← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

عنه ما لا يليق به، ويثبت ما يليق به من كمال الصفات. ولكن الصفات الثبوتية في القرآن الكريم أكثر من الصفات السلبية، إذ إن الوصف بالصفات الثبوتية أكثر إيضاحا من الوصف بالصفات السلبية. فلو وصفنا إنسانا بأنه: ليس حمارا ولا قطا ولا أسدا ولا ذئبا ولا جبلا ولا حجرا. . ولا. . . ولا. . وهكذا فإننا لن نستطيع إفهام السامع بما نريد. ولكننا لو قلنا: إنه جسم مخلوق متحرك ناطق حساس مفكر له يدان ورجلان وعينان. . . إلى آخر تلك الأوصاف، لكان هذا أقرب إلى البيان. - ولله المثل الأعلى. ولهذا فإن المطلع على القرآن الكريم يرى ذلك المنهج واضحا جليا. ففي الإثبات: يقول : ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، ويقول ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٣)، ويقول ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٤)، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٥)، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٦)، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٧). . . إلى آخر ما هنالك من الآيات التي تبين ما لربنا من كمال الصفات. وفي النفي: يقول تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٨) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٩). ويقول ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١)، ويقول ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ (١٢).

стр. 5252

هذا هو المنهج القرآني في بيان الصفات (١). وهو يريد أن يعرف عباده به بنفسه إذ لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا عن طريقه وحده. وفي هذا التعريف بيان لعظمته وقدرته وغناه وكماله ورحمته ومغفرته رحمته وعزته وعلمه وحكمته. كما فيه بيان لمحبته وبغضه ورضاه وغضبه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وأنه يفعل ما يريد ويخلق ما يشاء ويختار وأنه إذا أراد شيئا إنما يقول له كن فيكون. . إلى غير ذلك من صفاته . وقد توهم بعض المنتسبين إلى الإسلام أن إثبات هذه الصفات لله يوهم التشبيه من حيث إنها أوصاف مشتركة بين الخالق والمخلوق. وهذا من ضلال فهمهم وسقم تفكيرهم، إذ لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في المسمى، ولا من الاشتراك في الصفة التماثل في الموصوف، وإذا كان من المعلوم بالضرورة، أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره، فلا يقول عاقل: إذا قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود - إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه بل الذي يأخذ معنى مشتركا كليا هو مسمى الاسم المطلق. وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما وليس مجازا. ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره. وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت

стр. 5253

عن الإضافة والتخصيص. ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماها واتحاده - عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص - اتفاقهما ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. فقد سمى الله نفسه حيا فقال: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، وسمى بعض عباده حيا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (٢). . . وكذلك سمى نفسه ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣)، وسمى بعض عباده عليما فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (٤). وسمى نفسه سميعا بصيرا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٥)، وسمى بعض عباده سمعيا بصيرا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦)، وليس الحي كالحي ولا العليم كالعليم ولا السميع البصير كالسميع البصير. وأما أسماء صفاته فنحو قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (٧)، وقال عن عباده: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (٨)، ووصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٩)، ووصف نفسه بالرضا - ووصف عبده بالرضا فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١٠)، وليس العلم كالعلم ولا المحبة كالمحبة ولا الرضا كالرضا (١١).

стр. 5254

وبهذا الإيجاز يتبين الفرق بين أسماء الله وصفاته وبين أسماء خلقه وصفاتهم فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك أسماؤه وصفاته لا تشبه أسماء خلقه وصفاتهم.

стр. 5255

ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته إن الله عندما عرفنا بنفسه الكريمة عن طريق وحيه إلى أنبيائه ورسله، أراد منا أن نعبده حق عبادته فتؤدي تلك الأسماء والصفات في حياة الإنسان ثمار العبودية الحقة، التي يسعد بها في الدنيا والآخرة. فإن العلم علمان: - علم بالله. - وعلم بشرعه. والعلم به هو رأس الأمر، لأنه يكسب القلب تعظيما وتقديرا لخالقه ومحبة وإنابة إليه وخوفا ورجاء إلى آخر تلك العبودية التي تجعله يعبد الله كأنه يراه، وهذا أعلى درجات اليقين. والعلم بشرعه الذي أنزله على رسوله يوجه تلك العبودية السابقة، ويبين لها الطريق إلى الله . فإذا انفردت إحداهما عن الأخرى، ضل الإنسان وأعرض كما هو حال اليهود والنصارى. ومعرفة الإنسان بأسماء خالقه وصفاته توجه حياته وجهة صحيحة مستقيمة. فإذا عرف أن الله هو " الملك " الذي بيده الأمر كله والناس خاضعون لسلطانه وقهره فإنه يذل له وحده ولا يخشى أحدا سواه. وإذا عرف أن الله هو " الرزاق " فإنه يتجه إليه وحده في طلب رزقه، فلا يذل لأحد من خلقه ابتغاء رزقه. وإذا عرف أن الله " سميع بصير " فإنه يجتنب معاصيه خوفا منه لأنه يراه ويطلع على حاله ولا يخفى عليه شأن من شئونه.

стр. 5256

وإذا عرف ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) فإنه يتقرب إليه بذلك العمل حتى ينال محبته ورضوانه. وهكذا. . وهكذا لكل اسم من أسمائه تعالى عبودية خاصة تقود صاحبها إلى خالقه وبارئه قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢)، والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها ويأخذوا بحظهم من عبوديتها). وقال ﵊: «إن لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - من أحصاها دخل الجنة (٣)» رواه البخاري. والله لم يعرفنا بأسمائه وصفاته لنجعل منها ميدانا للجدل والخلاف وإنما لتوجيه حياتنا بها والعمل بمقتضاها.

стр. 5257

الصحابة وآيات الصفات لقد مكث القرآن الكريم يتنزل على رسول الله ﷺ والصحابة يسمعونه منه وهو مملوء بآيات الصفات فلم يشكل عليهم معناها، أو المراد منها، ولم ينقل عن أحد منهم أنه خاض في شيء منها طوال هذه الفترة. قال ابن القيم: (وقد تنازع الصحابة ﵃ في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا - ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال) (١). وقال المقريزي: (ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه لم يرو قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة رضي الله

стр. 5258

عنهم على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ معنى شيء مما وصف به الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه ﷺ بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات. نعم، ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقا واحدا من غير تعطيل ولم يتعرض - مع ذلك - أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت. ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئا من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة) (١). هذا ما كان عليه الصحابة ﵃، وذلك لأنهم فهموا المراد من كلام الله على ما يليق بجلاله وعظمته، ثم تابعهم على ذلك أعلام الأمة وأئمتها فلم يردوا شيئا من الصفات أو يؤولوها على غير معناها، لأنها لم توافق العقل لعلمهم بأن العقل ليس مؤهلا لمحاكمة الوحي الذي جاء من عند الله . ولم يحدث نزاع في آيات الصفات طوال القرن الأول، حتى بداية القرن الثاني حيث ظهر فيه رواد الضلال والفتنة فخرجوا على منهج الأمة وابتدعوا في دين الله بدعا كان لها أثرها فيما بعد.

