← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

القول الأول: إن شارب الخمر إذا شرب ثم حد، ثم شرب ثم حد، ثم شرب ثم حد، ثم شرب الرابعة قتل، وهذا يقول به ابن حزم ومن يوافقه من أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقيل: هو محكم وقد يقال: هو تعزير يفعله الإمام عند الحاجة، وقال أيضا: وطائفة يقولون: إذا لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك. انتهى المقصود (١). والحجة لهذا القول: ١ - قال ابن حزم: نا أحمد بن قاسم نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم نا جدي قاسم بن أصبغ نا الحرث- هو ابن أبي أسامة - نا عبد الوهاب بن عطاء نا قرة بن خالد عن الحسن بن عبد الله بن البصري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ائتوني برجل أقيم عليه حد في الخمر؛ فإن لم أقتله فأنا كاذب. انتهى (٢). وهذا الحديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو، وقال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه (٣)» قال عبد الله: ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة فلكم علي أن أقتله. وأجيب عن هذا الحديث بأنه منقطع فلا حجة لهم فيه، قال ابن حجر: (وهذا منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو كما جزم به ابن المديني وغيره، فلا حجة فيه، وإذا لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رد الإجماع على ترك القتل متمسك حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عذره أنه لم يبلغه النسخ، وعد ذلك من نزره المخالف. وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أشد من الأول، فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند لين قال: لو رأيت أحدا يشرب الخمر واستطعت أن أقتله لقتلته) (٤) انتهى. ٢ - عن معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم (٥)» رواه الخمسة إلا النسائي، قال الشوكاني: قال البخاري: هو أوضح ما في هذا الباب، وأخرجه أيضا الشافعي والدارمي

стр. 4972

وابن المنذر وابن حبان، وصححه من حديث أبي هريرة، وأخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي سعيد، والمحفوظ أنه عن معاوية، وأخرجه أبو داود من رواية أبان العطار وفيه "فإن شربوا - يعني بعد الرابعة - فاقتلوهم ". ورواه أيضا أبو داود من حديث ابن عمرو قال: وأحسبه قال في الخامسة: "ثم إن شربها فاقتلوه " قال: وكذا في حديث غطيف في الخامسة. انتهى (١). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه (٢)» رواه الخمسة إلا الترمذي: وأجيب عن هذه الأحاديث وما في معناها أن القتل منسوخ وأدلة النسخ: ١ - قال الترمذي: إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إن شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد الرابعة فاقتلوه قال: ثم أتي النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله (٣)»، وأخرجه النسائي أيضا. -٢ عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه. فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل وكان رخصة (٤)». رواه أبو داود وذكره الترمذي بمعناه. وأخرجه أيضا الشافعي وعبد الرزاق وعلقه الترمذي، وأخرجه أيضا الخطيب عن ابن إسحاق عن الزهري عن قبيصة، قال سفيان بن عيينة: حدث الزهري بهذا، وعند منصور بن المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما: كونا وافدا أهل العراق بهذا الحديث، وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة، ولد عام الفتح، وقيل: إنه ولد أول سنة من الهجرة، ولم يذكر له سماع من رسول الله ﷺ ، وعده الأئمة من التابعين، وذكروا أنه سمع الصحابة. قال المنذري: وإذا ثبت أن مولده أول سنة من الهجرة أمكن أن يكون سمع من النبي ﷺ ، وقد قيل: إنه أتي به ﷺ وهو غلام يدعو له، وذكر عن الزهري أنه كان إذا ذكر قبيصة بن ذؤيب قال: كان من علماء هذه الأمة

стр. 4973

وأما أبوه ذؤيب بن حلحلة فله صحبة. انتهى. ورجال الحديث مع إرساله ثقات، وأعله الطحاوي بما أخرجه من طريق الأوزاعي أن الزهري راويه قال: بلغني عن قبيصة، ولم يذكر أنه سمع منه. وعورض بأنه رواه ابن وهب عن يونس قال: أخبرني الزهري أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي ﷺ ، ويونس أحفظ لحديث الزهري من الأوزاعي، وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر مثله. انتهي (١) من كلام الشوكاني. وقال ابن حجر: وأخرجه الخطيب في المبهمات من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري، وقال فيه: فأتي برجل من الأنصار يقال له، نعيمان فضربه أربع مرات، فرأى المسلمون أن القتل قد أخر، وأن الضرب قد وجب. وقال ابن حجر على قوله: " بلغه" والظاهر أن الذي بلغ قبيصة ذلك صاحبي فيكون الحديث على شرط الصحيح؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر. وله شاهد أخرجه عبد الرزاق عن معمر قال: حدثت به ابن المنكدر فقال: ترك ذلك، «قد أتي رسول الله ﷺ بابن نعيمان فجلده ثلاثا، ثم أتي به في الرابعة فجلده ولم يزد (٢)». ووقع عند النسائي من طريق محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر عن جابر «فأتي رسول الله ﷺ برجل منا قد شرب في الرابعة فلم يقتله». وأخرجه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق بلفظ: «فإن عاد الرابعة فأضربوا عنقه (٣)»، فضربه رسول الله ﷺ أربع مرات، فرأى المسلمون أن الحد قد وقع، وأن القتل قد رفع (٤) انتهى. يمكن أن يقال أن هذه العقوبة تعزير، وأن أمرها إلى الإمام تشديد أو تخفيف على ما يراه الإمام بمقتضى الظروف والأحوال، فلا يلزم أن يكون الترك نسخا.

стр. 4974

القول الثاني: إنه لا يقتل، وإن القتل منسوخ، وهذا قول جمهور العلماء وفيما يلي بيان بعض من قال

стр. 4975

بذلك مع الأدلة والمناقشة: قال الشوكاني: ذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل الشارب، وأن القتل منسوخ، قال الشافعي: - والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره، يعني حديث قبيصة بن ذؤيب، ثم ذكر أنه لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وقال الخطابي: قد يرد الأمر بالوعيد ولا يراد به الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير، وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبا، ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أن لا يقتل. انتهى. وحكى المنذري عن بعض أهل العلم أنه قال: أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا على أنه لا يقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة، قالت: يقتل بعد حده أربع مرات للحديث، وهو عند الكافة منسوخ. انتهى. وقال الترمذي: إنه لا يعلم في ذلك اختلافا بين أهل العلم في القديم والحديث، وذكر أيضا في آخر كتابه الجامع في العلل أن جميع ما فيه معمول به عند البعض من أهل العلم إلا حديث «إذا سكر فاجلدوه (١)» المذكور في الباب، وحديث الجمع بين الصلاتين. انتهى (٢). وقال ابن حجر: وأما ابن المنذر فقال: كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به، ثم نسخ بالأمر بجلده، فإن تكرر ذلك أربعا قتل، ثم نسخ ذلك بالأخبار الثابتة وبإجماع أهل العلم إلا من شذ ممن لا يعد خلافه خلافا. انتهى (٣). وقال شيخ الإسلام: والقتل عند أكثر العلماء منسوخ. انتهى (٤). وقال شيخ الإسلام أيضا: وقد روي من وجوه عن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه (٥)» فأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة وأكثر العلماء لا يوجبون القتل بل يجعلون هذا الحديث منسوخا وهو المشهور من مذاهب الأئمة. وبعد ذكره للقول بالقتل ودليله قال: والحق ما تقدم- ثم ذكر حديث عبد الله (حمار) الثابت في الصحيح وسيأتي ذكره (٦).

стр. 4976

وقال ابن حزم: وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم: لا يقتل عليه، وذكروا ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص. انتهى (١).

стр. 4977

الأدلة الدليل الأول: روى ابن حزم بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شرب الرجل فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه، فأتي برجل منا فلم يقتله (١)». ونوقش بأنه لا يصح؛ لأنه لم يروه عن ابن المنكدر أحد متصلا إلا شريك القاضي وزياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر، وهما ضعيفان، ذكر ذلك ابن حزم. وقد يجاب عن ذلك أولا: بأن زيادا صدوق وثبت في روايته عن ابن إسحاق لا مطعن فيها عند أئمة الحديث. وقد يجاب عن ذلك ثانيا: بأن الضعف الذي ادعاه بعض أئمة الحديث في شريك، وبعضهم في زياد يزول هنا بمتابعة أحدهما للآخر في رواية هذا الحديث عن محمد بن إسحاق، كما تزول تهمة التدليس من ابن إسحاق برواية قبيصة بن ذؤيب الآتية؛ لأن المدلس إذا تابعه غيره من المعتبرين صار حديثه حسنا لغيره. الدليل الثاني: ما رواه ابن حزم بسنده عن ابن شهاب أن قبيصة بن ذؤيب حدثه أنه بلغه عن رسول الله ﷺ أنه قال لشارب الخمر: «إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه، فأتي برجل قد شرب ثلاث مرات فجلده، ثم أتي به في الرابعة فجلده ووضع القتل عن الناس (٢)». وناقشه ابن حزم بأنه منقطع ولا حجة في المنقطع، وقد مضى الجواب عن ذلك في الكلام على درجة هذا الحديث عند الاستدلال به على النسخ (٣).

