﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (١)، حيث كان معناها يروى بها عباد الله؛ لأن الفعل (يشرب) اقتران بالباء فانتقل إلى معنى يناسبها، وهو يروى، فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام.
стр. 5217
المثال الخامس والسادس: قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١)، وقوله في سورة المجادلة: ﴿وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢). .
والجواب: أن الكلام في هاتين الآيتين حق على حقيقته وظاهره. ولكن ما حقيقته وظاهره؟
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن لله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطا بهما أو حالا في أمكنتهم؟
أو يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطا بهم علما وقدرة، وسمعا وبصرا، وتدبيرا وسلطانا، وغير ذلك من معاني ربوبيته، مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه؟
ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق، ولا يدل عليه بوجه من الوجوه، وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله ، وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان، وإنما تدل على مطلق مصاحبة، ثم تفسر في كل موضع بحسبه.
وتفسير معية الله تعالى لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه:
الأول: أنه مخالف لإجماع السلف، فما فسرها أحد منهم بذلك، بل كانوا مجمعين على إنكاره.
الثاني: أنه مناف لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة، والعقل والفطرة، وإجماع السلف، وما كان منافيا لما ثبت بدليل كان باطلا بما ثبت به ذلك المنافي، وعلى هذا فيكون
стр. 5218
تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلا بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف.
الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله .
ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره، وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن يقول: إن حقيقة معية الله لخلقه تقتضي أن يكون مختلطا بهم، أو حالا في أمكنتهم فضلا عن أن تستلزم ذلك، ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة جاهل بعظمة الرب جل وعلا.
فإذا تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحق هو القول الثاني وهو أن لله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطا بهم علما وقدرة وسمعا وبصرا وتدبيرا وسلطانا وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.
وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب؛ لأنهما حق ولا يكون ظاهر الحق إلا حقا، ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبدا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية (١): ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ (٢). إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣) دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم. وهذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٥) الآية.
стр. 5219
ولما قال النبي ﷺ لصاحبه في الغار: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) كان هذا أيضا حقا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد. ثم قال: فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورا لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها - وإن امتاز كل موضع بخاصية - فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق، حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها. اهـ.
ويدل على أنه ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق أن الله تعالى ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢).
فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم لا أنه سبحانه مختلط بهم ولا أنه معهم في الأرض.
أما في آية الحديد فقد ذكرها الله تعالى مسبوقة بذكر استوائه على عرشه وعموم علمه متلوة ببيان أنه بصير بما يعمل العباد، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣).
فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم واستوائه على عرشه لا أنه سبحانه مختلط بهم، ولا أنه معهم في الأرض، وإلا لكان آخر الآية مناقضا لأولها الدال على علوه واستوائه على عرشه.
فإذا تبين ذلك علمنا أن مقتضى كونه تعالى مع عباده أنه يعلم أحوالهم ويسمع
стр. 5220
أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبر شئونهم، فيحيي ويميت ويغني ويفقر ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه، لا يحجبه عن خلقه شيء، ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية (٢) في الكلام على المعية قال: وهذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة ا. هـ.
وقال في الفتوى الحموية (٣): وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلام عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته.
ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبتة مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: هو معكم. وقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه (٤)». ونحو ذلك فإن هذا غلط.
وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٥). .
стр. 5221
فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أين ما كنا كما قال النبي ﷺ في حديث الأوعال «والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه (١)». أ. هـ.
واعلم أن تفسير المعية بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله تعالى لا يناقض ما ثبت من علو الله تعالى بذاته على عرشه وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن التناقض وما جمع الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهما.
وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض فيما يبدو لك فتدبره حتى يتبين لك لقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢) فإن لم يتبين لك فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣) وكل الأمر إلى منزله الذي يعلمه واعلم أن القصور في علمك أو في فهمك وأن القرآن لا تناقض فيه.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام في قوله فيما سبق: كما جمع الله بينهما.
وكذلك ابن القيم كما في مختصر الصواعق لابن الموصلي (٤) في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل إنه مجاز قال: وقد أخبر الله أنه مع خلقه مع كونه مستويا على عرشه وقرن بين الأمرين كما قال تعالى (وذكر آية سورة الحديد) ثم قال: فأخبر أنه خلق السماوات والأرض وأنه استوى على عرشه وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه كما في حديث الأوعال: «والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه (٥)» فعلوه لا يناقض معيته، ومعيته لا تبطل علوه بل كلاهما حق. ا. هـ.
الوجه الثاني: أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا ولا يعد ذلك تناقضا ولا يفهم منه أحد أن القمر نزل في الأرض، فإذا كان هذا ممكنا في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل
стр. 5222
شيء مع علوه سبحانه من باب أولى وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية (١) حيث قال: وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى؛ فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا، ويقال: هذا المتاع معي، لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة اهـ.
