← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

بينهم في جنس الموت والحياة بدليل الواقع والنصوص، فإن ذلك يدل على التفاوت بينهم في كثير من صفات الموت والحياة وأنواعها ومكانها وطول العمر وقصره، إلى غير ذلك فلتكن من حياة عيسى وامتدادها طويلا ومكانها وموته بعد ذلك، مما اختلف فيه عن إخوانه النبيين بدليل النصوص السابقة. الآية الرابعة عشرة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). الجواب: القصد من هذه الآية بيان أن كل إنسان مجزي بعمله لا يتجاوزه إلى غيره، ولا يسأل عنه سواه، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣). فعليه أن يسعى جهده في كسب الخير واجتناب الشر، وألا يتعلق على غيره فخرا به أو أملا في النجاة من العذاب يوم القيامة بقرابته منه أو صلته به وتعظيمه له في دنياه. وعيسى ﵇ وإن دخل في عموم الأمة الماضية، إلا أن الأدلة من الكتاب والسنة قد خصصته برفعه إلى السماء وإبقائه حيا، ثم إنزاله آخر الزمان إلى آخر ما تقدم بيانه، ومن الأصول المعلومة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الخاصة يقضى بها على النصوص العامة فتخصها، والنصوص التي نحن بصددها من ذلك. الآية الخامسة عشرة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (٤) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٥). الآية السادسة عشرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٦). الجواب: تقدم الكلام على هاتين الآيتين في الكلام على الآية الأولى والثانية والثالثة

стр. 5077

والرابعة. وبالجملة فما يتعلل به القاديانيون من الآيات القرآنية لإثبات ما زعموا أن عيسى ﵇ قد مات ودفن: أ- إما عموميات خصصتها أدلة أخرى من الآيات والأحاديث دلت على رفع عيسى حيا وبقائه كذلك حتى ينزل آخر الزمان ويحكم بشريعة القرآن. ووقف القاديانيون عند عموم الآيات بعد تخصيصها، وذلك باطل لمخالفته للقواعد والأصول الإسلامية. -٢ وإما آيات مجملة فسرتها نصوص أخرى يجب المصير إليها، فوقف القاديانيون عند المجمل يتعللون به لباطلهم، دون أن يرجعوا إلى المحكم الذي فسره، وهذا شأن من في قلوبهم زيغ ونفاق، الذين يتبعون ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله على ما يوافق هواهم. ٣ - وإما كلمات اعتمدوا في تفسيرها على آثار لم يصح نسبتها إلى السلف، وقد تقدم بيان ذلك عند الكلام على الآية الثامنة: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١)، ففرح هؤلاء بهذه الآثار؛ لموافقتها لهواهم وموهوا بها على الجمهور، ولم ينظروا إلى أسانيدها، إما لجهلهم وإما تدليسا وخداعا؛ ترويجا لباطلهم، وما ذلك إلا لزيغهم ورغبتهم في الفتنة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والله الموفق للصواب وصلى الله على نبينا محمد آله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 5078

صفحة فارغة

стр. 5079

أسئلة الشباب القطري مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 5080

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد اطلعت على الأسئلة المقدمة من الأخ خالد بن أحمد بن عبد الله وإخوانه من شبيبة الدوحة، وهذه الإجابة عليها: السؤال الأول: مسألة الاستمناء باليد. يقول الشيخ القرضاوي (١): وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه اعتبر المني فضلة من فضلات الجسم، فجاز إخراجه كالفصد، وهذا ما ذهب إليه وأيده ابن حزم. فهل صحيح أن الإمام أحمد أجاز الاستمناء عموما؟ وما دليله؟ ثم البلوى التي نشتكي إلى الله نحوها، هي أن الشباب ابتلوا بهذه الفعلة، ونسوا الصيام المأمور به عند هذه الحالة، وأن بعضهم أخذ يخبرنا أنه يصنع هيكلا من القماش والقطن، كهيئة قبل ودبر الأمرد، أو الفتاة، وبهذا يطأ هذا الشاب هذا الهيكل بإيلاج ذكره فيه. . إلخ. الجواب: الاستمناء باليد محرم في أصح أقوال أهل العلم، وهو قول جمهورهم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٢) ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٤)، فأثنى سبحانه على من حفظ فرجه فلم يقض وطره إلا مع زوجته أو أمته، وحكم بأن من قضى وطره فيما وراء ذلك أيا كان، فهو عاد متجاوز لما أحله الله له، ويدخل في عموم ذلك الاستمناء باليد، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير وغيره؛ ولأن في استعماله مضار كثيرة، وله عواقب وخيمة: منها إنهاك القوى، وضعف الأعصاب، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنع ما يضر الإنسان في دينه وبدنه وماله وعرضه. قال الموفق ابن قدامة ﵀ في كتابه المغني: (ولو استمنى بيده فقد فعل محرما، ولا يفسد صومه به إلا أن ينزل، فإن أنزل فسد صومه؛ لأنه في معنى القبلة) اهـ. ومراده أنه في معنى القبلة؛ إذ أنزل بسببها، أما القبلة بدون إنزال فلا تفسد الصوم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٥): (أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد؛ ولذلك يعزر من فعله، وفي القول الآخر هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه؛ لخوف العنت ولا غيره) اهـ.

