مفهوم الذكر عند الصوفية:
ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى ذكر الله بقلبه ولسانه والمواظبة عليه مطلقا كان أو مقيدا، حسب ما نظمته السنة المطهرة من تهليل وتسبيح واستغفار ودعاء ولقد تمكنت بدعة الصوفية من هذه العبادة العظيمة فعبثت فيها عبثا وأحدثت باسم الذكر ألفاظا ما أنزل الله بها من سلطان، كما عبثت بالأذكار المأثورة فزعمت أنها تنقسم - بزعمهم - إلى ثلاثة أنواع: نوع للعوام ونوع آخر للخواص، ونوع ثالث لخاصة الخاصة.
وتقسيم الذاكرين إلى هذه الأقسام يعد من مبتكرات مشايخ الصوفية ومبتدعاتهم، بل قد ألحدت الصوفية في أسماء الله تعالى حيث تكلمت فيها بغير علم فزعمت أن من الأسماء ما لا يصلح إلا للعوام وأما الواصلون إلى الله فلهم أسماء خاصة لا يذكر الله بها العوام، وإليكم تفصيل ما أجملت:
أما العوام في زعم الصوفية هم من عدا الواصلين في اصطلاحهم من طبقات المسلمين من العلماء وطلاب العلم وغيرهم، والواصلون هم أولئك الذين تمردوا على
стр. 5287
الشريعة واستخفوا بها ومرقوا عن حقيقة الإسلام والتقيد به، فسموا الأذكار التي جاءت بها نصوص الشريعة أذكار العوام مثل: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) إلخ. الذي قال فيه رسول الله ﵊: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير (١)».
هذا الذكر العظيم والتوحيد الخالص يعد عند المتصوفة من أذكار العوام.
أما الخاصة، وخاصة الخاصة من كبار الزنادقة الذين سبق أن تحدثنا عنهم مثل ابن عربي وابن سبعين فلا يتنازلون لمثل هذا الذكر وهذه الصيغة، أما ذكر الخاصة - في زعمهم - فهو تكرار لفظ الجلالة مفردا (الله)، (الله)، وأما ذكر خاصة الخاصة فهو ضمير الغيبة هو، هو وربما اقتصر بعضهم على الآهات (آه، آه) بكيفية خاصة بأن يتمايل الذاكر - العابث - يمنة ويسرة، وأما العامي منهم عندما يذكر الله بالتهليل مثلا يكون على هيئة معينة كأن يتمايل يمينا ويسارا يبدأ بـ (لا) يمينا، ويرجع بـ (إله)، فيتوسط، ثم يختم بـ (إلا الله) على اليسار، يبدأ التمايل في هدوء بعد الاستئذان من الشيخ أولا ويستمد منه المدد قائلا (دستور) يا أستاذ، مددك يا سيدي، ثم يستأذن سلسلة الطريقة التي ينتسب إليها من قادرية أو تيجانية أو رفاعية أو مرغنية فيقول: دستور يا أصحاب الطريق والقدم.
وبعد أن يجأر بأسمائهم هكذا معتقدا أنهم يسمعونه ويأذنون له بقلوبهم، وبعد أن يتلطخ هكذا بهذه الوثنية ليتقبل ذكره يبدأ في الذكر.
ومما ينبغي أن يعلمه طالب العلم من هذه الجاهلية الصوفية أن ذكر الله لا ينفع به الذاكر ولا يقبل منه ولا يقرب إلى الله في دين الصوفية إلا بإذن من شيخ الطريقة، وللشيخ أن يحرم على دراويش طريقته أن يذكروا بالذكر الذي تذكر به الطريقة الأخرى وترقص به، وعلى الدرويش أو المريد الصغير أن يلتزم ذلك التحريم ولا يعصي الشيخ أدنى عصيان وإلا فهو مهدد بسوء الخاتمة، بل عليه أن يعتقد أن الشيخ جاسوس قلبه، فعليه أن يراقب خطرات قلبه بدقة، ومن الأمثال السائرة عند الصوفية (إن حضرت عند نحوي احفظ لسانك، وإن حضرت عند العارفين احفظ قلبك).
стр. 5288
وأما أسماء الله الحسنى فمنها ما هو صالح للعوام فقط ولا يناسب الواصلين كالعفو والغفار ولهم كلام طويل هنا يعرف بالرجوع إلى كتبهم.