وصدق رحمه الله تعالى فإن من كان عالما بك مطلعا عليك مهيمنا عليك يسمع ما تقول ويرى ما تفعل ويدبر جميع أمورك فهو معك حقيقة، وإن كان فوق عرشه حقيقة لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
الوجه الثالث: أنه لو فرض امتناع اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعا في حق الخالق الذي جمع لنفسه بينهما لأن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسيطة (٣) حيث قال: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته وهو علي في دنوه قريب في علوه. اهـ.
(تتمة) انقسم الناس في معية الله تعالى لخلقه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقولون: إن معية الله تعالى لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعية العامة ومع النصر والتأييد في المعية الخاصة مع ثبوت علوه بذاته واستوائه على عرشه.
стр. 5223
وهؤلاء هم السلف ومذهبهم هو الحق كما سبق تقريره.
القسم الثاني: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع نفي علوه واستوائه على عرشه.
وهؤلاء هم الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم، ومذهبهم باطل منكر أجمع السلف على بطلانه وإنكاره كما سبق.
القسم الثالث: يقولون: إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع ثبوت علوه فوق عرشه. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
وقد زعم هؤلاء أنهم أخذوا بظاهر النصوص في المعية والعلو. وكذبوا في ذلك فضلوا فإن نصوص المعية لا تقتضي ما ادعوه من الحلول لأنه باطل ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله باطلا.
(تنبيه) اعلم أن تفسير السلف لمعية الله تعالى لخلقه بأنه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم بل المعية تقتضي أيضا إحاطته بهم سمعا وبصرا، وقدرة وتدبيرا، وغير ذلك من معاني ربوبيته.
(تنبيه آخر) أشرت فيما سبق إلى أن علو الله تعالى ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع، أما الكتاب فقد تنوعت دلالته على ذلك.
فتارة بلفظ العلو والفوقية والاستواء على العرش، وكونه في السماء كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٣)، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤)، ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٥).
وتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٦)
стр. 5224
﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (١)، ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٢).
وتارة بلفظ نزول الأشياء منه ونحو ذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٣)، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ (٤).
وأما السنة فقد دلت عليه بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر وعلى وجوه متنوعة كقوله ﷺ في سجوده: «سبحان ربي الأعلى (٥)»، وقوله: «إن الله لما قضي الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي (٦)»، وقوله: «ألا تأمنوا لي وأنا أمين من في السماء (٧)»، «وثبت عنه أنه رفع يديه وهو على المنبر يوم الجمعة يقول: اللهم أغثنا (٨)»، «وأنه رفع يده إلى السماء وهو في يخطب الناس يوم عرفة حين قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال: اللهم اشهد (٩)». وأنه قال للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء، فأقرها وقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة (١٠)».
وأما العقل فقد دل على وجوب صفة الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص. والعلو صفة كمال والسفل نقص فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.
وأما الفطرة فقد دلت على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية فما من داع أو خائف فزع إلى ربه تعالى إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة.
واسأل المصلين يقول الواحد منهم في سجوده: سبحان ربي الأعلى أين تتجه قلوبهم حينذاك.
وأما الإجماع فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله تعالى فوق سماواته مستو على عرشه وكلامهم مشهور في ذلك نصا وظاهرا قال الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن
стр. 5225
الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات، وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة التي لا يخالفها إلا مكابر، طمس على قلبه، واجتالته الشياطين عن فطرته نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
فعلو الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلا وأحق الأشياء وأثبتها واقعا.
стр. 5226
المثال السابع والثامن: قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ (٢). حيث فسر القرب فيهما بقرب الملائكة.
والجواب: أن تفسير القرب فيهما بقرب الملائكة ليس صرفا للكلام عن ظاهره لمن تدبره.
أما الآية الأولى فإن القرب مقيد فيها بما يدل على ذلك حيث قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٣) ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (٤) ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٥)، ففي قوله: إذ يتلقى دليل على أن المراد به قرب الملكين المتلقيين.
وأما الآية الثانية فإن القرب فيها مقيد بحال الاحتضار، والذي يحضر الميت عند موته هم الملائكة وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ (٦). ثم إن في قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ﴾ (٧). دليلا بينا على أنهم الملائكة إذ يدل على أن هذا القريب في نفس المكان ولكن لا نبصره، وهذا يعين أن يكون المراد قرب الملائكة لاستحالة ذلك في حق الله تعالى.
بقي أن يقال: فلماذا أضاف الله القرب إليه، وهل جاء نحو هذا التعبير مرادا به الملائكة؟ فالجواب: أضاف الله تعالى قرب ملائكته إليه لأن قربهم بأمره وهم جنوده.