стр. 5259

رواد المناهج المنحرفة في أوائل القرن الثاني ظهر أربعة أشخاص من رواد المذاهب المنحرفة في فهم العقائد الإسلامية وهم:

стр. 5260

(١) واصل بن عطاء (ت: ١٣١ هـ) مؤسس مذهب الاعتزال. (٢) الجعد بن درهم (ت: ١٢٤ هـ) وهو أول من أنكر كلام الله وصفاته. قال السيوطي: إن الجعد هو: (أول من تفوه بكلمة خبيثة في الاعتقاد - يعني في الإسلام -. . فقال: بأن الله لا يتكلم). وقد قتله أمير الكوفة خالد بن عبد الله القسري - يوم عيد الأضحى (١). (٣) الجهم بن صفوان (١٢٨ هـ) وقد خلف الجعد في دعوته فقتله سلم بن أحوز في أصبهان (٢). (٤) مقاتل بن سليمان (١٥٠ هـ)، وقد كان مؤسس مذهب المشبهة، كما قال أبو حنيفة ﵀: (أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبه) (٣). فهؤلاء أربعة كانوا زعماء التأويل والتشبيه فتكون بعد ذلك منهجان منحرفان على أقوالهم. الأول: مذهب الاعتزال الذي يقوم على التأويل ورد كل نص لا يوافق عقولهم، أو تأويله على خلاف ظاهره، كما قال زعيم الاعتزال في القرن الخامس القاضي عبد الجبار - قال: (وأما ما لا يعلم كونه صدقا ولا كذبا فهو كأخبار الآحاد، وما هذا سبيله يجوز العمل به إذا ورد بشرائطه). فأما قبوله فيما طريقه الاعتقادات فلا، إلا إذا كان موافقا لحجج العقول واعتقد موجبه لا لمكانه بل للحجة العقلية، فإن لم يكن موافقا لها فإن الواجب أن يرد وأن يحكم أن النبي لم يقله، وإن قاله فإنما قال على طريق الحكاية عن غيره، هذا إذا لم يحتمل التأويل، إلا بتعسف فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول. . . . . . . . . . .) (٤). ونحن لا ندري أي عقل هو الذي يحاكم إليه النص الشرعي، لأن العقول تتفاوت،

стр. 5261

ثم أي فائدة للوحي مادام أن العقل هو الحاكم عليه. الثاني: مذهب المشبهة وهم الذين بالغوا في إثبات الصفات حتى شبهوا صفات الله بصفات خلقه. ثم ظهر هناك مذهب ثالث أراد أن يوفق بين مذهب المعتزلة ومذهب أهل السنة والجماعة كان زعيمه (عبد الله بن كلاب) (١) الذي أثبت بعض الصفات ونفى البعض الآخر، وتابعه في ذلك أبو الحسن الأشعري، ثم رجع الأشعري في آخر حياته إلى مذهب السلف كما هو مبين في كتبه كالمقالات والإبانة وغيرهما. والأشعرية اليوم، ليسوا على مذهب الأشعري، بل على مذهب ابن كلاب حيث يثبتون بعض الصفات وهي (العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام والحياة) سبع صفات فقط، مع العلم بأنهم يوافقون المعتزلة قي أن القرآن لم يتكلم به الله ، وإن زعموا أنهم يثبتونه ولهم في معنى الكلام المثبت تصور منحرف. ثم يؤلفون بقية الصفات الأخرى كالاستواء والمحبة والبغض والرضا والغضب وما إلى ذلك (٢). هذه هي المذاهب التي تكونت مخالفة لمذهب السلف، والأخير منها أقرب إلى أهل السنة والجماعة، ولكنهم مخالفون في أمور كثيرة كما يتبين ذلك من مؤلفاتهم. وبعد هذا العرض الموجز نبين مذهب أهل السنة والجماعة وموقفهم من هذه المذاهب باختصار.

стр. 5262

منهج السلف في الأسماء والصفات (أ) تعريف السلف: إذا أطلق السلف فالمراد بهم أصحاب رسول الله ﷺ ومن سار على طريقهم - وهم أعلام الأمة المشهورون، وفيما يلي نورد بعضا من علماء القرون الثلاثة المفضلة:

стр. 5263

من التابعين من أهل المدينة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وابنه محمد، وعمر بن عبد العزيز، وزيد بن أسلم. ومحمد بن مسلم الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وجعفر الصادق، ومالك بن أنس، وابن الماجشون. ومن أهل مكة: عطاء وطاوس ومجاهد، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وابن عيينة، والفضيل بن عياض، والشافعي، والحميدي. ومن أهل الشام: رجاء بن حيوة، وعبد الله بن محيريز، وميمون بن مهران، والأوزاعي وابن شوذب. ومن أهل مصر: حيوة بن شريح، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، والمزني، والبويطي. ومن أهل الكوفة: علقمة، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومالك بن مغول، والثوري، وأبو نعيم، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان. ومن أهل البصرة: أبو العالية، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وابن المديني، والتستري. ومن أهل بغداد: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو ثور، والطبري. ومن أهل خراسان: عبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن نصر المروزي، والسرخسي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة

стр. 5264

هذه بعض أسماء أئمة السلف وقد ذكر، اللالكائي ﵀ في أول كتابه (١) مائة وخمسين عالما، ثم في موضع آخر خمسمائة وخمسين شخصا من علماء الأمة ممن عاشوا في القرون الثلاثة المفضلة كلهم على مذهب أهل السنة والجماعة. هذا ليعلم أن المذاهب المنحرفة كانت شاذة في المجتمع الإسلامي ومخالفة لمنهج المسلمين. (ب) منهج السلف في إثبات الصفات: مذهب السلف هو ما كان عليه الصحابة ﵃ وأتباعهم فيثبتون كل الصفات التي وردت في كتاب الله ، أو في السنة الصحيحة، ولا يردون شيئا منها أو يؤولونه لأنهم يعتقدون أن صفات الله لا تشابه صفات خلقه، كما أن ذاته المقدسة لا تشابه ذوات خلقه فصفاته تليق به . والمنهج الذي سار عليه السلف في فهم العقيدة هو ما يلي: إثبات كل الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة. (٢) عدم رد شيء منها أو تأويله. (٣) عدم تحكيم العقل في أمور العقيدة. (٤) اعتقاد مخالفة صفات الله لصفات خلقه. جـ) منهج السلف في الرد على المذاهب المنحرفة: أولا - الرد على المعتزلة الذين يؤولون آيات الصفات على غير معناها، ويثبتون أسماء الله بزعم أن في إثبات الصفات مشابهة للمخلوقات فقال علماء السلف: (١) إن المعتزلة - وكذلك بقية الطوائف المنتسبة للإسلام يقولون: إن لله ذاتا وأسماء لا تشبه ذوات خلقه ولا أسماءهم: فيقال لهم: وكذلك له صفات لا تشبه صفات خلقه إذ إن التفريق بين الأمرين لا دليل عليه. إن كلام الله هو أفصح الكلام وأبلغه كما قال تعالى:

