السؤال الثاني: رجل تزوج امرأة ويريد أن يتزوج ابنة أختها عليها فما الحكم هل يجوز ذلك أم لا؟
الجواب: زوجته التي في عصمته هي خالة للبنت التي يرغب الزواج بها، فإذا كان يرغب الزواج بهذه الفتاة مع بقاء خالتها في عصمته، فهذا لا يجوز؛ لقوله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها (١)». وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي
стр. 5042
فتوى برقم ١١٨٠ وتاريخ ٣/ ٢ / ١٣٩٦ هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو:
السؤال: يقول السائل: إننا بدو في البر، والماء يبعد عنا خمسين كيلو مترا، ونحن نجلب الماء لأهلنا على السيارات، ونسقي الإبل والغنم، فهل يجب علينا الوضوء والغسل من الجنابة، وبعض البيوت فيه عشرة أفراد، والبعض أكثر من ذلك أم يجوز لنا التيمم؟
الجواب: شرع الله الوضوء والغسل في حالة وجود الماء، وشرع التيمم عند فقد الماء أو تعذر استعماله ؛ لمرض أو نحوه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١) الآية.
وحيث إن السائل ذكر أنهم يأتون بالماء لسقي الإبل والغنم فهم واجدون للماء، فليزمهم الوضوء والغسل. وكونهم في البر، وأن الماء يبعد عنهم خمسين كيلو مترا فهذا لا يكون عذرا مبيحا للتيمم ما داموا يأتون بالماء على السيارات للإبل والغنم. والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5043
فتوى برقم ١١٩١ وتاريخ ١٤/ ٢ / ١٣٩٦ هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو:
السؤال: هل هناك فرق بين غسل الرجل والمرأة من الجنابة ؟ وهل تنقض المرأة شعرها أو يكفيها أن تحثو عليه ثلاث حثيات من الماء للحديث؟ وما الفرق بين غسل الجنابة والحيض؟
الجواب: لا فرق بين غسل الرجل والمرأة من الجنابة، ولا ينقض كل منهما شعره للغسل، بل يكفي أن يحثي على رأسه ثلاث حثيات من الماء، ثم يفيض الماء على سائر جسده؛ لحديث أم سلمة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : «إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليه الماء فتطهري (١)» رواه مسلم. فإن كان على رأس الرجل أو المرأة من السدر أو الخضاب أو نحوهما مما يمنع وصول الماء إلى البشرة وجب إزالته، وإن كان خفيفا لا يمنع وصوله إليها لم تجب إزالته.
أما اغتسال المرأة من الحيض فقد اختلف في وجوب نقضها شعرها للغسل منه، والصحيح أنه لا يجب عليها نقضه لذلك؛ لما ورد في بعض روايات أم سلمة عند مسلم أنها قالت للنبي ﷺ : «إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للحيض وللجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك الماء فتطهري (٢)». فهذه الرواية نص في عدم وجوب نقض الشعر للغسل من الحيض ومن الجنابة.
لكن الأفضل أن تنقض شعرها في الغسل من الحيض احتياطا وخروجا من الخلاف وجمعا بين الأدلة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 5044
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5045
فتوى برقم ١٢٣١ وتاريخ ٥/ ٤ / ١٣٩٦ هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو:
السؤال: هل يجوز المسح على الجوربين إذا كان الوقت باردا ؟ وهل يكون يوما وليلة دون أن تفسخ الجوارب؟
الجواب: يجوز المسح على الجورب إذا كان صفيقا، أي لا ترى البشرة معه، ويكون ساترا للمفروض.
ومدة المسح يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. وتبدأ مدة المسح من حدث بعد لبس، والأصل في ذلك ما رواه مسلم عن علي ﵁ يرفعه «للمسافر ثلاثة أيام بلياليها وللمقيم يوم وليلة (١)». وما رواه أحمد وغيره، وصححه الترمذي أن النبي ﷺ «مسح على الجوربين والنعلين (٢)».