стр. 5227
وقد جاء نحو هذا التعبير مرادا به الملائكة كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١). . فإن المراد به قراءة جبريل القرآن على رسول الله ﷺ مع أن الله تعالى أضاف القراءة إليه لكن لما كان جبريل يقرؤه على النبي ﷺ بأمر الله تعالى صحت إضافة القراءة إليه تعالى. وكذلك جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٢)، وإبراهيم إنما كان يجادل الملائكة الذين هم رسل الله تعالى.
стр. 5228
المثال التاسع والعاشر: قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (١).، وقوله لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٢). .
والجواب: أن المعنى في هاتين الآيتين على ظاهر الكلام وحقيقته لكن ما ظاهر الكلام وحقيقته هنا؟
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن السفينة تجري في عين الله أو أن موسى ﵊ يربى فوق عين الله تعالى؟
أو يقال: إن ظاهره أن السفينة تجري وعين الله تعالى ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله تعالى يرعاه ويكلؤه بها.
ولا ريب أن القول الأول باطل من وجهين:
الأول: أنه لا يقتضيه الكلام بمقتضى الخطاب العربي والقرآن إنما نزل بلغة العرب قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٤) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٥) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٦)، ولا أحد يفهم من قول القائل: فلان يسير بعيني أن المعنى أنه يسير داخل عينه، ولا من قول القائل: فلان تخرج على عيني أن تخرجه كان وهو راكب على عينه، ولو ادعى مدع أن هذا ظاهر اللفظ في
стр. 5229
هذا الخطاب لضحك منه السفهاء فضلا عن العقلاء.
الثاني: أن هذا ممتنع غاية الامتناع، ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره أن يفهمه في حق الله تعالى لأن الله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه لا يحل فيه شيء من مخلوقاته ولا يحل فيه شيء من مخلوقاته، عن ذلك علوا كبيرا.
فإذا تبين بطلان هذا من الناحية اللفظية والمعنوية تعين أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها، وكذلك تربية موسى تكون على عين الله يرعاه ويكلؤه بها. وهذا معنى قول بعض السلف: بمرأى منى، فإن الله تعالى إذا كان يكلؤه بعينه لزم من ذلك أن يراه ولازم المعنى الصحيح جزء منه كما هو معلوم من دلالة اللفظ حيث تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام.
стр. 5230
المثال الحادي عشر: قوله تعالى في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه (١)».
والجواب أن هذا الحديث صحيح رواه البخاري في باب التواضع الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق.
وقد أخذ السلف أهل السنة والجماعة بظاهر الحديث وأجروه على حقيقته. ولكن ما ظاهر هذا الحديث؟
هل يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يكون سمع الولي وبصره ويده ورجله؟
أو يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله بحيث يكون إدراكه وعمله لله وبالله وفي الله؟
ولا ريب أن القول الأول ليس ظاهر الكلام بل ولا يقتضيه الكلام لمن تدبر الحديث فإن في الحديث ما يمنعه من وجهين:
الأول: أن الله تعالى قال: «وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه (٢)» وقال: «ولئن
стр. 5231
سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه (١)». فأثبت عبدا معبودا، ومتقربا ومتقربا إليه، ومحبا ومحبوبا، وسائلا ومسئولا، ومطعيا ومعطى، ومستعيذا ومستعاذا به، ومعيذا ومعاذا. فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين كل واحد منهما غير الآخر، وهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفا في الآخر أو جزءا من أجزائه.
الوجه الثاني: أن سمع الولي وبصره ويده ورجله كلها أوصاف أو أجزاء في مخلوق حادث بعد أن لم يكن، ولا يمكن لأي عاقل أن يفهم أن الخالق الأول الذي ليس قبله شيء يكون سمعا وبصرا ويدا ورجلا لمخلوق بل إن هذا المعنى تشمئز منه النفس أن تتصوره ويحسر اللسان أن ينطق به ولو على سبيل الفرض والتقدير - فكيف يسوغ أن يقال: إنه ظاهر الحديث القدسي وإنه قد صرف عن هذا الظاهر - سبحانك اللهم وبحمدك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
وإذا تبين بطلان القول الأول وامتناعه تعين القول الثاني وهو أن الله تعالى يسدد هذا الولي بسمعه وبصره وعمله بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصا، وبالله تعالى استعانة، وفي الله تعالى شرعا واتباعا، فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق. وهذا ما فسره به السلف وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ موافق لحقيقته متعين بسياقه وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره ولله الحمد والمنة.
стр. 5232
المثال الثاني عشر: قوله ﷺ فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال: «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة (١)».
وهذا الحديث صحيح رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء من حديث أبي ذر ﵁ وروى نحوه من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب التوحيد الباب الخامس عشر.
وهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى وأنه سبحانه فعال لما يريد كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٢)،
стр. 5233
وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١)، وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٢). وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣)، وقوله ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر (٤)»، وقوله ﷺ : «ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه (٥)» إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى.
