← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

كثير، وقد تقدم في الجواب عن الجملة الثانية من الجمل التي تعلق بها المردود عليه، ما ذكره شيخ الإسلام عن سلف الأمة وأئمتها أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، أنهم أثبتوا أن الله تعالى فوق سماواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وهم منه بائنون، وهو أيضا مع العباد عموما بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية. وتقدم أيضا ما ذكره شيخ الإسلام والذهبي وابن القيم من الإجماع على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) ونحو ذلك في القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء. وفيما ذكروه أبلغ رد على من توهم عليهم خلاف ما ذكروه من الإجماع. وقال شيخ الإسلام أيضا في "شرح حديث النزول ": ولفظ المعية في كتاب الله جاء عاما، كما في هاتين الآيتين، يعني قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٤) وجاء خاصا كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٥) وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٦) وقوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٧) فلو كان المراد أنه بذاته مع كل شيء، لكان التعميم يناقض التخصيص. فإنه قد علم أن قوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٨) أراد به تخصيصه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٩) خصهم بذلك دون الظالمين والفجار - إلى أن قال: - وأيضا فإنه افتتح الآية بالعلم، وختمها بالعلم، فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم. وقد بسط الكلام عليه في موضع أخر، وبين أن لفظ المعية في اللغة وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد. انتهى المقصود من كلامه. وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. وقد تقدم في الجواب عن الجملة الرابعة ما ذكره ابن القيم عن القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني أنه قال في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١٠) يعني بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أن ذاته معهم. قال وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١١) محمول على هذا التأويل. وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (١٢) يعني أنه عالم بهما، وبما خفي من سرهم ونجواهم. انتهى. وقد أقره ابن القيم على هذا القول، وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.

стр. 5182

وتقدم أيضا كلام ابن كثير على قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) إلى قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٣) وما ذكره من الإجماع على أن المراد بالآية معية العلم، قال: وسمعه أيضا علمه بهم وبصره نافذ فيهم. انتهى. وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٤) هذه المعية خاصة بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق، وأما المعية العامة لجميع الخلق، فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا، فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل، وهذه هي المذكورة أيضا في آيات كثيرة كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ (٥) الآية، وقوله الله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٦) الآية، وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (٨) الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فهو جل وعلا مستو على عرشه - كما قال - على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو محيط بخلقه، كلهم في قبضة يده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. انتهى كلامه. وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية.

стр. 5183

وإذا علم هذا فكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام من ذكر بعده من العلماء موافق لما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وهو أن الله مع العباد عموما بالعلم والقدرة والإحاطة والسماع والرؤية، وأنه يخص أنبياءه وأولياءه بمعية النصر والتأييد والكفاية، وليس في كلامهم ما يتعلق به من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. وأما قول المردود عليه: وإذا أردت أن تعرف أن معنى معية الله لخلقه معية حقيقية ذاتية، لا تقتضي أن يكون حالا فيهم ولا في أمكنتهم، فتأمل ما يأتي: أ- قول شيخ الإسلام وغيره: إن ما ذكر من معيته لا ينافي ما ذكر من علوه، وأنه

стр. 5184

سبحانه علي في دنوه، قريب في علوه، فإنه لو كان معنى المعية مجرد العلم، ما احتاجوا إلى ذكر ذلك؛ لأن تصور المنافاة بين عموم العلم وعلو الذات غير وارد ولا مورد أيضا. ب- قول ابن القيم - رحمه الله تعالى - في "مختصر الصواعق": والذي يسهل عليك فهم هذا إلى آخر ما نقلناه عنه في هذه الورقات. وقول الشنقيطي في تفسيره - رحمه الله تعالى -: فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل - إلى أن قال: - فهو سبحانه مستو على عرشه، كما قال على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله وهو محيط بخلقه كأنهم (١) قبضة يده. ج- قول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير، وهو مع ذلك فقو سماواته على عرشه. فأثبت له القرب الذاتي مع علوه قربا ليس له نظير. فالجواب عن أول كلامه من وجهين أحدهما: أن يقال: إن آخر كلامه ينقض أوله. وذلك أنه أثبت المعية الذاتية للخلق، وإثباتها يستلزم إثبات الحلول معهم في أمكنتهم. كما أن نفي الحلول مع الخلق يستلزم نفي المعية الذاتية لهم. وحيث إن المردود عليه قد أثبت المعية الذاتية للخلق، وفي الحلول معهم في أمكنتهم، فقد وقع في التناقض، وإذا فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يثبت المعية الذاتية للخلق والحلول معهم في أمكنتهم، ويكون من الحلولية الذين يقولون: إن الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان. وإما أن ينفي المعية الذاتية للخلق، والحلول معهم في أمكنتهم، ويكون من أهل السنة والجماعة الذين قد أجمعوا على أن الله تعالى مستو على عرشه فوق جميع المخلوقات، وأنه تعالى مع عموم الخلق بالعلم والمشاهدة والسماع لأقوالهم وحركاتهم، وأنه يخص أنبياءه وأولياءه بمعية النصر والتأييد والكفاية. فليختر المردود عليه ما يناسبه من أحد الأمرين. الوجه الثاني: أن يقال: إنه ليس في كلام شيخ الإسلام وابن القيم والشنقيطي ما يؤيد زعم المردود عليه أن معية الله لخلقه معية ذاتية، وإنما الذي في كلامهم إثبات معية العلم والقدرة، والإحاطة والسماع والرؤية لعموم الخلق. وإثبات معية النصر والتأييد والكفاية لأنبياء الله وأوليائه. وأما قول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: إن ما ذكر من معية الله تعالى لا ينافي ما