ولا أحسب الدرويش أنه يؤمن بالله تعالى ويخشاه ويراقبه إيمانه بالشيخ وخشيته له ومراقبته إياه، لأنه يرى حياته الاجتماعية والمادية والدينية - إن كان له دين - يرى أن ذلك كله مرتبط بالشيخ، وإذا لم يظهر للشيخ - ولو تصنعا - أنه من المخلصين له ولطريقته فسوف يبقى دائما في ذل الدروشة ولا تحصل له الترقية إلى درجة (مريد) حيث يصبح إنسانا له نوع من الاعتبار، ثم لا يتخرج خليفة له شأنه ليعين في مكان معروف بكثرة الزراعة أو بالثروة الحيوانية أو في مدينة معروفة بالتجارة والصناعة ليصبح بعد فترة قصيرة من أثرياء تلك البلدة، وتزداد بذلك ثروة الشيخ الكبير وتتضخم، وبالتالي تستفيد الطريقة من وراء ذلك مادة وصيتا طويلا، وتقدم الطريقة بسخاء الهدايا الثمينة والذبائح السمينة لمشيخة الصوفية، إذ يتقدم الشيخ أمام تلك الهدايا في تيه وكبرياء، ليعلن أنها هدايا من الطريقة التيجانية مثلا، فيرمي الشيخ من وراء ذلك أن يرشح لرياسة مشيخة الصوفية. وهذا بيت القصيد من جميع تلك الحركات.
стр. 5289
(مشايخ الصوفية يفترون الكذب في سبيل الدعوة إلى طرقهم) .
تحل الصوفية في اقتراف جريمة الكذب على الله وعلى رسوله ﵊ في المرتبة الثانية تقريبا بعد أن تشغل الشيعة المرتبة الأولى.
ومن أكثر مشايخ الصوفية كذبا وافتراء على الله ذلك التيجاني الجاني، فاسمعوا وهو يفتري على الله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (١) - يقول التيجاني الجاني: " وما أكرم الله به قطب الأقطاب أن يعلمه علم ما قبل وجود الكون وما وراءه وما لا نهاية له، وأن يعلمه جميع الأسماء القائم بها نظام كل ذرة من جميع الموجودات، وأن يخصصه بأسرار دائرة الإحاطة. . ". إلى آخر الفرية الطويلة. ولعل
стр. 5290
القارئ لا يغفل أنه يريد أن يدعي هذا المقام لنفسه لا لغيره بأسلوب صوفي معروف لدى كل العارفين بأسلوب القوم إذا هي فرية ودعاية في آن واحد، وهذا ديدنهم - وهناك فرية أخرى يطلقها التيجاني أيضا إذ يقول: (إن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق (الله) مطلقا في جميع الوجود جملة وتفصيلا، حيثما كان الرب إلها كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من له عليه ألوهية لله تعالى، فلا يصل إلى الخلق شيء كائنا ما كان من (الحق) إلا بحكم القطب، ثم قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود). . . إلى آخر تلك الفرية الطويلة التي تنبئ عن خلو قلب هذا الفاجر من الإيمان بالله سبحانه وتقديره حق قدره.
وهذه الفرية كالتي قبلها، دعوة صريحة للربوبية، لأن له التصرف المطلق في الكون جملة وتفصيلا، وهو كفر لم يتورط فيه أبو جهل وأمثاله من كبار صناديد قريش الذين قاتلهم رسول الإسلام واستباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم.
ولكنه كفر يتورط فيه أكثر كبار مشايخ الصوفية كما سيأتي تفصيل ذلك عند الحديث عن ديوانهم الباطني.
وللشيخ التيجاني فرية أخرى في نفس المعنى ولكنها تمتاز بما تتضمنه من دعاية صريحة لطريقته (التيجانية)، وفيها من أساليب تضليل الناس ما ليس في غيرها من أكاذيبه المتنوعة، إذ يعد أتباعه بالجنة التي لا يملكها، بل هي حرام عليه إن مات على ما كان عليه من كفره وزندقته، ومع ذلك يقدم لأتباعه ضمانات كاذبة بدخول الجنة طالما تفانوا في طاعته وخدمته وقدموا له طعاما شهيا في حياته فإنهم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب. وذلك حيث يقول: (أخبرني سيد الوجود (يقظة) لا مناما كل من أحسن إليك بخدمة أو غيرها، وكل من أطعمك يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب، فسألته لكل من أحبني ولكل من أحسن إلي بشيء من مثقال ذرة ومن أطعمني طعامه كلهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب، وسألته لكل من أخذ مني ذكرا أن تغفر لهم جميع ذنوبهم ما تقدم منها وما تأخر، وأن يرفع الله عنهم محاسبته، وأن يكونوا آمنين من عذاب الله من
стр. 5291
الموت إلى دخول الجنة، وأن يكونوا كلهم معي في عليين في جوار النبي ﵊. فقال لي ﵊: ضمنت لهم ضمانة لا تنقطع حتى يجاورني أنت وهم في عليين) (١).