فقوله في هذا الحديث: تقربت منه وأتيته هرولة من هذا الباب.
والسلف أهل السنة والجماعة يجرون هذه النصوص على ظاهرها وحقيقة معناها اللائق بالله من غير تكييف ولا تمثيل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول: (٦) وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده، فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش. وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر أهـ.
فأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟
وأي مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟
وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالا لما يريد على الوجه الذي به يليق؟
وذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: «أتيته هرولة (٧)». يراد به سرعة قبول الله تعالى وإقباله على عبده المتقرب إليه المتوجه بقلبه وجوارحه وأن مجازاة الله للعامل له أكمل من عمل العامل. وعلل ما ذهب إليه بأن الله تعالى قال: «ومن أتاني يمشي (٨)» ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله الطالب للوصول إليه لا يتقرب ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد ومشاعر الحج والجهاد في سبيل الله ونحوها أو تارة بالركوع والسجود ونحوهما، وقد ثبت عن النبي ﷺ «أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (٩)»، بل قد يكون التقرب إلى الله تعالى وطلب
стр. 5234
الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (١). وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب (٢)».
قال: فإذا كان كذلك صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وأن من صدق في الإقبال على ربه، وإن كان بطيئا جازاه الله تعالى بأكمل من عمله وأفضل. وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه.
وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية لم يكن تفسيره به خروجا به عن ظاهره ولا تأويلا كتأويل أهل التعطيل فلا يكون حجة لهم على أهل السنة ولله الحمد.
وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر، لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف.
ويجاب عما جعله قرينة من كون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي بأن الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر فيكون المعنى من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي لتوقفها عليه بكونه وسيلة لها كالمشي إلى المساجد للصلاة أو من ماهيتها كالطواف والسعي. والله تعالى أعلم.
стр. 5235
المثال الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (١)، والجواب: أن يقال ما هو ظاهر هذه الآية وحقيقتها حتى يقال إنها صرفت عنه؟
هل يقال: إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام بيده كما خلق آدم بيده؟
أو يقال إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها لم يخلقها بيده لكن إضافة العمل إلى اليد والمراد صاحبها معروف في اللغة العربية التي نزل بها القرآن.
أما القول الأول فليس هو ظاهر اللفظ لوجهين:
стр. 5236
أحدهما: أن اللفظ لا يقتضيه بمقتضى اللسان العربي الذي نزل القرآن به ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٣). فإن المراد ما كسبه الإنسان نفسه وما قدمه وإن عمله بغير يده بخلاف ما إذا قال: عملته بيدي كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٤). فإنه يدل على مباشرة الشيء باليد.
الثاني: أنه لو كان المراد أن الله تعالى خلق هذه الأنعام بيده لكان لفظ الآية: خلقنا لهم بأيدينا أنعاما، كما قال الله تعالى في آدم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٥). لأن القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦). .
وإذا ظهر بطلان القول الأول تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني، وهو أن ظاهر اللفظ أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها ولم يخلقها بيده لكن إضافة العمل إلى اليد كإضافته إلى النفس بمقتضى اللغة العربية بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وعدي بالباء إلى اليد فتنبه للفرق، فإن التنبه للفروق بين المتشابهات من أجود أنواع العلم، وبه يزول كثير من الإشكالات.
стр. 5237
المثال الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١).
والجواب. أن يقال: هذه الآية تضمنت جملتين.
الجملة الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (٢) وقد أخذ
стр. 5238
السلف أهل السنة بظاهرها وحقيقتها وهي صريحة في أن الصحابة ﵃ كانوا يبايعون النبي ﷺ نفسه كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١). .
ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (٢). أنهم يبايعون الله نفسه ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ لمنافاته لأول الآية والواقع، واستحالته في حق الله تعالى.
وإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول ﷺ مبايعة له لأنه رسوله، وقد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله تعالى ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله مبايعة لمن أرسله لأنه رسوله المبلغ عنه، كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣)
وفي إضافة مبايعتهم الرسول ﷺ إلى الله تعالى من تشريف النبي ﷺ وتأييده وتوكيد هذه المبايعة وعظمها ورفع شأن المبايعين ما هو ظاهر لا يخفى على أحد.
الجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٤). . وهذه أيضا على ظاهرها وحقيقتها فإن يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين لأن يده من صفاته وهو سبحانه فوقهم على عرشه فكانت يده فوق أيديهم. وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته وهو لتوكيد كون مبايعة النبي ﷺ مبايعة لله ، ولا يلزم منها أن تكون يد الله جل وعلا مباشرة لأيديهم، ألا ترى أنه يقال: السماء فوقنا أنها مباينة لنا بعيدة عنا. فيد الله فوق أيدي المبايعين لرسوله ﷺ مباينته تعالى لخلقه وعلوه عليهم.