стр. 5081

وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره أضواء البيان (١) ما نصه: (المسألة الثالثة: اعلم أنه لا شك في أن آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) هذه التي هي: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٣) تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد، -المعروف بجلد عميرة، ويقال له: الخضخضة - لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه بذلك؛ قد ابتغى وراء ما أحله الله؛ فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وفي سورة سأل سائل، وقد ذكر ابن كثير: أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه الآية على منع الاستمناء باليد. وقال القرطبي: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿الْعَادُونَ﴾ (٥) قال مقيده- عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي أن استدلال مالك والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد، استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن. ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة. وما روي عن الإمام أحمد مع علمه وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلا على ذلك بالقياس قائلا: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها، فجاز قياسا على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء: إذا حللت بواد لا أنيس به ... فاجلد عميرة لا عار ولا حرج فهو خلاف الصواب، وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها؛ لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن، والقياس إن كان كذلك؛ رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مرارا، وذكرنا فيه قول صاحب مراقي السعود: والخلق للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى فالله - جل وعلا - قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٦) ولم يستثن من ذلك البتة إلا النوعين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٧) وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين

стр. 5082

المذكورين دالة على المنع هي قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١) وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهرة ناكح يده، وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلا لدليل من كتاب أو سنة يجب الرجوع إليه، أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى. اهـ. وقال أبو الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق الحسني الإدريسي في كتابه الاستقصاء لأدلة تحريم الاستمناء - أو العادة السرية - من الناحيتين الدينية والصحية، ما نصه: (الباب الأول في تحريم الاستمناء وبيان دليله: ذهب المالكية والشافعية والحنفية وجمهور العلماء إلى أن الاستمناء حرام، وهذا هو المذهب الصحيح الذي لا يجوز القول بغيره، وعليه أدلة كما يتبين بحول الله تعالى: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٢) ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٤) وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة ظاهر، فإن الله تعالى مدح المؤمنين بحفظهم لفروجهم مما حرم عليهم، وأخبر برفع الحرج واللوم عنهم في قربانهم لأزواجهم، وإمائهم المملوكات لهم مستثنيا ذلك من عموم حفظ الفرج الذي مدحهم به، ثم عقب بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى﴾ (٥) أي طلب ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ (٦) أي سوى ذلك المذكور من الأزواج والإماء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٧) أي الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام؛ لأن العادي هو الذي يتجاوز الحد، ومتجاوز ما حده الله ظالم بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٨) فكانت هذه الآية عامة في تحريم ما عدا صنفي الأزواج والإماء، ولا شك أن الاستمناء غيرهما، فهو حرام ومبتغيه ظالم بنص القرآن، ثم استرسل في ذكر الأدلة إلى أن قال: (الدليل السادس: ثبت في علم الطب أن الاستمناء يورث عدة أمراض: منها: أنه يضعف البصر، ويقلل من حدته المعتادة إلى حد بعيد، ومنها: أنه يضعف عضو التناسل، ويحدث فيه ارتخاء جزئيا أو كليا، بحيث يصير فاعله أشبه بالمرأة؛ لفقده أهم مميزات الرجولة التي فضل الله بها الرجل على المرأة، فهو لا يستطيع الزواج، وإن فرض أنه تزوج فلا يستطيع القيام بالوظيفة الزوجية على الوجه المطلوب، فلا بد أن تتطلع امرأته إلى غيره؛ لأنه لم يستطع إعفافها، وفي ذلك مفاسد لا تخفى.

стр. 5083

ومنها: أنه يورث ضعفا في الأعصاب عامة؛ نتيجة الإجهاد الذي يحصل من تلك العملية. ومنها: أنه يورث اضطرابا في آلة الهضم؛ فيضعف عملها، ويختل نظامها. ومنها: أنه يوقف نمو الأعضاء خصوصا الإحليل والخصيتين، فلا تصل إلى حد نموها الطبيعي. ومنها: أنه يورث التهابا منويا في الخصيتين؛ فيصير صاحبه سريع الإنزال إلى حد بعيد، بحيث ينزل بمجرد احتكاك شيء بذكره أقل احتكاك. ومنها أنه يورث ألما في فقار الظهر، وهو الصلب الذي يخرج منه المني، وينشأ عن هذا الألم تقويس في الظهر وانحناء. ومنها: أنه يحل ماء فاعله؛ فبعد أن يكون منيه غليظا ثخينا كما هو المعتاد في مني الرجل؛ يصير بهذه العملية رقيقا خاليا من الدودات المنوية، وربما تبقى فيه دويدات ضئيلة لا تقوى على التلقيح؛ فيتكون منها جنين ضعيف، ولهذا نجد ولد المستمني- إن ولد له- ضعيفا بادي الأمراض، ليس كغيره من الأولاد الذين تولدوا من مني طبيعي. ومنها: أنه يورث رعشة في بعض الأعضاء كالرجلين. ومنها: أنه يورث ضعفا في الغدد المخية؛ فتضعف القوة المدركة، ويقل فهم فاعله بعد أن يكون ذكيا، وربما يبلغ ضعف الغدد المخية إلى حد يحصل معه خبل في العقل. اهـ. وبذلك يتضح للسائل تحريم الاستمناء بغير شك؛ للأدلة والمضار التي سبق ذكرها- ويلحق بذلك استخراجه بما يصنع على هيئة الفرج من القطن ونحوه، والله أعلم. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 5084

السؤال الثاني: هل يجوز للرجل أن يحلق شعر جسده من الظهر والساقين والفخذين مع العانة والإبط، دون قصد تشبه بالنساء ولا بالكفرة من أهل الكتاب وغيرهم؟ الجواب: يجوز إزالة الشعر مما ذكر بما لا ضرر فيه على البدن ما دام لا يقصد فيه التشبه بالنساء أو الكفار؛ لأن الأصل هو الإباحة، ولا يجوز للمسلم أن يحرم شيئا إلا بالدليل، ولا دليل يدل على تحريم ما ذكر، وسكوت الله -سبحانه - ورسوله ﷺ عن ذلك يدل على الإباحة؛ لأن الرسول ﷺ شرع لنا قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط، وحلق العانة، وأباح للرجال

стр. 5085

حلق الرأس، ولعن النامصة والمتنمصة، وأمرنا بإعفاء اللحى، وإرخائها وتوفيرها، وسكت عما سوى ذلك، وما سكت الله عنه ورسوله فهو عفو لا يجوز تحريمه؛ لقول النبي ﷺ فيما رواه أبو ثعلبة الخشني ﵁: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء؛ رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» رواه الدارقطني وغيره، قاله النووي ﵀، وقد نص على ذلك جمع من أهل العلم للحديث المذكور، ولما جاء في معناه من الأحاديث والآثار، وقد ذكر بعضها الحافظ بن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم في شرح حديث أبي ثعلبة، فليراجعه من أحب الوقوف عك ذلك. والله أعلم. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 5086