стр. 5265

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١)، وصرف ألفاظه عن ظاهرها إلى معان أخرى يقتضي خلاف ذلك، واتهام الله بالعجز عن البيان - سبحانه عما يقول الظالمون؛ ثم يزعمون أن البشر من الفلاسفة والمتكلمين أقدر منه على البيان فيحمل كلامه على غير ظاهره، وهذا فوق أنه كفر صريح سوء أدب مع الله . (٣) إن المبلغ عن الله وهو الرسول ﷺ ، أفصح البشر وأحرصهم على ما ينفعهم فيستحيل مع هذا أن يبلغهم كلام ربهم ثلاثة وعشرين عاما وهو يريد معاني أخر من كلامه، ثم لا يبين لهم، والله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢). (٤) إن أصحاب رسول الله ﷺ ، كانوا أفصح الأمة، وأحرصهم على معرفة دينهم، وقد كانوا يسمعون كلام الله ثلاثة وعشرين عاما وهو مملوء بذكر صفات الله ولم يستشكلوا شيئا منها لعلمهم بأن معناها على ظاهرها، بما يليق في حق ربهم ، ولو كان خلاف ذلك لنقل عنهم (٣). ثانيا - الرد على المشبهة الذين أساءوا فهم آيات الصفات فلم يفرقوا بين صفات الخالق والمخلوق لاشتراك الصفتين في الاسم. قال علماء السلف: إن الله خالق الخلق، وموجد الكون وهو الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله، والخلق موجود من العدم ويلحقه النقص في ذاته وصفاته وأفعاله فكيف يسوى بين خالق كامل سبحانه ومخلوق ناقص. تعالى الله عن جهل الجاهلين وفهم المنحرفين. يقول : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٤) وهم يقولون بل هو مثل خلقه ويقول : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥) وهم

стр. 5266

يقولون بمشابهة صفاته لصفات خلقه، وهذا يقتضي وجود كفو وشبيه به سبحانه وتعالى عما يقولون ". وهذا القول قد اندثر القائلون به، إذ قليل العقل يكفي لمعرفة بطلانه. ثالثا - الرد على الأشاعرة الذين يثبتون بعض الصفات ويؤولون البعض الآخر بزعم أن المؤول فيه مشابهة. قال علماء السلف: (١) كما أنكم تقولون: إن له ذاتا وأسماء وصفات معدودة لا تشبه ذوات الخلق ولا أسماءهم ولا صفاتهم، فقولوا في المؤول مثل ما قلتموه في المثبت إذ هذا تفريق بمجرد الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا. (٢) ويرد عليهم كذلك بما تقدم في الرد على المعتزلة لمشابهتهم لهم في هذا الأمر. (٣) ويرد على الجميع بما تقدم في أول المبحث من أن العقل عاجز عن إدراك الأمور الغيبية بنفسه استقلالا لخضوعه للمعلومات الحسية.

стр. 5267

نماذج من أقوال أهل السنة والجماعة في تفسير آيات الصفات ولكي يتضح منهج أهل السنة في تفسير النصوص الواردة في صفات الله نورد هنا مجموعة من كلامهم في إحدى صفات الله التي نطق بها الكتاب والسنة ألا وهي: " الاستواء " ورد إثبات الاستواء في سبع آيات من كتاب الله كقوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١)، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢). . . . . . . . . ونحو ذلك. قال مالك بن أنس: (الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال

стр. 5268

عنه بدعة). وقال أبو حنيفة - جوابا لمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: (فقد كفر: لأن الله يقول ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وعرشه فوق سبع سماوات) وقال: (إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر). وقال علي بن المديني - عن مذهب الجماعة - (يؤمنون بالرؤية والكلام وأن الله فوق السماوات على العرش استوى). وقال الترمذي: (هو على العرش كما وصف نفسه في كتابه وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان). وقيل لابن المبارك: بماذا نعرف ربنا؟ قال: (إنه فوق السماوات على عرشه بائن من خلقه). وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه - أصول السنة: (ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه). وأخيرا: نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 5269

صفحة فارغة

стр. 5270

التصوف من صور الجاهلية للشيخ / محمد أمان بن علي الجامي. رئيس شعبة العقيدة بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (سابقا) الحمد لله رب العالمين، وصلاة الله وسلامه ورحمته وبركاته على رسوله الأمين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن الجاهلية التي نريد أن نتحدث عن بعض صورها غير الجاهلية التي تتبادر إلى الأذهان إذا أطلقت. لأن الجاهلية في الأصل اسم لفترة زمنية قبل الإسلام بما فيها من أعمال وثنية وتصرفات جاهلية من شرك وظلم، وفساد أخلاق، وغير ذلك. وقد انتهت تلك الفترة ببزوغ فجر الإسلام وطلوع شمسه وانتشار نوره في العالم حتى أنار الطريق لكل سالك، فدخل الناس في دين الله أفواجا، فقامت للإسلام دولة قوية ذات منعة، وعاش المسلمون في عصر النبوة حياة لم يسبق لها مثيل - ولن يوجد لها مثيل قطعا - توحيد خالص لله وحده، وعدل، وإنصاف، وطاعة لله ولرسوله، وتحابب في الله وتآخ، واعتزاز بالإسلام، وعزة، وكرامة، وهيبة في قلوب الأعداء. وقد سجل لهم القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). هكذا عاش المسلمون في ذلك العهد الفريد إلى أن انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى، إلا أنه لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن نزل إعلان من السماء بأن الدين قد كمل - فالكامل لا يقبل الزيادة عادة - وأن نعمة الله على أتباع محمد بالإسلام قد تمت، وذلك

стр. 5271

قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). نزلت الآية الكريمة في حجة الوداع في يوم الجمعة، وفي اليوم نفسه خطب النبي الكريم خطبة يوم عرفة المشهورة، جاء في آخرها قوله ﵊ وهو يخاطب أصحابه: «أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟. قالوا: نشهد أنك بلغت ونصحت. فجعل يقول ﵊: اللهم اشهد. اللهم اشهد. يرفع أصبعه (٣) إلى الصحابة قائلا: اللهم اشهد. اللهم اشهد. اللهم اشهد». . ولم يعش النبي ﷺ بعد حجة الوداع طويلا، بل أخذ يحدث أصحابه وأتباعه أنه إن تركهم سوف لا يسلمهم للفوضى، بل يتركهم على منهج واضح ليس فيه أدنى غموض، إذ قال لهم: «تركتكم على بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك (٤)»، وفي لفظ: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، كتاب الله (٥)».، «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي (٦)». نعم، تركهم على هذا المنهج الموصوف، ونصحهم ليتمسكوا به ولا يحيدوا عنه، ولا يزيدوا فيه، وحذرهم عن الزيادة والخالفات، بل يلتزمون المنهج حرفيا. فقال ﵊ محذرا لهم عن الابتداع: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٧)»، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد (٨)»، «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٩)». .