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5046
فتوى برقم ٦٥٨ وتاريخ ٢١/ ١ / ١٣٩٧ هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو:
السؤال الأول: ما حكم من سافر إلى الحج ونوى عمرته لأمه وحجه لأبيه ، والعام الثاني يعكس يحج لأمه ويعتمر لأبيه فهل يجوز أم لا؟
الجواب: كل من الحج والعمرة نسك مستقل وقد بين النبي ﷺ كيفية أدائهما قرانا وإفرادا وتمتعا بالعمرة إلى الحج، فمن أراد الإحرام بالعمرة عن أمه مثلا والإحرام بالحج بعد التحلل من العمرة عن أبيه أو العكس فله ذلك، وإذا أحرم بأحد النسكين عن نفسه وبعد أن تحلل منه أحرم بالأخرى عن أبيه مثلا كان جائزا؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي
стр. 5047
السؤال الثاني: هل بقاء الجوربين على الإنسان مقيد بيوم وليلة، أي خمس صلوات فقط، وإذا كان على طهارة وصلى أكثر من خمس صلوات كأن يبتدئ بالمسح مثلا بعد صلاة العشاء الآخرة فيمسح لصلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب، وحان وقت العشاء الآخرة وهو على وضؤ المغرب، فهل يصلي العشاء بوضوء المغرب أو ينزع الجوربين ويتوضأ؟
الجواب: ثبت أن النبي ﷺ «وقت للمسافر في المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوما وليلة (١)». - ولم يوقت رخصة المسح عليهما بعدد الصلوات- وعلى هذا يمكن المقيم أن يصلي بالمسح أكثر من خمس صلوات، وذلك بأن يمسح عليهما في وضوء بعد حدث في وقت المغرب، ثم يجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم، ويتوضأ ويمسح لكل
стр. 5048
من صلاة الفجر والظهر والعصر، ويجمع بين المغرب والعشاء في اليوم الثاني جمع تقديم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي
стр. 5049
السؤال الثالث: ما حكم صلاة من يحمل صورة ، كأن يكون معه حفيظة نفوس فيها صورته ويخشى من ضياعها إذا تركها حتى يصلي أو يكون معه فلوس فيها صورة؟
الجواب: يجوز للإنسان أن يصلي الفرض والنفل وهو حامل حفيظة نفوس فيها صورته أو حامل لنقود فيها صور. وصلاته بدون حمل صورة خير له إذا أمكنه التخلص من ذلك بغير ضرر يلحقه أو مشقة تصيبه- عملا بظواهر الأحاديث، وخروجا من خلاف العلماء في الصور غير المجسمة- وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي
стр. 5050
فتوى برقم ١٥٢٨ في ١٦/ ٤ / ١٣٩٧ هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفسار المرسل من أحد السائلين وهو:
السؤال الأول: مريض بالسل يشق عليه الصوم في رمضان، وقد أفطر رمضان الماضي فهل عليه إطعام؟ علما بأنه لا يرجى برؤه ولم يعالج إلا مدة يسيرة كشهر ينزل من مسكنه بالبادية إلى البلد، ومن ثم يضيق في البلد ويخرج.
الجواب: إذا كان هذا المريض لا يقوى على صيام رمضان، وكان لا يرجى برؤه ، سقط عنه الصيام، ووجب عليه أن يطعم عن كل يوم فطره مسكينا يعطيه نصف صاع من بر أو تمر أو أرز ونحو ذلك مما اعتاد أهله أن يأكلوا من الطعام مع القدرة على ذلك
стр. 5051
كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة الذين يشق عليهما الصوم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5052
السؤال الثاني: رجل مصاب بفقر الدم وطلب المستشفى له دما، ومعروف لدينا أن الدم نجس. فهل هناك رخصة لمن يريد أن يتبرع بدمه لهذا المريض المضطر إلى ذلك؟
الجواب: الأصل في التداوي أن يكون بما أبيح شرعا، لكن إذا كان المريض لا سبيل إلى تقويته أو علاجه إلا بدم غيره، وتعين هذا طريقا للإنقاذ من المرض أو الضعف، وغلب على ظن أهل المعرفة انتفاعه بذلك، فلا بأس بعلاجه به وتخليصه من مرضه وضعفه بدم غيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢).
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5053
السؤال الثالث:
السقط المتبين أنه ذكر أو أنثى هل له عقيقة؟ وكذلك المولود إذا ولد ثم مات بعد أيام ولم يعق عنه في حياته هل يعق عنه بعد موته؟ وإذا مضى على المولود شهر أو شهران أو نصف سنة أو سنة أو كبر ولم يعق عنه هل يعق أم- لا؟
الجواب: جمهور الفقهاء على أن العقيقة سنة؛ لما رواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن عن سلمان بن عامر عن النبي ﷺ قال: «مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى (١)» وما رواه الحسن عن حمزة أن النبي ﷺ قال: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمى (٢)» رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي، وما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل؛ عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة (٣)» رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد حسن.
стр. 5054
ولا عقيقة عن السقط، ولو تبين أنه ذكر أو أنثى إذا سقط قبل نفخ الروح فيه؛ لأنه لا يسمى غلاما ولا مولودا، وتذبح العقيقة في اليوم السابع من الولادة.
وإذا ولد الجنين حيا ومات قبل اليوم السابع فيسن أن يعق عنه في اليوم السابع، وإذا مضى اليوم السابع ولم يعق عنه فرأى بعض الفقهاء أنه لا يسن أن يعق عنه بعده؛ لأن النبي ﷺ وقتها باليوم السابع.
وذهب الحنابلة وجماعة من الفقهاء إلى أنه يسن أن يعق عنه ولو بعد شهر أو سنة أو أكثر من ولادته؛ لما أخرجه البيهقي عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد البعثة وهو أحوط».