стр. 5185

ذكر من علوه، فراده بالمعية: معية العلم والقدرة والسلطان لعموم الخلق، ومعية الإعانة والنصر والتأييد لأنبياء الله وأوليائه. وهذا واضح في كلامه المنقول من "شرح حديث النزول "، وقد تقدم ذكره قريبا، فليراجع. وأما قول ابن القيم: والذي يسهل عليك فهم هذا؛ معرفة عظمة الرب، وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى، ثم يهزهن فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء، وهو على العرش. فمراده ما صرح به قبل هذه الجملة، وهو أن الله تعالى يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة، وهو فوق عرشه، وأن المعية العامة يكون من لازمها العلم والتدبير والقدرة، وأما المعية الخاصة فإنه يكون من لازمها النصر والتأييد والمعونة، وقد تقدم قريبا ما نقله ابن القيم عن القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني أنه قال في المعية الخاصة: إنها بالحفظ والنصر والتأييد، قال: ولم يرد أن ذاته معهم. وقال في المعية العامة: إنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم. وقد أقره ابن القيم على هذا القول وفيه- مع مما تقدم من كلا ابن القيم، وما نقله من الإجماع على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) ونحو ذلك في القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء - أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. وأما الشنقيطي فقد تقدم كلامه قريبا، وفيه التصريح بأن المعية الخاصة هي بالإعانة والنصر والتوفيق. وأما في المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا، قال: وهو مستو على عرشه على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله. فكلام الشنقيطي فيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية. وأما قول ابن القيم: فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير، وقول المردود عليه فأثبت له القرب الذاتي مع علوه قربا ليس له نظير. فجوابه أن يقال: أما قرب رحمة الله تعالى من المحسنين فهو ثابت في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، وأما قرب ذاته منهم فليس عليه

стр. 5186

دليل ينص عليه لا من القرآن ولا من السنة، وما ليس عليه دليل ينص عليه فليس عليه تعويل. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر (١)»، وجاء في حديث مرفوع: «إن الله تعالى يهبط إلى السماء الدنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة»، فيجب إثبات ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، وإمراره كما جاء، وترك ما سوى ذلك من أقوال الناس، وإن كانوا من الأكابر المرموقين، قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣)، والكلام في الصفات بابه التوقيف ولا دخل للاجتهاد في ذلك أيضا. وإذا علم هذا فليعلم أن من أثبت لله صفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، فقوله مردود عليه كائنا من كان، والدليل على ذلك ما أمر الله به في الآيتين من سورة الأعراف. وأما قول المردود عليه: وهكذا نقول في المعية: نثبت لربنا معية حقيقية ذاتية، تليق بعظمته وجلاله، ولا تشبه معية المخلوق للمخلوق، ونثبت مع ذلك علوه على خلقه، واستواءه على عرشه على الوجه اللائق بجلاله، لا نكيف ذلك ولا نتصور له كيفية؛ لأن تكييفنا له قول على الله بلا علم، وتصورنا لذلك كيفية محاولة لما لا يمكن الوصول إليه ولا القول به. ونرى أن من زعم أن الله تعالى بذاته في كل مكان، فهو كافر أو ضال إن اعتقده، وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة أو أئمتها، فعقيدتنا أن لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به، وتقتضي إحاطته بكل شيء علما وقدرة وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا، وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطا بالخلق أو حالا في أمكنتهم، بل هو العلي بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وأنه على عرشه كما يليق بجلاله، وأن ذلك لا ينافي معيته؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤) قاله مقررا له ومعتقدا له، منشرحا له صدره، كاتبه. . . في ٢٤/ ٦ / ١٤٠٣هـ التوقيع والختم. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن إثبات المعية الذاتية لله تعالى مع خلقه لم يرد في القرآن ولا في السنة، ولا عن أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم، وأئمة العلم