السؤال الثالث: إن بعض النسوة عندنا تشككن وارتبن من فتوى العلامة محمد ناصر الدين الألباني - محدث الديار الشامية - في كتابه آداب الزفاف نحو تحريم لبس الذهب المحلق عموما، وهناك نسوة امتنعن بالفعل عن لبسه؛ فوصفهن النساء اللابسات له بالضلال والإضلال، فما قول سماحتكم في حكم لبس الذهب المحلق خصوصا؟ وذلك لحاجتنا الماسة إلى دليلكم وفتواكم بعدما افتحل الأمر وزاد. غفر الله لكم وزادكم بسطة في العلم. الجواب: يحل لبس النساء للذهب محلقا وغير محلق؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١) وحيث ذكر سبحانه أن الحلية من صفات النساء، وهي عامة في الذهب وغيره. ولما رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند جيد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ أخذ حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في شماله، ثم قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي (٢)». زاد ابن ماجه في روايته: «حل لإناثهم (٣)». ولما رواه أحمد والنسائي والترمذي، وصححه وأخرجه أبو داود والحاكم، وصححه وأخرجه الطبراني، وصححه ابن حزم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها (٤)»، وقد أعل بالانقطاع بين سعيد بن أبي هند وأبى موسى، ولا دليل على ذلك يطمئن إليه، وقد ذكرنا آنفا من صححه. وعلى فرض صحة العلة المذكورة فهو منجبر بالأحاديث الأخرى الصحيحة، كما هي القاعدة المعروفة عند أئمة الحديث.

стр. 5087

وعلى هذا درج علماء السلف، ونقل غير واحد الإجماع على جواز لبس المرأة الذهب، فنذكر أقوال بعضهم زيادة في الإيضاح. قال الجصاص في تفسيره في كلامه عن الذهب: (الأخبار الواردة في إباحته للنساء عن النبي ﷺ والصحابة أظهر وأشهر من أخبار الحظر، ودلالة الآية - يقصد بذلك الآية التي ذكرناها آنفا - أيضا ظاهرة في إباحته للنساء، وقد استفاض لبس الحلي للنساء من لدن النبي ﷺ والصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير من أحد عليهن، ومثل ذلك لا يعترض عليه بأخبار الآحاد) (١). اهـ. وقال الكيا الهراسي في أحكام القرآن عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (٢) فيه دليل على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه والأخبار في ذلك لا تحصى) (٣) اهـ. وقال البيهقي في السنن الكبرى لما ذكر بعض الأحاديث الدالة على الذهب والحرير للنساء من غير تفصيل ما نصه: (فهذه الأخبار وما في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة) (٤)، اهـ. وقال النووي في المجموع: (يجوز للنساء لبس الحرير والتحلي بالفضة وبالذهب بالإجماع؛ للأحاديث الصحيحة) (٥)، اهـ. وقال أيضا: (أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع الحلي من الفضة والذهب جميعا كالطوق، والعقد، والخاتم، والسوار، والخلخال، والدمالج، والقلائد، والمخانق، وكل ما يتخذ في العنق وغيره، وكل ما يعتدن لبسه، ولا خلاف في شيء من هذا) (٦)، اهـ. وقال في شرح صحيح مسلم في باب تحريم خاتم الذهب على الرجال، ونسخ ما كان من إباحته في أول الإسلام: (أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء) (٧)، اهـ.

стр. 5088

وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرح حديث البراء: «نهانا النبي ﷺ عن سبع، نهى عن خاتم الذهب (١)» الحديث، قال: (النهي عن خاتم الذهب أو التختم به مختص بالرجال دون النساء، فقد نقل الإجماع على إباحته للنساء) (٢)، اهـ. ويدل أيضا على حل الذهب للنساء مطلقا محلقا وغير محلق مع الحديثين السابقين، ومع ما ذكره الأئمة المذكورون آنفا من إجماع أهل العلم على ذلك الأحاديث الآتية: ١ - ما رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله (٣)»، فأوضح لها النبي ﷺ وجوب الزكاة في المسكتين المذكورتين، ولم ينكر عليها لبس ابنتها لهما، فدل على حل ذلك، وهما محلقتان، والحديث صحيح، وإسناده جيد، كما نبه عليه الحافظ في البلوغ. ٢ - ما جاء في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ قالت: «قدمت على النبي ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي، قالت: فأخذه رسول الله ﷺ بعود معرضا عنه أو ببعض أصابعه، ثم دعى أمامة ابنة أبي العاص ابنة ابنته زينب فقال: (تحلي بهذه يا بنية) فقد أعطى ﷺ أمامة خاتما، وهو حلقة من الذهب وقال: تحلي به (٤)». فدل على حل الذهب المحلق نصا. -٣ما رواه أبو داود والدارقطني وصححه الحاكم - كما في بلوغ المرام - «عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب فقالت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: إذا أديت زكاته فليس بكنز (٥)»، اهـ. وأما الأحاديث التي ظاهرها النهي عن لبس الذهب للنساء فهي شاذة مخالفة لما هو أصح منها وأثبت، وقد قرر أئمة الحديث أن ما جاء من الأحاديث بأسانيد جيدة لكنها مخالفة لأحاديث أصح منها، ولم يمكن الجمع ولم يعرف التاريخ؛ فإنها تعتبر شاذة لا يعول عليها ولا يعمل بها، قال الحافظ العراقي ﵀ في الألفية: وذو الشذوذ مما يخالف الثقة ... فيه الملا فالشافعي حققه وقال الحافظ ابن حجر في النخبة ما نصه:

