قول أبي عيسى الترمذي
ذكر في تفسير سورة الحديد من جامعه حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا في بعد ما بين السماء والأرض، وما بين كل سمائين، وأن العرش فوق السماوات وبينه، وبين السماء بعد ما بين كل سمائين، ثم ذكر بعد ما بين الأرضين السبع، ثم قال: «والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله، ثم قرأ: (٢)». قال الترمذي: حديث غريب. وقال الذهبي: هو خبر منكر. انتهى.
قلت: وهو من رواية الحسن عن أبي هريرة ﵁، وقد قال الترمذي بعد إيراده: يروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. قال: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش، كما وصف في كتابه. انتهى.
قول محمد بن عثمان بن أبي شيبة
ذكر الذهبي في كتاب "العلو" أنه ألف كتابا في "العرش" فقال: ذكروا أن الجهمية يقولون: ليس بين الله وبين خلقه حجاب، وأنكروا العرش، وأن يكون الله فوقه، وقالوا: إنه في كل مكان. ففسرت العلماء: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (٣) يعني علمه. ثم تواترت الأخبار أن الله تعالى خلق العرش فاستوى عليه، فهو فوق العرش، بائن من خلقه.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في القاعدة المراكشية: "ذكر أبو عمرو الطلمنكي الإمام في كتابه الذي سماه "الوصول إلى معرفة الأصول" أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله استوى بذاته على عرشه. قال: وكذلك ذكره محمد بن عثمان بن أبي شيبة - حافظ الكوفة - في طبقة البخاري ونحوه. ذكر ذلك عن أهل السنة والجماعة.
قول زكريا الساجي
ذكر الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن أبي عبد الله بن بطة العكبري قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن زكريا بن يحيى الساجي قال: قال أبى: القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث الذي لقيناهم: إن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء.
стр. 5147
قول محمد بن جرير الطبري
قال في تفسير قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) يقول: وهو مشاهد لكم أيها الناس أين ما كنتم، يعلمكم ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع. وقال في تفسير قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم، ﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٣) يقول: في أي موضع ومكان كانوا. وعنى بقوله: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٤) بمعنى أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه.
ثم روى بإسناده إلى الضحاك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (٥) إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ (٦) قال: هو فوق العرش، وعلمه معهم أين ما كانوا. وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٧) يقول تعالى ذكره: والله الذي له الألوهية في السماء معبود، وفي الأرض معبود كما هو في السماء معبود، لا شيء سواه تصلح عبادته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ثم روى بإسناده عن قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٨) قال: يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
قول حماد البوشنجي الحافظ
روى شيخ الإسلام الهروي بإسناده إلى حماد بن هناد البوشنجي قال: هذا ما رأينا عليه أهل الأمصار، وما دلت عليه مذاهبهم فيه، وإيضاح منهاج العلماء وصفة السنة وأهلها: إن الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه وسلطانه وقدرته بكل مكان. انتهى. ونقله الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".
قول إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه "معرفة علوم الحديث ": سمعت محمد بن صالح بن هانيء يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل؛ حيث لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بنتن ريح
стр. 5148
جيفته، وكان ماله فيئا، لا يرثه أحد من المسلمين؛ إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال ﷺ .
وذكر ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" ما رواه الشيخ الأنصاري بإسناده إلى ابن خزيمة أنه قال: نحن نؤمن بخبر الله سبحانه، أن خالقنا مستو على عرشه. وقال في كتاب "التوحيد" باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعال لما يشاء على عرشه وكان فوقه فوق كل شيء عاليا، ثم ساق الأدلة على ذلك من القرآن والسنة، ثم قال: "باب الدليل على أن الإقرار بأن الله فوق السماء من الإيمان " وذكر فيه حديث الجارية.
قول الإمام الطحاوي
قال في عقيدته المشهورة "ذكر بيان السنة والجماعة، على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن " نقول في توحيد الله معتقدين أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، إلى أن قال: والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه. انتهى المقصود من كلامه.
قول الحسن بن علي بن خلف البربهاري
ذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة " أن البربهاري قال في "شرح كتاب السنة": ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بين رسول الله ﵊ لأصحابه، وهو جل ثناؤه واحد، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وهو على عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، لا يخلو من علمه مكان. انتهى المقصود من كلامه.
قول أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني
ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عنه أنه قال في "كتاب السنة": له باب ما جاء في استواء الله تعالى على عرشه، بائن من خلقه، ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في ذلك.
стр. 5149
قول أبي الحسن الأشعري
قال في كتابه "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ": جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئا، إلى أن قال: وإن الله سبحانه على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) ثم قال بعد إيراد أقوال أصحاب الحديث والسنة: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب.
وقال في كتاب "الإبانة عن أصول الديانة": إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله مستو على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) واستدل بآيات من القرآن على علو الرب فوق السماوات، ومنها قول الله : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٣) ثم قال: فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤)؛ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٥) يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، إلى أن قال: ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم - إذا دعوا - نحو السماء؛ لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش. انتهى.
قول أبي بكر محمد بن الحسين الآجري
قد ذكرت كلامه في ذلك مع أقوال الذين نقلوا الإجماع على أن الله تعالى فوق العرش، وعلمه محيط بكل شيء من خلقه. وقد ذكر أن هذا قول المسلمين.
وقال في كتاب "الشريعة": قال جل ذكره: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٦) وقد كان النبي ﷺ إذا استفتح دعاءه يقول: «سبحان ربي الأعلى الوهاب (٧)». وكان جماعة من الصحابة إذا قرءوا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٨) قالوا: سبحان ربنا الأعلى، منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر ﵃.
وقد علم النبي ﷺ أمته أن يقولوا في السجود: (سبحان ربي الأعلى ثلاثا)، وهذا كله يقوي ما قلنا: إن الله العلي الأعلى، عرشه فوق السماوات العلا، وعلمه محيط بكل شيء خلاف ما قالته
стр. 5150
الحلولية. نعوذ بالله من سوء مذهبهم.
وقال أيضا: وما يحتج به الحلولية مما يلبسون به على من لا علم معه قول الله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (١) وقد فسر أهل العلم هذه الآية: هو الأول قبل كل شيء من حياة وموت، والآخر بعد كل شيء بعد الخلق، وهو الظاهر فوق كل شيء، يعني ما في السماوات، وهو الباطن دون كل شيء، يعلم ما تحت الأرضين، دل على هذا آخر الآية: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) كذا فسره مقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان، وبينت ذلك السنة، ثم ساق حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء (٣)». قال: ومما يلبسون به على من لا علم معه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ (٤) وبقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٥) وهذا كله إنما يطلبون به الفتنة، كما قال الله : ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٦)، وعند أهل العلم من أهل الحق: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (٧) هو كما قال أهل الحق: يعلم سركم.