стр. 4978

الدليل الثالث: ما رواه ابن حزم عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب «أن رجلا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ قد جلده في الشرب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل في القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به. فقال رسول ﷺ : لا تلعنوه فوالله ما علمته إلا يحب الله ورسوله (١)». وناقش ابن حزم هذا الحديث قائلا: وأما حديث زيد بن أسلم الذي من طريق معمر عنه فمنقطع، ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أن ذلك كان بعد أمر رسول الله ﷺ بالقتل، فإذ ليس ذلك فيه فاليقين الثابت لا يحل تركه للضعيف الذي لا يصح، ولو صح لكان ظنا فسقط التعلق به جملة. ولو أن إنسانا يجلده النبي ﷺ في الخمر ثلاث مرات قبل أن يأمر بقتله في الرابعة لكان مقتضى أمره ﷺ استئناف جلده بعد ذلك ثلاث مرات، ولا بد لأنه ﵇ حين لفظ بالحديث المذكور أمر في المستأنف بضربه إن شرب، ثم بضربه إن شرب ثانية، ثم بضربه ثالثة، ثم بقتله رابعة، هذا نص حديثه وكلامه ﵇، فإنما كان يكون حجة لو بين أنه أتى به أربع مرات بعد أمره ﵇ بقتله في الرابعة، وهكذا القول سواء بسواء في حديث عمر الذي من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم. وأجيب عن ذلك بما يلي: أولا: هذا الحديث أخرجه البخاري في الصحيح فقال: حدثنا يحيى بن بكير حدثني الليث قال: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب «أن رجلا كان على عهد رسول الله ﷺ كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله (٢)». قال ابن حجر على هذا الحديث وفيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب

стр. 4979

الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة، فقد ذكر ابن عبد البر أنه أتي به أكثر من خمسين مرة. انتهى (١). ثانيا: أن بعض الصحابة عمل بالناسخ فأخرج عبد الرزاق في مصنفه بسند لين عن عمر بن الخطاب أنه جلد أبا محجن الثقفي في الخمر ثمان مرار، وأورد نحو ذلك عن سعد بن أبي وقاص وأخرج جاد بن سلمة في مصنفه من طريق أخرى رجالها ثقات أن عمر جلد أبا محجن في الخمر أربع مرار، ثم قال له: أنت خليع فقال: أما إذا خلعتني فلا أشربها أبدا. انتهى. ذكر ذلك ابن حجر (٢). ثالثا: سبق القول عن أهل العلم بالقول بالنسخ، وذكر الشافعي أنه مما لا اختلاف فيه. رابعا: إذا كان ثابتا فقد مضى حديث جابر عند الترمذي والنسائي وفيه بيان أن القتل كان متقدما وأن تركه كان متأخرا. الدليل الرابع: قوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو نفس بنفس (٣)». وجه الدلالة أنه لا يجوز أن يقتل أحد لم يذكر في هذا الخمر، ذكر ذلك ابن حزم، وقد يجاب عن ذلك بأن هذا مسلم لو لم يرد دليل يدل على القتل، وقد ورد ويناقض ذلك بتسليم ورود القتل، ولكنه نسخ وقد تقدم بيان ذلك.

стр. 4980

ولابن تيمية الحفيد ﵀ فتاوى كثيرة جوابا عن استفتاءات عديدة في بيان معنى الخمر والمخدر والمفتر وحكم كل منها نجتزئ منها بما يلي: (١). أما الأشربة المسكرة فمذهب جمهور العلماء المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر العلماء أن كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام.

стр. 4981

وهذا مذهب مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، وهو اختيار محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، واختيار طائفة من المشائخ. وأورد أسماء كثيرة منهم، ثم قال: وذهب طائفة من العلماء من أهل الكوفة: كالنخعي والشعبي وأبو حنيفة وشريك وغيرهم إلى أن ما أسكر من غير الشجرتين النخل والعنب كنبيذ الحنطة والشعير والذرة والعسل ولبن الخيل وغير ذلك، فإنما يحرم منه القدر الذي يسكر، وأما القليل الذي لا يسكر فلا يحرم. وأما عصير العنب الذي إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فهو خمر، يحرم قليله وكثيره بإجماع المسلمين. وأصحاب القول الثاني قالوا: لا يسمى خمرا إلا ما كان من العنب، وقالوا: إن نبيذ التمر والزبيب إذا كان نيا مسكرا حرم قليله كثيره ولا يسمى خمرا. فإن طبخ أدنى طبخ حل، وأما عصير العنب إذا طبخ وهو مسكر لم يحل. إلا أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، فأما بعد أن يصير خمرا فلا يحل وإن طبخ إذا كان مسكرا بلا نزاع. والقول الأول الذي عليه جمهور علماء المسلمين هو الصحيح الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢). واسم الخمر في لغة العرب الذين خوطبوا بالقرآن كان يتناول المسكر من التمر وغيره، ولا يختص بالمسكر من العنب؛ فإنه قد ثبت بالنقول الصحيحة أن الخمر لما حرمت بالمدينة النبوية وكان تحريمها بعد غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة لم يكن من عصير العنب شيء، فإن المدينة ليس فيها شجر عنب وإنما كانت خمرهم من التمر، فلما حرمها الله عليهم أراقوها بأمر النبي ﷺ . بل وكسروا أوعيتها وشقوا ظروفها، وكانوا يسمونها خمرا، فعلم أن اسم الخمر في كتاب الله عام لا يختص بعصير العنب. فروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: نزل تحريم الخمر وإن

стр. 4982

بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما منها شراب العنب. وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: «إن الخمر حرمت يومئذ من البسر والتمر (١)». وفي لفظ لمسلم: «لقد أنزل الله هذه الآية التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة شراب إلا من تمر وبسر (٢)». وفي لفظ للبخاري: «وحرمت علينا حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر (٣)». وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: «كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب من فريخ زهو وتمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرار فأهرقها، فأهرقتها (٤)». وقد ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أن الخمر يكون من الحنطة والشعير كما يكون من العنب، ففي الصحيحين عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب ﵄ قال على منبر النبي ﷺ : أما بعد أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر ما خامر العقل. وروى أهل السنن أبو داود والترمذي وابن ماجه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من الحنطة خمرا، ومن الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرا - زاد أبو داود: وأنا أنهى عن كل مسكر (٥)». وقد استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ بأن كل مسكر خمر، وهو حرام كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: «سئل رسول الله ﵊ عن البتع وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام (٦)». وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «قلت يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع؛ وهو من العسل ينبذ حتى يشتد؟ قال: فكان رسول الله ﷺ قد أعطي جوامع الكلم نخواتيمه فقال: كل مسكر حرام (٧)». وفي صحيح مسلم عن جابر «أن رجلا من حبشان - وحبشان من اليمن - سأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأراضيهم من الذرة يقال له: " المزر" فقال: أمسكر هو؟ قال: نعم، قال: كل مسكر حرام، إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار (٨)». وفي صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام (٩)». وفي رواية له «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (١٠)». وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «ما

стр. 4983

أسكر كثيره فقليله حرام (١)». رواه ابن ماجه، والدارقطني وصححه، وقد روى أهل السنن مثله من حديث جابر ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والأحاديث كثيرة صحيحة في هذا الباب. ولكن عذر من خالفها من أهل العلم أنها لم تبلغهم، وسمعوا أن من الصحابة من شرب النبيذ، وبلغتهم في ذلك آثار؛ فظنوا أن الذي شربوه كان مسكرا، وإنما كان الذي تنازع فيه الصحابة هو ما نبذ في الأوعية الصلبة. فإن النبي ﷺ «نهى عن الانتباذ في الدباء وهو القرع، وفي الحنتم (٢)» وهو ما يصنع من التراب من الفخار، ونهى عن النقير وهو الخشب الذي ينقر، ونهى عن المزفت وهو الظرف المزفت، وأمرهم أن ينتبذوا في الظروف الموكاة وهو أن ينقع التمر أو الزبيب في الماء؛ حتى يحلو فيشرب حلوا قبل أن يشتد، فهذا حلال باتفاق المسلمين. ونهاهم أن ينتبذوا هذا النبيذ الحلال في تلك الأوعية؛ لأن الشدة تدب في الشراب شيئا فشيئا، فيشربه المسلم وهو لا يدري أنه قد اشتد، فيكون قد شرب محرما، وأمرهم أن ينتبذوا في الظرف الذي يربطون فمه؛ لأنه إن اشتد الشراب انشق الظرف فلا يشربون مسكرا. والنهي عن نبيذ الأوعية القوية فيه أحاديث كثير مستفيضة، ثم روي عنه إباحة ذلك كما في صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا (٣)» وفي رواية: «نهيتكم عن الظروف وإن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام (٤)». فمن الصحابة والتابعين من لم يثبت عنده النسخ فأخذ بالأحاديث الأول، ومنهم من اعتقد صحة النسخ فأباح الانتباذ في كل وعاء، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، والنهي عن بعض الأوعية قول مالك. وعن أحمد روايتان. فلما سمع طائفة من علماء الكوفة أن من السلف من شرب النبيذ ظنوا أنهم شربوا المسكر، فقال طائفة منهم كالشافعي والنخعي وأبي حنيفة وشريك وابن أبي ليلى وغيرهم: يحل ذلك، كما تقدم وهم في ذلك مجتهدون قاصدون للحق. وقد قال النبي ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر (٥)». وأما سائر العلماء فقالوا بتلك الأحاديث الصحيحة، وهذا هو الثابت عن الصحابة