стр. 5089

(فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ومقابله الشاذ) اهـ. كما ذكروا أن من شرط الحديث الصحيح الذي يعمل به ألا يكون شاذا، ولا شك أن الأحاديث المروية في تحريم الذهب على النساء على تسليم سلامة أسانيدها من العلل لا يمكن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على حل الذهب للإناث، ولم يعرف التاريخ، فوجب الحكم عليها بالشذوذ وعدم الصحة عملا بهذه القاعدة الشرعية المعتبرة عند أهل العلم. وما ذكره أخونا في الله العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه "آداب الزفاف " من الجمع بينها وبين أحاديث الحل بحمل أحاديث التحريم على المحلق وأحاديث الحل على غيره غير صحيح وغير مطابق؛ لما جاءت به الأحاديث الصحيحة الدالة على الحل؛ لأن فيها حل الخاتم وهو محلق، وحل الأسورة وهي محلقة، فاتضح بذلك ما ذكرنا؛ ولأن الأحاديث الدالة على الحل مطلقة غير مقيدة فوجب الأخذ بها؛ لإطلاقها وصحة أسانيدها- وقد تأيدت بما حكاه جماعة من أهل العلم من الإجماع على نسخ الأحاديث الدالة على التحريم كما نقلنا أقوالهم آنفا، وهذا هو الحق بلا ريب، وبذلك تزول الشبهة، ويتضح الحكم الشرعي الذي لا ريب فيه بحل الذهب لإناث الأمة، وتحريمه على الذكور- والله ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 5090

صفحة فارغة

стр. 5091

بيان في إثبات علو الله تعالى ومباينته لخلقه، وأن معيته لعباده بعلمه واطلاعه وحفظه للشيخ حمود بن عبد الله التويجري تقديم لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد اطلعت على ما كتبه أخونا العلامة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في بيان الأدلة الشرعية والعقلية على إثبات علو الله - سبحانه - فوق عرشه، واستوائه عليه استواء يليق بجلاله لا يشابه فيه خلقه، وفي إثبات معيته لعباده بعلمه واطلاعه وحفظه وكلاءته لأوليائه، والرد على من زعم أن معية الله لعباده ذاتية، بل قد سمعته جميعه بقراءة مؤلفه - حفظه الله - فألفيته بحثا عظيم الفائدة، مؤيدا بالأدلة الشرعية والعقلية، كما ألفيته ردا عظيما على أهل البدع القائلين بالحلول والاتحاد، وردا كافيا شافيا على من قال: إن معية الله للخلق ذاتية، فجزاه الله خيرا وزاده علما وهدى وتوفيقا، ونفع به وبمؤلفاته المسلمين. وبالجملة فهذا البحث عظيم القدر كثير الفائدة مشتمل على أدلة كثيرة من الكتاب والسنة على إثبات أسماء الله وصفاته، وعلوه سبحانه فوق خلقه، والرد على جميع أهل البدع، كما أنه مشتمل على نقول كثيرة من كلام علماء السنة المتقدمين والمتأخرين، ومن كلام الصحابة والتابعين، رضي الله عن الجميع ورحمهم رحمة واسعة. فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفع به المسلمين، وأن يقيم به الحجة ويقطع به المعذرة، وأن يضاعف المثوبة لمؤلفه، وأن يجعلنا وإياه وسائر إخواننا من أئمة الهدى وأنصار الحق، وأن يثبتنا جميعا على دينه حتى نلقاه سبحانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. قاله الفقير إلى عفو ربه عبد العزيز بن عبد الله بن باز، سامحه الله وعفى عنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 5092

تقديم: لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. وبعد: فقد قرأت البحث الذي أعده أخونا الفاضل الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في إثبات علو الله تعالى، ومباينته لخلقه، والرد على من زعم أن معية الله تعالى لخلقه معية ذاتية، فوجدته كتابا قيما، قرر فيه مؤلفه الحقائق التالية: الأولى: إثبات علو الله تعالى بذاته وصفاته؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على ذلك. الثانية: إثبات استوائه تعالى بذاته على عرشه استواء حقيقيا يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تمثيل؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك. الثالثة: إثبات معية الله لخلقه بعلمه وإحاطته إن كانت عامة، وبنصره وتأييده مع العلم والإحاطة إن كانت خاصة، وتأييد ذلك بما نقله عن السلف والأئمة. الرابعة: إبطال قول الحلولية القائلين بأن الله تعالى بذاته في الأرض أو في الأرض وعلى العرش؛ لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على إبطاله. الخامسة: إنكاره القول بالمعية الذاتية. وكل ما قرره فهو حق، فعلو الله تعالى على خلقه بذاته وصفاته دل عليه القرآن في آيات متعددة، وعلى وجوه متنوعة معلومة لكل من قرأ كتاب الله تعالى، موجبة للعلم القطعي، ودلت عليه السنة بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر، وعلى وجوه متنوعة. ودل عليه العقل من وجهين:

стр. 5093

أحدهما: أن العلو صفة كمال، والله تعالى له صفات الكمال من كل وجه، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) فوجب ثبوت العلو له. الثاني: أنه إذا انتفت صفة العلو ثبتت صفة السفل لتقابلهما، وصفة السفل صفة نقص، والله تعالى منزه عن كل نقص. ودلت الفطرة أيضا على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية، فما من داع أو خائف إلا فزع إلى ربه تعالى، نحو السماء لا يلتفت عنه يمنة ولا يسرة، والمسلمون في سجودهم يقول القائل منهم: سبحان ربي الأعلى، فلا يجد من قلبه إلا الاتجاه نحو السماء. وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على ما اقتضته هذه الأدلة من علو الله تعالى بذاته وصفاته. ولم يخالف في ذلك إلا من اجتالته الشياطين من الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم، أو من سلكوا سبيل التعطيل المحض في هذا الباب فقالوا: إنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه، وقد قال بعض العلماء: لو قيل صفوا الله بالعدم ما كان أبلغ لوصفه بذلك من هذا القول، تعالى الله عنه علوا كبيرا. واستواء الله تعالى على عرشه بذاته حقيقة هو علو الله علوا خاصا يليق بجلاله وعظمته، وفيه عن السلف أربعة معان هذا أحدها، والثاني الصعود، والثالث الارتفاع، والرابع الاستقرار، وكلها حق لا تناقض بينها، ولا تنافي ما يجب لله تعالى من الكمال. ولم يخالف السلف في ذلك إلا أهل التحريف والتعطيل الذين قالوا: إنه بمعنى الاستيلاء عليه، وهو قول باطل مخالف لصريح القرآن والسنة، فقد ذكر الله تعالى الاستواء على العرش في سبعة مواضع من القرآن، لم يأت في واحد منها بلفظ الاستيلاء حتى يفسر به الباقي، ثم إنه ذكر بلفظ الفعل مقرونا بثم في ستة مواضع، ومذكورا بعده عموم الملك في الموضع السابع، مما يمنع منعا ظاهرا أن يكون بمعنى الاستيلاء. وجاءت السنة بالتصريح بأن الله فوق العرش، ولا يخفى أيضا ما يلزم على تفسيره بالاستيلاء من اللوازم الباطلة. وتفسير معية الله تعالى لخلقه بعلمه بهم وإحاطته في المعية العامة، وبنصره وحفظه مع