стр. 5272

ثم إنه ﵊ ترك هذا المنهج في أيد أمينة وقوية، في أيدي جماعة كانت حريصة على الأمة حرصا يشبه حرصه ﵊ عليهم، وهم رجال رباهم على المنهج، واطمأن إلى فهمهم للمنهج، وهم أصحابه الذين اختارهم الله لصحبته، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وإخوانهم، فحافظوا على المنهج وأحسنوا التصرف فيه بحزم دونه كل حزم ودعوا إليه بصدق وإخلاص وضحوا في سبيل ذلك بكل ممكن. وفور وفاة رسول الله ﵊ ارتدت بعض قبائل العرب، وبعضها منعت الزكاة، فنهض أبو بكر لقتالهم، فتوقف باقي الصحابة وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة مجتهدين، قالوا: كيف نقاتل قوما يشهدون ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ فأقسم بالله أبو بكر الصديق لو أنهم منعوه عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﵊ لقاتلهم، لأنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة، ولأن الزكاة من حقوق الإسلام وواجباته المالية، ولأن الإسلام بجميع حقوقه وواجباته إنما هو لله الحي الذي لا يموت، فلا يموت الإسلام ولا شيء من واجباته بموت النبي ﵊. وهذا هو أول إعلان أعلنه أبو بكر الصديق ﵁ عندما علم ما حصل لعمر بن الخطاب عندما قبض النبي ﵊، إذ ظن عمر أن النبي لم يقبض بعد، بل إنه سوف يعود، فهدأه أبو بكر فقال فيما قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى من سورة آل عمران: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). واندهش عمر عند سماعه هذه الآية دهشة قريبة من دهشته من وفاة رسول الله ﵊ حتى يقول: كأنه لم يسمع هذه الآية قبل هذه المرة، وهو يحفظها ويقرؤها وكأنها نزلت من توها وهي تخاطبه. وبعد ذلك البيان من الخليفة الأول أبي بكر الصديق، رجع عمر ومن معه إلى رأي أبي بكر فاقتنعوا بوجوب قتال مانعي الزكاة، إذ لو لم يفعلوا لكانت فتنة في صفوف الأمة

стр. 5273

وفساد كبير. هكذا حافظوا ﵃ على وحدة الأمة ووقفوا أمام أسباب الانقسام والتفرق بذلك الحزم لئلا تعود الأمة إلى الجاهلية الأولى من جديد، أو إلى ما يشبه ذلك. وفي أواخر عهد الخلفاء الراشدين، وفي خلافة علي بالتحديد، خرجت الخوارج، وتشيعت الشيعة، ثم ظهرت الفرق متتابعة من جبرية ومرجئة وجهمية ومعتزلة وأشعرية وماتريدية. فسمعت دنيا المسلمين ما تتوقعه من الانقسام والتفرق تصديقا لقوله ﵊: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة (١)». هكذا بدأت الجاهلية التي نريد أن نستعرض بعض صورها في حديثنا هذا، لأن الجاهلية هنا لا تعني - كما تقدم - فترة زمنية، ولكنها أعمال وتصرفات وأوضاع معينة ومفاهيم خاطئة، ويمكن أن نوجز أمهاتها في العناوين التالية: أ - جاهلية التصوف. ٢ - جاهلية علم الكلام. ٣ - جاهلية التعصب المذهبي. ٤ - جاهلية في الحاكمية: أي الحكم بغير ما أنزل الله.

стр. 5274

أما جاهلية التصوف: فقد ظهرت واشتهرت بعد انقراض القرون الثلاثة المفضلة، فيحدثنا عن نشأتها شيخ الإسلام ابن تيمية، كما يعين لنا مكان نشأتها، وملخص حديثه: إن الصوفية ظهرت أول ما ظهرت في البصرة بالعراق على أيدي بعض العباد الذين عرفوا بالغلو في العبادة والزهد والتقشف المبالغ فيه، بل لقد زين لهم الشيطان أن يتخذوا لباس الشهرة فلبسوا الصوف وقاطعوا القطن بدعوى أنهم يريدون التشبه بالمسيح ﵇. هكذا تقول الرواية، فنسبوا إلى الصوف (١)، فقيل لهم: الصوفية فدعوى أنهم منسوبون إلى أهل الصفة أو إلى الصف المتقدم دعوى باطلة. يكذبها الواقع واللغة. ولما

стр. 5275

سمع بعض السلف أن قوما لازموا لباس الصوف زاعمين التشبه بالمسيح قالوا: هدي رسول الله ﷺ أحب إلينا. وهو يلبس القطن وغيره. ينسب هذا الكلام إلى ابن سيرين ﵀، ويروي لنا شيخ الإسلام: أن مدينة البصرة قد عرفت من تلك الفترة بهؤلاء المتصوفة وتصوفهم، كما عرفت الكوفة بالفقه والآراء والقضاء حتى قيل: عبادة البصرة وفقه الكوفة. هكذا ظهرت جاهلية التصوف، ومن هذه المدينة انتشرت. ولو رجعنا إلى الوراء في تاريخنا الطويل، لوجدنا أن هذه البدعة التي تسمى بالتصوف اليوم قد أطلت برأسها في عهد الرسول ﵊ إلا أنها قمعت عند أول ظهورها أو التفكير فيها، وذلك عندما جنح بعض الناس إلى نوع من الرهبانية، «فذهب ثلاثة أشخاص من الصحابة إلى بيت من بيوت الرسول ﵊، فسألوا عن عبادته ﵊، فلما أخبروا كأنهم تقالوها - أي رأوا أن ما يفعله الرسول من العبادة قليل، فهم يريدون أكثر من ذلك. فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر. وقال الثاني: وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام. وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء. فلما بلغ ذلك رسول الله ﵊ طلبهم فأتي بهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ فلم يسعهم إلا أن يقولوا: نعم. فقال الرسول ﵊: أما والله إني لأعبدكم وأخشاكم لله، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (١)». . هذه الواقعة رويناها بالمعنى تقريبا، وهي عند الشيخين وبعض أهل السنن (٢). ومما يلاحظ أن الرسول ﵊ استخدم في إنكار هذه البدعة أسلوبا لا نعلم أنه كان يستخدمه عندما يبلغه أن إنسانا ما ارتكب مخالفة أو أتى معصية، بل كانت عادته الكريمة المعروفة أنه في مثل هذه الحالة يجمع الناس فيوجه إليهم كلمة عامة واستنكارا وتوبيخا لا مجابهة فيه، كأن يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟ وقد كان هذا الأسلوب كافيا للردع والإنكار مع ما يتضمنه من الستر على مقترف تلك المعصية. ولكننا رأينا الرسول ﵊ هذه المرة يطلب حضور الثلاثة الذين