стр. 4984

وعليه دل القياس الجلي، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١) فإن المفسدة التي لأجلها حرم الله الخمر هي أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتقع العداوة والبغضاء. وهذا أمر تشترك فيه جميع المسكرات لا فرق في ذلك بين مسكر ومسكر، والله حرم القليل؛ لأنه يدعو إلى الكثير وهذا موجود في جميع المسكرات إلى أن قال: وأما الحشيشة الملعونة المسكرة فهي بمنزلة غيرها من المسكرات، والمسكر منها حرام باتفاق العلماء، بل كل ما يزيل العقل فإنه يحرم أكله، ولو لم يكن مسكرا كالبنج، فإن المسكر يجب فيه الحد، وغير المسكر يجب فيه التعزير. وأما قليل الحشيشة المسكرة فحرام عند جماهير العلماء كسائر القليل من المسكرات، وقول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٢)» يتناول ما يسكر. ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولا أو مشروبا أو جامدا أو مائعا، فلو اصطبغ كالخمر كان حراما، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حراما. ونبينا ﷺ بعث بجوامع الكلم، فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها. سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن إلى أن قال. وهذه الحشيشة فإن أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة، حيث ظهرت دولة التتار، وكان ظهورها مع ظهور سيف " جنكسخان " لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب؛ سلط الله عليهم العدو. وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر، فإنها مع أنها تسكر آكلها حتى يبقى مصطولا تورث التخنيث والديوثة وتفسد المزاج فتجعل الكبير كالسفنجة، وتوجب كثرة الأكل وتورث الجنون، كثير من الناس صار مجنونا بسبب أكلها. ومن الناس من يقول: إنها تغير العقل فلا تسكر كالبنج، وليس كذلك بل تورث نشوة ولذة وطربا كالخمر. وهذا هو الداعي إلى تناولها وقليلها يدعو إلى كثيرها كالشراب المسكر، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر. فضررها من بعض الوجوه أعظم من

стр. 4985

الخمر ولهذا قال الفقهاء أنه يجب فيها الحد كما يجب في الخمر. وتنازعوا في نجاستها على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد وغيره فقيل: هي نجسة. وقيل: ليست بنجسة. وقيل: رطبها نجس كالخمر ويابسها ليس بنجس، والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة جامد الخمر ومائعها. فمن سكر من شراب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو، ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول ولا بد أن يغسل فمه ويديه وثيابه في هذا وهذا، والصلاة فرض عينية، لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوما كما قال النبي ﷺ : «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار أو عرق أهل النار (١)». وأما قول القائل أن هذه ما فيها آية ولا حديث، فهذا من جهله، فإن القرآن والحديث فيهما كلمات جامعة هي قواعد عامة. وقضايا كلية، تتناول كل ما دخل فيها، وكل ما دخل فيها فهو مذكور في القرآن والحديث باسمه العام وإلا فلا يمكن ذكر كل شيء باسمه الخاص. فإن الله بعث محمدا ﷺ إلى جميع الخلق وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥). فاسم الناس والعالمين يدخل فيه العرب وغير العرب من الفرس والروم والهند والبربر، فلو قال قائل: إن محمدا ما أرسل إلى الترك والهند والبربر؛ لأن الله لم يذكرهم في القرآن، كان جاهلا كما لو قال: إن الله لم يرسله إلى بني تميم وبني أسد وغطفان وغير ذلك من قبائل العرب؛ فإن الله لم يذكر هذه القبائل بأسمائها الخاصة، وكما لو قال: إن الله لم يرسله إلى أبي جهل وعتبة وشيبة وغيرهم من قريش؛ لأن الله لم يذكرهم بأسمائهم الخاصة في القرآن.

стр. 4986

وكذلك لما قال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١). دخل في الميسر الذي لم تعرفه العرب ولم يعرفه النبي ﷺ . كل الميسر حرام باتفاق المسلمين، وإن لم يعرفه النبي ﷺ ، كاللعب بالشطرنج وغيره بالعوض، فإنه حرام بإجماع المسلمين، وهو الميسر الذي حرمه الله، ولم يكن على عهد النبي ﷺ . والنرد أيضا من الميسر الذي حرمه الله، وليس في القرآن ذكر النرد والشطرنج باسم خاص، بل لفظ الميسر يعمها. وجمهور العلماء على أن النرد والشطرنج محرمان بعوض وغير عوض، وبعد أن ذكر نظائر أخرى من النصوص يعتمد على عمومها في الاستدلال بها على إثبات الحكم لكل ما اندرج تحته من الأفراد دون حاجة إلى تعينها، قال: ولو قدر بأن اللفظ لم يتناوله وكان في معنى ما في القرآن والسنة ألحق به بطريق الاعتبار والقياس، كما دخل اليهود والنصارى والفرس في عموم الآية، ودخلت جميع المسكرات في معنى خمر العنب وأنه بعث محمدا ﷺ بالكتاب والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط والكتاب القرآن والميزان العدل. والقياس الصحيح هو من العدل؛ لأنه لا يفرق بين المتماثلين بل سوى بينهما؛ فاستوت السيئات في المعنى الموجب للتحريم، لم يخص أحدها بالتحريم دون الآخر، بل من العدل أن يسوي بينهما، ولو لم يسو بينهما كان تناقضا. وحكم الله ورسوله منزه عن التناقض. ولو أن الطبيب حمى المريض عن شيء؛ لما فيه من الضرر وأباحه له لخرج عن قانون الطب، والشرع طب القلوب، والأنبياء أطباء القلوب والأديان، ولا بد إذا أحل الشرع شيئا منه أن يخص هذا بما يفرق به بينه وبين هذا؛ حتى يكون فيه معنى خاص بما حرمه دون ما أحله. والله أعلم. وسئل - رحمه الله تعالى - عمن يأكل الحشيشة ما يجب عليه؟ فأجاب: الحمد لله، هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر. والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدا لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. وأما إن اعتقد ذلك قربة وقال: هي لقيمة الذكر والفكر، وتحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، وتنفع في الطريق فهو أعظم وأكبر؛ فإن هذا من جنس دين النصارى الذين يتقربون بشرب الخمر، ومن جنس

стр. 4987

من يعتقد الفواحش قربة وطاعة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ومن كان يستحل ذلك جاهلا، وقد جمع بعض الفقهاء يقول: حرموها من غير عقل ونقل ... وحرام تحريم غير الحرام فإنه ما يعرف الله ورسوله، وأنها محرمة والسكر منها حرام بالإجماع. وإذا عرف ذلك ولم يقر بتحريم ذلك فإنه يكون كافرا مرتدا، كما تقدم، وكل ما يغيب العقل فإنه حرام، وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغيب العقل حرام بإجماع المسلمين. وأما تعاطي (البنج) الذي لم يسكر ولم يغيب العقل ففيه التعزير. وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة، وإنما يتناولها الفجار؛ لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة. وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل، وفتح باب الشهوة، وما توجبه من الدياثة، مما هي من شر الشراب المسكر، وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار إلى أن قال: (٢) نعم يجب على آكلها حد شارب الخمر. وهؤلاء القوم ضلال جهال عصاة لله ولرسوله، وكفى برجل جهلا أن يعرف بأن هذا الفعل محرم، وأنه معصية لله ولرسوله ثم يقول: إنه تطيب له العبادة، وتصلح له حاله. ويح هذا القائل؟ أيظن أن الله ورسوله ﷺ حرم على الخلق ما ينفعهم ويصلح لهم حالهم؟ نعم قد يكون في الشيء منفعة وفيه مضرة أكثر من منفعته؛ فيحرمه الله ؛ لأن المضرة إذا كانت أكثر من المنفعة بقيت الزيادة مضرة محضة، وصار هذا الرجل كأنه قال لرجل: خذ مني هذا الدرهم وأعطني دينارا. فجهله يقول له: هو يعطيك درهما فخذه، والعقل يقول: إنما يحصل الدرهم بفوات الدينار، وهذا ضرر لا منفعة له، بل جميع ما حرمه الله ورسوله إن ثبت فيه منفعة ما فلا بد أن يكون ضرره أكثر. فهذه الحشيشة الملعونة هي وآكلوها ومستحلوها الموجبة لسخط الله وسخط رسوله وسخط عباده المؤمنين، المعرضة صاحبها لعقوبة الله إذا كانت كما يقوله الضالون من أنها تجمع الهمة، وتدعو إلى العبادة، فإنها مشتملة على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه

стр. 4988

أضعاف ما فيها من خير، ولا خير فيها ولكن هي تحلل الرطوبات فتتصاعد الأبخرة إلى الدماغ، وتورث خيالات فاسدة فيهون على المرء ما يفعله من عبادة، ويشغله بتلك التخيلات عن إضرار الناس. وهذه رشوة الشيطان يرشو بها المبطلين ليطيعوه فيها، بمنزلة الفضة القليلة في الدرهم المغشوش، وكل منفعة تحصل بهذا السبب فإنها تنقلب مضرة في المال، ولا يبارك لصاحبها فيها. وإنما هذا نظير السكران بالخمر؛ فإنها تطيش عقله حتى يسخو بماله، ويتشجع على أقرانه، فيعتقد الغر أنها أورثته السخاء والشجاعة وهو جاهل، وإنما أورثته عدم العقل، ومن لا عقل له لا يعرف قدر النفس والمال فيجود بجهله لا عن عقل فيه. وكذلك هذه الحشيشة المسكرة إذا أضعفت العقل، وفتحت باب الخيال؛ تبقى العادة فيها مثل العبادات في الدين الباطل، ودين النصارى، فإن الراهب تجده يجتهد في أنواع العبادة لا يفعلها المسلم الحنيف؛ فإن دينه باطل والباطل خفيف؛ ولهذا تجود النفوس في السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال وحسن الخلق مما لا تجود به في الحق، وما هذا بالذي يبيح تلك المحارم، أو يدعو المؤمن إلى فعله؛ لأن ذلك إنما كان لأن الطبع لما أخذ نصيبه من الحظ المحرم ولم يبال بما بذله عوضا عن ذلك، وليس في هذا منفعة في دين المرء ولا دنياه، وإنما ذلك لذة ساعة بمنزلة لذة الزاني حال الفعل، ولذة شفاء الغضب حال القتل، ولذة الخمر حال النشوة، ثم إذا صحا من ذلك وجد عمله باطلا وذنوبه محيطة به، وقد نقص عليه عقله ودينه وخلقه. وأين هؤلاء الضلال مما تورثه هذه الملعونة من قلة الغيرة، وزوال الحمية حتى يصير أكلها إما ديوثا، وإما مأبونا، وإما كلاهما. وتفسد الأمزجة؛ حتى جعلت خلقا كثيرا مجانين، وتجعل الكبد بمنزلة السفنج، ومن لم يجن منهم فقد أعطته نقص العقل ولو صحا منها فإنه لا بد أن يكون في عقله خبل، ثم إن كثيرها يسكر؛ حتى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي وإن كانت لا توجب قوة نفس صاحبها حتى يضارب ويشاتم، فكفى بالرجل شرا أنها تصده عن ذكر الله، وعن الصلاة إذا سكر منها، وقليلها وإن لم يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر، ثم إنها تورث من مهانة آكلها، ودناءة نفسه، وانفتاح شهوته ما لا يورثه الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر. وإن كان في الخمر مفسدة ليست فيها وهي الحدة، فهي بالتحريم أولى من الخمر؛ لأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر، وضرر