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5055
السؤال الرابع
إذا كان عند إنسان سلعة كالحبوب أو السكر أو الأدهان أو مواش تساوي قيمته حاضرا مائة ريال، ويريد أن يبيعها على المدين بمائة وثلاثين ريالا مثلا إلى أجل محدود، والمعتاد سنة كاملة، وقد تمضي سنة أو سنتان ولا يسدد. .؟
وكذلك إذا اشتراها المدين من المخزن والدكان وعدها عليه صاحبها بأعيانها فهل يبيعها في محلها بعد عدها واستلامها. أو لا بد من أن يحوزها وينقلها إلى محل آخر؟ أفتونا مأجورين؟
الجواب
يجوز للإنسان أن ي بيع سلعة من الطعام أو غيره إلى أجل معلوم ولو زاد ثمن بيعه إلى أجل عن قيمتها وقت بيعيها أو عن ثمن بيعها حالا، وينبغي للمدين الوفاء بأداء الدين إلى صاحبه عند أجله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (١).
ولما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله (٢)».
وإذا اشترى إنسان سلعة من مخزن أو دكان مثلا وعدها عليه صاحبها بأعيانها فلا يجوز للمشتري أن يبيعها في محلها بمجرد عدد أعيانها، ولا يعتبر ذلك تسلما بل لا بد لجواز
стр. 5056
بيع المشتري لها من حوزه إياها إلى محل آخر؛ لما رواه أحمد ﵀ «عن حكيم بن حزام أنه قال: قلت: يا رسول الله إني أشتري بيوعا مما يحل لي منها وما يحرم علي، قال: إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه (١)». ولما رواه أحمد وأبو داود عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ : «نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٢)». ولما رواه أحمد ومسلم عن جابر ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : «إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه (٣)». وفي رواية لمسلم أن النبي ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يكتاله (٤)».
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5057
السؤال الخامس: يوجد أناس تكتب العزائم على المرضى والمجانين والمصابين بالأمراض النفسية يكتبون حروزا معروفة من القرآن والسنة، ولا نزكيهم نحن فقد نصحناهم وأبوا، يقولون: كتاب الله وسنة رسوله ليسا ممنوعين، ومنهم من يعلقه على المريض بنفسه وهو غير طاهر كالحائض والنفساء والمجنون والمعتوه والصغير الذي لا يعقل ولا يتطهر فهل يجوز ذلك؟
الجواب: أذن النبي ﷺ : في الرقية بالقرآن والأذكار والأدعية ما لم تكن شركا أو كلاما لا يفهم معناه؛ لما روى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك قال: «كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف نرقي في ذلك. فقال أعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا (١)».
وقد أجمع العلماء على جواز الرقى إذا كانت على الوجه المذكور آنفا مع اعتقاد أنها سبب لا تأثير له إلا بتقدير الله تعالى. أما تعليق شيء بالعنق أو بربطه بأي عضو من أعضاء الشخص. فإن كان من غير القرآن فهو محرم بل شرك؛ لما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عمران بن حصين ﵁: أن النبي ﷺ «رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال: ما هذا؟ قال: من الواهنة فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (٢)».
стр. 5058
وما رواه عن عقبة بن عامر عنه ﷺ قال: «من تعلق بتميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له (١)».
وفى رواية لأحمد أيضا: «من تعلق تميمة فقد أشرك (٢)». وما رواه أحمد وأبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (٣)» وإن كان ما علقه من آيات القرآن فالصحيح أنه ممنوع أيضا؛ لثلاثة أمور هي:
١ - عموم أحاديث النهي عن تعليق القائم ولا مخصص لها.
٢ - سد الذريعة؛ فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
٣ - أن ما علق من ذلك يكون عرضة للامتهان بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء والجماع ونحو ذلك.
كتابة سورة أو آيات من القرآن في لوح أو طين أو قرطاس وغسله بماء أو زعفران أو غيرهما، وشرب تلك الغسالة رجاء بركة أو استفادة علم أو كسب مال أو صحة وعافية ونحو ذلك، فلم نعلم عن النبي ﷺ أنه فعله لنفسه أو غيره، ولا أنه أذن فيه لأحد من أصحابه أو رخص فيه لأمته مع وجود الدواعي التي تدعو إلى ذلك، ولم يثبت في أثر صحيح فيما علمنا من أحد من الصحابة ﵃ أنه فعل ذلك أو رخص فيه، وعلى هذا فالأولى تركه، وأن يستغني عنه بما ثبت في الشريعة من الرقية بالقرآن وأسماء الله الحسنى، وما صح من الأذكار والأدعية النبوية ونحوها مما يعرف معناه، ولا شائبة للشرك فيه، وليتقرب إلى الله بما شرع؛ رجاء للمثوبة، وأن يفرج الله كربته ويكشف غمته، ويرزقه العلم النافع. ففي ذلك الكفاية، ومن استغنى بما شرع الله أغناه الله عما سواه. والله الموفق.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5059
السؤال السادس: الحائض التي انتقلت من حال وعادتها الأولى زيادة يومين أو ثلاثة أو أربعة أيام مثلا، عادتها الأولى ستة أو سبعة أيام. ثم صارت عشرة أيام أو خمسة عشر يوما، وترى الطهر يوما واحدا أو ليلة واحدة ثم يعودها، هل تغتسل وتصلي أو تجلس حتى تطهر طهرا كاملا؛ لأنها زادت على العادة الأولى، وهي ليست مستحاضة، فما هو قول الشرع في ذلك؟
стр. 5060
الجواب: إذا كان الواقع كما ذكر من انقطاع الحيض يوما واحدا أو ليلة واحدة أثناء أيام حيضها فعليها أن تغتسل وتصلي الصلوات التي أدركت وقتها وهي طاهر؛ لقول ابن عباس: (أما إذا رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل).