وكتابه المعروف بـ (جواهر المعاني) كله أو جله مؤلف من مثل هذا الكلام العاري عن أي حقيقة، ولكن عامة الناس تصدق وتؤمن بهذا الكتاب أكثر من إيمانهم بالأحاديث الصحاح في الصحيحين وغيرهما.
وبهذه الدعاية انتشرت الطريقة التيجانية في القارة الأفريقية وما جاورها أكثر من غيرها، لأن من علم مثل هذه الوعود والضمانات المروية عن رسول الله وهو لا يفرق بين الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله وبين الأحاديث الصحيحة، بل يصدق كل ما قيل فيه (قال رسول الله) من علم مثل هذه الضمانات، وهو بهذه المثابة لا يتردد في الانخراط في الطريقة التيجانية ويتلوث بوثنيتها ويتلطخ بدم شركها وتشبيهها حيث يشبه الله بملك له أعوان يدبرون أمر مملكته، وليس عليه إلا الموافقة والتصديق على تدبيرهم لأنه لا يعلم من أمر الرعية الشيء الكثير إلا بواسطة هؤلاء الأعوان.
هكذا تشبه الصوفية رب العالمين - الذي لا تخفى عليه خافية - بمخلوق ضعيف لا يعلم الكثير والكثير من أمور رعيته إلا بواسطة غيره.
وبهذا التشبيه والتضليل يوهمون العوام بأن الجنة بأيديهم وأنهم يستطيعون إعطاء الوعد لأتباعهم بالجنة والرسول يضمن لهم أن يكون مشايخ الصوفية في جواره مع أتباعهم.
وأتباع التيجاني في الغالب جهال كسائر الدراوشة، ولو كانوا يعلمون ما جاء في السنة من موقف رسول الله من أقاربه وما قال لهم عندما أنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢) حيث جمع ﷺ عشيرته فخص وعم وقال فيما قال: «يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا (٣)». وما جاء في هذا المعنى من نصوص الكتاب والسنة التي تقضي بأن الأمر كله لله وحده، وأما الأنبياء والصالحون فليس لهم من الأمر من شيء، فإنهم لا يملكون أن يعدوا أحدا بدخول الجنة. وقد سأل صحابي كان
стр. 5292
يخدم النبي ﵊ مرافقته في الجنة فقال له: «أعني على نفسك بكثرة السجود (١)»، أي أكثر من الصلاة حتى يكون ذلك سببا لدخولك الجنة ومرافقتي، ولم يقل له: أبشر أنت معي في الجنة، وإنما وجهه وأرشده إلى الأسباب علما بأنه قد بشر بعض الصحابة بالجنة بوحي من الله مثل العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم من بعض الصحابة، ودعا لبعضهم أن يجعله الله من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب، ثم أخبره بأنه منهم كما في قصة (عكاشة)، لأنه ﵊ لا ينطق عن الهوى. لو علم أتباع التيجاني الجاني مثل هذا الموقف وهذه النصوص ما مكثوا على مواعيد التيجاني الكاذبة ساعة، بل لكفروا به ولعنوه لعنا كبيرا، ولكن الجهل والببغائية وحسن الظن المبالغ فيه، والطيبة الزائدة، ضيعت جماهير المسلمين وجعلتهم يقادون فينقادون دون أدنى تردد في كل ما يصدر من هؤلاء الأفاكين.
وقد يستغرب بعض الناس مثل هذا الإيمان من أتباع التيجاني وأمثاله من مشايخ الصوفية المضلين. كيف يصدق ويؤمن الإنسان بوعدهم بالجنة وهم لا يملكون الجنة؟
حقا إن القصة أو الحكاية لغريبة، فتعال لأحدثك عن بعض الثقات وهم شهود عيان ما هو أغرب من هذا وذلك حين يعبث بعض مشايخ الصوفية بالأعراض والدراوشة المستضعفون يطيعون المشايخ حتى في هتك الأعراض، حدثني ثقة أن من خصوصية بعض مشائخ الطرق في بعض الجهات أن أي درويش إذا تزوج وتم الزفاف يترك (غرفة النوم) في الليلة الأولى ليزور الشيخ (الغرفة) فيباركها له، ثم يأمره في الليلة الثانية ليذهب إلى بيته وقد حلت البركة، وربما تتطلب الحال أن يكرر الشيخ الزيارة في الليلة الثانية، فإذا (قضى منها وطرا) أمر الدرويش الغبي أن يذهب إلى البيت المبارك (الملوث)، هكذا يعبث مشايخ الصوفية بجميع القيم فيفسدون العقيدة ويفسدون الأخلاق ويعبثون في الأعراض ويسلبون الأموال ويأكلونها بالباطل، ويستعبدون الجهال من الناس، ويصدون عن سبيل الله، ويعادون الدعاة إلى الله تعالى لأنهم يبصرون الناس حتى يدركوا أن مشايخ الصوفية ضللوهم وأبعدوهم عن الدين الحق الذي جاء به رسول الهدى محمد ﵊.