стр. 5094

العلم والإحاطة في المعية الخاصة أمر مشهور بين السلف، حكى الإجماع عليه غير واحد من أهل العلم. واقتضاء المعية ذلك ظاهر من سياق الآيات الواردة فيها. ففي المعية العامة ذكرها الله تعالى في سورة المجادلة بين علمين، وفي آية الحديد ذكرها بعد العلم وقبل قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) وفي المعية الخاصة ذكرها الله تعالى في سورة محمد حين نهى المؤمنين عن الوهن في قتال الأعداء، وفي سورة التوبة حين «قال أبو بكر للنبي ﷺ : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال النبي ﷺ : لا تحزن إن الله معنا (٢)». وهكذا بقية الآيات التي فيها ذكر المعية بنوعيها. وبطلان القول بالحلول معلوم بدلالة الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع؛ وذلك لأن القوت به مناقض تمام المناقضة للقول بعلو الله تعالى بذاته وصفاته، فإذا كان علو الله تعالى بذاته وصفاته ثابتا بهذه الأدلة؛ كان نقيضه باطلا بها. وإنكار القول بالمعية الذاتية واجب؛ حيث تستلزم القول بالحلول؛ لأن القول بالحلول باطل، فكل ما استلزمه فهو باطل يجب إنكاره ورده على قائله كائنا من كان. وأسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من المتعاونين على البر والتقوى، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأن ينصرنا بالحق ويجعلنا من أنصاره؛ إنه ولي ذلك القادر عليه، وهو القريب المجيب.

стр. 5095

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد:

стр. 5096

فقد رأيت مقالا سيئا لبعض المعاصرين زعم في أوله أن معية الله لخلقه معية ذاتية تليق بجلاله وعظمته، وأنها لا تقتضي اختلاطا بالخلق ولا حلولا في أماكنهم. وقال في آخر مقاله: وهكذا نقول في المعية نثبت لربنا معية ذاتية تليق بعظمته وجلاله، ولا تشبه معية المخلوق للمخلوق، ونثبت مع ذلك علوه على خلقه واستواءه على عرشه على الوجه اللائق بجلاله، ونرى أن من زعم أن الله تعالى بذاته في كل مكان فهو كافر أو ضال إن اعتقده، وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة أو أئمتها، فعقيدتنا أن لله تعالى معية ذاتية تليق به، وتقتضي إحاطته بكل شيء علما وقدرة وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا، وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطا بالخلق أو حالا في أمكنتهم، بل هو العلي بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وأنه مستو على عرشه كما يليق بجلاله، وأن ذلك لا ينافي معيته. ثم صرح أنه قال ذلك مقررا له ومعتقدا له منشرحا له صدره. وأقول: لا يخفى على من له علم وفهم ما في كلام الكاتب من التناقض والجمع بين النقيضين، وموافقة من يقول من الحلولية أن الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان، وما فيه من مخالفة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. فأما التناقض ففي تقريره لمعية الله الذاتية لخلقه مع زعمه أن هذه المعية الذاتية لا تقتضي الاختلاط بالخلق ولا الحلول في أماكنهم، ولا يخفى على عاقل أن المعية الذاتية للخلق تستلزم مخالطتهم والحلول في أماكنهم، وعلى هذا فمن أثبت المعية الذاتية للخلق، ونفى مخالطتهم والحلول في أماكنهم فقد تناقض شاء أم أبى. وأما الجمع بين النقيضين ففي تقريره لمعية الله الذاتية لخلقه مع زعمه أن الله مستو على عرشه، وأنه العلي بذاته وصفاته، وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها. فقد جمع في هذا التقرير بين إثبات صفة العلو لله تعالى وإثبات ضدها، وهي صفة السفل الذي تستلزمه المعية الذاتية للخلق، وعلى هذا فمن أثبت المعية الذاتية للخلق، وأثبت مع ذلك أن علو الرب من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها فقد جمع بين النقيضين شاء أم أبى. وأما الموافقة لبعض القائلين بالحلول فإنه لازم لمن زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية؛ لأنه يلزم على هذا القول الباطل أن يكون الله مع الخلق في الأرض، وأن يكون مخالطا لهم، وحالا معهم في أماكنهم. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في

стр. 5097

صفحة ٢٩٧ من المجلد الثاني من مجموع الفتاوى، وصفحتين بعدها ما ملخصه: ولما ظهرت الجهمية المنكرة لمباينة الله وعلوه على خلقه؛ افترق الناس في هذا الباب على أربعة أقوال: فالسلف والأئمة يقولون: إن الله فوق سماواته مستو على عرشه، بائن عن خلقه كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. والقول الثاني: قول معطلة الجهمية ونفاتهم، وهم الذين يقولون: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له، فينفون الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما، كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من غيرهم. والقول الثالث: قول حلولية الجهمية الذين يقولون: إنه بذاته في كل مكان. كما يقول ذلك أتباع حسين النجار وغيرهم من الجهمية. والقول الرابع: قول من يقول: إن الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان. وهذا قول طوائف من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ وأمثاله. وقد ذكر الأشعري في المقالات هذا عن طوائف. ويوجد في كلام السالمية كأبي طالب المكي وأتباعه كأبي الحكم ابن برجان وأمثاله ما يشير إلى نحو من هذا، وفي الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه وقع فيه كثير من متأخري الصوفية؛ ولهذا كان أئمة القوم يحذرون منه. انتهى المقصود من كلامه. وما ذكره شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - عن الذين يقولون: إن الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان، هو بعينه قول المردود عليه حيث زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية وهو مع ذلك مستو على عرشه.