وروى أن الطهر إذا كان أقل من يوم لا يلتفت إليه؛ لقول عائشة رضي عنها: لا يعجلن حتى يرين القصة البيضاء، ولأن الدم يجري مرة وينقطع أخرى فلا يثبت الطهر بمجرد انقطاعه كما لو انقطع أقل من ساعة، وهذا اختيار صاحب المغني الحنبلي. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5061
فتوى برقم ١٩٤٦ وتاريخ ٢٩/ ٥ / ١٣٩٨ هـ
السؤال: ما حكم المسح على الجوربين ؟
الجواب: في المسح على الجوربين في الوضوء خلاف بين الفقهاء، فمنم من منعه، ومنهم من أجازه، والصحيح أنه جائز إذا لبسهما على طهارة وكانا ساترين للقدمين والكعبين لمدة يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، إلى غير ذلك من شروط المسح التي دلت عليها الأحاديث الصحيحة؛ لما ثبت عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: «توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين (١)». . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال: الترمذي حديث حسن صحيح، وقد عمل عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس ﵃، وهو قول جماعة من أهل العلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5062
صفحة فارغة
стр. 5063
فتوى
عن المسيح عليه السلام
стр. 5064
صفحة فارغة
стр. 5065
رقم الفتوى ١٦٢١ في ١١/ ٧ / ١٣٩٧ هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله، وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الأسئلة المقدمة من أحد السائلين حول المسيح ﵇، وأجابت عن كل سؤال منها عقبه:
السؤال الأول: هل عيسى ابن مريم حي أو ميت؟ وما الدليل من الكتاب والسنة؟ إذا كان حيا أو ميتا فأين هو الآن، وما الدليل من الكتاب والسنة؟
الجواب: عيسى ابن مريم ﵊ حي لم يمت حتى الآن، ولم يقتله اليهود ولم يصلبوه، ولكن شبه لهم، بل رفعه الله إلى السماء ببدنه وروحه، وهو إلى الآن في السماء، والدليل على ذلك قوله تعالى في فرية اليهود والرد عليها: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (١) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢).
فأنكر سبحانه على اليهود أنهم قتلوه أو صلبوه، وأخبر أنه رفعه إليه، وقد كان ذلك منه تعالى رحمة به وتكريما له، وليكون آية من آياته التي يؤتيها من يشاء من رسله، وما أكثر آيات الله في عيسى ابن مريم ﵇ أولا وآخرا، ومقتضى الإضراب في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٣) أن يكون قد رفع عيسى ﵊ بدنا وروحا؛ حتى يتحقق به الرد على زعم اليهود أنهم صلبوه وقتلوه؛ لأن القتل والصلب إنما يكون للبدن أصالة، ولأن الروح وحدها، لا ينافي دعواهم القتل والصلب، فلا يكون رفع الروح وحدها ردا عليهم؛ ولأن اسم عيسى ﵇ حقيقة في الروح والبدن جميعا، فلا ينصرف إلى أحدهما عند الإطلاق إلا بقرينة ولا قرينة هناك، ولأن رفع روحه وبدنه جميعا مقتضى كمال عزة الله وحكمته وتكريمه ونصره من شاء من رسله حسبما قضى به قوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٤).
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5066
السؤال الثاني: إذا كان عيسى ﵇ حيا فهل سينزل آخر الزمان ويحكم بين الناس ويتبع في ذلك دين محمد ﷺ ، وما الدليل؟ وبم نرد على من زعم أن عيسى لن يبعث آخر الزمان، ولن يحكم بين الناس؟
الجواب: نعم سينزل نبي الله عيسى ابن مريم آخر الزمان، ويحكم بين الناس بالعدل متبعا في ذلك شريعة نبينا محمد ﵊، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، وسيؤمن به أهل الكتاب اليهود والنصارى جميعا قبل موته بعد أن ينزل آخر الزمان، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١).