مكر وعربدة ومجون. . وهذه الصفات في لغتهم كرامات وبركات وزهد وعبادة
стр. 5293
ودعوة للناس إلى الإسلام.
إنه التناقض. . إنها المغالطة. . فمن لها؟!!. . إنها فتنة. . بل ردة، ولا أبا بكر لها! والله المستعان.
стр. 5294
ألقاب وهمية يستغلها مشايخ الصوفية لاستجلاب الأرزاق وإفساد العقيدة:
والخرافات التي يوهم بها مشايخ الصوفية عوام الناس أن لهم تصرفات في هذا الكون وصلاحيات للمشاركة في أقدار الله، تلك الألقاب التي اصطنعوها لأشخاص مجهولين، بل لا وجود لهم في الدنيا، منها:
١ - الغوث أو الغوث الأعظم: -
وهو واحد دائما لا يتعدد، وهذا المنصب منصب متنازع فيه دائما، فابن عربي يدعيه بوصفه خاتم الأولياء - كما زعم - والتيجاني يدعيه ويصدقه أتباعه المؤمنون به ويرون أنه الغوث الأعظم، والقادرية تدعيه للشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو بريء منهم ومن دعواهم، لأن الشيخ عبد القادر الجيلاني - وهو خلاف (الجيلي) - عالم حنبلي بغدادي نشأ ببغداد وتوفي ببغداد.
وذكره الذهبي في " العلو " واستشهد بكلامه في الصفات وذكر أنه معروف بالكرامة. وإجابة الدعاء أو كلاما قريبا من هذا فليراجع.
ولعل هذا المعنى هو الذي جعل عوام الناس تبالغ في تعظيمه إلى حد العبادة، ثم زعم بعض الماكرين من المتصوفة أنه صاحب طريقة ونسبوا له الطريقة القادرية، ثم زعموا أنه غوث الزمان، والغريب في الأمر تلك القباب المنتشرة في أكثر الجهات في المدن والقرى ويطلقون عليها قبة الشيخ عبد القادر، وأنا أجزم أن من سموه الشيخ عبد القادر الجيلاني وعبدوه من دون الله وبنوا عليه تلك القباب إنما هو كائن مجهول اخترعه شياطين الإنس مستعينة بشياطين الجن، وليس هو الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي - هذه هي النتيجة التي وصلت إليها بعد تفكير طويل في أمر الجيلاني. والله أعلم.
ومما لا يخفى على صغار طلاب العلم قبل الكبار أن إطلاق الغوث على مخلوق ما والاعتقاد بأنه هو الذي يغيث العباد، أو أن الله لا يغيث العباد إلا بواسطته اعتقاد وثني كانت تعتقده الجاهلية الأولى، بالنسبة للواسطة لا الاستقلال، وأما اعتقاد أن مخلوقا ما
стр. 5295
يغيث العباد مستقلا لنفسه ويعطى ويمنع وينفع ويضر فهو اعتقاد لا يوجد حتى عند الجاهلية الأولى، وإنما يدين بهذا الاعتقاد أتباع الصوفية فقط، وهم يشركون بالله في عبادته وربوبيته كما علمت مما تقدم.
٢ - اللقب الثاني لقب القطب أو الأقطاب:
ومن أساطير الصوفية الطريفة أن الأقطاب لا يزيد عددها على سبعة أشخاص. وأما من حيث الصلاحيات فإن الغوث مهمته الإشراف العام على التصرفات والصلاحيات التي يقوم بها الأقطاب من إغاثة الملهوف والتصرفات الأخرى.
٣ - واللقب الثالث الأوتاد:
وعددهم أربعة أو ثلاثة، ولو مات هؤلاء الأوتاد جميعا لفسدت الأرض واختل نظام الحياة فيها - في زعم المتصوفة -.
٤ - اللقب الرابع: الأبدال:
وعددهم أربعون موزعون على النحو التالي:
اثنان وعشرون منهم يسكنون الشام، وثمانية عشر منهم يسكنون العراق. ولست أدري من تولى هذا التوزيع.
٥ - اللقب الخامس: النجباء:
وهم دون الأبدال في الدرجة طبعا وعددهم سبعون ومقرهم بمصر، ووظيفتهم أنهم يحملون عن الخلق أثقالهم.
٦ - اللقب السادس: النقباء:
وهم ثلاثمائة، وقيل خمسمائة، وهم الذين يستخرجون خبايا الأرض.