ولا يمكن لأحد أن يفهم أن المراد بقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٥). يد النبي ﷺ ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ؛ لأن الله تعالى أضاف اليد إلى نفسه ووصفها بأنها فوق أيديهم. ويد النبي ﷺ عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم بل كان يبسطها إليهم
стр. 5239
فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم فيده مع أيديهم لا فوق أيديهم.
стр. 5240
المثال الخامس عشر: قوله تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني (١)». الحديث رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما على أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟ (٢)».
والجواب أن السلف أخذوا بهذا الحديث ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به، فقوله تعالى: مرضت واستطعمتك واستسقيتك بينه الله تعالى بنفسه حيث قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض وأنه استطعمك عبدي فلان. واستسقاك عبدي فلان وهو صريح في أن المراد به مرض عبد من عباد الله واستطعام عبد من عباد الله واستسقاء عبد من عباد الله والذي فسره بذلك هو الله المتكلم به وهو أعم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله والاستسقاء المضاف إليه بمرض العبد واستطعامه واستسقائه لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره؛ لأن ذلك تفسير المتكلم به فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداء. وإنما أضاف الله ذلك إلى نفسه أولا للترغيب والحث كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ (٣).
وهذا الحديث من أكبر الحجج الدامغة لأهل التأويل الذين يحرفون نصوص الصفات عن ظاهرها بلا دليل من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله ﷺ ، وإنما يحرفونها بشبه باطلة هم فيها متناقضون مضطربون. إذ لو كان المراد خلاف ظاهرها كما
стр. 5241
يقولون لبينه الله تعالى ورسوله، ولو كان ظاهرها ممتنعا على الله - كما زعموا - لبينه الله ورسوله كما في هذا الحديث. ولو كان ظاهرها اللائق بالله ممتنعا على الله لكان في الكتاب والسنة من وصف الله تعالى بما يمتنع عليه ما لا يحصى إلا بكلفة، وهذا من أكبر المحال.
ولنكتف بهذا القدر من الأمثلة لتكون نبراسا لغيرها، وإلا فالقاعدة عند أهل السنة والجماعة معروفة وحتى إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
стр. 5242
الدكتور أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي.
تاريخ الميلاد: ١٣٦٧ هـ بمدينة الظفير - غامد.
حصل على شهادة الليسانس من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٩٥ - ١٣٩٦ هـ وأكمل دراسته العليا الماجستير والدكتوراه - بجامعة أم القرى - البحث المقدم لنيل الماجستير - عقيدة ختم النبوة المحمدية - ورسالة الدكتوراة تحقيق كتاب شرح أصول اعتقاد أصل السنة والجماعة للإمام أبي القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي.
عمل أستاذ بالجامعة الإسلامية والآن يعمل عميدا لشئون الطلاب بنفس الجامعة.
стр. 5243
آيات الصفات
عرض موجز للمنهج الصحيح الذي يجب
أن تفهم صفات الله على ضوئه.
كتبه الدكتور أحمد بن سعد بن حمدان
حاجة الإنسان إلى معرفة الله
لما كان الإنسان وجد لحكمة وغاية بما يشرف وجوده ويرتقي نوعه على بقية المخلوقات وبها يحصل على سعادة الدنيا والآخرة - فإنه يشعر في أعماق نفسه برغبة شديدة وحرص أكيد لمعرفة تلك الغاية.
فأي إنسان لم تنكشف له تلك الحقيقة فإنه يتعرض لنكد القلب وقلق النفس وحيرة الضمير حتى ليكاد يتمزق من داخله. . .
هذا واقع التائهين الذين لم يعرفوا غاية وجودهم، وحكمة خلقهم، وما نسمعه عن حياة هؤلاء التائهين أو نقرؤه في صحفهم وتقاريرهم يبين تلك الحقيقة ويؤكدها.
واستمع إلى بعض التقارير عن ذلك الواقع:
يقول مؤلف " الإنسان ذلك المجهول " الكسيس كاريل الفرنسي - وهو يتحدث عن الأمراض العقلية التي أصيب بها المجتمع الأمريكي: (في عام ١٩٣٢ كان عدد المجانين الموجودين بالمستشفيات الحكومية = ٤٠٠٠٠٠ (أربعمائة ألف) مجنون كما كان عدد
стр. 5244
ضعاف العقول والمصروعين المحجوزين في المصحات الخاصة = ٨١٥٨٠ (واحدا وثمانين ألفا وخمسمائة وثمانين) شخصا، وكان عدد مطلقي السراح بشرط كلمة الشرف من ضعاف العقول = ١٠٩٣٠ (عشرة آلاف وتسعمائة وثلاثين شخصا). . .