فأخبر تعالى بأن جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى سوف يؤمنون بعيسى ابن مريم ﵇ قبل موته- أي موت عيسى - وذلك عند نزوله آخر الزمان حكما عدلا داعيا إلى الإسلام، كما سيجيء بيانه في الحديث الدال على نزوله.
وهذا المعنى هو المتعين، فإن الكلام سبق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم معه ﵊، ولبيان سنة الله في إنجازه وكيد أعدائه، فيتعين رجوع الضميرين المجرورين إلى عيسى ﵇؛ رعاية لسياق الكلام، وتوحيدا لمرجع الضميرين، وثبت في أحاديث كثيرة صحيحة من طرق متعددة بلغت مبلغ التواتر أن الله تعالى رفع عيسى إلى السماء، وأنه سينزل آخر الزمان حكما عدلا، وأنه سيقتل المسيح الدجال.
قال ابن تيمية بعد أن ذكر أحاديث رفع عيسى ﵇ ونزوله آخر الزمان من طرق كثيرة: فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص وسجع بن جارية وحذيفة بن أسيد ﵃، ومنها دلالة على صفة نزوله ومكانه. . . إلخ اهـ.
ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي
стр. 5067
بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد (١)»، قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٢) الآية. وفي رواية عنه أن النبي ﷺ قال: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم (٣)»، وثبت في الصحيح أيضا أن جابر بن عبد الله رضي عنهما سمع النبي ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله لهذه الأمة (٤)». . .
فدلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان، وعلى أنه يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، وعلى أن إمام هذه الأمة في الصلاة وغيرها أيام نزوله من هذه الأمة لا مجال فيها للشك، وليس هناك منافاة بين نزوله وبين ختم النبوة بنبينا محمد ﷺ ، حيث لم يأت عيسى ﵇ بشريعة جديدة ولله الحكم أولا آخرا، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكه وهو العزيز الحكيم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5068
السؤال الثالث: بما أن محمدا ﷺ أفضل الأنبياء فلم لم يرفع إلى السماء بدلا من عيسى؟ وإذا كان عيسى رفع إليها حقيقة فلماذا اختص عيسى بالرفع دون سائر الأنبياء؟
الجواب: إن الله تعالى وسع كل شيء رحمة وعلما، وأحاط بكل شيء قوة وقهرا، له الحكمة البالغة، والإرادة النافذة، والقدرة الشاملة، اصطفى من شاء من الناس أنبياء ورسلا مبشرين ومنذرين، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، وخص كلا منهم بما شاء من المزايا، فضلا منه ورحمة فخص بالخلة خليليه إبراهيم ومحمدا عليهما الصلاة والسلام، وخص كل نبي بما أراد من الآيات والمعجزات التي تتناسب مع زمنه، وبها تقوم الحجة على قومه حكمة منه وعدلا لا معقب لحكمه وهو العزيز الحكيم اللطيف الخبير.
وليس كل مزية بمفردها بموجبة للأفضلية، فاختصاص عيسى برفعه إلى السماء حيا جار على مقتضى إرادة الله وحكمته، وليس ذلك لكونه أفضل من إخوانه المرسلين كإبراهيم ومحمد
стр. 5069
وموسى ونوح عليهم الصلاة والسلام، فإنهم أعطوا من المزايا والآيات ما يقتضي تفضيلهم عليه، أو بالجملة فرجع الأمر في ذلك إلى الله يدبره كما يشاء، لا يسأل عما يفعل لكمال علمه وحكمته، ثم إنه لا يترتب على السؤال عن ذلك عمل أو تثبيت عقيدة، بل ربما أصيب بالحيرة من حام حول ذلك، واستولت عليه الريب والشكوك، وعلى المؤمن التسليم فيما هو من شئون الله، وليجتهد فيما هو من شئون العباد عقيدة وعملا، وهذا هو منهج الأنبياء والمرسلين، وطريق الخلفاء الراشدين، وسلف الأمة المهتدين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5070
السؤال الرابع: لماذا سمي عيسى ابن مريم بالمسيح ؟
الجواب: سمي عيسى ابن مريم بالمسيح؛ لأنه ما مسح على ذي عاهة إلا برئ بإذن الله.
وقال بعض السلف: سمي مسيحا لمسحه الأرض، وكثرة سياحته فيها للدعوة إلى الدين.
وعلى هذين القولين يكون المسيح بمعنى ماسح، وقيل: سمي مسيحا؛ لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص له، وقيل: لأنه مسح بالبركة، أو طهر من الذنوب فكان مباركا، وعلى هذين القولين يكون مسيح ممسوح والأظهر الأول، والله أعلم.
وعلى كل حال لا يتعلق بذلك عقيدة ولا عمل فالجدوى في ذلك ضعيفة أو معدومة.
مع هذه الأسئلة نصوص يستدل بها القاديانيون على موت عيسى ودفنه، أرجو بيان تلك النصوص وكيف نرد عليهم؟
الآية الأولى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (١).