стр. 4989

شارب الخمر على الناس أشد إلا أنه في هذه الأزمان؛ لكثرة أكل الحشيشة صار الضرر الذي منها على الناس أعظم من الخمر، وإنما حرم الله المحارم؛ لأنها تضر أصحابها وإلا فلو ضرت الناس ولم تضره لم يحرمها؛ إذ الحاسد يضره حال المحسود، ولم يحرم الله اكتساب المعالي؛ لدفع تضرر الحاسد. هذا وقد قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام (١)»، وهذه مسكرة ولو لم يشملها لفظ بعينها لكان فيها من المفاسد ما حرمت الخمر لأجلها، مع أن فيها مفاسد أخر غير مفاسد الخمر توجب تحريمها. ا. هـ

стр. 4990

(دراسات حديثة تؤيد وجهة نظر فقهاء الإسلام) ومنها يتبين مضارها وآثارها السيئة بعد أن انتهينا من عرض موجز من المعلومات الإسلامية، والأحكام الفقهية في موضوع المسكرات والمخدرات، فإنه يجدر بنا أن نبين أن هذه المخدرات منكر يأباه العقل والذوق والمجتمع كما يأباه الشرع. وإذا كنا بصدد البحث عن وجهة نظر فقهاء الشريعة الإسلامية إلى المخدرات، فإن جانب المصلحة هو المضروب المشترك، والقدر الذي لا يتخلف، وكلما تأكد وجه النظر في أمر منكر، زادت بشاعته وتجلت حكمة الشارع الحكيم في حظره على ما قرره الفقهاء من حكمه، وكم انتفع الفقهاء السابقون بأنظار الأطباء في عصورهم، ورجعوا إليهم قبل البت في أحكامهم؛ لأنهم يجلون لهم وجه المصلحة أو المفسدة التي هي أساس التشريع الإسلامي، ولقد نقل الفقهاء كثيرا من أحكام الطب ووجوه الحكمة في الأمور، فكانت لهم نبراسا يضيء أمامهم طريق الحياة. وهذه الخبائث طالما قاومها المصلحون ورجال القانون وغيرهم ممن يعنيهم شأن الأمم، فمن الخير أن ننتفع في بحثنا بما يؤكد لنا الأحكام الشرعية، ويجعلها معقولة المعنى. لذا رأينا أن نقتبس من كتاب ظاهرة تعاطي الحشيش للدكتور سعيد المغربي ما يأتي: ١ - جاء في مقدمة الكتاب أن الحشيش مما خلفه الاستعمار وأوضاعه بما تركه من آثار سيئة، وأن الحاجة الآن ملحة لإعادة تطهير المجتمع وتصفيته من تلك المشكلات الحادة المزمنة، ثم أشار إلى أن القانون المصري مهتم بهذه الجريمة اهتماما بالغا، وقد تدرج في تشديد العقوبة وهذا دليل ظاهر على ظهور خطر هذه السموم، وعلى أنه مشكلة صحية

стр. 4991

وسيكيولوجية، وأن بعض الباحثين يرى أنه يؤدي إلى حالة من الاضطراب العقلي. ثم قال: إن متعاطي هذه الجريمة قوى معطلة عن العمل والإنتاج؛ لأنها تستلزم السهر الذي يستنفذ جهدا وطاقة، وأنها توجه طبقة من المجرمين شأنهم الاعتداء والعدوان؛ لأنهم فارغون ومحتاجون ومتحيلون. ٢ - يبين أنه له آثار ضارة طبيعية فيه كالدوار في أوله، والشعور بالاسترخاء والنوم العميق، والهبوط العام للجهاز المركزي، وحرمان الجهاز الهضمي من الكميات المطلوبة للجسم نفسه كاللعاب والعصارات الهضمية، ثم التصلب في الشرايين، ويصحب ذلك الضعف الجسمي وقلة الرغبة في إرضاء الطرف الآخر. ٣ - تناول بعض الأمراض النفسية والاجتماعية، ومنها أنه إذا اقترب موعد التعاطي تنتاب المدمن أعراض تشتد تدريجيا وهي توتر وشعور بقلق شديد وانقباض وهبوط عصبي لا يستقر المدمن معه، ثم يبين أن معظم المدمنين على وعي تام بآثار مدمرة لهم صحيا ونفسيا لدرجة أن بعضهم يحاول العلاج تلقائيا أو بمعونة الطبيب، وأنهم أحيانا يكونون في حالة بكاء تشل الجسد عن الحركة حين تجيء النوبة إلى أن يتعاطى الحشيش. ٤ - من بين نتائج الدراسة أن الحشيش يسبب حالة من المرح والتهيج مع اعتقاد متعاطيه أنه قادر على كل شيء، فضلا عن اتجاهه إلى اختراع أفكار وهمية، وأنه يؤدي إلى ارتكاب الجريمة؛ لأن شخصيته غير مستقرة ويصير ذلك به إلى التشرد والسرقة والخوف والجبن، ثم يكون الهجوم والعدوان، وقد كانت له ضحايا كثيرة من مرضى العقول والمجانين. ٥ - يقول الدكتور (وولف) وهو عضو في لجنة المخدرات بهيئة الصحة العالمية: إن الحشيش يعمل على تجسيم المشاعر والانفعالات، وأن أكثر المتعاطيي تتأثر تهيآتهم وتتضخم إلى أقصى درجة، وهنا يكون العدوان. ويقول باحث يوناني أنه تأكد لديه الدور الواضح الذي يلعبه الحشيش كباعث للجريمة؛ حتى أصبحت كلمة حشاش في اليونان ترادف كلمة (مجرم). ٦ - جاء في بعض مواضع البحث أن أخطر ما فيه حوادث السيارات؛ لأنه يقرب البعيد في النظر، ويبعد القريب أحيانا فتقر الحادثة ولا يشعر السائق.

стр. 4992

٧ - وفي بعض فقراته إجابة من موظف صغير عن سؤال وجه إليه بشأن الأفيون يقول فيها: إن الأفيون داء فظيع إذا تمكن من صاحبه كان في عداد الأموات؛ فهو يرخي الأعصاب، ولا يتمكن صاحبه من أداء أي عمل إلا إذا تعاطاه، ويكون دائما ذليلا في تهيج وتذلل حتى في شرائه للمخدر، ويتألم إذا لم يتعاطاه حتى يشعر بارتخاء في أعصابه، ودمع في عينيه، واضطراب في نظره، والتهاب في أنفه. -٨ أورد في بعض الملاحظات بالنسبة للأعراض البدنية لمتعاطي الحشيش أمرين: ١ - انخفاض في مستوى الصحة ويتبعه الانخفاض بمستوى الكفاءة البدنية والنفسية والعقلية مما يؤثر على حياته في جوانبه المختلفة. ٢ - اختلال التوازن واضطراب الحواس، ثم الكسل والتراخي، ثم ينقل عن بيزل أن الفحوص الطبية دلت على أن المدمنين يصابون بهبوط في جميع وظائف الأعضاء البدنية والعصبية مع فقدان الشهية، ويقول (كوبروكوبر): إنهم يصابون بوضوح بالتهاب الملتحمة، ولا يفارقهم ذلك حتى بعد الإقلاع، ويجمع الباحثون على ذلك. ٩ - يقول في فقرات أخرى- أنه يؤدي إلى اضطراب وأمراض بالجهاز التنفسي ومسالكه وأهمها الربو والتهاب الشعب وأطال في تعليل ذلك. ١٠ - ثم يقول: إن الرأي القائل بأن الحشيش يثير الرغبة الجنسية ويطيل أمد المتعة على جانب كثير من الخطورة؛ لأنه يعتمد على الأوهام والشائعات، ويدعوا إلى انتشاره دون جدوى، والدراسات العلمية تكاد تجمع على ذلك، ومن ادعى ذلك من الباحثين لا يفرق بين الرغبة الجنسية وبين الحيوية. وما أكثر الفوائد القيمة في هذا الكتاب التي تستقى منه الإحصاءات المطردة المتواصلة ولا سبيل لنا هنا إلى الاستقصاء وإنما سبيلنا أن نربط بين العلم والدين بالرباط الحكيم المبين، وما أعظم قول الله في هذه المناسبة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١). وفي نهاية هذه الدراسة القيمة للدكتور سعيد المغربي يقول: (تبين من هذا كله أن