стр. 5276

جنحوا إلى ما يسمى (التصوف) اليوم، ثم يسألهم أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، ثم يعلن لهم أنه أعبدهم وأخشاهم لله مؤكدا ذلك بالقسم، كأنهم لا يعلمون ذلك. تقريعا لهم وتوبيخا، فأشعرهم أن الأساس في العبادة الاتباع دون الابتداع، وأن الكيفية مقدمة على الكم المخالف للسنة، ثم يختم التوبيخ بالبراءة أي بالإخبار أن من يرغب عن سنته وهديه ليس منه ولا هو على دينه الذي جاء به من عند الله. ومما ينبغي التنويه به هنا أن حسن النية وسلامة القصد والرغبة في الإكثار من التعبد، كل هذه المعاني لا تشفع لصاحب البدعة لتقبل بدعته أو لتصبح حسنة وعملا صالحا. لأن هؤلاء الثلاثة لم يحملهم على ما عزموا عليه إلا الرغبة في الخير بالإكثار من عبادة الله رغبة فيما عند الله، فنيتهم صالحة، وقصدهم حسن، إلا أن الذي فاتهم هو التقيد بالسنة التي موافقتها هو الأساس في قبول الأعمال مع الإخلاص لله تعالى وحده. وبعد: لعل القارئ يلاحظ أن بدعة التصوف ظهرت أول ما ظهرت مغلفة بغلاف العبادة والزهد، وهما أمران مقبولان في الإسلام، بل مرغوب فيهما، ثم ظهرت على حقيقتها التي هي عليها الآن، وهذا شأن كل بدعة، إذ لا تكاد تظهر وتقبل إلا مغلفة بغلاف يحمل على الواجهة التي تقابل الناس معنى إسلاميا مقبولا، بل محبوبا. ومن أمثلة ذلك: بدعة الاحتفال بالمولد التي ابتدعها الفاطميون بالقاهرة بدعوى محبة الرسول وآل البيت، حيث كانوا يحتفلون بمولد النبي ﵊ في كل عام، ثم بمولد علي ﵁، ثم بمولد فاطمة ﵂، ثم بمولد الحسن والحسين، وأخيرا يحتفل بمولد الخليفة الحاضر، وهكذا لو تتبعت نشأة كل بدعة لوجدتها لا تظهر أول ما تظهر إلا في مثل هذا الغلاف المقبول. ومما يلاحظ في الآونة الأخيرة ظهور احتفالات باسم أسبوع فلان أو شهر فلان أو مرور كذا سنة على الحركة الفلانية أو بعبارة بهذا المعنى، ومثل هذه الاحتفالات التي تعد - فيما يبدو للناس - إنما هي مجرد ذكرى لأولئك المجددين والمصلحين وإحياء لدعوتهم وحركتهم الإصلاحية، ولكنها سوف تتحول على المدى البعيد - والله أعلم - إلى جنس الاحتفالات التي تسمى اليوم عند العوام وأشباههم الاحتفالات الدينية، هكذا أتصور - والله أعلم.

стр. 5277

فلنعد إلى البصرة حيث نشأت الصوفية، ثم انتقلت منها إلى المدن الأخرى بالعراق، ثم إلى الأقطار المجاورة للعراق، وهكذا حتى انتشرت الصوفية في دنيا المسلمين وهي تتظاهر بالعبادة والزهد. ولم يطل الزمن - كما يحدثنا شيخ الإسلام - حتى انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة والمرتزقة. وهذه المتصوفة المنتشرة في العالم الإسلامي من أولئك المبتدعة والزنادقة كالحلاج الذي قتل أخيرا لزندقته وابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين، وابن عجيبة، وغيرهم من كبار مشايخ الصوفية، وسيأتي نقل بعض نصوصهم الكفرية إن شاء الله. وقد شوهت هذه الطائفة (الصوفية) جمال الدين، وغيرت مفاهيم كثيرة من تعاليم الإسلام لدى كثير من المخدوعين الذي يحسنون الظن بكل ذي عمامة مكورة وسجادة مزخرفة وسبحة طويلة، ويستسمنون كل ذي ورم، فأخذوا يحاولون أن يفهموا الإسلام بمفهوم صوفي بعيد عن الإسلام الحق الذي كان عليه المسلمون الأولون قبل بدعة التصوف وبدعة علم الكلام وغيرهما من البدع التي شوشت على السذج وحالت بينهم وبين المفهوم الصحيح للإسلام. وإليكم بعض تلك المفاهيم التي غيرتها الصوفية.

стр. 5278

مفهوم الدين الإسلامي عند الصوفية: ينقسم الدين الإسلامي عند الصوفية إلى قسمين: أولا - الشريعة التي تضمنها الكتاب والسنة: وهي في زعمهم للعوام أو لغير الواصلين، ويسمون علماء الشريعة علماء الرسوم استخفافا بهم، بل يسمون الشريعة القشر الظاهري، وهو قليل الجدوى، وأما اللب الداخلي المقصود بالذات فهي تلك الحقيقة التي اختص بها كبار مشايخ الصوفية. وهي التي سوف نتحدث عنها في الفقرة التالية. ثانيا - الحقيقة: وهي خاصة بطبقة الواصلين كما تقدم، وهي شيء آخر غير الشريعة. وأعلى من الشريعة وأخص، لأن الشريعة إنما يلتزمها العوام وأشباه العوام من

стр. 5279

علماء الرسوم - كما زعموا وبئس ما زعموا -. وهذه الحقيقة المزعومة يرى بعضهم أنها علم التصوف - ويسمون تلك البدعة علما، وهي ليست من العلم في شيء!! بل التصوف في حقيقته عبارة عن طقوس مجمعة من البوذية والهندوكية واليهودية، وهي بعيدة عن الإسلام كل البعد ولا يتردد في ذلك إلا مريض القلب بمرض الوثنية أو إنسان ضعيف المعرفة بالدين. فالمتصوفة طائفة مادية تريد أن تعيش تحت ستار العبادة، وعبادتهم في الواقع عبارة عن عبث وأنواع من الرقصات فهم من الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وقد سموا تلك الرقصات ذكرا لتقبل وتروج ولكن على السذج. وأما طلاب العلم أصحاب البصيرة فلا تنطلي عليهم مثل هذه التسمية.