الجواب: القصد من هذه الآية الرد على من قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٢)، ومن قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٣) ببيان أن عيسى المسيح ﵇ ليس ربا ولا إلها يعبد،
стр. 5071
بل رسول كرمه الله بالرسالة، شأنه شأن الرسل الذين مضوا من قبله أجله محدود، لكن لم تبين هذه الآية متى يموت، وقد بينت الأدلة الماضية من الكتاب والسنة أنه رفع حيا، وأنه سينزل حكما عدلا، ثم يموت بعد نزوله آخر الزمان وحكمه بين الناس، ثم ذكر تعالى أن عيسى وأمه ﵉ كانا يأكلان الطعام، فدل بذلك على أنهما ليسا إلهين مع الله؛ لشدة حاجتهما إلى ما يحفظ عليهما حياتهما من الطعام، والله تعالى فرد صمد له الغنى المطلق يحتاج إليه كل ما عداه، ولا يحتاج هو إلى أحد سواه.
يؤيد أن المراد بالآية ما ذكر سابقها ولاحقها من الآيات فقد سبقها آية: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (١) وآية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٢) وقد ذكر بعدها النهي عن الغلو في الدين وإنكار عبادة غير الله، ولعن من فعل ذلك أو سكت عنه ولم ينكره، ويوضح ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ (٣).
الآية الثانية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٤).
الجواب: القصد من الآية الرد على من كفر برسالة محمد ﷺ ؛ لزعمه أن الرسول إنما يكون من الملائكة لا من البشر، فرد الله عليهم زعمهم ببيان أن سنة الله سبحانه في إرسال الرسل إلى البشر أن يصطفيهم من البشر، وأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، شأنهم في ذلك شأن البشر، وليس في الآية تحديد لأجل عيسى ﵇، وقد بينت الآيات الأخرى والأحاديث رفعه حيا ثم نزوله وحكمه بعد نزوله آخر الزمان، ثم موته كما تقدم.
الآية الثالثة: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (٥).
الجواب: ليس في هذه الآية أي دلالة على موت عيسى ﵇ حينما تآمر اليهود على قتله وصلبه، وإنما فيها الدلالة على أن الأنبياء والمرسلين ومنهم عيسى، ليسوا أجسادا لا تأكل
стр. 5072
بل يأكلون كما يأكل الناس، وفيها الحكم بأنهم لا يخلدون في الدنيا، وأهل السنة يؤمنون بذلك، وأن عيسى كغيره من المرسلين يأتي عليه الموت كغيره، إلا أن الكتاب والسنة دلا على أن ذلك بالنسبة له لا يكون إلا بعد نزوله من السماء حكما عدلا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير كما تقدم.
الآية الرابعة: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (١).
الجواب: هذه الجملة وإن كانت عامة، إلا أنها خصصت بالآيات والمعجزات التي أجراها الله على أيدي رسله، وكانت حجة لهم على أممهم في إثبات الرسالة، كانفلاق البحر لموسى اثني عشر طريقا يبسا بضربة عصا، وكإبراء عيسى الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى بإذن الله، إلى غير هذا مما هو كثير معلوم، فرفع عيسى حيا وإبقاؤه قرونا ونزوله بعد ذلك مما استثني من هذا العموم كغيره من خوارق العادات التي هي سنة الله مع رسله، ولا غرابة في ذلك.
الآية الخامسة: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢).
الجواب: هذه الآية تثبت العبودية لعيسى ﵇، وأن الله أنعم عليه بالرسالة، وليس ربا ولا إلها، وأنه آية على كمال قدرة الله، ومثل أعلى في الخير يقتدى به ويهتدى بهديه فهي شبيهة في مغزاها بالآية الأولى، وليس فيها أي دلالة على تحديد لأجل عيسى ﵇، وإنما يؤخذ بيان ذلك وتحديده من نصوص أخرى كما تقدم.
الآية السادسة: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣).
الجواب: جاء في صدر الآية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٤)، فكان قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٥) ردا على زعمهم أن عيسى ﵇ هو الله، ببيان أن عيسى وأمه عبدان ضعيفان كسائر خلق الله، لو شاء الله أن يهلكه وأمه ومن في
стр. 5073
الأرض جميعا من المخلوقات لفعل، ولكنه لم يعمهم بالهلاك بل أجرى فيهم سنته بالإهلاك في مواقيت محدودة اقتضتها حكمته سبحانه، وكان من حكمته أنه لم يهلك عيسى ﵇ حينما تآمر عليه اليهود، ولا بعد رفعه، وإنما رفعه حيا وأبقاه حيا حتى ينزل ويحكم ببن الناس بشريعة محمد ﷺ ، ثم يميته بعد ذلك كما تقدم.
الآية السابعة: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١).