стр. 4993

القانون لم يحل المشكلة وليس هو بالناحية الأساسية فالاعتماد عليه خطر، فالحق أن علاجها من وجهة النظر النفسية والاجتماعية بالرجوع إلى حالة سلوك واقعية، ثم يجيء القانون من بين الحواجز المثبطة وتلخيص الحل في التغيير الجوهري للعناصر التي يعيش فيها الفرد بحيث تهيئ له الفرص التي يشبع فيها حاجاته في ظل التكامل الصادق الذي يشعر الشخص بالتفاؤل والنجاح) ويا حبذا لو قال الباحث: إن الدين أكبر مصلح ومهذب، موجه للوعي إلى كل خير ورشاد، فهل يعود الإنسان إلى دينه الذي بعث الله به النبيين هدى ورحمة؟ اللهم حقق ذلك لعبادك الضالين واهدنا الصراط المستقيم يا رب العالمين. مما تقدم يتبين أن المخدرات مما يقوض أركان مقاصد الإسلام الخمسة، ويزلزل بنيانها على شيء من التفاوت، وبيان ذلك أنها تؤثر في العقل وتخل بتوازنه، وهو تلك اللطيفة الربانية التي يبصر بها الإنسان وجوه الصواب وطرق الرشاد، ويعبد بها ربه والتي ينوه الله - سبحانه - بها فيجعلها وقاية من الشرور وسلامة من العذاب يوم القيامة إذا سلمت من الهوى، فيقول في الحديث عن بعض ما يصدر من أهل النار وهم في سعيرها: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١)، يقول سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٢). إن هذا العقل الذي استحق به الإنسان أن يكون خليفة في الأرض وسخر الله له جميع الكون لعرضة للتضحية به في شربة كأس، أو مضغة حشيش، أو أفيون، أو غيرها عن الخبائث. فويل لمن خسر عقله ضحية متعة موهومة أو نشوة منقضية مذمومة؛ لأن وراءها آفات تفسد الحياة، وترد الإنسان من شر ما خلق الله. ألست ترى ذبول أبدانهم وصفرة ألوانهم، وتعشيش الفقر في بيوتهم ولفظ المجتمع لهم، وترحيب السجون بهم، وهل سميت المخدرات إلا لأنها تغطي العقل، والعقل إذا تغطى عبث الذئب بصاحبه وصار أطوع من الطفل لشيطانه فلم يستح من فعل يصدر منه، ولم يفكر في كلمة تخرج من فمه، والمرء بأصغريه قلبه ولسانه. أما قلب المتخدر؛ فإنه في إجازة لا يدري متى بعود منها، وأما لسانه فإنه ينطق بلا عقل يريه كيف ينطق. ولهذا روي أن

стр. 4994

نصيبا الشاعر قال لبعض الخلفاء وقد سأله لم لا تشرب؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، ما رشحني لمجلسي هذا إلا عقلي فكيف أجالسك بدونه فأكون من الخاسرين؟ ولا فرق في إصابة العقل والجناية عليه بين المسكر والمخدر، وما أكثر ضحايا المخدرات في مستشفيات الأمراض العقلية، فإذا كان حفظ العقل من الضروريات الخمس التي تحرص عليها جميع الأديان السابقة، فماذا عسى أن يكون حكم الإسلام وهو الدين الخاتم الذي وسع كل شيء بنصوصه خاصها وعامها هل يرضى للمنتسب إليه أن يكون مجنونا لا يفهم أو صائرا إلى الجنون، حاشى لله وحاشى لدينه الذي رضيه للمسلمين وأكمله لهم، فأتم نعمته عليهم أن يكون ذلك فيما يرضاه أو يحله لهم. وكما أن المخدرات تذهب بعقل الإنسان وتخل توازنه فهي تفسد عليه دينه وهو الذي خلق الله الإنس والجن لأجله لقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ولهذا جعل الله - سبحانه - الخمر رجسا من عمل الشيطان وبين أن الشيطان- تحقيقا لمهمته - يغري الناس بشرب الخمر ولعب الميسر وأشباههما؛ ليوقع العداوة بين الإخوة ويصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وطبق الفقهاء ذلك على ما لم يكن موجودا وقت نزول الآية كالحشيش والأفيون، وحكم المحققون منهم بكفر مستحلها كما هو الشأن في الخمر؛ لأنها رجس تصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالخمر، وفيها كثير من صفاتها التي اقتضت تحريمها. وقد جعل الفقهاء من شرط صحة العمل العقل، فلا يصح عمله إلا به فهو أساس الدين، وهذه المخدرات مسلبة للدين وجناية عليه، فهل ترى أن نظرة الشريعة إليها نظرة تبيح شيئا منها للإنسان هيهات. ولهذا جاء الخبر عن النبي ﷺ : «الخمر أم الخبائث (٢)» ومن طريف ما يقال أن امرأة عربية قديمة تناولت بعض الشراب في مناسبة غير سعيدة فلما لعبت برأسها قالت: أيشرب هذا نساؤكم؟ قالوا: نعم. قالت:. زنيت ورب الكعبة. ومعنى هذا أنها سترت بشربة عقلها فكشفت عن بزتها واسترخت لما يريد الشيطان منها. ثم تجيء بعد ذلك المحافظة على المال الذي جعله الله - سبحانه - قياما للناس كما يقول

стр. 4995

جل شأنه في كتابه الكريم: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (١) ويمكن أن نشير في مناسبة الآية الكريمة إلى أن من يتعاطون المخدرات من أعرق الناس في السفه؛ لأنهم ينفقون أموالهم فيما يضر عقولهم وأبدانهم، ويسرفون في ذلك حتى ينتهي بهم تماديهم وإسرافهم إلى الفقر، ويصبحون في أمس الحاجة إلى من ينفق عليهم ويتولى أمرهم، وربما لا يجدون ذلك، وصدق القائل: دية العقل بدرة فلماذا ... يا خسيسا قد بعته بحشيشة فمن الآن فليشعر متعاطي هذه المخدرات أو من يفكر في صحبة متعاطيها أنها جناية على المال وتعريض به للضياع؛ لأن قليلها يدعو إلى كثيرها، والمضغة الواحدة منها طريق إلى التمادي فيها، وأن فيها معصية لله - سبحانه - بإضاعة المال وحرمان مستحقه من الأهل والعيال، وكيف ترضى شريعة الإسلام ذلك لا سيما أنها إضاعة تأخذ معها العقل وتسلب الدين؟! وأما حفظ النسب: فإن مرجعه إلى التوقي من الزنا وحفظ الفرج من غير الزوج الشرعي، وكيف يكون التوقي لمن طار عقله وطاش لبه وضعف دينه وذهب حياؤه؟! على أنه قد نص العلماء كابن تيمية وغيره أن متعاطي الحشيشة ديوث لا يغار على عرضه ولا يبالي أن يعتدى على حريمه وأهله؛ لأنه فقد التقدير وخسر عقله وأعصابه. وأما حفظ النفس: فإن مرجعه إلى المحافظة على البدن من الأمراض والحيلولة بينه وبين التهلكة، والمخدرات لا تعرف المحافظة على البدن، ولا تلتقي معها؛ ولهذا كثرت ضحاياها التي استفاض أمرها وغصت المستشفيات العقلية بأصحابها، وما أكثر من يموت من مدمنيها بالسكتة القلبية وهو أحوج ما يكون إلى أن يرعى نفسه أو من حوله من آباء وأبناء. فهذه المخدرات محادة لله ولرسله وللأديان السماوية التي أمرت بحفظ الضروريات التي هي قوام الدين والدنيا، فهل تجد مجالا في الإسلام لمن عرف السبيل إلى هذه السموم الفتاكة؟ نسأل الله العافية والسلام.

стр. 4996

١ - معنى المحاربة لغة: الحرب بسكون الراء مؤنثة، وحكى ابن الأعرابي فيها التذكير، وهي ضد السلم.

стр. 4997

والمحارب المشلح. والحرب بفتح الراء أن يسلب الرجل ماله، يقال: حربه يحربه إذا أخذ ماله، فهو محروب وحريب من قوم حربي، وحريبته ماله الذي سلبه لا يسمى بذلك إلا بعد أن يسلبه. وقيل: حريبة الرجل ماله الذي يعيش به، تقول: حربه يحربه حربا إذا أخذ ماله وتركه بلا شيء، وقال الأزهري: حرب فلان حربا فالحرب أن يؤخذ ماله كله فهو رجل حرب، أي نزل به الحرب وهو محروب حريب والمحروب الذي سلب حريبته، ويطلق الحرب على شدة الغضب وعلى معان أخرى، ويطلق المحراب على عرين الأسد وعلى الموضع الذي ينفرد فيه الملك والإمام وعلى معان أخرى، وبالجملة فالمادة متضمنة معنى العداوة والمنعة والانفراد والبعد والاعتداء ونحو ذلك مما تضمنه معنى المحارب شرعا كما سيأتي ذكره في كلام الفقهاء. ٢ - أقوال الفقهاء في سبب نزول آية المحاربة ومناقشتها: اختلف العلماء فيمن نزلت فيه آية الحرابة، فقيل: نزلت في المشركين، وقيل: في قوم من أهل الكتاب كانوا أهل موادعة فنقضوا العهد وأخافوا السبيل وأفسدوا في الأرض (١) وقيل في قوم ارتدوا عن الإسلام فقط (٢). ونوقشت الثلاثة بأنها تصح سندا، وبأن عقوبة هؤلاء مفصلة في الكتاب والسنة، وهي مخالفة لما ذكر في الآية من عقوبة المحاربين، فلا يصح أن تكون نازلة في طائفة من هؤلاء من أجل شركهم أو نقضهم العهد أو ردتهم. وقيل: نزلت ناسخه لما فعله النبي ﷺ بالعرنيين من المثلة أو عتابا له على ذلك (٣) ونوقش بأن التمثيل بهم كان جزاء عادلا؛ لتمثيلهم برعاة الإبل، وذلك لم ينسخ، ولم ينه عنه النبي ﷺ ، ولم يثبت أنه عوتب عليه، بل مازال شرعا ثابتا بالنسبة لمن مثل بالمسلمين. وقيل: نزلت في جماعة من عكل وعرينة (٤)، واختاره، ابن كثير وجماعة وأيا كان سبب النزول فالآية عامة في كل من أخاف السبيل وقطع الطريق وسعى في الأرض فسادا لبيان