стр. 5187

والهدى من بعدهم. ولم أر أحدا أثبتها سوى المردود عليه. وقد ذكرت قريبا أن من أثبت لله تعالى صفة لم ترد في القرآن ولا في السنة فقوله مردود عليه، وذكرت الدليل على ذلك من القرآن. الوجه الثاني: أن يقال: إن كلام المردود عليه قد اشتمل على حق وباطل، فأما الذي فيه من الحق: فهو إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه على الوجه اللائق بجلاله، وأن الاستواء لا يكيف ولا تتصور كيفيته، وأن الله تعالى هو العالي بذاته وصفاته، وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، وأنه محيط بكل شيء علما وقدرة وسمعا وبصرا وسلطانا وتدبيرا، وأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) ومن الحق فيه أيضا تكفير وتضليل من زعم أن الله تعالى بذاته في كل مكان، وتكذيب من نسب ذلك إلى أحد من سلف الأمة وأئمتها، وتنزيه الله تعالى عن الاختلاط بالخلق والحلول في أمكنتهم. وأما الذي فيه من الباطل فهو: إثبات المعية الذاتية لله مع خلقه، ولا يخفى على من له علم وفهم أن إثبات المعية الذاتية لله مع خلقه، يستلزم الاختلاط بهم والحلول معهم في أمكنتهم، وهذا مما يجب تنزيه الله عنه، وفيه من الباطل أيضا زعمه أن المعية الذاتية لله مع الخلق تليق بعظمة الرب وجلاله، وهذا من قلب الحقيقة؛ لأن المعية الذاتية للرب مع خلقه تستلزم مخالطتهم والحلول معهم في أمكنتهم، وذلك ينافي عظمة الرب وجلاله وعلوه على جميع خلقه. وفيه من الباطل أيضا جمعه بين إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه، وبين المعية الذاتية للخلق، وهذا من الجمع بين النقيضين. وفيه من الباطل أيضا زعمه أن علو الرب على خلقه، واستواءه على عرشه لا ينافي المعية الذاتية للخلق، وهذا من قلب الحقيقة؛ لأن علو الرب واستواءه على العرش الذي هو فوق جميع الخلق، ينافي المعية الذاتية التي تستلزم مخالطة الخلق والحلول معهم في أمكنتهم. وفيه من الباطل أيضا تقريره لقوله: الباطل في المعية الذاتية، واعتقاده له، وانشراح صدره له. فكل هذا باطل وضلال، والله المسئول أن يرد صاحب المقال الباطل إلى الحق، وأن لا يجعله من دعاة الضلالة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وقد وقع الفراغ من كتابة هذا الرد في ٢٨/ ٣ / ١٤٠٤هـ على يد كاتبه الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود التويجري، غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 5188

* محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين الوهيبي التميمي. * المولد: في عنيزة في العشر الأواخر من رمضان سنة ١٣٤٧ هـ. * قرأ القرآن على جده من جهة أمه فحفظه، ثم اتجه إلى طلب العلم فتعلم الخط والحساب وبعض فنون الآداب. * بدأ دراسة العلم على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع ﵀، فأخذ عنه مبادئ التوحيد والفقه والفرائض والنحو، وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان الفرائض والفقه، ثم قرأ على الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي الذي يعتبر أكثر مشائخه ملازمة له، وقراءة عليه وتحصيلا، فقرأ عليه التوحيد والتفسير والحديث، والفقه وأصوله، والفرائض والمصطلح، والنحو والصرف. * وفي عام ١٣٧١ هـ جلس للتدريس في الجامع، ولما فتحت المعاهد العلمية في الرياض التحق بها عام ١٣٧٢ هـ، وبعد سنتين تخرج وعين مدرسا في معهد عنيزة العلمي مع مواصلة الدراسة انتسابا في كلية الشريعة. * أما شيخه الثاني فهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فابتدأ عليه قراءة صحيح البخاري، وبعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الكتب الفقهية، فكان له بذلك اتجاه كبير إلى علم الحديث والاعتماد عليه، والنظر في أراء فقهاء المذاهب، وربط ذلك بالمشهور من مذهب الحنابلة. * ولما توفي ابن سعدي ﵀ تولى إمامة الجامع الكبير بعنيزة، والتدريس في مكتبة عنيزة الوطنية، بالإضافة إلى التدريس في المعهد العلمي، ثم انتقل إلى التدريس في فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم، ومازال على الإمامة والتدريس في جامع عنيزة، وفي فرع الجامعة في كليتي الشريعة وأصول الدين حتى الآن.