ولا تشمل هذه الإحصاءات الحالات العقلية التي تعالج في المستشفيات الخاصة. . . وحقيقة الأمر أن عدد الأفراد الذين انحطوا عقليا أكثر من ذلك بكثير، ويقدر أن عدة مئات من الآلاف لم تشملهم الإحصائيات الرسمية مصابون باضطرابات نفسية، وتدل هذه الأرقام على مدى استعداد شعور الرجل المتحضر للعطب، وكيف أن مشكلة الصحة العقلية تعتبر من أهم المشكلات التي يواجهها المجتمع العصري (١٧٨ - ١٧٩).
أرأيت يا أخي القارئ كيف أن الإنسان الذي لم يعرف غاية وجوده، أنه مصاب في أعز ما يملك ألا وهو " عقله " الذي يميزه عن بقية المخلوقات غير العاقلة، لأنه لم يستطع الوصول إلى " حكمة خلقه " رغم الحضارة المادية والكشوف العلمية التي وصل إليها. . .
وهذه الإحصاءات كما ترى كانت قبل خمسين عاما، فما بالك بها الآن. . . هذا إلى جانب الأعداد الكبيرة الأخرى التي تنهي حياتها بالانتحار لعدم وصولها إلى معرفة الغاية من الوجود والحكمة من الخلق.
فلا بد إذن للإنسان - لكي يسعد في الدنيا والآخرة - من معرفة غاية وجوده في هذه الحياة الدنيا وذلك لا يعرف إلا بمعرفة الخالق الموجد .
стр. 5245
وسائل المعرفة
للمعرفة وسائل متعددة ولكنها تنقسم إلى قسمين:
قسم ذاتي - أي يملكه الإنسان وهو الحواس والعقل.
وقسم خارجي منه - وهو الوحي: الكتاب والسنة.
وسندرس كلا القسمين بإيجاز:
стр. 5246
أولا: القسم الذاتي
(أ) الحواس - كل إنسان مزود بمجموعة من الحواس يستطيع أن يدرك بها جانبا واحدا من الحياة وهو: المحسوسات فقط، فالعين تبصر الأشياء المحسوسة، والأذن تسمع الأصوات، والفم يتذوق المطعومات والمشروبات، والأنف يشم الروائح، واليد تلمس الأشياء فتعرف بعض مظاهرها كالحرارة والبرودة وما شابه ذلك.
هذه هي الأشياء التي يمكن أن تعرف بالحس فقط، علما بأنها كذلك غير موثوقة فقد تتعرض أحيانا للخداع فتعطي معلومات خاطئة.
فالبصر أحيانا يرى السراب في شدة الظهيرة، ويعطي للعقل معلومات بأن هناك ماء، وهو في هذه الحالة مخدوع بهذه الرؤية.
وقد يرى الجسم المستقيم الذي يكون في الإناء الذي به ماء منكسرا وهو في الحقيقة ليس كذلك.
والحواس الأخرى قد تتعرض لشيء من ذلك الخداع فهي رغم أنها وسيلة صادقة إلا أنها قد تخدع في بعض معلوماتها.
(ب) العقل - إن من أعظم النعم على هذا الإنسان ما زوده الله به من تلك القوة العجيبة، التي لا يستحق الإنسان وصف الإنسانية إلا بها ألا وهي " قوة التعقل "، إذ لولاها لكان الإنسان في عداد الحيوانات.
ولما كان العقل شيئا لا يحس، وإنما يدرك بأثره لأنه ليس شيئا محسوسا، فإن وظيفته تتناسب مع حقيقته، فهو يدرك الجانب الثاني من الحياة وهو ما كان خارجا عن دائرة الحس،. . وإن كان هناك تلازم بين عمل الحس والعقل، إذ لولا العقل لما كان للحواس فائدة في المعرفة.
ونستطيع أن نقول: إن العقل يدرك بواسطة الحس كما أن الحس يدرك بواسطة العقل، وإن كان في هذا القول تجوز في التعريف، ولكنه أقرب إلى الحقيقة مع اتساع الدائرة التي يعمل فيها العقل. . . إذ إن هناك قوى يعمل من خلالها العقل كقوة التخيل
стр. 5247
والتصور ولكنه رغم ذلك يبقى مرتبطا بالحس.
فالمنافذ التي توصل المعلومات إلى العقل هي الحواس الخمس. فإذا رأى - مثلا - في بلده جبلا كبيرا ثم قيل له: إن في البلد الفلاني جبلا كبيرا جدا فإنه يستعيد صورة الجبل التي رآها ثم يضخمها حتى تتناسب مع وصف الجبل الثاني.
ولو قيل لإنسان لا يعرف الفيل: إن الفيل حيوان كبير لتصور أكبر حيوانات بلده ثم قارنه به.
ولوكان للذرة الصغيرة عقل وهي لا تعرف الفيل، ثم قيل لها: إن الفيل حيوان ضخم جدا، لتصورته مثل أكبر ذرة من الذر أو أكبر نملة من النمل الذي تقرب صورته من الذر.