стр. 5098

فصل وأما مخالفة صاحب المقال لكتاب الله تعالى، فإن الله ﵎ ذكر استواءه على العرش في سبعة مواضع من القرآن. الموضع الأول: قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١). الموضع الثاني: قوله تعالى في سورة يونس:١٣٥ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢).

стр. 5099

الموضع الثالث: قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١). الموضع الرابع: قوله تعالى في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢). الموضع الخامس: قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٣). الموضع السادس قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٤). الموضع السابع: قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٥). والنص على استواء الرب ﵎ على العرش - الذي هو فوق جميع المخلوقات - ينافي كونه مع سكان الأرض بذاته. وفي كل من هذه الآيات السبع أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. ومما يرد به أيضا على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية قول الله تعالى مخبرا عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٦). وإذا كان الرب ﵎ فوق الملائكة - الذين هم سكان السماوات - ولم يكن معهم بذاته فكيف يقال: إن معيته - لخلقه- أي الذين في الأرض- معية ذاتية؟ هذا قول ظاهر البطلان. ومما يرد به عليه أيضا قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٩)، وقوله تعالى:١٣٦ ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ (١٠) ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (١١)،

стр. 5100

وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٨)، ومثلها الآية في سورة لقمان، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (٩)، فقد وصف الرب ﵎ نفسه في هذه الآيات بصفة العلو المطلق، وهو يشمل علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، ولا يخفى على من له عقل وعلم أن صفة علو الذات تنافي المعية الذاتية للخلق أعظم المنافاة. ومما يرد به عليه أيضا قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (١٠) ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (١١) الآية. قال البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " في الكلام على قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (١٢) أراد من فوق السماء كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١٣)، بمعنى على جذوع النخل. وقال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ (١٤)، أي على الأرض. وكل ما علا فهو سماء. والعرش

стр. 5101

أعلى السماوات فمعنى الآية أأمنتم من على العرش كما صرح به في سائر الآيات. قال: وفيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية أن الله بذاته في كل مكان. وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) إنما أراد بعلمه، لا بذاته، انتهى. وقد نقله عنه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في القاعدة المراكشية، وأقره وهو في صفحة ١٩٢ - ١٩٣ من المجلد الخامس من مجمع الفتاوى. وقال القرطبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) قال المحققون: أأمنتم من فوق السماء كقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ (٣) أي فوقها، انتهى. ومن الآيات التي يرد بها على من زعم أن معية ذاتية قول الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (١١)، وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (١٢) ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (١٣). والآيات في إنزال القرآن من الله

стр. 5102

تعالى كثيرة جدا. وفيها مع ما ذكرته هاهنا من الآيات دليل على علو الرب ﵎ فوق خلقه. وفيها أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.

стр. 5103

فصل وأما مخالفة صاحب المقال لسنة رسول الله ﷺ ، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لما أسري به إلى بيت المقدس، عرج به جبريل حتى علا به فوق السماوات السبع، وظهر به لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، ودنا من الرب ﷻ فكلمه الله وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فلم يزل يتردد بين ربه وبين موسى في طلب التخفيف عنه وعن أمته؛ حتى جعلها الله خمس صلوات. وقد جاء في هذا أحاديث صحيحة، الأول منها: رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث شريك بن عبد الله عن أنس بن مالك ﵁، والثاني: رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث ثابت البناني عن أنس ﵁. والثالث: رواه النسائي من حديث يزيد بن أبي مالك عن أنس ﵁. والرابع: رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵁. والخامس: رواه البخاري ومسلم من حديث ابن شهاب عن أنس بن مالك عن أبي ذر ﵁. وقال الزهري في هذا الحديث: أخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري ﵄ كانا يقولان: قال النبي ﷺ : «ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام (١)»، قال ابن حزم وأنس بن مالك قال رسول الله ﷺ : «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى ﵇، فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك؛ فإن أمتك لا تطيق. فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك. فراجعت، فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي (٢)» الحديث. وفي عروج النبي ﷺ من الأرض إلى ما فوق السماوات السبع، وما أكرمه الله به من الدنو منه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. وكذلك في تردده ﷺ بين ربه وبين موسى ﵊ عدة مرات، حين كان موسى يقول له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فيعرج به جبريل إلى الله فيسأله التخفيف لأمته؛ حتى

стр. 5104

صارت إلى خمس صلوات، وكل ذلك يدل على إثبات العلو لله تعالى، وأنه بائن من خلقه. وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقة معية ذاتية. ومما يرد به على صاحب المقال أيضا قول النبي ﷺ للجارية: «أين الله؟ فقالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة» رواه مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁. قال أبو عثمان الصابوني: حكم بإيمانها لما أقرت أن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. وما يرد به عليه أيضا قول النبي ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء (١)»، رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ومما يرد به عليه أيضا قول النبي ﷺ : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (٢)». رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والبخاري في الكنى، والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي. ومما يرد به عليه أيضا ما جاء في حديث أبي الدرداء ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من اشتكى شيئا فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك (٣)» الحديث رواه أبو داود. وقال البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات ": معنى قوله في هذه الأخبار: من في السماء، أي فوق السماء على العرش كما نطق به الكتاب والسنة. انتهى. ومما يرد به عليه أيضا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك! (٤)» رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن غريب. وفي كون الداعي يمد يديه إلى السماء خاصة دون سائر الجهات أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. ولو كان الأمر على ما زعمه القائل على الله بغير علم