стр. 4998

عقوبته على إخافته السبيل، وسعيه في الأرض فسادا واختاره ابن كثير وجماعة؛ لأن العبرة بعموم النص لا بخصوص سبب نزوله (١). ٣ - الأقوال فما يعتبر مكانا للمحاربة: اختلف العلماء في المكان الذي تتأتى فيه المحاربة فقال أبو حنيفة: لا تكون إلا في الصحراء ونحوها بقطع جماعة لها شوكة الطريق جهارا أو إخافتهم السبيل، وكذلك تكون من واحد له منعة؛ وذلك لأنه إذا استغاث لا يدركه الغوث غالبا بخلاف الإغارة على مصر أو مدينة؛ فإن الغالب أن الغوث يدرك أهلها. وقال أبو يوسف: تكون خارج المصر ولو بالقرب منه؛ لأن الغالب أن الغوث يدرك سكان المصر لا من بقربه، وفي رواية أخرى عنه إن شهر سلاحا في المصر نهارا فهو قاطع؛ لأن السلاح لا يلبث، وإن كان هجومه بخشب ونحوه نهارا فليس بقاطع، وإن كان ليلا بخشب وحجر ونحوهما كان قاطعا؛ لأن الغوث يبطئ ليلا (٢). وقال مالك: تكون في المصر وخارجه من جماعة لها منعة ومن واحد كذلك، وتكون بخديعة شخص لآخر حتى يظفر به ني نفسه أو عرضه أو ماله إذا تيسر له ذلك (٣). وقال الشافعي: لا تكون محاربة إلا جهارا في الصحراء وما في حكها من البلاد البعيدة عن المدن؛ حيث لا يتأتى الغوث، أما في المصر ونحوه فلا تكون محاربة إلا عند ضعف السلطان أو أهل المصر من الغوث (٤). وقال الحنابلة: لا تكون محاربة إلا مجاهرة ممن له منعة بسلاح في صحراء؛ لأنهم هم الذين لا يدركهم الغوث غالبا، وقيل: تكون من هؤلاء في بلد أو قرية لا يدرك أهلها الغوث عند الإغارة عليهم (٥) وفي الإنصاف، وقال أبو بكر: حكهم في المصر والصحراء سواء، قال الشيخ تقي الدين ﵀: هو قول الأكثرين. قلت: منهم أبو بكر والقاضي

стр. 4999

والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وصححه في الخلاصة وقدمه في الفروع (١). ٤ - من جرائم المحاربة وفاقا وخلافا: من الجرائم التي تعتبر حرابة اتفاقا القتل، وأخذ المال، وانتهاك العرض، وقطع الطريق، وإخافة السبيل إذا وقع ذلك أو بعضه جهارا بالسلاح في صحراء، ومنها ما حصل من ذلك في مصر بسلاح أو مفجرات ليلا أو نهارا، أو بخشب ونحوه في مصر ليلا عند أبي يوسف ومن وافقه. ومنها ما يقع من ذلك خنقا أو خديعة وتعزيرا أو تنويما بحبوب ونحوها في مصر أو صحراء ليلا أو نهارا عند مالك ومن وافقه (٢)، ومنها ما يقع من ذلك في طائرة بالجو أو سفينة في بحر أو قطار أو سيارة بالإرهاب بسلاح ونحوه إلى أمثال ذلك. ٥ - الحلاف في عقوبة جرائم المحاربة ومناقشتها: اختلف العلماء في عقوبة جرائم الحرابة والسعي في الأرض فسادا هل هي على التوزيع حسب نوع الجريمة، أو هي على التخيير. أيها شاء الإمام فعل، أو بعضها على التخيير، وبعضها على التوزيع، ومنشأ الخلاف في ذلك الخلاف في معنى (أو) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ (٣) هل هو توزيع للعقوبة تبع نوع الجريمة أو تخيير للإمام فيها مع اتفاق الجميع على أنها من الحدود فلا يجوز العفو فيها من الإمام ولا ولي الدم. أولا: قال الجمهور: إنها على التوزيع ثم اختلفوا في كيفيته: أ- فقال الحنفية وجماعة: إن أخذ قبل أن يقتل ويأخذ مالا. وإنما كان منه مجرد إخافة السبيل؛ نفي - أي: حبس - حتى يتوب أو يموت، وإن قتل مسلما أو ذميا ولم يأخذ مالا قتل، وإن أخذ مالا ولم يقتل وكان ما أخذ قدر عشرة دراهم أو ما يعادلها قطعت يده اليمنى

стр. 5000

ورجله اليسرى، وإن قتل وأخذ المال فالإمام مخير إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وقتله وصلبه، وإن شاء قتله وصلبه، وقال محمد: يقتل أو يصلب؛ لأن ما دون النفس يدخل في النفس (١). ب- وقال الشافعية: إذا أخاف السبيل وأخذ قبل أن يقتل أو يأخذ مالا؛ عزر بما يراه الإمام من حبس ونحوه. وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى إذا بلغ ما أخذه نصاب القطع في السرقة، وإذا قتل قتلا يوجب القود ولم يأخذ مالا قتل فقط، وإذا قتل قتلا يوجب القول وأخذ مالا يوجب القطع قتل ولم يقطع، ثم غسل وكفن وصلي عليه، ثم صلب ثلاثة أيام بلياليها أو يبقى مصلوبا حتى يتهرى لما روي عن ابن عباس ﵄ في تفسير آية الحرابة فإن ذلك منه توقيف أو بيان لمعنى- أو لغة - كل منهما من مثله حجة؛ لأنه ترجمان القرآن (٢). ج- وقال ابن جرير الطبري: إذا حارب فقتل فعليه القتل، وإذا حارب وأخذ المال وقتل فعليه الصلب. وإذا حارب وأخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف. وإذا حارب وأخاف السبيل فقط فعليه النفي. كل ذلك إذا أخذ قبل التوبة (٣). د- وقال الحنابلة: إن أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالا نفوا فلا يتركون يأوون في بلد. وإذا قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلوا ولم يصلبوا، وفي رواية أخرى عن أحمد يقتلون ويصلبون، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى إذا بلغ ما أخذه نصاب القطع، وإذا قتل وأخذ المال قتل ثم صلب حتى يشتهر، ثم يدفع إلى أهله ليغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن (٤). وقد يقال: أن ما استدل به من يقول بتوزيع العقوبات التي بالآية على الجرائم حسب ما هو معروف من النصوص الأخرى في عقوبة القتل والسرقة. . إلخ من النقل عن ابن عباس ﵄ لا يصح؛ لما تقدم من الطعن في سنده، ولأن ما ذكروه من جريمة أخذ المال لا يتحقق فيه ضابط السرقة، لكونه وقع على سبيل الغصب

стр. 5001

والمغالبة، وأيضا الحد في الآية لم يعرف في نصوص الشريعة أنه حد للسرقة، فكان حدا للمحاربة مستقلا؛ ولأن الصلب لم يعرف عقوبة شرعية لمجرد القتل. فكان في الآية حدا منفردا للحرابة، ولأن عقوبة قتل النفس قصاصا لا تسمى حدا فيقبل فيها عفو ولي الدم بخلافها في الحرابة والسعي في الأرض فسادا، فكانت حدا منفردا خاصا بها، ولأن عقوبة القتل والقطع لا تتأثر بالتوبة قبل القدرة على القاتل والسارق في غير الحرابة بخلافها في الحرابة فكانت فيها حدا منفردا. أ. هـ وإذا كان الأمر كذلك وجب ألا تكون العقوبة فيها على التوزيع والترتيب حسب نوع الجريمة؛ ولأنهم قد يجمعون بين عقوبتين من الأربع دون مناسب، ثم دعوى الإجماع على أن المحارب الذي أخاف السبيل فقط لا يقتل، مردودة بوجود الخلاف عن جماعة ممن نقل عنهم القول بتخيير الإمام (١). وأخيرا ما ذكر عنهم من التوزيع لم يجر على سنن مستقيمة ولا أصل مطرد. ثانيا: قال الحسن ومجاهد وعطاء والنخعي وجماعة: الإمام بالخيار في المحارب: له أن يفعل أي هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى في الآية، كما هو المراد منها في آيات أخرى ولم يوجد ما يصرفها عن ذلك (٢) وهذا مروي عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة ولم يسمع منه. وذكره ابن القاسم عن مالك في إخافة السبيل فقط (٣)؛ لأن الظاهر من معنى هذه الآية التخيير، ولأن من أخذ قبل التوبة وقد أخاف السبيل فقط قد يكون أشد بأسا ممن أخذ بعد القتل وأخذ المال، وقد يكون قطع القاتل فقط من خلاف أنكى وأعظم عبرة فجعل الخيار للإمام أرعى للمصلحة (٤) وما روي من الأثر "عن ابن عباس ﵁ في التخيير يستأنس به لذلك، ويبطل به وبما ذكره معه عن الحسن ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي دعوى الإجماع- وقولهم: إن - أو- إذا كانا للتخيير بدئ بالأسهل فالأشد من الخصال المخير بينها قد يكون فيها المطلوب فيه السماحة والتخفيف، كخصال كفارة اليمين بخلاف ما المطلوب فيه التغليظ كما في آية الحرابة. ثالثا: جمع مالك بين توزيع العقوبة في الحرابة وترتيبها حسب جريمتها وبين التخيير