مما جاءت به السنن أن الله على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما تسرون وما تعلنون، يعلم الجهر من القول، ويعلم ما تكتمون. وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٨) فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السماوات، وإله من في الأرض، هو الإله يعبد في السماوات، وهو الإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء. ثم روى بإسناده عن قتادة في قول الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٩) قال: هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض، انتهى.
قول الحافظ أبي الشيخ عبد الله بن محمد بن حيان
ذكر الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه قال في كتاب "العظمة": ذكر عرش الرب ﵎ وكرسيه، وعظمة خلقهما، وعلو الرب ﷻ فوق عرشه. ثم ساق جملة من الأحاديث في ذلك.
стр. 5151
قول أبي الحسن ابن مهدي تلميذ الأشعري
ذكر الذهبي في كتاب "العلو" أنه قال في كتاب "مشكل الآيات" له: اعلم أن الله في السماء فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته. يدل على أنه في السماء عال على عرشه قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٢) وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٣) وقوله: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (٤) قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٥)؟ قيل: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ (٦) بمعنى على الأرض. وقيل: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٧) فكذلك ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٨). انتهى المقصود من كلامه ملخصا.
قول ابن بطة العكبري
قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل إجماع الصحابة والتابعين: أن الله على عرشه فوق سماواته، بائن من خلقه، وذكرت أيضا كلامه على معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (٩) وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ (١٠) وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (١١)، وفيه الرد على من قال: إن الله معنا وفينا. فليراجع كلامه.
قول أبي محمد بن أبي زيد القيرواني شيخ المالكية
قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل إجماع الأمة على أن الله تعالى فوق سماواته، على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، ثم ذكر أن هذا قول السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث.
وقال في مقدمة رسالته المشهورة "باب ما تنطق به الألسنة، وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات" من ذلك الإيمان بالقلب، والنطق باللسان بأن الله إله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو بكل مكان بعلمه. انتهى المقصود من كلامه.
وقد نقله ابن
стр. 5152
القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وأقره قال: وكذلك ذكر مثل هذا في نوادره وغيرها من كتبه. ونقل عنه أيضا أنه قال في "مختصر المدونة": وأنه تعالى: فوق عرشه بذاته، فوق سبع سماواته دون أرضه. انتهى.
وقد نقل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "القاعدة المراكشية" قول ابن أبي زيد: إن الله تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه. وقال أيضا: صرح ابن أبي زيد في "المختصر" بأن الله في سمائه دون أرضه. قال شيخ الإسلام أبو العباس: هذا لفظه. قال: والذي قاله ابن أبي زيد ما زالت تقوله أئمة أهل السنة من جميع الطوائف. انتهى.
ونقل الذهبي في كتاب "العلو" قول ابن أبي زيد: وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، ثم قال: وقد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وكذلك أطلقها يحيى بن عمار - واعظ سجستان - في رسالته، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي في كتاب "الإبانة" له فإنه قال: وأئمتنا كالثوري ومالك والحمادين، وابن عيينة وابن المبارك، والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان، وكذا أطلقها ابن عبد البر، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري فإنه قال: وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه. وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي في تلك القصيدة:
عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح: هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث. وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، والشيخ عبد القادر الجيلي، والمفتي عبد العزيز القحيطي وطائفة.
والله تعالى خالق كل شيء بذاته، ومدبر الخلائق بذاته، بلا معين ولا مؤازر، وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه تعالى معنا، وبين كونه تعالى فوق العرش، فهو كما قال: ومعنا بالعلم، وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء، كما قدمناه، وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام. انتهى كلام
стр. 5153
الذهبي.
وقد ذكرت بعد تعقيبه على ذكر الذات في كلام أبي نصر السجزي أن ذكر الذات ليس من فضول الكلام، وإنما هو من الإيضاح والتفريق بين علو الله تعالى فوق عرشه بذاته، وبين معيته بالعلم مع الخلق.
قول أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني
قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل الإجماع على خلاف من قال: إن الله في كل مكان، وعلى تخطئة قائل ذلك، وذكرت أيضا قوله في إثبات استواء الله على عرشه، وما استدل به من الآيات. فليراجع كلامه.
قول الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني
قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل الإجماع على أن الله مستو على عرشه في سمائه دون أرضه، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم.
قول معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني
ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى" عنه أنه قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة. وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين. قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وإنه مستو على عرشه، بائن من خلقه، والخلق منه بائنون بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط، ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق. انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب (العلو)، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".
قول أبي القاسم عبد الله بن خلف المقري الأندلسي
نقل ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه ذكا حديث النزول ثم قال: في هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش، فوق سبع سماوات، ثم ذكر الأدلة على ذلك من القرآن، وذكر قول مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان، إلى أن قال: ومن الحجة أيضا في أن الله
стр. 5154
- على العرش فوق السماوات السبع أن الموجودين أجمعين إذا كربهم أمر؛ رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون الله ربهم، «وقوله ﷺ للأمة التي أراد مولاها أن يعتقها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة (١)». فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء. ودل على ما قدمناه أنه على العرش، والعرش فوق السماوات السبع. انتهى.
قول أبي عبد الله محمد بن أبي نعيس المالكي المشهور بابن أبي زمنين
نقل ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه قال في كتابه الذي صنفه في أصول السنة "باب الإيمان بالعرش": ومن قول أهل السنة: إن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) إلى أن قال: ومن قول أهل السنة: إن الله بائن من خلقه متحجب عنهم بالحجب، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وذكر حديث النزول ثم قال: وهذا الحديث يبين أن الله تعالى على عرشه في السماء دون الأرض. انتهى، وقد ذكرت بعض كلامه مع أقوال الذين نقلوا إجماع أهل السنة على أن الله تعالى مستو على عرشه، بائن من خلقه.
وقد نقل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في الفتاوى جملة من أول كلامه، وذكر عنه أنه قال: فسبحان من بعد فلا يرى، وقرب بعلمه وقدرته.
قول القاضي عبد الوهاب المالكي
ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه صرح بأن الله سبحانه استوى على عرشه بذاته. نقله شيخ الإسلام عنه في غير موضع من كتبه، ونقله عنه القرطبي في شرح الأسماء الحسنى.