стр. 5280

من واضع علم التصوف ؟ يزعم ابن عجيبة الصوفي الفاطمي بأن واضع علم التصوف هو رسول الله ﵊، علمه الله بالوحي والإلهام، ثم يقول ابن عجيبة في تفصيل ذلك في عجائبه وأكاذيبه الكثيرة: نزل جبريل أولا بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانية بالحقيقة، فخص بها رسول الله بعضا دون بعض، وأول من تكلم بالتصوف هو علي بن أبي طالب ﵁، وأخذ عنه الحسن البصري (١). والقارئ البصير يدرك من كلام هذا الزنديق الصلة الوثيقة بين بدعة الصوفية وبدعة الشيعة التي تعبد أئمتها وتؤلههم، وما الصوفية إلا خطا ممدودا متفرعا من دين الروافض الخبيث. وكلام ابن عجيبة هذا فرية جائرة وجريئة على رسول الله - كما لا يخفى على طالب علم - وبهت له ﵊ بجريمة الكتمان، وهل يتهم النبي الأمين محمدا عليه الصلاة بكتمان الحق الذي أرسل به ليبلغه للناس وقد أمره ربه بذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) - إلا الزنديق المارق الذي يريد أن يصرف الناس عن الإسلام لو استطاع.

стр. 5281

ويتضمن زعم ابن عجيبة بهتا آخر على الرسول ﵊ وهو تخصيص آل البيت بشيء من العلم والدين لا يعلمه سائر الصحابة حتى أبو بكر وعمر وعثمان. ومن جهة أخرى أن المعروف من معاني الإيمان بالرسول ﵊ الإيمان بأنه ﵊ بين ما أنزل عليه وما أوحي إليه، بلاغا عاما شاملا، وأنه أمين الله على وحيه، وكلام ابن عجيبة الذي يتحدث عن واضع علم التصوف - على حد تعبيره - يتنافى وهذا الإيمان كما ترى. وأما تخصيص آل البيت بشيء من العلم والدين دون غيرهم، فهذه فكرة موروثة ورثتها الصوفية من أسيادهم (الشيعة)، وقد نفى هذا الزعم علي بن أبي طالب نفسه، حيث روى مسلم حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: «كنت عند علي بن أبي طالب ﵁ فأتاه رجل فقال: ما كان النبي يسر إليك؟ فغضب وقال: ما كان النبي ﵊ يسر إلي شيئا يكتمه الناس غير أنه قد حدثني بكلمات أربع. قال: فقال: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: قال رسول الله ﷺ : لعن الله من لعن والديه. لعن الله من ذبح لغير الله. لعن الله من آوى محدثا. لعن الله من غير منار الأرض (١)». ثم إن كلام ابن عجيبة ووراءه ابن عربي وابن الفارض وغيرهما من كبار مشايخ الصوفية يتضمن أن أبا بكر وعمر وعثمان لا يعلمون بعض الأمور - وهي من الدين - قد يعلمها مشايخ الصوفية وهو ما سموه حقيقة أو تصوفا، وهل يعتبر دينا ما لم يعلمه أبو بكر وعمر وعثمان، وقد أمرت الأمة بالأخذ بسنتهم والاقتداء بهم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي (٢)» الحديث «اقتدوا بالذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر (٣)». وأما ابن الفارض فقد تحدث عن دين الصوفية بإسهاب في تائيته الكبرى، ودين الصوفية الذي انتهى إليه كبار الصوفية ويشمر عن ساعد الجد صغار الصوفية للوصول إليه هو (وحدة الوجود) واعتقاد أن الله عين هذا الوجود، وهي زندقة تحملها أبيات تائية لابن الفارض، فلنسمع بعضها إذ يقول ما هو كفر بواح لدى كل فقيه:

стр. 5282

فقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي لا فلك إلا ومن نور باطني ... به ملك يهدي الهدى بمشيئتي ولا قطر إلا حل من فيض ظاهري ... به قطرة عنها السحائب سحت ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن ... شهود ولم تعهد عهود بذمة ولا حي إلا من حياتي حياته ... وطوع مرادي كل نفس مريدة فماذا يحكم القارئ على من هذا كلامه وهو يفتري أن ملكوت كل شيء بيده، وأن الوجود كله قطرة من فيض جوده ومن وجوده وأن كل شيء طوع هواه. فلنسمع مرة أخرى أيها القارئ إلى فرية لابن الفارض إذ يزعم أن جميع الصلوات التي يؤديها العباد والنساك في جميع الجهات الست، وتلك المناسك التي ينسكها الحجاج والمعتمرون إنما ترفع الحقيقة إلى ابن الفارض من حيث لا يشعر أولئك العباد والحجاج والعمار والطائفون بالبيت العتيق، بل إنه نفسه إنما يصلي - لو كانت له صلاة - لنفسه وذلك إذ يقول: وكل الجهات الست نحوي توجهت ... بما تم من نسك وحج وعمرة لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت ولا يزال يكرر مزاعمه التي ضلل بها كثيرا من السذج، فيزعم أنه ليس في هذا الوجود متناقضات ولا أضداد أو أغيار أو أمثال، بل الوجود كله حقيقة واحدة. ولا يقال (خالق ومخلوق) أو (رب ومربوب) أو (عابد ومعبود) وذلك حيث يقول: تعانقت الأطراف عندي وانطوى ... بساط السوي عدلا بحكم السوية ثم صرح بأنه هو المعبود الذي يصلي له كل مصل ويسجد له كل ساجد، فيقول: كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل سجدة وهذا الهذيان المارق قد صرح به شيخهم الأكبر والزنديق الأكفر ابن عربي الطائي، إذ يقول - مستخدما أسلوب التقديس تلبيسا على الأغمار:

стр. 5283

سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها، تعالى الله عما زعم علوا كبيرا، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). وقال أيضا في موضع آخر من فتوحاته: (إن العارف من يرى الحق (الله) في كل شيء بل يراه عين كل شيء) (٢). وترى الصوفية قاطبة أن هذا أدق تعريف للعارف بالله، يا سبحان الله إذا سمي الكفر إيمانا، والجهل معرفة، والمروق وصولا ما الذي بقي من الحقائق على ظواهرها؟! وإنما تكد الصوفية ليل نهار وتقدم جميع الوسائل البدعية للوصول إلى هذه الدرجة من الكفر الذي ليس بعده كفر، وليس باسم الوصول. وما ذكرنا من كلام ابن عجيبة وشرحناه وما أضفنا إليه من كلام ابن الفارض وابن عربي، إنما هو قطرة من بحار كفرهم، ويعرف ذلك بالاطلاع على " فصوص الحكم "، " والفتوحات المكية " وهما لابن عربي، وما جاء في " التائية الكبرى " لابن الفارض، وما ورد في " إيقاظ الهمم في شرح الحكم " لابن عجيبة، وغيرها من الكتب التي كتبها المؤمنون بهم والمدافعون عن معتقداتهم وهي كثيرة. هذا، وبرهان الدين البقاعي الذي كان يعيش في القرن التاسع الهجري قد ألف كتابا سماه (تنبيه الغبي بتفكير عمر بن الفارض وابن عربي) وكتابا آخر (تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد). وقد دمجهما في كتاب واحد الشيخ السني الداعية عبد الرحمن الوكيل. والكتاب ينقد التصوف نقدا قاتلا - كما يقول الشيخ الوكيل -: فجزى الله البقاعي والوكيل خير الجزاء على ما قدما من بيان الحق ودحض الباطل ونصح القارئ والمطلع. وللشيخ عبد الرحمن الوكيل كتاب آخر سماه (هذه هي الصوفية) والكتاب فريد في بابه، وهو مع كثرة النقول المعزوة يمتاز بمعلومات أضافها الشيخ ﵀، تلك المعلومات التي اكتسبها إبان أن كان أسيرا عند الصوفية في صباه كما يحكي الشيخ في هذا الكتاب كيف حاولت الصوفية أن تفسد فطرة الصبي وتزين له دين الصوفية وإبعاده عن