стр. 5002

وبيان ذلك أن المحارب إن قتل قتل أو صلب، ولا تخيير للإمام في قطعه أو نفيه، وإن أخذ المال ولم يقتل فللإمام الخيار في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف دون نفيه، وإن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالا فالإمام مخير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف أو نفيه. ومعنى التخيير عنده أن الأمر راجع إلى اجتهاد الإمام، فإن كان المحارب ذا رأى وتدبير في الحرابة خير في قتله أو صلبه؛ لأن شره إنما يزول بذلك، وإن كان ذا بأس وبطش قطع من خلاف. وإلا عزر بأيسر من ذلك من ضرب أو نفي (١). هذا ويرد على قول مالك بالتخيير في بعض الأحوال دون بعض ما ورد على قول الجمهور، بل فيه زيادة تحكم واضطراب وبعد عن ظاهر الآية من إطلاق التخيير. ٦ - ما يسقط بالتوبة قبل القدرة ولا يسقط بها من الحقوق: ١ - يسقط بالتوبة حد الحرابة فقط، ولا تسقط حقوق الله الأخرى كحد الزنا وقطع السارق ونحوهما، ولا تسقط حقوق الناس في الدماء والأموال بل يتبعهم بها المستحقون هذا عند الحنفية والمالكية (٢). ٢ - وتسقط بها حقوق الله كلها من حد حرابة، وحد زنا، وقطع في سرقة دون حقوق الناس من قصاص ودية وأموال عند الشافعية (٣) والحنابلة (٤). ٣ - وقيل: يسقط بالتوبة جميع حقوق الله، ويؤخذ بحقوق الناس في الدماء والأموال فيما وجد بعينه في أيديهم ولا تتبع ذممهم (٥). -٤ وقيل: التوبة تسقط حقوق الله وحقوق الآدميين من الدماء والأموال إلا ما كان من المال قائما بعينه في يده (٦).

стр. 5003

٧ - عقوبة شارب الخمر ومتعاطي المخدرات: أ- «أمر النبي ﷺ بعقوبة شارب الخمر فضرب في عهده بالجريد والنعال وغيرها (١)»، وقدر بعض الصحابة ﵃ ذلك بأربعين أو نحوا من أربعين، وقال أنس ﵁: «جلد النبي ﷺ نحو أربعين (٢)»، وقال علي ﵁: «جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة (٣)»، وقال في جلده أربعين: هو أحب إلي. وجلده أبو بكر ﵁ أيام خلافته أربعين، وجلده عمر بمشورة الصحابة ﵃ آخر خلافته ثمانين، ومن هنا اختلف في عقوبة من يتناول المسكر هل هي حد أو تعزير؟ فمن نظر إلى ما نقل من التقدير اعتبرها حدا، ومن نظر إلى أن أمره ﷺ بها ليس فيه تقدير، وأن الضرب كان مختلفا بالجريد والنعال واليد ونحوها، وأن تقدير من قدره من الصحابة ﵃ كان على وجه التقريب لا التحديد، وأنها زيدت آخر خلافة عمر ﵁. قال: إن العقوبة تعزير؛ لعدم التحديد منه ﷺ والحدود لا تثبت بالتقدير التقريبي، ولا تجوز الزيادة عليها، وإذا كانت تعزيرا فللإمام تركها في بعض الوقائع لما يحيط بها مما يقضي بأن الترك أصلح، وله أن ينفذها مع التفاوت بالزيادة والنقص. ب- المخدرات أشد خطرا من الخمر على متعاطيها في نفسه وأخلاقه وماله، وأسوأ عاقبة على المجتمع، فهي أشد تحريما من الخمر سواء قيل: إنها مسكرة أم لا، فيجب التشديد في عقوبتها والتغليظ على مروجيها بصناعة أو تجارة أو دعاية، لتعاونهم على الإثم والعدوان من إفساد العقول والأخلاق وانتشار الأمراض وضياع الأموال ونحو ذلك مما يخل بالأمن ويقلق راحة المجتمع. ٨ - مما تغلظ به العقوبة: قد تغلظ العقوبة بالجهر بالمعصية وبمكابرة مرتكبها، وبفشوها وانتشارها بين الناس، وتتابعهم في ارتكابها، وتغلظ على الفرد بتكراره لها وإصراره عليها، وقد يكون التعزير بالقتل إذا لم تدرأ المفسدة إلا به. ٩ - ما تثبت به الحرابة وشرب الخمر والمخدر والمفتر: تثبت الحرابة بشهادة عدلين وفي ثبوتها بالشهادة على السماع وبشهادة المسلوبين فيما

стр. 5004

سلبوه خلاف. ويثبت تناول المسكر أو المخدر أو المفتر بشهادة اثنين تتوفر فيهما شروط الشهادة على التناول، واشترط أبو حنيفة وجود الرائحة عند التحمل. وبالإقرار، وفي اعتبار تكراره خلاف، وبالرائحة والقيء عند مالك وهو رواية عن أحمد فيهما وبوجوده سكران. ١٠ - الخلاف في قتل من تكرر منه شرب الخمر بعد عقوبته: من شرب مسكرا فحد، ثم شرب فحد، ثم شرب فحد، ثم شرب الرابعة أو الخامسة قتل؛ للحديث الصحيح في ذلك وبه قال ابن حزم وجماعة (١)، وقال جمهور العلماء: من تكرر منه شرب ما يسكر يحد أو يعزر ولا يقتل؛ لأن حديث قتله بعد الرابعة منقطع، أو لأنه منسوخ وأن نسخه لم يبلغ عبد الله بن عمرو ﵁، وبالإجماع على أن قتله بعد الرابعة ترك، وفيما ذكر نظر لرواية الحديث متصلا من طرق، ولأن قتله بعد الرابعة أو الخامسة تعزير فللإمام تركه وفعله بناء على ما يراه مصلحة في الوقائع فلا يدل الترك على النسخ، ولأن الأصل عدم النسخ فلا يصار إليه إلا عند توافر شروطه (٢).

стр. 5005

تطبيق إجمالي على المسائل المطلوب بيان حكمها على ضوء ما تقدم يمكن أن يقال: أولا: أ- من كان ذا منعة وسطا جهارا بسلاح في صحراء ونحوها أو في طائرة، في جو أو سفينة، في بحر أو سيارة، في بر مثلا فقتل أو أخذ مالا أو انتهك عرضا أو أرهب وأخاف، فهو محارب اتفاقا، فللإمام أن يعاقبه بأي عقوبة من العقوبات الأربع التي في آية المحاربة على قول من قال من العلماء: إن- أو- في الآية للتخيير مطلقا حسب ما يراه مما يدرأ المفسدة ويحقق المصلحة لا بالهوى والتشهي. أما على رأي من يقول: إن- أو- في الآية لتوزيع العقوبة حسب نوع الجريمة، فعلى ولي الأمر أن يقتل من قتل أو يصلبه حتى يموت، وأن يقطع يده ورجله من خلاف إن

стр. 5006

أخذ المال فقط، وأن يحده إن زنى، وأن يعزره إن انتهك العرض بما دون الجماع، وأن يعاقبه بمثل جنايته إن كانت دون القتل، وأن ينفيه إن لم يكن منه إلا الإخافة والإرهاب. ب: وإن وقع ذلك منه في مصر ونحوه فللإمام الخيار في عقوبته كما تقدم عند من رأى أن المحاربة تكون في المصر، وقال: إن- أو- في الآية للتخيير. أما على قول من قال من العلماء: إن المحاربة لا تكون في المصر فعلى الإمام أن يعاقبه حسب جريمته بالعقوبات المبينة تفصيلا في الكتاب والسنة إلا آية الحرابة؛ لكونه غير محارب في نظرهم. ثانيا - أ- من كان ذا قوة أو منعة فخطف إنسانا جهارا في صحراء، فقتل أو أخذ مالا أو انتهك عرضا، أو جنى جناية أقل من القتل، أو أخاف وأرهب فقط، فهو محارب، للإمام الخيار في أن يعاقبه بإحدى العقوبات التي بآية المحاربة عند من يقول أن- أو- في آية المحاربة للتخيير، وذلك حسب ما يراه قاضيا على المفسدة ومحققا للمصلحة لا بالهوى والتشهي. أما على قول من يرى أن- أو- في الآية لتوزيع العقوبة حسب نوع الجريمة، فعلى ولي الأمر أن يقتل من قتل أو يصلبه حتى يموت، وأن يقطع يده ورجله من خلاف إذا أخذ المال فقط، وأن يحده إن زنى، وأن يعزره إذا انتهك العرض بما دون الجماع، وأن يعاقبه بمثل جرمه إن جنى بما دون القتل، وأن ينفيه إن لم يكن منه إلا الإرهاب والإخافة. ب- وإن وقع ذلك منه في مصر ونحوه فللإمام الخيار في عقوبته، كما تقدم عند من رأى أن المحاربة تكون في المصر ونحوه، وقال: إن- أو- في آية الحرابة للتخيير. أما على قول من قال: إن المحاربة لا تكون في المصر، فعلى الإمام أن يعاقبه حسب جريمته بالعقوبات التي نص عليها في الكتاب والسنة، فيما عدا آية الحرابة والتي استنبطها العلماء منهما؛ لكونه غير محارب. ثالثا- من زنى بامرأة بالإكراه أقيم عليهما حد الزنا رجما أو جلدا مع مراعاة تحقيق شروط إقامة الحد بالزنا، وانتفاء الموانع، وإن انتهك حرمتها برضاها لكن بغير جماع؛ عزر بما يقتضيه نظر ولي الأمر أو نائبه في ذلك.