قول الإمام أبي أحمد بن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد
ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه قال في عقيدته: وإنه سبحانه مستو على عرشه، وفوق جميع خلقه، كما أخبر في كتابه وعلى ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم من غير تشبيه ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تأويل.
стр. 5155
قول الحافظ أبي القاسم اللالكائي
قد ذكر كلامه في أول الفصل، وإنما قدمته من أجل ما ذكر فيه عن عمر وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة ﵃، ومن التابعين: ربيعة وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان، ومن الأئمة: مالك والثوري وأحمد. فكل هؤلاء يقولون: إن الله على عرشه، وعلمه بكل مكان. وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
قول يحيى بن عمار السجستاني الواعظ
ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "القاعدة المراكشية"، والذهبي في كتاب "العلو" عنه أنه قال في رسالته: لا نقول كما قالت الجهمية: أنه تعالى مداخل للأمكنة، وممازج بكل شيء، ولا نعلم أين هو. بل نقول: هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء، وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء، وذلك معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وقد ذكر ابن القيم بعض هذا الكلام في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية".
قول القادر بالله أمير المؤمنين
قال الذهبي في كتاب "العلو": له معتقد مشهور قرئ ببغداد بمشهد من علمائها وأئمتها، وأنه قول أهل السنة والجماعة، وفيه أشياء حسنة، من ذلك: وأنه خلق العرش لا لحاجة، واستوى عليه كيف شاء.
قول أبي عمرو الطلمنكي
قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل الإجماع على أن الله مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه. وأن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) ونحو ذلك في القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء، وأن الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز.
وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "القاعدة المراكشية" عن أبي عمرو الطلمنكي أنه ذكر في كتابه الذي سماه "الوصول إلى معرفة الأصول" عن أهل السنة والجماعة، أنهم متفقون على أن الله استوى بذاته على عرشه.
قال شيخ الإسلام: وكذلك ذكر محمد بن عثمان بن أبي شيبة - حافظ الكوفة - في طبقة البخاري ونحوه. ذكر ذلك عن أهل السنة والجماعة، وكذلك ذكره يحيى بن عمار
стр. 5156
السجستاني الإمام في رسالته المشهورة التي كتبها إلى ملك بلاده، وكذلك ذكر أبو نصر السجزي الحافظ في كتاب (الإبانة) له، وكذلك ذكر شيخ الإسلام الأنصاري وأبو العباس الطرقي، والشيخ عبد القادر الجيلي، ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة الإسلام وشيوخه. انتهى. وقد تقدم ذكر آخره بعد كلام السجزي في أول الفصل.
قول أبي عثمان الصابوني
قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل عن أصحاب الحديث أنهم يعتقدون ويشهدون أن الله فوق سبع سماواته، على عرشه كما نطق به كتابه. وأن علماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته.
قول أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن الحسين السهروردي الفقيه المحدث، من أئمة
أصحاب الشافعي
ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه قال: في كتابه في أصول الدين: ومن صفاته ﵎: فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته، كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف، ثم ذكر الأدلة على ذلك من القرآن إلى أن قال: وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا في أن الله سبحانه مستو على عرشه، وعرشه فوق سبع سماواته، ثم ذكر كلام عبد الله بن المبارك: ونعرف ربنا بأنه فوق سبع سماواته على عرشه، بائن من خلقه. وساق قول ابن خزيمة من لم يقر بأن الله تعالى فوق عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر، ثم ذكر حديث الجارية التي قال لها النبي ﷺ : «أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال لها: من أنا؟ فأشارت إليه وإلى السماء - تعني إنك رسول الله الذي في السماء- فقال: أعتقها فإنها مؤمنة (١)» فحكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها، لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. انتهى.
стр. 5157
قول الإمام أبي بكر محمد بن محمود ابن سورة التميمي فقيه نيسابور
ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" ما رواه الحافظ عبد القاهر الرهاوي عنه أنه قال: لا أصلي خلف من لا يقر بأن الله تعالى فوق عرشه، بائن من خلقه.
قول أبي نصر السجزي
قد ذكرت كلامه في أول الفصل، وما نقله عن الثوري ومالك والحمادين، وسفيان بن عيينة والفضيل، وابن المبارك وأحمد وإسحاق أنهم متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وعلمه بكل مكان، وإنما قدمت كلامه في أول الفصل؛ من أجل ما نقله عن هؤلاء الأئمة من الاتفاق على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وعلمه بكل مكان. وفي هذا الاتفاق رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
قول إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي
ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه قال في كتاب "الحجة" "باب في بيان استواء الله على عرشه": قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وذكر آيات، ثم قال: قال أهل السنة: الله فوق السماوات لا يعلوه خلق من خلقه، ومن الدليل على ذلك أن الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم، ويدعونه ويرفعون إليه رءوسهم وأبصارهم - ثم قال: "فصل في بيان أن العرش فوق السماوات، وأن الله فوق العرش" - إلى أن قال: قال علماء السنة: إن الله على عرشه، بائن من خلقه.
وقالت المعتزلة: هو بذاته في كل مكان، إلى أن قال: وروي عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) قال: هو على عرشه، وعلمه في كل مكان، إلى أن قال: وزعم هؤلاء- يعني المعتزلة - أنه لا تجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرءوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد. وقد أجمع المسلمون أن الله سبحانه العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات، وعند المسلمين أن لله علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح، فنثبت أن لله تعالى علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة.
وفي منعهم الإشارة إلى الله من جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله - سبحانه
стр. 5158
وتعالى - من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة. ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق. انتهى المقصود من كلامه.
قول أبي عمر ابن عبد البر
قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل إجماع الصحابة والتابعين على القول بأن الله تعالى على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. وذكرت له أيضا كلاما حسنا على حديث النزول، فليراجع كل ما تقدم عنه.
قول أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي
قال في كتابه المسمى "بالاعتقاد" باب القول في الاستواء: قال الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) ثم ذكر آيات في ذكر استواء الرب على العرش، وآيات في ذكر علو الله على خلقه، وقد ذكرت الآيات أيضا والكلام عليها في كتابه المسمى "بالأسماء والصفات "، ونقلت من كلامه ما يتعلق بالرد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، فليراجع ذلك مع الكلام على قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٢) الآية.
قول أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي
ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عنه أنه قال في كتاب "الحجة" له: وإن الله تعالى مستو على عرشه، بائن من خلقه، كما قال في كتابه.
قول أبي جعفر الهمداني
قال شارح العقيدة الطحاوية: ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفس صفة العلو ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان.
فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة، يطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن
стр. 5159
أنفسنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل، وأظنه قال: وبكى وقال: حيرني الهمداني.
وقد ذكر هذه القصة ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" بنحو ما ذكرها شارح العقيدة الطحاوية. وذكرها الذهبي في كتاب "العلو" فقال: قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني: أنبأنا عبد القادر الحافظ بحراد، أنبأنا الحافظ أبو العلا، أنبأنا أبو جعفر بن أبي علي الحافظ قال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) فقال: كان الله ولا عرش، وجعل يتخبط في الكلام، فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول؟ وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارف قط: يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة، يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت.
وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة، وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل ولم يجبني إلا يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة، فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني. قال شارح العقيدة الطحاوية في الكلام على هذه القصة أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من أن يتلقوه من المرسلين، يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو. انتهى.
стр. 5160
قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي
ذكر الذهبي في كتاب العلو عنه أنه قال في كتاب "الصفات " له "باب استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة، بائنا من خلقه من الكتاب والسنة" "ثم ساق آيات وأحاديث - إلى أن قال - وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه، وهو ينظر كيف تعملون، وعلمه وقدرته واستماعه ونظره ورحمته في كل مكان.
قول الحسين بن مسعود البغوي
قال في الكلام على قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (١) بالعلم. وقال في الكلام على قول الله تعالى في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (٢) أي: من سرار ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣) بالعلم يعلم نجواهم.
стр. 5161
قول أبي الحسن الكرجي وهو من كبار الفقهاء الشافعية
ذكر الذهبي كتاب "العلو" عنه أنه قال في عقيدته الشهيرة:
عقيدة أصحاب الحديث فقد سمت ... بأرباب دين الله أسنى المراتب
عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
وقد ذكرت فيما تقدم قول الذهبي: إنه مكتوب على هذه القصيدة بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح: هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث.
قول العلامة أبي بكر محمد بن وهب المالكي في شرحه لرسالة الإمام أبي محمد بن أبي زيد.
ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عنه أنه قال: أما قوله: (إنه فوق عرشه المجيد بذاته) فمعنى فوق وعلى عند العرب واحد. وفي الكتاب والسنة تصديق ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٣) وساق حديث الجارية والمعراج إلى سدرة المنتهى- إلى أن قال- وقد تأتي لفظة "في" في لغة العرب بمعنى فوق، كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (٤)، و ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٥)، و ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٦) قال أهل التأويل: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عمن أدرك من التابعين، كما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي ﷺ : أن الله في السماء، يعني فوقها وعليها، فلذلك قال الشيخ أبو محمد: إنه فوق عرشه، ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته؛ لأنه تعالى بائن عن جميع خلقه بلا كيف، وهو في كل مكان بعلمه لا بذاته. انتهى المقصود من كلامه. وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية ".
قول الشيخ عبد القادر الجيلي الحنبلي
ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى" والذهبي في
стр. 5162
كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه قال في كتاب "الغنية": أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد - إلى أن قال: وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٢)، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)
وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، بلا كيف. قال ابن القيم: هذا نص كلامه في "الغنية"، وذكر ابن القيم أيضا عنه أنه قال في كتابه "تحفة المتقين وسبيل العارفين": والله تعالى بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل مكان.
قول إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني
ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه صرح بالفوقية بالذات فقال: وهو فوق عرشه بوجود ذاته. قال ابن القيم: هذا لفظه وهو إمام في السنة، ثم ذكر ابن القيم عنه أنه قال: إنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه.
قال: وقد أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٤) وأن لله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن لله علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة.
وجماهير المسلمين وسائر الملل، قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله - جل ثناؤه - من جهة الفوق في الدعاء والسؤال. فاتفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق. انتهى.
وقد تقدم في كلام إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي مثل ما ذكره الزنجاني من الإجماع على الإشارة إلى الله تعالى من جهة الفوق، وأنه لم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن
стр. 5163
معية الله لخلقه معية ذاتية، ولو كان الأمر على ما زعمه من قال على الله بغير علم، لكان يجوز أن يشار إلى الله تعالى من سائر الجهات، وهذا خلاف إجماع المسلمين.
قول الشيخ الموفق أبي محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي
قد ذكرت فيما تقدم أنه نقل إجماع السلف على أن الله تعالى فوق العرش، وذكرت أيضا كلامه في كتابه "إثبات صفة العلو"، وما ذكر فيه من إجماع جميع العلماء من الصحابة، والأئمة من الفقهاء على إثبات صفة العلو لله تعالى، وأن الأخبار قد تواترت في ذلك على وجه حصل به اليقين، فليراجع كلامه في ذلك، وليراجع أيضا كما ذكره مما جعله مغروزا في طبائع الخلق عند نزول الكرب، من لحظ السماء بالأعين، ورفع الأيدي للدعاء نحوها، وانتظار مجيء الفرج من الله تعالى، وأنه لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده على ضلالته.
قول أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي مؤلف التفسير الكبير
المسمى "بالجامع لأحكام القرآن "
قال في كتابه المسمى "بالأسنى في شرح أسماء الله الحسنى": وقد كان الصدر الأول لا ينفون الجهة، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبر رسوله ﷺ ، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة. ثم ذكر كلام أبي بكر الحضرمي في رسالته التي سماها "بالإيماء إلى مسألة الاستواء"، وحكايته عن القاضي عبد الوهاب أنه استواء الذات على العرش، وذكر أن ذلك قول القاضي أبي بكر بن الطيب الأشعري، كبير الطائفة، وأن القاضي عبد الوهاب نقله عنه نصا، وأنه قول الأشعري وابن فورك في بعض كتبه، وقول الخطابي وغيره من الفقهاء والمحدثين.
قال القرطبى وهو قول أبي عمر بن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين، ثم قال بعد أن حكى أربعة عشر قولا: وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار، وقال: جميع الفضلاء بالإخبار أن الله على عرشه، كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه، بلا كيف بائن من جميع خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات. انتهى، وقد نقله ابن القيم في كتاب " اجتماع الجيوش الإسلامية" وأقره.
стр. 5164
قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية
قال في بعض فتاويه: والرب سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. انتهى. وهو في صفحة ٤٠٦ من الجزء الأول من مجموع الفتاوى المطبوع في القاهرة في سنة ١٣٢٦ هـ.
وقال في أول "الفتوى الحموية الكبرى": فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسول الله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، ثم ذكر الأدلة على ذلك من القرآن، ثم قال: وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بكلفة - وذكر عدة أحاديث في ذلك.