стр. 5105

لكان الداعي يمد يديه إلى سائر الجهات، من فوقه ومن أمامه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ولا يخص جهة السماء التي فوقها الله تعالى. ومما يرد به عليه أيضا ما جاء في الحديث الطويل عن جابر بن عبد الله ﵄ في ذكر حجة الوداع، ففيه أن رسول الله ﷺ خطب الناس في بطن الوادي وقال آخر خطبته: «وأنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد (١)» رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه. وفي رفع النبي ﷺ إصبعه إلى السماء دون سائر الجهات أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. ومما يرد به عليه أيضا ما جاء في حديث الأوعال أن رسول الله ﷺ قال بعد أن ذكر سبع سماوات، بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة عام، قال: «وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء الأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله ﵎ فوق ذلك، وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء (٢)» رواه الإمام أحمد والحاكم من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁، وصححه الحاكم والذهبي، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، والبيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " بلفظ آخر، وقال الترمذي: حسن غريب. ومما يرد به عليه أيضا ما رواه النسائي والحاكم في المستدرك والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" من طريق الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ﵁، أن سعد بن معاذ ﵁ حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كل من جرت عليه الموسى، وأن تقسم أموالهم وذراريهم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لقد حكم اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات (٣)»، لم يتكلم عليه الحاكم، وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح، وذكره الذهبي أيضا في كتاب " العلو " وقال: هذا حديث صحيح. وقد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال فيه: «لقد حكمت فيهم بحكم الله (٤)» وربما قال: «بحكم الملك (٥)». ورواه الإمام أحمد ومسلم أيضا من حديث عائشة ﵂ وفيه: «لقد حكمت فيهم بحكم الله (٦)» زاد أحمد:

стр. 5106

«وحكم رسوله (١)». ورواه الترمذي من حديث جابر ﵁ ولفظه: «أصبت حكم الله فيهم (٢)». ومما يرد به عليه أيضا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمي غلبت غضي (٣)» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم. ومما يرد به عليه أيضا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم فذكر الحديث وفيه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء (٤)» الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومما يرد به عليه أيضا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون (٥)» رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي. ومما يرد به عليه أيضا حديث أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل (٦)» الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه. وكما أن هذه الأحاديث دالة على علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات، وأنه بائن من خلقه، ففيها أيضا أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. والأحاديث في الرد على من قال بهذا القول الباطل كثيرة جدا، وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله.

стр. 5107

فصل ومن المأثور عن الصحابة ﵃ في إثبات العلو لله تعالى، ما رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات " عن جرير بن حازم قال: سمعت أبا يزيد يحدث قال: لقيت امرأة عمر ﵁ يقال لها: خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟! قال: "ويحك وتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها؛ حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها" وقد ذكر هذا الأثر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب، وقال: رويناه من وجوه. ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن أنس ﵁ قال: كانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال لعائشة ﵂: "كنت أحب نساء رسول ﷺ إلى رسول الله ﷺ ، ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبا، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها الروح الأمين " ورواه ابن سعد في الطبقات، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ومن ذلك ما رواه سنيد بن داود، حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود ﵁ قال: (الله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم) إسناده صحيح، وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود ﵁ قال: (ما بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله تعالى فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) إسناده صحيح، ورواه البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة فذكره بنحوه، ورواه

стр. 5108

ابن عبد البر في التمهيد من طريق يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة، والعرش على الماء، والله ﵎ على العرش يعلم أعمالكم) ورواه البيهقي أيضا عن طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة - وهو المسعودي - عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل - واسمه شقيق بن سلمة - عن عبد الله بن مسعود ﵁، فذكره بنحوه. ومن ذلك ما رواه إسحاق بن راهويه عن عكرمة في قوله تعالى مخبرا عن إبليس أنه قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ (١)، قال ابن عباس ﵄: "لم يستطع أن يقول: من فوقهم، علم أن الله من فوقهم ". ومن ذلك قول ابن مسعود ﵁: (ومن قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تلقاهن ملك فعرج بهن إلى الله، فلا يمر بملأ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن). قال ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية": أخرجه العسال في كتاب "المعرفة" بإسناد كلهم ثقات. ومن ذلك قصة عبد الله بن رواحة ﵁ مع امرأته، حين وقع على أمته، وهي مشهورة، وقد ذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب، وقال: رويناها من وجوه صحاح، وذلك أنه مشى ليلة إلى أمة له فنالها، وفطنت له امرأته فلامته فجحدها، وكانت قد رأت جماعة لها، فقالت له: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن؛ فإن الجنب لا يقرأ القرآن فقال: شهدت بأن وعد الله حق ... وإن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء حق ... وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة غلاظ ... ملائكة الإله مسومينا فقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرؤه. وقد رواها الذهبي في "سير أعلام النبلاء" بإسناده إلى عبد العزيز بن أخي الماجشون، وفيه أن «امرأة

стр. 5109

عبد الله بن رواحة قالت له لما جحد خلوته بجاريته: إن كنت صادقا فاقرأ آية من القرآن. فقال: شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا قالت: فزدني آية. فقال: وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مقربينا فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر، فأتى رسول الله ﷺ فحدثه فضحك ولم يغير عليه». ومن ذلك ما رواه ابن سعد أنبأنا مالك بن إسماعيل النهدي أنبأنا عمر بن زياد عن عبد الملك بن عمير قال: «جاء حسان بن ثابت إلى النبي ﷺ فقال: أسمعك يا رسول الله. قال: "قل حقا" فقال: شهدت بإذن الله أن محمدا ... رسول الذي فوق السماوات من عل فقال رسول الله ﷺ : "وأنا أشهد" فقال: وأن الذي عادى اليهود ابن مريم ... له عمل من ربه متقبل فقال: "وأنا أشهد» وقد ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، وقال في البيت الأخير: وأن الذي عادى اليهود ابن مريم ... نبي أتى من عند ذي العرش مرسل وهكذا هو في ديوان حسان بن ثابت ﵁. ومن ذلك ما رواه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب "النقض" على المريسي بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك". وكما أن هذه الآثار المروية عن الصحابة ﵃ تدل على إثبات العلو لله تعالى، ففيها أيضا أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.