стр. 5007

رابعا- من غرر بصبي أو صبية وانتهك العرض كان محاربا في نظر مالك وجماعة، ويقام عليه حد الحرابة على التفصيل الذي تقدم؛ لأن هذا نوع من الغيلة وهي داخلة في الحرابة عندهم. ومن لم يعتبر هذا غيلة أو لم يجعل الغيلة داخلة في الحرابة، أي أنه يعاقب بما تقتضيه جريمته من حد أو تعزير. خامسا: الخمر والمخدرات: إن الله تعالى قد كرم الإنسان بالعقل وميزه به عن الحيوان، وجعله مناط التكليف بالعقائد والعبادات والمعاملات، وصلح به أن يكون خليفة في الأرض يدير شئونها، ويدبر أمورها بما شرع الله تعالى في كتبه وعلى ألسنة رسله، فينتظم بها العمران وتطيب فيها الحياة. وإن الخمر تؤثر في العقل، وتخل بتوازنه، بل تذهب بإدراكه وتفكيره فيفقد الإنسان بذلك ميزته، ومصدر سعادته، ويصير مثار شر على نفسه، وخطر على مجتمعه دينا ودنيا، فإن السكران تنعكس في نفسه مقاييس الأمور، فيحسب الخير شرا والمعروف منكرا، وتسول له نفسه الاعتداء على النفوس والأموال، والعبث بالأعراض، ولا وزن لديه لآداب ومكارم الأخلاق، وبذلك تسود الفوضى في الأمة، وينتشر فيها الاضطراب، ويختل الأمن، ويداخل النفوس القلق، وعدم الاطمئنان، وليس إدمان المخدرات بأقل خطرا من شرب الخمر، بل ربما كان إدمانها أشد ضررا على من ابتلي بها. وأسوأ عاقبة في مجتمعه في الدنيا والدين. لذلك حرم الإسلام تناول الخمر وكل مخدر، وشرع فيها الحد أو التعزير؛ تأديبا لمتعاطيها، وراحة لغيره، وحماية للمجتمع من خطرها، وتطهيرا له من رجسها، ومحافظة على أمن الأمة واطمئنانها، وعلى سلامتها في دينها، وصحتها وعرضها ومالها، فعلى ولاة الأمور من العلماء والحكام أن يقوموا بواجبهم في ذلك بيانا وإرشادا أو دعوة ونصحا، وتنفيذا للعقوبة حدا أو تعزيرا، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).

стр. 5008

وعلى هذا وما تقدم في الإعداد وخاصة ما في كلام شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ وما ذكر بعده تحت عنوان: (دراسات حديثة) من مضار الخمر وآثارها السيئة، يمكن أن يقال: أ - من أدمن تعاطي المسكرات أو المخدرات من خمر وحشيش وأفيون وجوزة الطيب وحبوب مسكرة أو مخدرة ونحوها، بأن طعمها فعوقب، ثم طعمها فعوقب، وهكذا فلولي الأمر أن يعزره ولو بالقتل إذا لم تدرأ المفسدة إلا بذلك. فإن التعزير قد يغلظ بتكرار الجريمة وبفشوها وانتشارها بين الناس، وما ينشأ عنها من شدة الخطر، وما يترتب عليها من عظيم الأضرار. أما إذا لم يتكرر منه ذلك، أو كانت المفسدة تدرأ بما دون القتل فعلى ولي الأمر أن يعاقبه بما دون القتل من حد أو تعزير. ب - من روج المسكرات أو المخدرات أيا كان نوعها ببيعها، أو إهدائها، أو تهريبها، أو صنعها، أو تصديرها، أو استيرادها، أو الإغراء بها، وإيهام منافع لها ونحو ذلك، فهو معين على انتشار الشر، وساع في الأرض فسادا، ومتعاون مع متعاطيها على الإثم والعدوان، وربما كان خطر الترويج والتهريب والتجارة فيها وما شابه ذلك أشد من المتناول والضرر به أعم وأشمل، فلولي الأمر تعزيرهم ولو بالقتل إذا لم يردعهم إلا ذلك. ولم تدرأ المفسدة إلا به. فإن تحقيق المصلحة العامة للأمة مقدم على المصلحة الفردية، ودرء المفسدة العامة للمجتمع يجب تقديمه على درء المفسدة الخاصة، وليس هذا بغريب. فإن جماعة من المنافقين ومرضى القلوب قد تعرضوا بالأذى والفتنة لنساء المؤمنين في الطرقات حين ذهابهن لحاجتهن، فأمرهن الله أن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ ليعرفن بالعفة فلا يطمع في انتهاك حرمتهن منافق أو مريض قلب، ويسلمن من الأذى والفتنة، وأنذر أولئك الذين يتعرضون لهن، وهددهم إن لم ينتهوا عن صنيعهم الكريه من التعرض للمؤمنات أن يغري بهم رسول الله ﷺ ، فينزل بهم أليم عقابه؛ تشريدا ونفيا عن المدينة؛ حتى لا يجاوروه فيها إلا قليلا، وأن يسلطه عليهم فيقتلهم تقتيلا أين ما وجدهم، وتمكن من

стр. 5009

التنكيل بهم؛ جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم من التعرض لانتهاك حرمات المؤمنات. وهناك طائفة أخرى أرجفت في المدينة بنشر أخبار كاذبة، كحديثهم عن قوة الكفار واجتماعهم وتعاونهم ومسيرهم إلى المؤمنين؛ ليدخلوا بذلك الفزع على المؤمنين؛ فيتخاذلوا على نحو ما ذكر الله تعالى عنهم في الآيات الأولى من سورة الأحزاب، فهؤلاء ليسوا أقل خطرا ممن قبلهم على كيان الأمة، وإن كانت الأولى في الأعراض إشاعة للفاحشة وتدنيسا للأخلاق، والثانية في السياسة تخذيلا وتحطيما للأعصاب، وقد أنذرهم الله بما أنذر به من تعرض بالأذى لنساء المؤمنين، وهددهم بالتشريد والنفي والتقتيل أين ما ثقفوا، مع أنه لم يثبت على هؤلاء ولا أولئك ما يوجب الرجم أو الجلد أو القصاص، وإنما وقع منهم ما يوجب التعزير بالنفي والتقتيل إن لم يكفوا عن جريمتهم، ولم يكن ذلك لمجرد نفاقهم ومرض قلوبهم وضعف نفوسهم، فليس ببعيد أن يبلغ ولي الأمر بالتعزيز فيما نحن بصدد بحثه أو بيان عقوبته قتلا- والمروجون لشرب الخمر وتناول المخدرات بأي وسيلة من وسائل الترويج والإغراء، وإن لم يتناولوا شيئا مسكرا أو مخدرا، لكنهم سعوا في الأرض فسادا. وبعد فالواقع الأليم، والبلاء الداهم ليس من عدم وجود أصول علمية واضحة، ولا من عدم وقوف القضاة الأفاضل عليها وفهمهم إياها. فالنظريات العلمية والقواعد الفقهية متيسرة مطروقة، والقضاة - والحمد لله - قد وقفوا عليها وفهموها، وإنما جاء ذلك من البطء في اتخاذ الإجراءات، والتراخي في تطبيق القواعد الفقهية عليها مع مراعاة الظروف والأحوال المحيطة بها، وشاهد ذلك أنه قد حدثت أحداث من جنس موضوع البحث، ونالت العناية في تعجيل الإجراءات، وأخذ المسئولون عنها أنفسهم بالحزم وقوة العزم والجد والاجتهاد في فحصها، والبت فيها فصدر الحكم، وتم التنفيذ في عدة أيام. والواقع خير شهيد، فطريقة تعجيل النظر في القضايا المهمة وإحكام بحثها وإصدار الحكم فيها معلومة مطروقة. فلتسلك في مثل هذه القضايا مستقبلا كما سلكت قبل في نظائرها؛ فإن هذا هو حل المشكلة والطريق لإنقاذ الأمة من ويلات الحوادث المؤلمة التي تلظى بنارها. وقد عرض هذا بعض أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة السابعة عشرة، لكن تغلبت فكرة إعداد بحث فأعد بذكر أراء الفقهاء ﵏ الاجتهادية والنظرية، وتطبيق ذلك نظريا إجمالا على الجزيئات المقترح بيان الحكم فيها. أما تطبيقه تفصيلا على

стр. 5010

الوقائع الشخصية فهو رهين بالظروف وقرائن الأحوال التي تختص بها كل واقعة بعينها، وهذه مسئولية القضاة - أعانهم الله - والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة لبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز نقاط البحث في القسم الأول في العدد الحادي عشر صفحة ١٤ - مقدمة في وجوب حفظ الأمن. تحقيقا لطمأنينة الأمة. ١٧ - كلام بعض علماء التفسير على نصوص من الكتاب والسنة، تتعلق بعقوبة الحرابة والإفساد في الأرض مع مناقشتها. ٧٢ - أقوال فقهاء الإسلام في تحديد جريمة الحرابة والإفساد في الأرض وفي عقوبتها مع المناقشة. ٧٢ - مذهب الحنفية. ٨٥ - مذهب المالكية. ٩٤ - مذهب الشافعية. -١٠٢ مذهب الحنابلة. -١١٦ رأي ابن حزم. -١٢٥ نقل عن ابن تيمية في الحرابة وما يتعلق بها. -١٣٧ تعريف الخمر وبيان الفرق بين المسكر والمخدر والمفتر، وذكر أقوال الفقهاء في حكم تعاطيها، وعقوبة من يتعاطها ومن يساعد عليها. ١٣٧ - معنى الخمر لغة وشرعا نقاط البحث في القسم الثاني في العدد الثاني عشر الفرق بين حقيقة كل من الخمر والمخدر والمفتر وبيان العلاقة بينها. ١٢ - ما يثبت به شرب الخمر.
следующие страницы →