وقال بعد ذكرها: إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علما يقينا من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول ﷺ المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء، كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم، في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته، ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفا، ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولا عن أحد من سلف الأمة - لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف - حرف واحد يخالف ذلك، لا نصا ولا ظاهرا. انتهى.
وفي كتب شيخ الإسلام وفتاويه من كلامه، وما نقله عن أكابر العلماء في إثبات علو الرب على خلقه، وأنه سبحانه مستو على عرشه، بائن من خلقه، وتقرير ذلك بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع شيء كثير جدا، وقد ذكرت جملة منه فيما تقدم.
وأما كلامه في المعية وقوله: إنها معية العلم، فهو كثير أيضا، وقد نقل أقوال بعض الذين حكوا الإجماع على ذلك في مواضع كثيرة من كتبه وفتاويه، وقد ذكرت بعض نقوله عنهم فيما تقدم، فلتراجع؛ ففيها أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
وقد ذكر في" الفتوى الحموية الكبرى" عن سلف الأمة وأئمتها، أئمة أهل العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة أنهم أثبتوا أن الله فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهم بائنون منه. وهو أيضا مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية. وهو أيضا قريب مجيب.
стр. 5165
ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم، انتهى. وذكر في "شرح حديث النزول " قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وقوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢) ثم قال: وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه.
وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم، ثم ذكر ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (٣) قال: هو على العرش، وعلمه معهم. قال: وروي عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم، وروي أيضا عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٥) قال: هو على العرش وعلمه معهم. ورواه بإسناد آخر عن مقاتل بن حيان، وهو ثقة في التفسير ليس بمجروح كما جرح مقاتل بن سليمان.
وذكر أيضا ما رواه عبد الله بن أحمد عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٦) قال: هو على العرش، وعلمه معهم، وروي أيضا عن سفيان الثوري في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٧) قال: علمه. وذكر أيضا ما رواه حنبل بن إسحاق في كتاب "السنة" قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل ما معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٨) و ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٩) إلى قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١٠) قال: علمه، عالم الغيب والشهادة، محيط بكل شيء، شاهد علام الغيوب، يعلم الغيب. ربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السماوات والأرض.
قلت: قوله: بلا حد ولا صفة معناه: أنه لا يحد استواء الرب على العرش، ولا توصف كيفيته، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس: الاستواء معلوم والكيف غير معقول، قال شيخ الإسلام: وأيضا فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم، ثم ذكر أن لفظ المعية في اللغة - وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة - فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد. انتهى.
стр. 5166
قول الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي
قد صنف الذهبي - رحمه الله تعالى - في إثبات علو الله على عرشه كتابه المسمى "بالعلو للعلي الغفار"، وساق فيه أدلة العلو من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء إلى قريب من زمانه، ومنهم من حكى الإجماع على أن الله تعالى فوق عرشه، ومع الخلق بعلمه، وقال في أثناء الكتاب: ويدل على أن البارئ ﵎ عال على الأشياء فوق عرشه المجيد، وغير حال في الأمكنة، قول الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (١)، ثم ساق آيات وأحاديث كثيرة في إثبات العلو، فلتراجع، وليراجع الكتاب كله، فإنه كثير الفوائد عظيم المنفعة.
قول العلامة شمس الدين بن القيم
قد صنف ابن القيم - رحمه الله تعالى - في إثبات علو الله على خلقه كتابه المسمى "باجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية "، وساق فيه أدلة العلو من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من أكابر العلماء إلى قريب من زمانه، ومنهم من حكى الإجماع على أن الله تعالى فوق عرشه، وهو مع الخلق بعلمه، فليراجع الكتاب كله؛ فإنه كثير الفوائد، عظيم المنفعة.
ولابن القيم أيضا فصول في كتابه المسمى "بالكافية الشافية"، وفي كتابه المسمى "بالصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" قرر فيها علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات، ورد فيها على أهل التشبيه والتعطيل، فلراجع أيضا.
قول الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير
قال في تفسير سورة الحديد: وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم، حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم، وقال في تفسير سورة المجادلة: ثم قال تعالى مخبرا عن إحاطة علمه بخلقه، واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا
стр. 5167
وأين كانوا فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (١) أي: من سر ثلاثة، ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢) أي: مطلع عليهم، يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله - أيضا مع ذلك - تكتب ما يتناجون به مع علم الله به، وسمعه له.
ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضا مع علمه بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم. انتهى.
فهذا ما تيسر إيراده من أقوال أكابر العلماء في إثبات العلو لله تعالى، وأنه فوق جميع المخلوقات مستو على عرشه، بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، وأن معيته لخلقه معية العلم والإحاطة، والاطلاع، والسماع، والرؤية، وأن له معية خاصة مع أنبيائه وأوليائه، وهي معية النصر والتأييد والكفاية، ولم يأت في القرآن ولا في السنة، ولا في أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، ما يدل على أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنما جاء ذلك عن بعض أهل البدع، وهم الذين يقولون: إن الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان. وهذا قول باطل مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع، وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب فليراجع.
وكلام أكابر العلماء المتأخرين في المائة الثامنة من الهجرة فما بعدها في إثبات العلو، والرد على من قال بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة كثير جدا، وفيما ذكرته عن المتقدمين كفاية إن شاء الله تعالى.
стр. 5168
فصل
وقد تعلق المردود عليه بجمل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن رجب، وليس في شيء منها ما يؤيد زعمه أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإن توهم المردود عليه أو توهم غيره أن في شيء منها تأييدا لقوله الباطل، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين على أن الله تعالى على العرش، وعلمه في كل مكان، وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) ونحو ذلك في القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله تعالى فوق
стр. 5169
السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أكابر العلماء، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن القيم عن غير واحد من الأئمة، وتقدم ذكر ذلك في أول الكتاب، وما خالف الإجماع من الأقوال فهو مردود على قائله كائنا من كان.
وإذا علم هذا، فمن الجمل التي تعلق بها المردود عليه قول شيخ الإسلام ابن تيمية في صفحة ٣ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، أن كلمة (مع) إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة، أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، قال: فالله مع خلقه حقيقة، وهو فوق عرشه حقيقة، ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف أنه معهم بعلمه. وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته.
والجواب أن يقال: ليس في هذه الجملة ما يتعلق به من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنما فيها الرد عليه؛ لأن شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - قد صرح أن المعية المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣) قد دل ظاهر الخطاب على أن حكمها ومقتضاها أنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، قال: وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، قال: وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. انتهى.