стр. 5189

المؤلفات: ١ - تفسير آيات الأحكام لم يكمل. ٢ - شرح عمدة الأحكام لم يكمل. ٣ - المصطلح. ٤ - الأصول. ٥ - رسالة في الوضوء والغسل والصلاة. ٦ - مجالس رمضان. ٧ - الأضحية والزكاة. ٨ - المنهج لمريد العمرة والحج. ٩ - تسهيل الفرائض. ١٥ - تلخيص الحموية. ١١ - شرح لمعة الاعتقاد. ١٢ - شرح الواسطية. ١٣ - عقيدة أهل السنة والجماعة. ١٤ - رسالة في أن الطلاق الثلاث واحدة ولو بكلمات. ١٥ - تخريج أحاديث الروض المربع. ١٦ - رسالة الحجاب. ١٧ - رسالة في مواقيت الصلاة الشرعية. ١٨ - رسالة في وجوب زكاة الحلي. ١٩ - رسالة في أحكام الميت من غسله ونحوه. ٢٠ - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى. ٢١ - نيل الأدب من قواعد ابن رجب. ٢٢ - أصول وقواعد فقهية نظم على بحر الرجز. ٢٣ - الضياء اللامع من الخطب الجوامع.

стр. 5190

قواعد في أدلة الأسماء والصفات للشيخ محمد بن صالح العثيمين الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. وبعد، فهذه قواعد في أدلة أسماء الله تعالى وصفاته، حررتها راجيا من الله تعالى أن ينفع بها عباده، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصالحين مصلحين، إنه جواد كريم. القاعدة الأولى: الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي: كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما. وعلى هذا فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسنة وجب إثباته. وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه مع إثبات كمال ضده. وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما؛ وجب التوقف في لفظه، فلا يثبت ولا ينفى؛ لعدم ورود الإثبات والنفي فيه. وأما معناه فيفصل فيه؛ فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول. وإن أريد به باطل لا يليق بالله وجب رده. فما ورد إثباته لله تعالى: كل صفة دل عليها اسم من أسماء الله تعالى دلالة مطابقة، أو -

стр. 5191

تضمن أو التزام. ومنه كل صفة دل عليها فعل من أفعاله، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تحصى أنواعها، فضلا عن أفرادها ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (١) ومنه. الوجه والعينان واليدان ونحوها. ومنه: الكلام والمشيئة والإرادة بقسميها الكوني والشرعي، فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة. ومنه: الرضا والمحبة والغضب والكراهة ونحوها (٢). ومما ورد نفيه من الله سبحانه لانتفائه وثبوت كمال ضده: الموت، والنوم، والسنة، والعجز، والإعياء، والظلم، والغفلة، عن أعمال العباد، وأن يكون له مثيل أو كفؤ ونحو ذلك (٣). ومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ (الجهة)، فلو سأل سائل هل نثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتا ولا نفيا، ويغنى عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء. وأما معناه فإما أن يراد به جهة سفل، أو جهة علو تحيط بالله، أو جهة علو لا تحيط به. فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع. والثاني باطل أيضا؛ لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته. والثالث حق؛ لأن الله تعالى العلي فوق خلقه، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته. ودليل هذه القاعدة السمع والعقل. فأما السمع فمنه قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥).

стр. 5192

وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٤). إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة. وكل نص يدل على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن، فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السنة؛ لأن مما جاء في القرآن الأمر باتباع النبي ﷺ ، والرد إليه عند التنازع، والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته. فأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن اتباع الرسول الله ﷺ المأمور به في القرآن؟ وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يرد النزاع إلى النبي ﷺ وقد أمر الله به في القرآن؟ وأين الإيمان بالرسول الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟ ولقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥). ومن المعلوم أن كثيرا من أمور الشريعة العلمية والعملية جاء بيانها بالسنة، فيكون بيانها بالسنة من تبيان القرآن. وأما العقل فنقول: إن تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله تعالى من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل، فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة.

стр. 5193

القاعدة الثانية: الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف ، لا سيما نصوص الصفات؛ حيث لا مجال للرأي فيها.

стр. 5194

ودليل ذلك السمع والعقل. أما السمع فقوله تعالى: الروح الأمين ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٤)، وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهرة باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي. وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ (٦) الآية. وأما العقل فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين، فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء، وتفرقت الأمة.

стр. 5195

القاعدة الثالثة: ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار، ومجهولة لنا باعتبار آخر ، فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة. وقد دل على ذلك السمع والعقل. أما السمع فمنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢)، وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣). والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه؛ ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.

стр. 5196

وكون القرآن عربيا؛ ليعقله من يفهم العربية، يدل على أن معناه معلوم وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها. وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه. وأما العقل فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتابا أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب، وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١). هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات. وأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية. فمن السمع قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٣). ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قفوا لما ليس لنا به علم، وقولا بما لا يمكننا الإحاطة به. وأما العقل فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله فوجب بطلان تكييفها. وأيضا فإننا نقول: أي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟ إن أي كيفية تقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك. وأي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذبا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك.