هذه مملكة الصوفية المسئولة عن الدنيا كلها من: غوث يخطط للأقطاب ويشرف، وأقطاب يغيثون ويدبرون الأمور تحت إشراف الغوث ويقبضون على من تحتهم من
стр. 5296
الأوتاد بالعلم الخاص، وهؤلاء مجموعة احتياطية لمنصب القطبانية، بحيث لو مات أحد الأقطاب السبعة يرقى أحد الأوتاد الأربعة إلى منصب القطب الميت فيصير عددهم ثلاثة. . . إلى آخر ذلك العبث الصوفي.
ففي هذه المملكة الوهمية يستعبد مشايخ الصوفية أتباعهم، ولم يكن الله - في دين الصوفية - هو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ولم يكن له ملكوت كل شيء (١). ولكنه خلق الخلق، ثم أمر التصرف والتدبير لبعض خلقه وهم مشايخ الصوفية هذا ما تدين به المتصوفية - تعالى الله عما تزعمه الصوفية.
стр. 5297
للصوفية ديوان باطني:
ومن مزاعم الصوفية الغريبة التي لا تنطلي إلا على من باع عقله في سوق التصوف أن لهم ديوانا باطنيا، ومقرا بغار حراء، ورئيس الديوان هو الغوث الذي تقدم ذكره. وهو هنا بمثابة رئيس القضاة، لأن هذا الديوان مركز للقضاء الكوفي يحضره الأحياء والأموات من الأولياء. وقد تحضره الملائكة والأنبياء، ويذكر بعضهم أن النبي الكريم يحضر هذا الديوان أحيانا ومعه عدد من آل البيت.
وأما كيف يتم هذا الحضور للأحياء والأموات من الملائكة والأنبياء والأولياء كيف يسعهم الغار؟ أو المكان الذي أمام الغار، وهو الجبل الذي فيه الغار نفسه يسعهم؟!! هذه الأسئلة غير واردة لأن مثل هذا الهذيان من الكلام غير الواقعي إنما يحكى ولا يتحقق، وهذا ديدن القوم، لأنهم يغربون دائما، وهذا الإغراب مقصود عندهم وهو مقبول عند الغوغائيين، وهو ميدان عملهم، وأما غيرهم فيخفون عنهم هذه الأسرار إن استطاعوا أو يبتعدون عنهم، بل يعادونهم كما تقدم.
وهناك رواية أخرى تقول: إن المجلس الذي يسمى ديوانا في لغتهم إنما ينعقد في القاهرة في فضاء صغير خلف (زويلة المتولي) وهو المكان الذي يستطب فيه كثير من المصابين بأمراض مختلفة، إذ تنهطل البركات والرحمات مجلوبة بسر ذلك الكائن المجهول الذي يقيم هناك مختفيا عن الأنظار، وهو الغوث ليرأس المجلس، وهو لا يسأل عنه ولا
стр. 5298
يبحث عن وجوده الفعلي، وإنما الواجب الإيمان بوجوده السري. هكذا يزين الشيطان لمشايخ الصوفية وأتباعهم مثل هذه الأسطورة، وأما ماذا يفعل المؤتمرون في هذا الديوان؟!
يجيب على هذا السؤال مشايخ الصوفية قائلين: إنهم ينظرون في أقدار الله ثم يحكم فيها الأقطاب تحت إشراف الغوث دون أن يرد لهم أي حكم أصدروه من ذلك الديوان في الأرزاق والآجال، بل حتى في خواطر الناس بحيث لا يهجس في خاطر أحد شيء إلا بإذن الأقطاب.
وبعد: إذا كان هذا الديوان الذي يرأسه الغوث هو الذي ينظر في شئون الخلق ويصدر أحكاما لا ترد، فما الذي بقي لله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير، وهو الفعال لما يريد، وهو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون، أما هذه فعقيدة المسلمين الذين سلموا من وثنية التصوف، ولذا فأقول مكررا ما قلته سابقا: إن وثنية التصوف وجاهليتهم أقبح بكثير من وثنية أبي جهل وزملائه وجاهليتهم علما بأن ما ذكرته من تصرفات الصوفية وأعمالهم قطرة صغيرة من بحار كفرهم وجاهليتهم وظلمهم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ (٢).
فهل يجوز بعد هذا كله أن يقال: إن التصوف من الإسلام، أو أن يزعم زاعم أن مشايخ الصوفية دخل على أيديهم في الإسلام خلق كثير من الأفارقة والآسيويين؟ وهذه أسطورة. كالأساطير التي تقدم الحديث عنها مثل أسطورة الديوان وأسطورة الأقطاب والأوتاد مثلا.