فأما القول بالمعية الذاتية، فإنما هو من أقوال الحلولية من الجهمية، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، وتقدم كلامه في أول الكتاب، فليراجع.
стр. 5170
الجملة الثانية من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قول شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب له في صفحة ٢٣١ من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى: فهو سبحانه مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم، - إلى أن قال: - فإنه عالم بعباده، وهو معهم أين ما كانوا، وعلمه بهم من لوازم المعية، ثم قال: فمدلول اللفظ مراد منه، وقد أريد أيضا لازم ذلك المعنى، فقد أريد ما يدل عليه اللفظ في أصل اللغة بالمطابقة وبالالتزام، فليس اللفظ مستعملا في اللازم فقط، بل أريد به مدلوله الملزوم، وذلك حقيقة.
стр. 5171
والجواب أن يقال: إن المردود عليه قد اختصر كلام شيخ الإسلام، وترك جملة من أوله فيها بيان المراد من كلامه في المعية، وأنها معية العلم؛ لعموم العباد ومعية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وهذا نص كلام شيخ الإسلام قال: وأما القسم الرابع فهم سلف الأمة، وأئمتها أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، فإنهم أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة كله من غير تحريف للكلم، أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه، بائن خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضا مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضا قريب مجيب، ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم.
وكان النبي ﷺ يقول: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل (١)»، فهو سبحانه مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم - إلى أن قال: - فالله تعالى عالم بعباده، وهو معهم أين ما كانوا، وعلمه بهم من لوازم المعية. انتهى.
وفي قوله: إن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وأنه مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد، والكفاية أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وكذلك قوله: إن في آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم. فيه أيضا رد عليه.
وأما المعية المذكورة في قوله: فهو مع المسافر في سفره، ومع أهله في وطنه، فهي معية الاطلاع والحفظ والكفاية، وليست معية ذاتية كما قد توهم ذلك المردود عليه. وقد أوضح ذلك شيخ الإسلام بقوله: ولا يلزم من هذا أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم. ومن تأمل كلام شيخ الإسلام في المعية وجده يدور على أنها معية العلم والإحاطة، والاطلاع، والسماع، والرؤية لعموم الخلق، وأن لله معية خاصة مع أنبيائه وأوليائه، وهي معية النصر والتأييد والكفاية.
стр. 5172
الجملة الثالثة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قول شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية": وهل هذا الكلام الذي ذكره تعالى من أنه فوق العرش، وأنه معنا، حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف. وقال في الفصل الذي يليه: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في دنوه، قريب في علوه.
стр. 5173
والجواب أن يقال: إن شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - لم يقل: إن معية الله لخلقه معية ذاتية حتى يكون للمردود عليه تعلق بكلامه، وقد تقدم في الجواب عن الجملة الثانية ما نقله شيخ الإسلام عن سلف الأمة وأئمتها، أنهم أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وأنه مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وأن في آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم، فكلام شيخ الإسلام "في الفتاوى" يوضح كلامه في "العقيدة الواسطية"، ويبين أنه أراد بالمعية معية العلم، ولم يرد المعية الذاتية التي تستلزم مخالطة الخلق في كل مكان.
وأما قول شيخ الإسلام: وهو علي في دنوه، قريب في علوه، فمراده بالدنو نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، كما جاء ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ . وكذلك دنوه من أهل الموقف عشية عرفة، فقد جاء في حديث مرفوع أن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة. وليس في نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا في آخر الليل، وفي عشية عرفة، ودنوه من خلقه ما يقتضي أن تكون معيته لهم معية ذاتية، وليس في كلام شيخ الإسلام ما يدل على ذلك، وقد ذكرت كلامه في المعية مما ذكره في الفتاوى وغيرها من كتبه، وما نقله من إجماع المسلمين من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه. فليراجع ما تقدم من النقول عنه؛ ففيها كفاية في الرد على من توهم من كلامه في "العقيدة الواسطية" خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون في المعية، وأنها معية العلم وليست معية ذاتية.
стр. 5174
الجملة الرابعة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قول ابن القيم في "مختصر الصواعق " المثال التاسع: مما ادعى فيه المجاز قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وذكر آيات فيها المعية، ثم قال: قالت المجازية: هذا كله مجاز يمتنع حمله على الحقيقة؛ إذ حقيقته المخالطة والمجاورة، وهي منتفية قطعا، فإذا معناه العلم والقدرة والإحاطة، ومعية النصر والتأييد والمعونة، وكذلك القرب.
قال أصحاب الحقيقة: والجواب عن ذلك من وجوه - إلى أن قال: - الوجه الرابع: إنه ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه مختلط بالمخلوقات، ممتزج بها - إلى أن قال: - وغاية ما تدل عليه (مع) المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور، وذا الاقتران في كل موضع بحسبه يلزمه لوازم بحسب متعلقه، فإذا قيل: الله مع خلقه بطريق
стр. 5175
العموم، كان من لوازم ذلك علمه بهم، وتدبيره لهم، وقدرته عليهم، وإذا كان ذلك خاصا كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١)، كان من لازم ذلك معيته لهم بالنصر والتأييد والمعونة.
قال: وقد أخبر الله تعالى أنه مع خلقه مع كونه مستويا على عرشه - إلى أن قال: - فعلوه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوه، ثم تكلم على قرب الله تعالى وقال: فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير، وهو سبحانه مع ذلك فوق سماواته على عرشه، كما أنه سبحانه يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة وهو على عرشه. قال: وهو سبحانه قريب في علوه عال في قربه.
قال: والذي يسهل عليك فهم هذا معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء، وهو على العرش. اهـ.
والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن الله ﵎ مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه، وأجمعوا على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأن الله تعالى فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء. وقد نقل ابن القيم هذا الإجماع في كتابه المسمى (باجتماع الجيوش الإسلامية)، والعمدة على هذا الإجماع، ولا عبرة بما خالفه من أقوال الناس.
الوجه الثاني: أن أقول: إني لم أر في شيء من كتب ابن القيم التصريح بأن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنما كان كلامه يدور على إثبات معية العلم والقدرة والإحاطة والرؤية لعموم الخلق، وعلى معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وقد ذكر في كتابه المسمى "باجتماع الجيوش الإسلامية" آيات كثيرة في إثبات علو الرب ﵎ واستوائه على عرشه، ومنها قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣)، ثم قال:
стр. 5176
فذكر عموم علمه، وعموم قدرته، وعموم إحاطته، وعموم رؤيته، وذكر أيضا في كتاب " اجتماع الجيوش الإسلامية" عن القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني أنه قال في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١)، يعني بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أن ذاته معهم. قال: وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢) محمول على هذا التأويل، وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣) يعني أنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم. انتهى.