стр. 5284

الخط الموصل إلى الحق وهو الاعتصام بالكتاب والسنة، ولكن الله سلم، فهرب الصبي من الأسر واتصل بجماعة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة، فأنقذه الله على يد الجماعة زادها الله من التوفيق. ولله الحمد والمنة، فالكتاب يحمل في صفحاته معلومات خطيرة عن الصوفية. وأنا أدعو شبابنا إلى قراءة هذين الكتابين ليدركوا بأنفسهم حقيقة دين الصوفية، وأنه غير الدين الإسلامي في حقيقته. والله المستعان. وإن كان القارئ يلاحظ أن في هذا الحكم نوعا من القسوة أو المبالغة، وإنما يرجع ذلك لأنه حكم جاء مخالفا للمألوف الموروث، وأما القارئ المتجرد من مألوفات قومه بعقله الحر، وله اطلاع على نصوص الشريعة في باب الردة خاصة، فلا يشك أن ما تدعو إليه الصوفية من وحدة الوجود ومن دعوى حلول الرب تعالى في فرد من مخلوقاته، أو من دعوى الاستغناء عن الشريعة المحمدية بدعوى الأخذ من الله مباشرة، أو نقل الأحكام من اللوح المحفوظ بالنسبة لخواصهم، فلا يتردد في تكفيرهم، وبالتالي لا يتهمنا بالمبالغة أبدا. هذا، وقد يدعون التأثير في الآجال والأرزاق والشقاوة والسعادة والموت على حسن الخاتمة أو سوء الخاتمة، بل التصرف المطلق في هذا الكون علويه وسفليه، ومن لم يكفر هؤلاء فهو كافر مثلهم أو من أجهل عباد الله. فنسأل الله له العافية. أما البقاعي فقد نقل في كتابه المذكور: أقوال عدد كبير من أعلام القرن السابع والثامن والتاسع تكفير ابن الفارض وابن عربي شرعا، وهي فتاوى خطيرة لها اعتبارها ووزنها عند أهل العلم. وقد صنف البقاعي أولئك الشيوخ الذين أفتوا بكفر الزنديقين إلى طبقات مختلفة في الزمن بعد أن بين مكانة كل واحد منهم في علمه وفضله والمذهب الذي ينتسب إليه من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وذكر منهم ٤٠ عالما وإماما بأسمائهم فليراجع كتابه لأهميته. وخلاصة ما اعتمدوا عليه في تكفيرهم هو: أن كلام الرجلين ابن الفارض وابن

стр. 5285

عربي ومن ذهب مذهبهما مثل ابن عجيبة، إنما يدور حول القول بأنهم مستغنون عن الشريعة التي جاءت في الكتاب والسنة ووصلوا بغير طريق محمد رسول الله إلى الله - في زعمهم. ثانيا: أنهم صرحوا بالاتحاد والحلول، وأنهم إنما يعبدون أنفسهم كما يعبدهم غيرهم، إذ ليس هناك (خالق ومخلوق) و (عابد ومعبود) لأن الكون عين واحد، وحقيقة واحدة! هذه بعض أسباب تكفير وهي واضحة لدى طالب العلم. وأما الذين لم يصلوا إلى هذه الدرجة من التصريح بوحدة الوجود فلا يسلمون أيضا من الكفر، بل ينالهم نصيبهم مما أصاب كبارهم من الكفر، لإيمانهم بذلك الكفر الذي تقدم شرحه وتوضيحه، لأن الرضاء بالكفر كفر، وهو أمر لا يختلف فيه فقيهان، اللهم إلا إذا كان له عذر كأن حالت بينه وبين فهم الحقيقة شبهات وجهل فقبل عذره. والله أعلم.

стр. 5286

مفهوم الذكر عند الصوفية: ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى ذكر الله بقلبه ولسانه والمواظبة عليه مطلقا كان أو مقيدا، حسب ما نظمته السنة المطهرة من تهليل وتسبيح واستغفار ودعاء ولقد تمكنت بدعة الصوفية من هذه العبادة العظيمة فعبثت فيها عبثا وأحدثت باسم الذكر ألفاظا ما أنزل الله بها من سلطان، كما عبثت بالأذكار المأثورة فزعمت أنها تنقسم - بزعمهم - إلى ثلاثة أنواع: نوع للعوام ونوع آخر للخواص، ونوع ثالث لخاصة الخاصة. وتقسيم الذاكرين إلى هذه الأقسام يعد من مبتكرات مشايخ الصوفية ومبتدعاتهم، بل قد ألحدت الصوفية في أسماء الله تعالى حيث تكلمت فيها بغير علم فزعمت أن من الأسماء ما لا يصلح إلا للعوام وأما الواصلون إلى الله فلهم أسماء خاصة لا يذكر الله بها العوام، وإليكم تفصيل ما أجملت: أما العوام في زعم الصوفية هم من عدا الواصلين في اصطلاحهم من طبقات المسلمين من العلماء وطلاب العلم وغيرهم، والواصلون هم أولئك الذين تمردوا على