فعلى الذين يزعمون هذه المزاعم أن يراجعوا معلوماتهم في الصوفية، وفي دخول الإسلام في القارتين، وفي الواقع أن كل ما فعل مشايخ الصوفية في القارتين وغيرهما أنهم
стр. 5299
نقلوا بعض الوثنيين الذين كانوا يعبدون الأوثان من الأشجار والأحجار ويتبركون بها، نقلوهم من عبادة تلك الأوثان إلى عبادة مشايخهم الأحياء منهم والأموات، ومعنى ذلك أنهم نافسوا الأوثان وهي من الجمادات وغلبوها وحولوا العبادة لمشايخهم فصار الوثنيون - فهم لا يزالون وثنيين قطعا - يعبدونهم ويقدسونهم ويقدمون لهم النذور ويذبحون لهم الذبائح، فهل يقال لأمثال هؤلاء: إنهم دخلوا في الإسلام؟! الجواب: (لا) قطعا وإنما الصواب أن يقال: إنهم تطوروا في وثنيتهم حيث أصبحوا يمرون على تلك الأشجار التي كانوا يعبدونها فلا يلتفتون إليها، بل إنهم استطاعوا أن يقطعوا لهم منها الحطب وأخشابا لتسقيف بيوتهم مثلا، وقد كان يعد من ضرب المستحيلات سابقا، وبسبب تطوير مشايخ الصوفية وثنيتهم استطاعوا أن يدركوا أن تلك الأشجار وهي من الجمادات لا تنفع ولا تضر فلا تستحق العبادة لأنها عاجزة لا تخلق ولا ترزق ولا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا. ولكن الذي لم يفطنوا له بعد أن الأوثان الناطقة من مشايخ الصوفية وسماسرتهم هي الضر. ولو فطن عباد مشايخ الصوفية لهذه النقطة لما مكثوا عندهم في ذلك العذاب الشديد عذاب الذل والهوان والانقطاع عن الله رب العالمين، وقد حالت بينهم وبين عبادة الله التي خلقوا من أجلها وهم قطاع الطريق استولوا على عقول الناس واستعبدوهم ظلما وعدوانا.
هذا، وإذا كنا قد حكمنا على وثنية مشايخ الصوفية وجاهليتهم أنها أقبح من وثنية وجاهلية أبي جهل وقومه.
فمن الإنصاف أن نورد ما يدل على صحة ما قلنا من آيات الكتاب المبين حتى نتصور نوع شركهم، ليكون حكمنا صادقا وعادلا، والحكم الذي تدعمه أدلة الكتاب والسنة هو الحكم العادل الذي يجب الأخذ به، ولكي يدرك القارئ بالمقارنة المحق والمبطل، يقول الله تعالى لنبيه - وقد عانده قومه فأبوا إلا الإشراك بالله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (٤) ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٦).
стр. 5300
هكذا نجد الجاهلية الأولى توحد الله رب العالمين في ربوبيته، ولكن القوم كانوا يتناقضون فيشركون في عبادته غير ملتزمين بما يلزمهم توحيدهم في ربوبيته وكيفية الالتزام، إذا كان الله قد تفرد بخلق السماوات والأرض وما فيهما وتفرد بتدبير خلقه وأرزاقهم وآجالهم، فيجب أن يفرد بالعبادة، هذا ما يقتضيه المنطق السليم ويدعو إليه العقل الصريح، ويوجب الشرع الحكيم ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (١).
هكذا يتناقض الجاهليون الأولون يؤمنون ويشركون، وصدق الله العظيم حين يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٢).
وأما مشايخ الصوفية وأتباعهم فإنهم يشركون بالله في ربوبيته وعبوديته بل ويصرفون الناس عن عبادته تعالى، بل إنهم يصرفون الناس عن كل ما جاء به رسول الله ﵊ من شريعة وعقيدة، ويزهدون فيه من أطاعهم حتى يخلصوا لهم في طاعتهم وخدمتهم دون مزاحم.
وكل من يدين بدين الصوفية فهو يشرك بالله في الربوبية والعبادة، عرف بذلك من عرف وجهل من جهل، ولا تقبل دعواهم بأنه يشهد ألا إله إلا الله، حيث إنهم يأتون بما يناقضه في كل وقت، بل كل لحظة، ولأن الإيمان بالله لا يقبل إلا الكفر بالطاغوت كما نص على ذلك القرآن الكريم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).
فليفطن القارئ أن الآية قدمت الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تعالى على ضوء كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لأن التخلية قبل التحلية كما يقولون.