وقد أقره ابن القيم على هذا القول، وذلك يدل على الرضى به والموافقة عليه، وفيه رد لما تشبث به المردود عليه من كلام ابن القيم في كتاب (الصواعق المرسلة)، وقد قال ابن القيم في كتاب "الصواعق المرسلة" قبل كلامه الذي نقله المردود عليه بأقل من صفحة: الوجه الثاني: أن الله سبحانه قد بين في القرآن غاية البيان أنه فوق سماواته، وأنه مستو على عرشه، وأنه بائن عن خلقه، وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه رفع المسيح إليه، وأنه يصعد إليه الكلم الطيب إلى سائر ما دلت عليه النصوص من مباينته لخلقه وعلوه على عرشه. وهذه نصوص محكمة فيجب رد المتشابه إليها. انتهى.
قلت: وفي النصوص المحكمة الدالة على علو الله ﵎ فوق سماواته، ومباينته لجميع خلقه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية؛ لأن هذا القول الباطل يستلزم الحلول مع الخلق في أماكنهم، وذلك من أبطل الباطل.
وأما دنو الرب ﵎ من عباده فهو ثابت في حديث النزول المتفق على صحته، وجاء في حديث مرفوع أن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة، وهذا الحديث وحديث النزول في آخر الليل وغيرهما مما جاء في الصفات وهو ثابت عن النبي ﷺ ، فإنه يجب الإيمان به، وإمراره كما جاء.
قال الأوزاعي: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث - أي التي جاءت في الصفات - فقالا: أمروها كما جاءت. رواه الخلال في كتاب (السنة)، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى"، وروى الخلال أيضا عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت. وفي رواية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف.
وقد نقل هذه الرواية أيضا
стр. 5177
شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى" ثم قال: والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين. ونقل الشيخ أيضا عن أبي سليمان الخطابي أنه قال في رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله ": فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها الكتاب والسنة فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها. انتهى.
وإذا علم هذا فليس من مذهب السلف أن معية الله لخلقه معية ذاتية، ولم يقل ذلك أحد من علماء أهل السنة والجماعة فيما علمت، وإنما هو من أقوال أهل البدع، وهم الذين يقولون: إن الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان. وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وتقدم في أول الكتاب، فليراجع. ومن زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، واستدل على ذلك بنزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا في آخر الليل، ودنوه من أهل الموقف في عشية يوم عرفة فقد أبعد النجعة وقال على الله بغير علم.
стр. 5178
الجملة الخامسة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قول ابن رجب في شرح الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية: فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد، والحفظ والإعانة، بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢) إلخ، فإن هذه المعية تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم. اهـ.
والجواب أن يقال: إن كلام ابن رجب - رحمه الله تعالى - موافق لما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من أن المعية العامة: معية العلم والاطلاع والمراقبة. وأن المعية الخاصة: معية النصر والتأييد والحفظ والإعانة. وليس في كلامه ما يتعلق به من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
стр. 5179
الجملة السادسة من الجمل التي تعلق بها المردود عليه: قول ابن كثير في تفسير سورة الحديد: أي رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم، حيث كنتم وأين كنتم من بر وبحر، في ليل أو نهار، الجميع في علمه على السواء، وتحت سمعه وبصره، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم، وقال في سورة المجادلة: وقد حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضا مع علمه بهم وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء. اهـ.
стр. 5180
والجواب أن يقال: ليس في كلام ابن كثير ما يتعلق به من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وفيما ذكره ابن كثير من الإجماع على أن المعية معية العلم أبلغ رد على صاحب الزعم المخالف للإجماع.
وأما قول المردود عليه بعد ما ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب، ففي كلام هؤلاء العلماء الأجلاء إشارة بل في بعضه تصريح بأن تفسير معية الله تعالى لخلقه بعلمه تفسير بلازمها أو حكمها ومقتضاها، كما في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، واللازم غير الملزوم، والمقتضي غير المقتضى؛ فلهذا قال شيخ الإسلام: ففرق بين معنى المعية ومقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها.
ووجه ذلك أن دلالة اللفظ على مدلوله تارة تكون بالمطابقة، وتارة بالتضمن، وتارة بالالتزام، فدلالة المعية على العلم من دلالة الملزوم على اللازم، كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولهذا قال: وعلمه بهم من لوازم المعية ومن التبعيض، وذلك لأن العلم ليس وحده لازم المعية، بل لها لوازم أخرى كالاطلاع والسمع والرقابة والهيمنة والقدرة والسلطان، وغير ذلك مما تقتضيه المعية. وقد مثل بهذه اللوازم الزائدة على العلم شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير وابن رجب رحمهم الله تعالى.
وأشار إلى مثل ذلك الشيخ الشنقيطي حيث قال: وأما المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته، فدل ذلك أن تفسير السلف لها بالعلم تفسير ببعض لوازمها، وليس وحده هو معناها، وأن مقصودهم بذلك خوف توهم حلول البارىء - جل وعلا - في أماكننا في الأرض، أو دفع دعوى من ادعى ذلك من الحلولية الجهمية، وقد ذكر أن ذلك مقصودهم الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم حيث قال في الفهارس العامة لمجموع الفتاوى ص ٩٠: فسر بعض السلف بعض نصوص المعية بالعلم، وهو بعض مقتضاها؛ دفعا لاستدلا الحلولية بها. اهـ.
فجوابه أن يقال: إن العلماء الذين ذكرهم المردود عليه في هذه الجملة لم يقل أحد منهم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنما كان كلامهم يدور على إثبات معية العلم والقدرة والإحاطة والسماع والرؤية لعموم الخلق. وعلى إثبات معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه، وقد ذكر كلام شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير في ذلك قريبا، فليراجع.
وأما كلام ابن رجب الذي تقدم ذكره فهو موافق لكلام شيخ الإسلام وابن القيم وابن
стр. 5181
كثير، وقد تقدم في الجواب عن الجملة الثانية من الجمل التي تعلق بها المردود عليه، ما ذكره شيخ الإسلام عن سلف الأمة وأئمتها أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، أنهم أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضا مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية.
وتقدم أيضا ما ذكره شيخ الإسلام والذهبي وابن القيم من الإجماع على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) ونحو ذلك في القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء. وفيما ذكروه أبلغ رد على من توهم عليهم خلاف ما ذكروه من الإجماع.