стр. 5197

وحينئذ يجب الكف عن التكييف؛ تقديرا بالجنان، أو تقريرا باللسان، أو تحريرا بالبنان. ولهذا لما سئل مالك - رحمه الله تعالى - عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١)، كيف استوى؟ أطرق ﵀ برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق)، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وروى عن شيخه ربيعة أيضا الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وقد مشى أهل العلم بعدهما إلى هذا الميزان، وإذا كان الكيف غير معقول، ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي، فوجب الكف عنه. فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك؛ فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك؛ فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به؛ فإنه طبيبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة، الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويدعون أن هذا مذهب السلف، والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهما بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالا أحيانا وتفصيلا أحيانا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل) ص ١١٦ ج١ المطبوع على هامش (منهاج السنة)، وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ - إلى أن قال ص ١١٨ - وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن - أو كثير مما وصف الله به نفسه - لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه. قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول ﷺ أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه، وهو ما أخبر به الرب عن صفاته. . . لا يعلم أحد معناه فلا يعقل

стр. 5198

ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سدا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحا لباب من يعارضهم، ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم مما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف هو شر أقوال أهل البدع والإلحاد. اهـ كلام الشيخ، وهو كلام سديد من ذى رأي رشيد، وما عليه مزيد، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم.

стр. 5199

القاعدة الرابعة: ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني ، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق، وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه، ومعنى آخر على وجه. فلفظ (القرية) مثلا يراد به القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (١). ومن الثاني قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ (٢). وتقول: صنعت هذا بيدي فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣)؛ لأن اليد في المثال أضيفت إلى المخلوق؛ فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق؛ فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس. وتقول: ما عندك إلا زيد، وما زيد إلا عندك، فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده

стр. 5200

الأولى مع اتحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغير المعنى به. إذا تقرر هذا فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني. وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام:

стр. 5201

القسم الأول: من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقا يليق بالله ، وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والذي لا يصدق لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم. وقد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البر فقال: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. اهـ، وقال القاضي أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل): لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة. اهـ. نقل ذلك - عن ابن عبد البر والقاضي - شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص ٨٧ - ٨٩ جـ٥ من مجموع الفتاوى لابن القاسم. وهذا هو المذهب الصحيح، والطريق القويم الحكيم، وذلك لوجهين: الأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة، من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته، كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف. الثاني. أن يقال: إن الحق إما أن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله غيرهم، والثاني باطل؛ لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، تكلموا بالباطل تصريحا أو ظاهرا، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحا ولا ظاهرا بالحق الذي يجب اعتقاده، وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق، وإما عالمين به لكن كتموه، وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم.

стр. 5202

القسم الثاني: من جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلا لا يليق بالله، وهو التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل محرم من عدة

стр. 5203

أوجه: الأول: أنه جناية على النصوص وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)؟ الثاني: أن العقل دل على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يحكم بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟ الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المشبه من النصوص مخالف لما فهمه السلف منها، فيكون باطلا. فإن قال المشبه: أنا لا أعقل من نزول الله ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله تعالى لم يخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله، فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: ليس كمثله شيء، ونهى عباده أن يضربوا له الأمثال أو يجعلوا له أندادا فقال: ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وكلامه تعالى كله حق يصدق بعضه بعضا ولا يتناقض. ثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتا لا تشبه الذوات؟ فسيقول: بلى. فيقال له: فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات، فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومن فرق بينهما فقد تناقض. ثالثها: أن يقال: ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء، ويختلف في الحقيقة والكيفية؟ فسيقول: بلى. فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا فلماذا لا تعقله بين الخالق والمخلوق مع أن التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم، بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق؟

стр. 5204

القسم الثالث: من جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلا لا يليق بالله، وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله، وهم أهل التعطيل، سواء كان تعطيلهم عاما في الأسماء والصفات، أم خاصا فيهما أو في أحدهما، فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها اضطرابا كثيرا، وسموا ذلك تأويلا، وهو في الحقيقة تحريف. ومذهبهم باطل من وجوه: أحدها: أنه جناية على النصوص؛ حيث جعلوها دالة على معنى باطل، غير لائق بالله ولا مراد له. الثاني: أنه صرف لكلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ عن ظاهرة، والله تعالى خاطب الناس بلسان عربي مبين؛ ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي ﷺ خاطبهم بأفصح لسان البشر، فوجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي، غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله . الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قول على الله بلا علم، وهو محرم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ولقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٢). فالصارف لكلام الله تعالى ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، قد قفا ما ليس له به علم، وقال على الله ما لا يعلم من وجهين: الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله تعالى ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام. الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام.