إذا كان هذا شرك المشركين الأولين، شرك في العبادة، وتوحيد في الربوبية، وشرك مشايخ الصوفية شرك في العبادة والربوبية ويدل على ذلك ما سمعناه من أقوال مشايخهم ودعايتهم وتصريحاتهم، يتبين من هذه المقارنة أن مشايخ الصوفية أشد كفرا وزندقة، وأبعد عن الطريق الموصل إلى الله، ألا وهو التمسك بدين الله الذي جاء به رسول الله ﵊ شريعة
стр. 5301
وعقيدة، مع الكفر بما عداه مما يخالفه ويعارضه من الطرق المنتشرة في الأقطار الإسلامية التي تسمى طرق الصوفية وغيرها من صور الجاهليات الأخرى التي سوف نتناولها بالبحث إن شاء الله.
والله الموفق. . .
هذا، وإن الكلام حول هذه الجاهلية طويل الذيل ومتشعب، لأن الطرق الصوفية المنتشرة اليوم في العالم الإسلامي قد اتخذت كل طريقة أسلوبا خاصا لإفساد عقيدة المسلمين السذج وسلب أموالهم وتغيير مفاهيم كثيرة من الدين لديهم، وهم فيما بينهم مختلفون ومتناحرون، ولكنهم متفقون على محاربة الشريعة التي ترفعوا عنها وزهدوا فيها، لأنهم أصبحوا أصحاب الحقيقة التي لا يعلمها - في زعمهم - إلا مشايخ الصوفية.
стр. 5302
صفحة فارغة
стр. 5303
من أهداف الإسلام
بقلم الدكتور / عبد الله بن محمد العجلان (١).
الإسلام هو دين الله الخالص وشريعته الباقية الذي ارتضاه الله لخلقه وهو يعني فيما يعنيه إسلام النفس لخالقها واستعمالها في طاعته في كل شأن من شئون حياتها وفق ما أراد الله منها لا تشذ في ذلك ولا تحيد ولا تند عن ذلك يمنة أو يسرة، تسلم نفسها وعقلها وجوارحها وهواها لله رب العالمين الذي خلق كل شيء وبدأ خلق الإنسان من طين. فتقدم مراد الله على مرادها وشرعه على هواها وتستعلي بالإيمان على شهوات النفس ونزعاتها وغرائزها، وتستعمل طاقاتها الكامنة في طاعة الله وإعزاز دينه وحماية شرعه والجهاد في سبيله وتحقيق رضاه، وتتبرأ من كل ما يناقض التوحيد أو يخل به من قول أو عمل أو اعتقاد فتكون في كل حركاتها وسكناتها محققة للطاعة منقادة إلي الخير ملتزمة لشرع الله ناصرة لدينه محققة لمراده: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) ﴿لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٥).
فالإسلام يهدف فيما يهدف إليه إلى تحقيق العبودية الخالصة لله في نفوس البشر وردهم إليه في كل شأن من شئون حياتهم في الدين والدنيا الحياة والآخرة، وأن يكون الدين كله لله في أمره ونهيه وخيره ووعده ووعيده، في أعماق الضمير ومظاهر السلوك ومسارب النفس، في العقيدة والشريعة والعبادة والآداب وغيرها والتزام ذلك ظاهرا وباطنا سرا وعلنا. وأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فيظهر على
стр. 5304
الدين كله ولوكره المشركون. ولما كان الصراع بين الحق والباطل قديما قدم الإنسان جاء وفق حكمة الله في الخلق والمثال: كان من نعم الله على الإنسان أن تكون هذه الحياة ميدانا فسيحا لهذا الصراع المرير والجولات المتتابعة بين حزب الله وحزب الشيطان، وأن تكون هذه الدار دار اختبار وابتلاء وامتحان يبتلي الله الناس بعضهم ببعض ليعلم الله علم ظهور من يعمل بطاعته أو يختار معصيته كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢)، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣)، والآيات في هذا كثيرة.
وهذه المعركة القائمة بين الحق والباطل بين حزب الله وحزب الشيطان تتطلب إعدادا متكاملا لحراس دين الله وحماة شرعه لضمان كسب الجولات بكل المواقف والأحوال والأزمان طلبا لمرضاة الله، والله غني عن العالمين ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (٤). ولكنها حكمة الله بالابتلاء والامتحان، وإذا كان الإعداد سنة ماضية فإن المسلم إنما يصنع على عين الله ليحقق الله به مراده في الحياة ويعلي به كلمته سبحانه في الأرض، وإن كان إعداده على منهج الله كانت الغلبة له على أعدائه والنصر له على خصومه إذا صدق الله وأخذ بأسباب القوة.
стр. 5305
من وسائل الإعداد لتحقيق هذا الهدف:
بناء الفرد المسلم في كل جانب من جوانب حياته.