وقال شيخ الإسلام أيضا في "شرح حديث النزول ": ولفظ المعية في كتاب الله جاء عاما، كما في هاتين الآيتين، يعني قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٤) وجاء خاصا كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٥) وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٦) وقوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٧) فلو كان المراد أنه بذاته مع كل شيء، لكان التعميم يناقض التخصيص. فإنه قد علم أن قوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٨) أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٩) خصهم بذلك دون الظالمين والفجار - إلى أن قال: - وأيضا فإنه افتتح الآية بالعلم، وختمها بالعلم، فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم.
وقد بسط الكلام عليه في موضع أخر، وبين أن لفظ المعية في اللغة وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد. انتهى المقصود من كلامه. وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
وقد تقدم في الجواب عن الجملة الرابعة ما ذكره ابن القيم عن القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني أنه قال في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١٠) يعني بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أن ذاته معهم. قال وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١١) محمول على هذا التأويل. وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (١٢) يعني أنه عالم بهما، وبما خفي من سرهم ونجواهم. انتهى. وقد أقره ابن القيم على هذا القول، وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
стр. 5182
وتقدم أيضا كلام ابن كثير على قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٣) وما ذكره من الإجماع على أن المراد بالآية معية العلم، قال: وسمعه أيضا علمه بهم وبصره نافذ فيهم. انتهى. وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٤) هذه المعية خاصة بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق، وأما المعية العامة لجميع الخلق، فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا، فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل، وهذه هي المذكورة أيضا في آيات كثيرة كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ (٥) الآية، وقوله الله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٦) الآية، وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (٨) الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فهو جل وعلا مستو على عرشه - كما قال - على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو محيط بخلقه، كلهم في قبضة يده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. انتهى كلامه. وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
стр. 5183
وإذا علم هذا فكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام من ذكر بعده من العلماء موافق لما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وهو أن الله مع العباد عموما بالعلم والقدرة والإحاطة والسماع والرؤية، وأنه يخص أنبياءه وأولياءه بمعية النصر والتأييد والكفاية، وليس في كلامهم ما يتعلق به من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
وأما قول المردود عليه: وإذا أردت أن تعرف أن معنى معية الله لخلقه معية حقيقية ذاتية، لا تقتضي أن يكون حالا فيهم ولا في أمكنتهم، فتأمل ما يأتي:
أ- قول شيخ الإسلام وغيره: إن ما ذكر من معيته لا ينافي ما ذكر من علوه، وأنه
стр. 5184
سبحانه علي في دنوه، قريب في علوه، فإنه لو كان معنى المعية مجرد العلم، ما احتاجوا إلى ذكر ذلك؛ لأن تصور المنافاة بين عموم العلم وعلو الذات غير وارد ولا مورد أيضا.
ب- قول ابن القيم - رحمه الله تعالى - في "مختصر الصواعق": والذي يسهل عليك فهم هذا إلى آخر ما نقلناه عنه في هذه الورقات. وقول الشنقيطي في تفسيره - رحمه الله تعالى -: فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل - إلى أن قال: - فهو سبحانه مستو على عرشه، كما قال على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله وهو محيط بخلقه كأنهم (١) قبضة يده.
ج- قول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير، وهو مع ذلك فقو سماواته على عرشه. فأثبت له القرب الذاتي مع علوه قربا ليس له نظير.
فالجواب عن أول كلامه من وجهين أحدهما: أن يقال: إن آخر كلامه ينقض أوله. وذلك أنه أثبت المعية الذاتية للخلق، وإثباتها يستلزم إثبات الحلول معهم في أمكنتهم. كما أن نفي الحلول مع الخلق يستلزم نفي المعية الذاتية لهم. وحيث إن المردود عليه قد أثبت المعية الذاتية للخلق، وفي الحلول معهم في أمكنتهم، فقد وقع في التناقض، وإذا فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يثبت المعية الذاتية للخلق والحلول معهم في أمكنتهم، ويكون من الحلولية الذين يقولون: إن الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان. وإما أن ينفي المعية الذاتية للخلق، والحلول معهم في أمكنتهم، ويكون من أهل السنة والجماعة الذين قد أجمعوا على أن الله تعالى مستو على عرشه فوق جميع المخلوقات، وأنه تعالى مع عموم الخلق بالعلم والمشاهدة والسماع لأقوالهم وحركاتهم، وأنه يخص أنبياءه وأولياءه بمعية النصر والتأييد والكفاية. فليختر المردود عليه ما يناسبه من أحد الأمرين.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه ليس في كلام شيخ الإسلام وابن القيم والشنقيطي ما يؤيد زعم المردود عليه أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنما الذي في كلامهم إثبات معية العلم والقدرة، والإحاطة والسماع والرؤية لعموم الخلق. وإثبات معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه.
وأما قول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: إن ما ذكر من معية الله تعالى لا ينافي ما
стр. 5185
ذكر من علوه، فراده بالمعية: معية العلم والقدرة والسلطان لعموم الخلق، ومعية الإعانة والنصر والتأييد لأنبياء الله وأوليائه. وهذا واضح في كلامه المنقول من "شرح حديث النزول "، وقد تقدم ذكره قريبا، فليراجع.
وأما قول ابن القيم: والذي يسهل عليك فهم هذا؛ معرفة عظمة الرب، وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء، وهو على العرش. فمراده ما صرح به قبل هذه الجملة، وهو أن الله تعالى يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة، وهو فوق عرشه، وأن المعية العامة يكون من لازمها العلم والتدبير والقدرة، وأما المعية الخاصة فإنه يكون من لازمها النصر والتأييد والمعونة، وقد تقدم قريبا ما نقله ابن القيم عن القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني أنه قال في المعية الخاصة: إنها بالحفظ والنصر والتأييد، قال: ولم يرد أن ذاته معهم. وقال في المعية العامة: إنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم. وقد أقره ابن القيم على هذا القول وفيه- مع مما تقدم من كلا ابن القيم، وما نقله من الإجماع على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) ونحو ذلك في القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء - أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
وأما الشنقيطي فقد تقدم كلامه قريبا، وفيه التصريح بأن المعية الخاصة هي بالإعانة والنصر والتوفيق. وأما في المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا، قال: وهو مستو على عرشه على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله. فكلام الشنقيطي فيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.
وأما قول ابن القيم: فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير، وقول المردود عليه فأثبت له القرب الذاتي مع علوه قربا ليس له نظير.
فجوابه أن يقال: أما قرب رحمة الله تعالى من المحسنين فهو ثابت في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وأما قرب ذاته منهم فليس عليه