الجواب: حملت مريم بعيسى ﵉ بلا أب، بل على خلاف السنة الكونية في غيرهما من الآيات البينات الدالة على كمال قدرة الله سبحانه، وقد آواهما الله إلى ربوة مكان مرتفع خصيب فيه استقراه وماء معين ظاهر تراه العيون، والمراد بذلك بيت المقدس من فلسطين؛ رحمة من الله بهما ونعمة من الله عليهما، وكان ذلك في فلسطين لا في بلد من بلاد باكستان، وكان ذلك قبل ميلاد نبينا محمد ﷺ بأكثر من خمسمائة عام، لا بعد هجرة نبينا محمد ﷺ بأكثر من اثني عشر قرنا، فمن حمل الربوة على مكان بباكستان، أو تأول ابن مريم على غلام أحمد فقد حرف الآية وافترى على الله كذبا، وخرج عن واقع التاريخ.
الآية الثامنة: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢).
الجواب: استدلال القاديانيين بهذه الآية على موت عيسى ﵇ فيما مضى مبني على تفسير المتوفى بالإماتة، وهو مخالف لما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله رسوله عيسى ﵇ من الأرض، ورفعه إليه حيا، وتخليصه بذلك من الذين كفروا جميعا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الدالة على رفعه حيا، وعلى نزوله أخر الزمان وعلى إيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به.
أما ما روي عن ابن عباس ﵄ من تفسير التوفي هنا بالإماتة فلم يصح سنده؛ لانقطاعه إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه، وعلي لم يسمع منه ولم يره، ولم يصح أيضا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من تفسير التوفي بالإماتة؛ لأنه من رواية محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب ففيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن
стр. 5074
كونه احتمالا في معنى التوفي؛ فإنه قد فسر بمعان: فسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنا وروحا، ورفعه إليه حيا وفسر بأنه أنامه ثم رفعه، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان؛ إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط.
وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى؛ جمعا بين الأدلة وردا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم، دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وقانا الله شرهم.
الآية التاسعة: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
الجواب: الاستدلال بالآية على موت عيسى ﵇، قبل رفعه إلى السماء، أو بعد رفعه، وقبل نزوله آخر الزمان، مبني على تفسير التوفي بالإماتة كما سبق في الكلام على الآية الثامنة، وقد تقدم أن هذا التفسير غير صحيح، وأنه على خلاف ما فسره به السلف جمعا بين نصوص الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة.
الآية العاشرة: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٢).
الجواب: هذه الكلمة مما حكاه الله سبحانه في القرآن، من كلام عيسى ﵇ في المهد، وفيها أنه سبحانه أمره بالصلاة والزكاة ما دام حيا، وليس فيها تحديد لحياته ولا بيان لوقت مماته، وقد بينت ذلك الآيات التي تقدم ذكرها، فيجب حمل المجمل على المفصل من النصوص، وألا يضرب بعضها ببعض، ولا يوقف عند الذي يتشابه؛ فإن جميع ذلك من عند الله يبين بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا.
الآية الحادية عشرة: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٣)
стр. 5075
الجواب: هذه كالتي قبلها، فيها إثبات السلام والأمن له من الله في كل أحواله، وليس فيها تحديد لمدة حياته، ولا لوقت موته، فيجب الرجوع إلى النصوص الأخرى التي تبين ذلك كما تقدم بيانه.
الآية الثانية عشرة: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١) ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (٢) الجواب: هذه الآية سبقت للرد على من عبد غير الله من الملائكة، وعزيز وعيسى واللات والعزى ومناة، ببيان أنهم لا يخلقون شيئا ما ولا ذبابا، بل هم مخلوقون مربوبون أموات غير أحياء.
لكن الأدلة الأخرى دلت على بقاء عيسى ﵇ حيا؛ حتى ينزل ويحكم بين الناس بشريعة محمد ﷺ ثم يموت.
الآية الثالثة عشرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
الجواب: هذه الآية أمر الله فيها بالإيمان بجميع الأنبياء وما أنزل إليهم من ربهم، وبين أنه سبحانه لا يفرق بينهما في وجوب الإيمان بهم، وما أنزل إليهم من الله، وفي هذا رد على اليهود والنصارى الذين قالوا: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، وبيان لما أجمل من الرد عليهم في قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤) وليس المراد الأمر بعدم التفريق بينهم في الموت والحياة، فإن هذا لا يرشد إليه سياق الكلام، بل يرشد إلى ما ذكرنا.
كما أن ذلك مما لم تدع إليه الرسل فحمل الآية عليه تحريف لها عما سيقت له من المعنى، وعلى تقدير حمل قوله تعالى: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (٥) على عمومة حتى يشمل عدم التفريق
стр. 5076
بينهم في جنس الموت والحياة بدليل الواقع والنصوص، فإن ذلك يدل على التفاوت بينهم في كثير من صفات الموت والحياة وأنواعها ومكانها وطول العمر وقصره، إلى غير ذلك فلتكن من حياة عيسى وامتدادها طويلا ومكانها وموته بعد ذلك، مما اختلف فيه عن إخوانه النبيين بدليل النصوص السابقة.