стр. 5110

فصل وأما الإجماع من أهل السنة والجماعة على خلاف ما زعمه القائل، بأن معية الله لخلقه معية ذاتية، فقد حكاه غير واحد من أكابر العلماء. ومن أجلهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - فقد روى القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" بإسناده إلى أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي الإصطخري، قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها. فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق. ثم ساق الإمام أحمد أقوالهم في هذه العقيدة إلى أن قال: وخلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله على العرش والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السماوات والأرضين السبع وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة وشجرة وكل زرع وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال وأعمال العباد، وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم، ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حجب من نور ونار وظلمة، وما هو أعلم به. فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١)، وبقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢)، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣)، وإلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٤)، ونحو هذا من متشابه القرآن. فقل: إنما يعني بذلك العلم؛ لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، ويعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان انتهى. فليتأمله المبتلى بمخالفة أهل السنة والجماعة حق

стр. 5111

التأمل. وليتق الله ولا يكن من دعاة البدع والضلالة، فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (١)، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (٢)». رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣) هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، انتهى. وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في "القاعدة المراكشية" وأقره وهو مذكور في صفحة ١٩٣ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى. ثم قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف؛ إذ لم ينقل عنهم غير ذلك؛ إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، انتهى. وقد نقل الذهبي كلام ابن عبد البر في كتاب "العلو"، ونقله ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" وأقراه. وذكر شيخ الإسلام أيضا في "شرح حديث النزول " قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٤) وقوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٥) الآية. ثم قال: وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه. وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتمد بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم. ثم ذكر الشيخ ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٦) قال: هو على العرش، وعلمه معهم. وروي أيضا عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم. وروي أيضا عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٧) إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٨) قال هو على العرش وعلمه معهم.

стр. 5112

وقال أبو عمرو الطلمنكي: وأجمعوا - يعني أهل السنة والجماعة - على أن لله عرشا، وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه. قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١)، ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء. قال: وقال أهل السنة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢)، الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز، انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في شرح حديث النزول، وهو في صفحة ٥١٩ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، ونقل بعضه الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". ونقل شيخ الإسلام أيضا عن أبي عمرو الطلمنكي أنه قال: وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من جميع خلقه. وتعالى الله عن قول أهل الزيغ وعما يقول الظالمون علوا كبيرا، انتهى، وهو مذكور في صفحة ٥٠١ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى. وروى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات " بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا. وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قول الأوزاعي في (الفتوى الحموية الكبرى)، ثم قال: وقد حكى الأوزاعي -وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين، الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق - حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان، بأن الله فوق العرش وبصفاته السمعية. وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك، انتهى. وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - كلام الأوزاعي في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية"، ثم قال: هذا الأثر يدخل في حكاية مذهبه ومذهب التابعين، انتهى. وقال الذهبي في كتاب "العلو" قال أبو أحمد الحاكم وأبو بكر النقاش المفسر واللفظ

стр. 5113

له: حدثنا أبو العباس السراج قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة. نعرف ربنا أنه في السماء السابعة على عرشه كما قال ﷻ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وكذا نقل موسى بن هارون عن قتيبة أنه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، قال الذهبي: فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، انتهى. وقد نقل ابن القيم كلام قتيبة في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" بمثل ما ذكره الذهبي. وروى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي بإسناده إلى الحسن بن محمد بن الحارث قال: سئل علي بن المديني - وأنا أسمع- ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية وبالكلام، وأن الله فوق السماوات على عرشه استوى. فسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢)، فقال: اقرأ ما قبله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ (٣)، انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". قال أبو بكر الخلال في كتاب السنة: أخبرنا أبو بكر المروذي، حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري، حدثنا أبو داود الخفاف سليمان بن داود قال: قال إسحاق بن راهويه: قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة، انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وقال الذهبي بعد إيراده: اسمع ويحك إلى هذا الإمام كيف نقل الإجماع على هذه المسألة كما نقله في زمانه قتيبة المذكور. انتهى. وروى الذهبى في كتاب "العلو" بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة - رحمهما الله تعالى - عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان عن ذلك. فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا، فكان من مذهبهم أن الله ﵎ على عرشه، بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف

стр. 5114

﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١) ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). انتهى. وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، ثم قال: وهذان الإمامان إماما أهل الدين، وهما من نظراء أحمد والبخاري - رحمهم الله تعالى -. وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب " النقض " على بشر المريسي: قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته. وقال أيضا: إن الله تعالى فوق عرشه، يعلم ويسمع من فوق العرش، لا تخفى عليه خافية من خلقه، ولا يحجبهم عنه شيء. انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب " العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". وذكر ابن القيم أيضا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية " عن حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وإسحاق أنه قال: والماء فوق السماء السابعة، والعرش على الماء، والله على العرش. قال ابن القيم: هذا لفظه في مسائله، وحكاه إجماعا لأهل السنة من سائر أهل الأمصار. انتهى. وقال أبو بكر محمد بن الحسين الأجري في كتاب "الشريعة" باب التحذير من مذاهب الحلولية، ثم ذكر عنهم أنهم يحتجون لمذهبهم بقول الله تعالى في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٣) وبقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٥) قال: فلبسوا على السامع بما تأولوا، وفسروا القرآن على ما تهوى أنفسهم، فضلوا وأضلوا. قال: والذي يذهب إليه أهل العلم أن الله على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط علمه بجميع ما خلق في السماوات العلى، وبجميع ما في سبع أرضين وما بينهما وما تحت الثرى. يسمع ويرى. لا يعزب عن الله مثقال ذرة في السماوات والأرضين وما بينهن إلا وقد أحاط علمه به. فهو على عرشه - سبحانه - العلي الأعلى، يرفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار.

стр. 5115

فإن قال قائل: فأي شيء معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ (١) الآية التي يحتجون بها.
следующие страницы →