стр. 5205

وإذا كان من المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قولا بلا علم، فما ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟ مثال ذلك قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١). فإذا صرف الكلام عن ظاهره وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين، وإنما أراد كذا وكذا. قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟ وما دليلك على ما أثبت؟ فإن أتى بدليل - وأنى له ذلك - وإلا كان قائلا على الله بلا علم في نفيه وإثباته. الوجه الرابع في إبطال مذهب أهل التعطيل: أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، فيكون باطلا؛ لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها. الوجه الخامس: أن يقال للمعطل: هل أنت أعلم بالله عن نفسه؟ فسيقول: لا. ثم يقال له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟ فسيقول: نعم. ثم يقال له: هل تعلم كلاما أفصح وأبين من كلام الله تعالى؟ فسيقول: لا. ثم يقال له: هل تظن أن الله أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص؛ ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا. هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن. أما باعتبار ما جاء في السنة فيقال له: هل أنت أعلم بالله من رسوله ﷺ ؟ فسيقول: لا. ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله عن الله صدق وحق؟ فسيقول: نعم. ثم يقال له: هل تعلم أن أحدا من الناس أفصح كلاما وأبين من رسول الله ﷺ ؟ فسيقول: لا.

стр. 5206

ثم يقال له: هل تعلم أن أحدا من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله؟ فسيقول: لا. فيقال له: إذا كنت تقر بذلك فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسول الله ﷺ على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك، وصرفه إلى معنى يخالف ظاهره بغير علم؟ وماذا يضيرك إذا أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، أو سنة نبيه على الوجه اللائق به، فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتا ونفيا؟ أفليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١). أو ليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها، وتعيين معنى آخر مخاطرة منك، فلعل المراد يكون - على تقدير جواز صرفها - غير ما صرفتها إليه. الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم. فمن هذه اللوازم: أولا: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مستلزم أو موهم لتشبيه الله تعالى بخلقه، وتشبيه الله تعالى بخلقه كفر؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢). قال نعيم بن حماد الخزاعي أحد مشايخ البخاري رحمهما الله: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها. اهـ. ومن المعلوم أن من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ تشبيها وكفرا أو موهما لذلك.

стр. 5207

ثانيا: أن كتاب الله تعالى الذي أنزله تبيانا لكل شيء، وهدى للناس، وشفاء لما في الصدور، ونورا مبينا، وفرقانا بين الحق والباطل، لم يبين الله تعالى فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكولا إلى عقولهم، يثبتون لله ما يشاءون، وينكرون ما لا يريدون. وهذا ظاهر البطلان. ثالثا: أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات، أو يمتنع عليه أو يجوز؛ إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله تعالى وسموه تأويلا. وحينئذ إما أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون، وسلف الأمة وأئمتها قاصرين؛ لجهلهم بذلك وعجزهم عن معرفته، أو مقصرين؛ لعدم بيانهم للأمة، وكلا الأمرين باطل. رابعا: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعا للناس فيما يعتقدونه في ربهم وإلههم، الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع، بل هو زبدة الرسالات، وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة، وما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلا، أو التحريف الذي يسمونه تأويلا إن لم يتمكنوا من تكذيبه. خامسا: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله، فيقال في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (١): إنه لا يجيء، وفي قول ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا (٢)»: إنه لا ينزل؛ لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم، وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه، ونفي ما أثبته الله ورسوله ﷺ من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره؛ لأنه ليس في السياق ما يدل عليه. ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء أيضا، ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض، كالأشعرية والماتريدية، أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه. فنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه، يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه، كما هو ثابت بالدليل السمعي. مثال ذلك أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة.

стр. 5208

أثبتوا صفة الإرادة؛ لدلالة السمع والعقل عليها. أما السمع فمنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (١). وأما العقل فإن اختلاف المخلوقات، وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف دليل على الإرادة. ونفوا الرحمة قالوا: لأنها تستلزم لين الراحم ورقته للمرحوم، وهذا محال في حق الله تعالى. وأولوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل أو إرادة الفعل، ففسروا الرحيم بالمنعم أو مريد الإنعام. فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عددا وتنوعا من أدلة الإرادة، فقد وردت بالاسم مثل: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢)، والصفة مثل: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ (٣)، والفعل مثل: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤). ويمكن إثباتها بالعقل، فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقم التي تدفع عنهم في كل حين دالة على ثبوت الرحمة لله ، ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة؛ لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس. وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة، فجوابه أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها،. فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة، وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزه عن ذلك. فإن أجيب بأن هذه إرادة المخلوق، أمكن الجواب بمثله في الرحمة بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق.