стр. 5287

الشريعة واستخفوا بها ومرقوا عن حقيقة الإسلام والتقيد به، فسموا الأذكار التي جاءت بها نصوص الشريعة أذكار العوام مثل: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) إلخ. الذي قال فيه رسول الله ﵊: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير (١)». هذا الذكر العظيم والتوحيد الخالص يعد عند المتصوفة من أذكار العوام. أما الخاصة، وخاصة الخاصة من كبار الزنادقة الذين سبق أن تحدثنا عنهم مثل ابن عربي وابن سبعين فلا يتنازلون لمثل هذا الذكر وهذه الصيغة، أما ذكر الخاصة - في زعمهم - فهو تكرار لفظ الجلالة مفردا (الله)، (الله)، وأما ذكر خاصة الخاصة فهو ضمير الغيبة هو، هو وربما اقتصر بعضهم على الآهات (آه، آه) بكيفية خاصة بأن يتمايل الذاكر - العابث - يمنة ويسرة، وأما العامي منهم عندما يذكر الله بالتهليل مثلا يكون على هيئة معينة كأن يتمايل يمينا ويسارا يبدأ بـ (لا) يمينا، ويرجع بـ (إله)، فيتوسط، ثم يختم بـ (إلا الله) على اليسار، يبدأ التمايل في هدوء بعد الاستئذان من الشيخ أولا ويستمد منه المدد قائلا (دستور) يا أستاذ، مددك يا سيدي، ثم يستأذن سلسلة الطريقة التي ينتسب إليها من قادرية أو تيجانية أو رفاعية أو مرغنية فيقول: دستور يا أصحاب الطريق والقدم. وبعد أن يجأر بأسمائهم هكذا معتقدا أنهم يسمعونه ويأذنون له بقلوبهم، وبعد أن يتلطخ هكذا بهذه الوثنية ليتقبل ذكره يبدأ في الذكر. ومما ينبغي أن يعلمه طالب العلم من هذه الجاهلية الصوفية أن ذكر الله لا ينفع به الذاكر ولا يقبل منه ولا يقرب إلى الله في دين الصوفية إلا بإذن من شيخ الطريقة، وللشيخ أن يحرم على دراويش طريقته أن يذكروا بالذكر الذي تذكر به الطريقة الأخرى وترقص به، وعلى الدرويش أو المريد الصغير أن يلتزم ذلك التحريم ولا يعصي الشيخ أدنى عصيان وإلا فهو مهدد بسوء الخاتمة، بل عليه أن يعتقد أن الشيخ جاسوس قلبه، فعليه أن يراقب خطرات قلبه بدقة، ومن الأمثال السائرة عند الصوفية (إن حضرت عند نحوي احفظ لسانك، وإن حضرت عند العارفين احفظ قلبك).

стр. 5288

وأما أسماء الله الحسنى فمنها ما هو صالح للعوام فقط ولا يناسب الواصلين كالعفو والغفار ولهم كلام طويل هنا يعرف بالرجوع إلى كتبهم. ولا أحسب الدرويش أنه يؤمن بالله تعالى ويخشاه ويراقبه إيمانه بالشيخ وخشيته له ومراقبته إياه، لأنه يرى حياته الاجتماعية والمادية والدينية - إن كان له دين - يرى أن ذلك كله مرتبط بالشيخ، وإذا لم يظهر للشيخ - ولو تصنعا - أنه من المخلصين له ولطريقته فسوف يبقى دائما في ذل الدروشة ولا تحصل له الترقية إلى درجة (مريد) حيث يصبح إنسانا له نوع من الاعتبار، ثم لا يتخرج خليفة له شأنه ليعين في مكان معروف بكثرة الزراعة أو بالثروة الحيوانية أو في مدينة معروفة بالتجارة والصناعة ليصبح بعد فترة قصيرة من أثرياء تلك البلدة، وتزداد بذلك ثروة الشيخ الكبير وتتضخم، وبالتالي تستفيد الطريقة من وراء ذلك مادة وصيتا طويلا، وتقدم الطريقة بسخاء الهدايا الثمينة والذبائح السمينة لمشيخة الصوفية، إذ يتقدم الشيخ أمام تلك الهدايا في تيه وكبرياء، ليعلن أنها هدايا من الطريقة التيجانية مثلا، فيرمي الشيخ من وراء ذلك أن يرشح لرياسة مشيخة الصوفية. وهذا بيت القصيد من جميع تلك الحركات.

стр. 5289

(مشايخ الصوفية يفترون الكذب في سبيل الدعوة إلى طرقهم) . تحل الصوفية في اقتراف جريمة الكذب على الله وعلى رسوله ﵊ في المرتبة الثانية تقريبا بعد أن تشغل الشيعة المرتبة الأولى. ومن أكثر مشايخ الصوفية كذبا وافتراء على الله ذلك التيجاني الجاني، فاسمعوا وهو يفتري على الله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (١) - يقول التيجاني الجاني: " وما أكرم الله به قطب الأقطاب أن يعلمه علم ما قبل وجود الكون وما وراءه وما لا نهاية له، وأن يعلمه جميع الأسماء القائم بها نظام كل ذرة من جميع الموجودات، وأن يخصصه بأسرار دائرة الإحاطة. . ". إلى آخر الفرية الطويلة. ولعل

стр. 5290

القارئ لا يغفل أنه يريد أن يدعي هذا المقام لنفسه لا لغيره بأسلوب صوفي معروف لدى كل العارفين بأسلوب القوم إذا هي فرية ودعاية في آن واحد، وهذا ديدنهم - وهناك فرية أخرى يطلقها التيجاني أيضا إذ يقول: (إن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق (الله) مطلقا في جميع الوجود جملة وتفصيلا، حيثما كان الرب إلها كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من له عليه ألوهية لله تعالى، فلا يصل إلى الخلق شيء كائنا ما كان من (الحق) إلا بحكم القطب، ثم قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود). . . إلى آخر تلك الفرية الطويلة التي تنبئ عن خلو قلب هذا الفاجر من الإيمان بالله سبحانه وتقديره حق قدره. وهذه الفرية كالتي قبلها، دعوة صريحة للربوبية، لأن له التصرف المطلق في الكون جملة وتفصيلا، وهو كفر لم يتورط فيه أبو جهل وأمثاله من كبار صناديد قريش الذين قاتلهم رسول الإسلام واستباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم. ولكنه كفر يتورط فيه أكثر كبار مشايخ الصوفية كما سيأتي تفصيل ذلك عند الحديث عن ديوانهم الباطني. وللشيخ التيجاني فرية أخرى في نفس المعنى ولكنها تمتاز بما تتضمنه من دعاية صريحة لطريقته (التيجانية)، وفيها من أساليب تضليل الناس ما ليس في غيرها من أكاذيبه المتنوعة، إذ يعد أتباعه بالجنة التي لا يملكها، بل هي حرام عليه إن مات على ما كان عليه من كفره وزندقته، ومع ذلك يقدم لأتباعه ضمانات كاذبة بدخول الجنة طالما تفانوا في طاعته وخدمته وقدموا له طعاما شهيا في حياته فإنهم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب. وذلك حيث يقول: (أخبرني سيد الوجود (يقظة) لا مناما كل من أحسن إليك بخدمة أو غيرها، وكل من أطعمك يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب، فسألته لكل من أحبني ولكل من أحسن إلي بشيء من مثقال ذرة ومن أطعمني طعامه كلهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب، وسألته لكل من أخذ مني ذكرا أن تغفر لهم جميع ذنوبهم ما تقدم منها وما تأخر، وأن يرفع الله عنهم محاسبته، وأن يكونوا آمنين من عذاب الله من
следующие страницы →