الآية الرابعة عشرة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
الجواب: القصد من هذه الآية بيان أن كل إنسان مجزي بعمله لا يتجاوزه إلى غيره، ولا يسأل عنه سواه، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣).
فعليه أن يسعى جهده في كسب الخير واجتناب الشر، وألا يتعلق على غيره فخرا به أو أملا في النجاة من العذاب يوم القيامة بقرابته منه أو صلته به وتعظيمه له في دنياه.
وعيسى ﵇ وإن دخل في عموم الأمة الماضية، إلا أن الأدلة من الكتاب والسنة قد خصصته برفعه إلى السماء وإبقائه حيا، ثم إنزاله آخر الزمان إلى آخر ما تقدم بيانه، ومن الأصول المعلومة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الخاصة يقضى بها على النصوص العامة فتخصها، والنصوص التي نحن بصددها من ذلك.
الآية الخامسة عشرة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (٤) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٥).
الآية السادسة عشرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٦).
الجواب: تقدم الكلام على هاتين الآيتين في الكلام على الآية الأولى والثانية والثالثة
стр. 5077
والرابعة.
وبالجملة فما يتعلل به القاديانيون من الآيات القرآنية لإثبات ما زعموا أن عيسى ﵇ قد مات ودفن:
أ- إما عموميات خصصتها أدلة أخرى من الآيات والأحاديث دلت على رفع عيسى حيا وبقائه كذلك حتى ينزل آخر الزمان ويحكم بشريعة القرآن.
ووقف القاديانيون عند عموم الآيات بعد تخصيصها، وذلك باطل لمخالفته للقواعد والأصول الإسلامية.
-٢ وإما آيات مجملة فسرتها نصوص أخرى يجب المصير إليها، فوقف القاديانيون عند المجمل يتعللون به لباطلهم، دون أن يرجعوا إلى المحكم الذي فسره، وهذا شأن من في قلوبهم زيغ ونفاق، الذين يتبعون ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله على ما يوافق هواهم.
٣ - وإما كلمات اعتمدوا في تفسيرها على آثار لم يصح نسبتها إلى السلف، وقد تقدم بيان ذلك عند الكلام على الآية الثامنة: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١)، ففرح هؤلاء بهذه الآثار؛ لموافقتها لهواهم وموهوا بها على الجمهور، ولم ينظروا إلى أسانيدها، إما لجهلهم وإما تدليسا وخداعا؛ ترويجا لباطلهم، وما ذلك إلا لزيغهم ورغبتهم في الفتنة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والله الموفق للصواب وصلى الله على نبينا محمد آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5078
صفحة فارغة
стр. 5079
أسئلة
الشباب القطري
مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5080
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد اطلعت على الأسئلة المقدمة من الأخ خالد بن أحمد بن عبد الله وإخوانه من شبيبة الدوحة، وهذه الإجابة عليها:
السؤال الأول: مسألة الاستمناء باليد. يقول الشيخ القرضاوي (١): وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه اعتبر المني فضلة من فضلات الجسم، فجاز إخراجه كالفصد، وهذا ما ذهب إليه وأيده ابن حزم. فهل صحيح أن الإمام أحمد أجاز الاستمناء عموما؟ وما دليله؟ ثم البلوى التي نشتكي إلى الله نحوها، هي أن الشباب ابتلوا بهذه الفعلة، ونسوا الصيام المأمور به عند هذه الحالة، وأن بعضهم أخذ يخبرنا أنه يصنع هيكلا من القماش والقطن، كهيئة قبل ودبر الأمرد، أو الفتاة، وبهذا يطأ هذا الشاب هذا الهيكل بإيلاج ذكره فيه. . إلخ.
الجواب: الاستمناء باليد محرم في أصح أقوال أهل العلم، وهو قول جمهورهم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٢) ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٤)، فأثنى سبحانه على من حفظ فرجه فلم يقض وطره إلا مع زوجته أو أمته، وحكم بأن من قضى وطره فيما وراء ذلك أيا كان، فهو عاد متجاوز لما أحله الله له، ويدخل في عموم ذلك الاستمناء باليد، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير وغيره؛ ولأن في استعماله مضار كثيرة، وله عواقب وخيمة: منها إنهاك القوى، وضعف الأعصاب، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنع ما يضر الإنسان في دينه وبدنه وماله وعرضه.
قال الموفق ابن قدامة ﵀ في كتابه المغني: (ولو استمنى بيده فقد فعل محرما، ولا يفسد صومه به إلا أن ينزل، فإن أنزل فسد صومه؛ لأنه في معنى القبلة) اهـ. ومراده أنه في معنى القبلة؛ إذ أنزل بسببها، أما القبلة بدون إنزال فلا تفسد الصوم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٥): (أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد؛ ولذلك يعزر من فعله، وفي القول الآخر هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه؛ لخوف العنت ولا غيره) اهـ.