ومهما حاول صاحب العقل أن ينفك من آثار المعلومات الحسية فإنه لا يستطيع، فلو حدث بأشياء ليس لها مثال ولا شبيه محسوس لصعب عليه تصديق ذلك.
فلو قيل له قبل ألف سنة: إن الإنسان سيطير في الهواء ويغوص في الماء، ويرى إنسان الصين إنسان الأندلس، ويسمع صوته لاتهم المتكلم بالسفه والجنون؛ لأن ذلك لم يره ولم يسمع عنه من قبل.
ولو أن أحد الأعراب في البادية، دخل بعض المدن إبان ظهور الأجهزة الإذاعية ثم رجع إلى قومه وأخبرهم بأنه رأى حديدا يتكلم، بدون أسنان ولا لسان ولا شفتين ولا رئة لما صدقوه ولاتهموه بالسفه والجنون.
وما ذلك إلا لأنهم لم يألفوا ذلك المنظر ولم يشاهدوه أو يشاهدوا مثله من قبل. وكذلك فإنهم لا يستطيعون أن يدركوا شيئا على خلاف ذلك.
فهم مأسورون لحواسهم، لا يستطيعون أن يحكوا بخلاف ما عرفوه وشاهدوه. ولكن العقل رغم ذلك قادر على معرفة بعض الأمور التي لا تخضع للحس بواسطة الاستنتاج والملاحظة.
فإذا رأى - مثلا - قطعة حديد تجذب حولها قطعا أخرى من الحديد حكم بأن بها قوة مغناطيسية.
стр. 5248
وإذا رأى شمعة مضاءة، حكم بأن التيار الكهربائي متصل بها - وإذا رأى ماء يغلي عرف أن بجانبه طاقة حرارية. . . وهكذا وهكذا يصدر حكمه بوجود شيء بناء على وجود شيء آخر، هو أثر له أو سببه الملازم له. ولكنه لا يستطيع وصف ذلك المحكوم بوجوده: وهو المغناطيس والكهرباء والحرارة - لأنه لم يرها ولم ير شبيها بها فحكمه لا يستطيع مجاوزة الإثبات. هذا تعريف موجز للحواس البشرية ومدى ما يمكنها معرفته.
فالعقل إذن صالح لمعرفة خالقه وأنه هو الخالق الموجد، ولكنه لا يستطيع معرفة صفاته وأسمائه، ولا معرفة ما يحبه وما يكرهه، وهذه أمور ليس في مقدور العقل إدراكها أو معرفتها بنفسه استقلالا. وإذا ما حاول ذلك بنفسه فإنه يضل السبيل ويتعثر في المسير. . ثم حتى معرفته لها إنما هي معرفة وجود لا كيفية كما قال مالك ﵀: (الاستواء معلوم والكيف مجهول) (١).
وقد حاول جماعة من علماء الكلام أن يصلوا إلى معرفة أسماء الله وصفاته بعقولهم، فكانت نتيجتهم الحيرة والضلال، ثم ندموا واعترفوا بقصور العقل من ذلك، وفيما يلي نماذج من كلامهم.
يقول الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (٣).
стр. 5249
واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (٢).
ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ".
ويقول الجويني:
(لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لفلان وها أنا أموت على عقيدة أمي) (٣).
فهذه النماذج تؤكد عن تجربة، أن العقل لا يستطيع معرفة هذه الحقيقة بنفسه مستقلا، فلا بد إذن من وسيلة أخرى تكون مأمونة من الخطأ، معصومة من الزلل. . وليس هناك إلا وسيلة واحدة أنعم الله بها على هذا الإنسان ألا وهي وسيلة " الوحي " التي عرف بها الأنبياء ربهم وعرفوا الناس به . وهذا هو القسم الثاني من وسائل المعرفة.
стр. 5250
ثانيا: القسم الخارجي (الوحي)
رأينا من قبل كيف أن الوسائل البشرية عاجزة، عن معرفة أسماء الله وصفاته ، فكانت وسيلة الوحي ضرورة لبلوغ تلك المعرفة، وهذا ما أنعم الله به على البشرية، حيث تعهدها بالأنبياء والرسل لتعريفها بخالقها والحكمة من إيجادها، ثم ختمهم بسيد المرسلين محمد ﷺ ، فأنزل عليه كتابه المبين يبين للناس تلك الأمور التي لا يستطيعون معرفتها بأنفسهم استقلالا، فمن اتبعه هدي في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنه ضل في الدنيا والآخرة.
منهج القرآن الكريم في عرض الصفات
أسلوب القرآن الكريم في بيان صفات الله ، دائر بين النفي والإثبات فينفي
стр. 5251
عنه ما لا يليق به، ويثبت ما يليق به من كمال الصفات. ولكن الصفات الثبوتية في القرآن الكريم أكثر من الصفات السلبية، إذ إن الوصف بالصفات الثبوتية أكثر إيضاحا من الوصف بالصفات السلبية. فلو وصفنا إنسانا بأنه: ليس حمارا ولا قطا ولا أسدا ولا ذئبا ولا جبلا ولا حجرا. . ولا. . . ولا. . وهكذا فإننا لن نستطيع إفهام السامع بما نريد.