стр. 5209

وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل، سواء كان تعطيلا عاما أم خاصا. وبه علم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته، وما احتجوا به لذلك، لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي ﷺ ، ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدعة لا تدفع بالبدعة، وإنما تدفع بالسنة. الثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة، فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلا عقليا، وأولتم دليله السمعي، فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلا عقليا، ونؤل دليله السمعي؟ فلنا عقول كما أن لكم عقولا، فإن كانت عقولنا خاطئة، فكيف كانت عقولكم صائبة؟ وإن كانت عقولكم صائبة، فكيف كانت عقولنا خاطئة، وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى؟ وهذه حجة دامغة وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مدفع لذلك ولا محيص عنه إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويثبتون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، إثباتا لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيها لا تعطيل فيه ولا تحريف، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (١) (تنبيه) علم مما سبق أن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل. أما تعطيل المعطل فظاهر، وأما تمثيله؛ فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فمثل أولا وعطل ثانيا، كما أنه بتعطيله مثله بالناقص. وأما تمثيل الممثل فظاهر، وأما تعطيله فمن ثلاثة أوجه: الأول: أنه عطل نفس النص الذي أثبت به الصفة؛ حيث جعله دالا على التمثيل مع أنه لا دلالة فيه عليه، وإنما يدل على صفة تليق بالله . الثاني: أنه عطل كل نص يدل على نفي مماثلة الله لخلقه. الثالث: أنه عطل الله تعالى عن كماله الواجب؛ حيث مثله بالمخلوق الناقص.

стр. 5210

فصل اعلم أن بعض أهل التأويل أورد على أهل السنة شبهة في نصوص من الكتاب والسنة في الصفات، ادعى أن أهل السنة صرفوها عن ظاهرها؛ ليلزم أهل السنة بالموافقة على التأويل أو المداهنة فيه، وقال: كيف تنكرون علينا تأويل ما أولناه مع ارتكابكم لمثله فيما أولتموه؟ ونحن نجيب - بعون الله تعالى- عن هذه الشبهة بجوابين: مجمل ومفصل. أما المجمل فيتلخص في شيئين: أحدهما: أن لا نسلم أن تفسير السلف لها صرف عن ظاهرها، فإن ظاهر الكلام ما يتبادر منه من المعنى، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فإن الكلمات يختلف معناها بحسب تركيب الكلام، والكلام مركب من كلمات وجمل، يظهر معناها ويتعين بضم بعضها إلى بعض. ثانيهما: أننا لو سلمنا أن تفسيرهم صرف لها عن ظاهرها فإن لهم في ذلك دليلا من الكتاب والسنة، إما متصلا وإما منفصلا، وليس لمجرد شبهات يزعمها الصارف، براهين وقطعيات يتوصل بها إلى نفي ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ . وأما المفصل فعلى كل نص ادعى أن السلف صرفوه عن ظاهره. ولنمثل بالأمثلة التالية: فنبدأ بما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية أنه قال: إن أحمد لم يتأول إلا في ثلاثة أشياء: الحجر الأسود يمين الله في الأرض. وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن. وإني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن. نقله عنه شيح الإسلام ابن تيمية وقال: هذه الحكاية كذب على أحمد (١). المثال الأول: الحجر الأسود يمين الله في الأرض . والجواب عنه أنه حديث باطل لا يثبت عن النبي ﷺ ، قال ابن الجوزي في (العلل المتناهية): هذا حديث لا يصح. وقال ابن العربي: حديث باطل فلا يلتفت إليه. وقال شيخ

стр. 5211

الإسلام ابن تيمية: روي عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت. اهـ، وعلى هذا فلا حاجة للخوض في معناه. لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمشهور - يعني في هذا الأثر - إنما هو عن ابن عباس قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله؛ فكأنما صافح الله وقبل يمينه. ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه؛ فإنه قال: يمين الله في الأرض، ولم يطلق فيقول: يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم المطلق، ثم قال: فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه. وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلا، ولكن شبه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله تعالى، كما هو معلوم لكل عاقل. اهـ (١).

стр. 5212

المثال الثاني: قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن. والجواب أن هذا الحديث صحيح، رواه مسلم في الباب الثاني من كتاب القدر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه كما يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك (١)». . وقد أخذ السلف أهل السنة بظاهر الحديث وقالوا: إن لله تعالى أصابع حقيقية نثبتها له كما أثبتها له رسوله ﷺ ، ولا يلزم من كون قلوب بني آدم بين إصبعين منها أن تكون مماسة لها، حتى يقال: إن الحديث موهم للحلول، فيجب صرفه عن ظاهره، فهذا السحاب مسخر بين السماء والأرض، وهو لا يمس السماء ولا الأرض، ويقال: بدر بين مكة والمدينة تباعد ما بينها وبينهما، فقلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة، ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول.

