

стр. 4974

القول الثاني: إنه لا يقتل، وإن القتل منسوخ، وهذا قول جمهور العلماء وفيما يلي بيان بعض من قال

стр. 4975

بذلك مع الأدلة والمناقشة: قال الشوكاني: ذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل الشارب، وأن القتل منسوخ، قال الشافعي: - والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره، يعني حديث قبيصة بن ذؤيب، ثم ذكر أنه لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وقال الخطابي: قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير، وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبا، ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أن لا يقتل. انتهى. وحكى المنذري عن بعض أهل العلم أنه قال: أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا على أنه لا يقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة، قالت: يقتل بعد حده أربع مرات للحديث، وهو عند الكافة منسوخ. انتهى. وقال الترمذي: إنه لا يعلم في ذلك اختلافا بين أهل العلم في القديم والحديث، وذكر أيضا في آخر كتابه الجامع في العلل أن جميع ما فيه معمول به عند البعض من أهل العلم إلا حديث «إذا سكر فاجلدوه (١)» المذكور في الباب، وحديث الجمع بين الصلاتين. انتهى (٢). وقال ابن حجر: وأما ابن المنذر فقال: كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به، ثم نسخ بالأمر بجلده، فإن تكرر ذلك أربعا قتل، ثم نسخ ذلك بالأخبار الثابتة وبإجماع أهل العلم إلا من شذ ممن لا يعد خلافه خلافا. انتهى (٣). وقال شيخ الإسلام: والقتل عند أكثر العلماء منسوخ. انتهى (٤). وقال شيخ الإسلام أيضا: وقد روي من وجوه عن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه (٥)» فأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة وأكثر العلماء لا يوجبون القتل بل يجعلون هذا الحديث منسوخا وهو المشهور من مذاهب الأئمة. وبعد ذكره للقول بالقتل ودليله قال: والحق ما تقدم- ثم ذكر حديث عبد الله (حمار) الثابت في الصحيح وسيأتي ذكره (٦).
следующие страницы →