ولكننا لو قلنا: إنه جسم مخلوق متحرك ناطق حساس مفكر له يدان ورجلان وعينان. . . إلى آخر تلك الأوصاف، لكان هذا أقرب إلى البيان. - ولله المثل الأعلى.
ولهذا فإن المطلع على القرآن الكريم يرى ذلك المنهج واضحا جليا.
ففي الإثبات:
يقول : ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، ويقول ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٣)، ويقول ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٤)، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٥)، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٦)، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٧). . . إلى آخر ما هنالك من الآيات التي تبين ما لربنا من كمال الصفات.
وفي النفي:
يقول تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٨) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٩).
ويقول ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١)، ويقول ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ (١٢).
стр. 5252
هذا هو المنهج القرآني في بيان الصفات (١).
وهو يريد أن يعرف عباده به بنفسه إذ لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا عن طريقه وحده.
وفي هذا التعريف بيان لعظمته وقدرته وغناه وكماله ورحمته ومغفرته رحمته وعزته وعلمه وحكمته.
كما فيه بيان لمحبته وبغضه ورضاه وغضبه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وأنه يفعل ما يريد ويخلق ما يشاء ويختار وأنه إذا أراد شيئا إنما يقول له كن فيكون. . إلى غير ذلك من صفاته .
وقد توهم بعض المنتسبين إلى الإسلام أن إثبات هذه الصفات لله يوهم التشبيه من حيث إنها أوصاف مشتركة بين الخالق والمخلوق.
وهذا من ضلال فهمهم وسقم تفكيرهم، إذ لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في المسمى، ولا من الاشتراك في الصفة التماثل في الموصوف، وإذا كان من المعلوم بالضرورة، أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره، فلا يقول عاقل: إذا قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود - إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذي يأخذ معنى مشتركا كليا هو مسمى الاسم المطلق. وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما وليس مجازا.
ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره.
وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت
стр. 5253
عن الإضافة والتخصيص.
ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماها واتحاده - عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص - اتفاقهما ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.
فقد سمى الله نفسه حيا فقال: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، وسمى بعض عباده حيا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (٢). . . وكذلك سمى نفسه ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣)، وسمى بعض عباده عليما فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (٤).
وسمى نفسه سميعا بصيرا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٥)، وسمى بعض عباده سمعيا بصيرا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦)، وليس الحي كالحي ولا العليم كالعليم ولا السميع البصير كالسميع البصير.
وأما أسماء صفاته فنحو قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (٧)، وقال عن عباده: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٨)، ووصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٩)، ووصف نفسه بالرضا - ووصف عبده بالرضا فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١٠)، وليس العلم كالعلم ولا المحبة كالمحبة ولا الرضا كالرضا (١١).
стр. 5254
وبهذا الإيجاز يتبين الفرق بين أسماء الله وصفاته وبين أسماء خلقه وصفاتهم فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك أسماؤه وصفاته لا تشبه أسماء خلقه وصفاتهم.
стр. 5255
ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته
إن الله عندما عرفنا بنفسه الكريمة عن طريق وحيه إلى أنبيائه ورسله، أراد منا أن نعبده حق عبادته فتؤدي تلك الأسماء والصفات في حياة الإنسان ثمار العبودية الحقة، التي يسعد بها في الدنيا والآخرة.
فإن العلم علمان:
- علم بالله.
- وعلم بشرعه.
والعلم به هو رأس الأمر، لأنه يكسب القلب تعظيما وتقديرا لخالقه ومحبة وإنابة إليه وخوفا ورجاء إلى آخر تلك العبودية التي تجعله يعبد الله كأنه يراه، وهذا أعلى درجات اليقين.
والعلم بشرعه الذي أنزله على رسوله يوجه تلك العبودية السابقة، ويبين لها الطريق إلى الله .
فإذا انفردت إحداهما عن الأخرى، ضل الإنسان وأعرض كما هو حال اليهود والنصارى. ومعرفة الإنسان بأسماء خالقه وصفاته توجه حياته وجهة صحيحة مستقيمة.
فإذا عرف أن الله هو " الملك " الذي بيده الأمر كله والناس خاضعون لسلطانه وقهره فإنه يذل له وحده ولا يخشى أحدا سواه.
وإذا عرف أن الله هو " الرزاق " فإنه يتجه إليه وحده في طلب رزقه، فلا يذل لأحد من خلقه ابتغاء رزقه.
وإذا عرف أن الله " سميع بصير " فإنه يجتنب معاصيه خوفا منه لأنه يراه ويطلع على حاله ولا يخفى عليه شأن من شئونه.