стр. 5213

المثال الثالث: إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن . والجواب أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة رضي

стр. 5214

الله عنه قال: قال النبي ﷺ : «ألا إن الإيمان يمان، والحمكة يمانية، وأجد نفس ربكم من قبل اليمن (١)». قال في (مجمع الزوائد): رجاله رجال الصحيح غير شبيب، وهو ثقة. قلت: وكذا قال في التقريب عن شبيب: ثقة من الثالثة. وقد روى البخاري نحوه في (التاريخ الكبير). وهذا الحديث على ظاهره، والنفس فيه اسم مصدر نفس ينفس تنفيسا، مثل فرج يفرج تفريجا وفرجا، هكذا قال أهل اللغة كما في (النهاية والقاموس ومقاييس اللغة)، قال في (مقاييس اللغة): النفس كل شيء يفرج به عن مكروب، فيكون معنى الحديث أن تنفيس الله تعالى عن المؤمنين يكون من أهل اليمن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات. اهـ (٢).

стр. 5215

المثال الرابع: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (١). والجواب أن لأهل السنة في تفسيرها قولين: أحدهما: أنها بمعنى ارتفع إلى السماء، وهو الذي رجحه ابن جرير، قال في تفسيره بعد أن ذكر الخلاف: وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ (٢)، علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات. اهـ. وذكره البغوي في تفسيره قول ابن عباس وأكثر مفسري السلف: وذاك تمسكا بظاهر لفظ (استوى)، وتفويضا لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله . القول الثاني: أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام، وإلى هذا القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة البقرة، والبغوي في تفسير سورة فصلت، قال ابن كثير: أي قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا ضمن معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بإلى. وقال البغوي: أي عمد إلى خلق السماء. وهذا القول ليس صرفا للكلام عن ظاهره، وذلك لأن الفعل (استوى) اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء، فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به، ألا ترى إلى قوله تعالى:

стр. 5216

﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (١)، حيث كان معناها يروى بها عباد الله؛ لأن الفعل (يشرب) اقتران بالباء فانتقل إلى معنى يناسبها، وهو يروى، فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام.

стр. 5217

المثال الخامس والسادس: قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١)، وقوله في سورة المجادلة: ﴿وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢). . والجواب: أن الكلام في هاتين الآيتين حق على حقيقته وظاهره. ولكن ما حقيقته وظاهره؟ هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن لله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطا بهما أو حالا في أمكنتهم؟ أو يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطا بهم علما وقدرة، وسمعا وبصرا، وتدبيرا وسلطانا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه؟ ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق، ولا يدل عليه بوجه من الوجوه، وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله ، وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان، وإنما تدل على مطلق مصاحبة، ثم تفسر في كل موضع بحسبه. وتفسير معية الله تعالى لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه: الأول: أنه مخالف لإجماع السلف، فما فسرها أحد منهم بذلك، بل كانوا مجمعين على إنكاره. الثاني: أنه مناف لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة، والعقل والفطرة، وإجماع السلف، وما كان منافيا لما ثبت بدليل كان باطلا بما ثبت به ذلك المنافي، وعلى هذا فيكون

стр. 5218

تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلا بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف. الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله . ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره، وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن يقول: إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطا بهم، أو حالا في أمكنتهم فضلا عن أن تستلزم ذلك، ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة جاهل بعظمة الرب جل وعلا. فإذا تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحق هو القول الثاني وهو أن لله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطا بهم علما وقدرة وسمعا وبصرا وتدبيرا وسلطانا وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه. وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب؛ لأنهما حق ولا يكون ظاهر الحق إلا حقا، ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبدا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية (١): ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ (٢). إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣) دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم. وهذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٥) الآية.

стр. 5219

ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) كان هذا أيضا حقا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد. ثم قال: فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورا لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها - وإن امتاز كل موضع بخاصية - فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق، حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها. اهـ. ويدل على أنه ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق أن الله تعالى ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم لا أنه سبحانه مختلط بهم ولا أنه معهم في الأرض. أما في آية الحديد فقد ذكرها الله تعالى مسبوقة بذكر استوائه على عرشه وعموم علمه متلوة ببيان أنه بصير بما يعمل العباد، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣). فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم واستوائه على عرشه لا أنه سبحانه مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض، وإلا لكان آخر الآية مناقضا لأولها الدال على علوه واستوائه على عرشه. فإذا تبين ذلك علمنا أن مقتضى كونه تعالى مع عباده أنه يعلم أحوالهم ويسمع

стр. 5220

أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبر شئونهم، فيحيي ويميت ويغني ويفقر ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه، لا يحجبه عن خلقه شيء، ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية (٢) في الكلام على المعية قال: وهذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة ا. هـ. وقال في الفتوى الحموية (٣): وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلام عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته. ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبتة مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: هو معكم. وقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه (٤)». ونحو ذلك فإن هذا غلط. وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٥). .
следующие страницы →