فإن الفرد المسلم هو الأساس في عملية بناء المجتمع المسلم الفاضل إذ إن المجتمع في مجموعته إنما يتكون من أفراد، فإذا صلح الفرد صلحت الجماعة. وما ضعفت أمتنا في العصور المتأخرة من حياة المسلمين إلا بالتفريط في عملية إعداد هذا الفرد والخلل الذي تطرق إلى بنائه حتى صار خاويا بلا روح ومهملا بلا ضوابط وإنسانا بلا غاية يسعى لها، ولا أهداف سامية يعمل على بلوغها ولا رسالة يواصل المسيرة لتحقيقها، بل خلف من
стр. 5306
بعد المسلمين الصادقين خلوف ضائعة مستعبدة لأهوائها ممزقة من أعدائها تلهث وراء إشباع غرائزها فعاقبها الله بأن فتح عليها أبواب شهوات البطون والفروج حتى صار كل ما يحصل عليه لا يزيدها إلا شرها ونهما وتكالبا؟ فباعت بذلك كل رصيدها من عزة المؤمنين وكرامة المخلوقين ورسالة المصلحين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فإذا أردنا عودة صادقة إلى الله وتطلعنا إلى مقعد القيادة في الحياة لقيادة الناس بالهدى فلا بد من الرجوع إلى منهج الله في بناء الفرد المسلم السوي، المؤمن في ضميره الكامل بإعداده الإنساني في تعامله، المميز في خصائصه، المؤثر في مجتمعه، القادر على القيام بمسئولياته في المجتمع، ومهامه في الحياة، الواعي لأهداف أمته، العامل على تحقيقها في واقع الممارسات اليومية، القادر على التفكير السليم، المستقل في شخصيته، المعتز بذاتيته، الملتزم في انتمائه، المتوازن في شخصيته وتصرفاته، وتفكيره وهذا لا يتم إلا إذا غذي بلبان هذا الدين في مدارج نموه، ومعارج ارتقائه، ومراحل عمره، فإذا علمنا بأن أي مولود إنما يولد على الفطرة السليمة. مهيئا للإيمان متجها إلى الخير، مزودا بالاستعدادات المتيقظة لقبوله، عرفنا أهمية ما يتلقاه الطفل منذ الولادة، وأثره البالي في الدفع به في الاتجاه الصحيح، المتفق مع الفطرة السليمة، وهو الإسلام وأهمية تعاهده في مختلف مراحل حياته، بتنمية هذا الاتجاه في نفسه، وتقويته وبناء شخصيته، وخطورة إهمال الطفل أو توجيهه في غير الاتجاه الصحيح، والانحراف به عن جادة الحق، فإنه كسر لا يجبر، وخسارة لا تعوض، وجريمة لا تغتفر، فالتوجيه الذي يتلقاه الفرد منذ نعومة أظفاره حتى يعود إلى ربه بعد موته، هو ما يعرف عن علماء التربية تنمية قدراته وإكسابه القدرات المتجددة وهي التي قال عليها الرسول ﷺ : «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (١)». في نهاية الحديث الذي قال فيه ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة (٢)».
وإذا كان تعاهد الفرد من أول فجر حياته أمر له أهميته لأنه يحدد اتجاهه منذ الطفولة، وبقية مراحل عمره، فإن هذا الطفل مخلوق عجيب، لنفسيته جوانب مختلفة ومناح متعددة، وطول فترة طفولته تعطيه قدرة على الاستيعاب لما يتلقاه، طوال هذه الفترة وما يليها من مراحل نموه المختلفة، ومرونة فذة على التكيف، وفق متطلبات النشأة
стр. 5307
فمن أي جوانب تقدر النفس يا ترى ببدء العمل، وهل يمكن الاكتفاء بتوجيه وتنمية جانب من جوانبها دون الآخر.
الواقع أن إعداد الشخصية المسلمة ينبغي أن يشمل جوانب النفس البشرية كلها، حتى ينمو نموا فعالا، ذا قيمة في حياته وحياة مجتمعه، وحتى يكون مؤهلا ومعدا لتحمل تبعات ما سيلقى إليه من مهام جسيمة، في مستقبل حياته فيما يتعلق بمسئوليته، عن دينه وأمته. وما يتعلق بدنياه وطرائق عيشه عيشا كريما، ومن أمثلة هذه الجوانب التي ينبغي أن يركز عليها في الإعداد:
стр. 5308
أ - الإعداد الروحي:
يتطلب إعداد الشخصية المسلمة الواعية لمهمتها في الحياة، المدركة لمركزها في الوجود، العالمة بالدور الذي ينتظرها في المستقبل، الحافظة لرسالة هذه الأمة في الأرض، العاملة على تحقيق أهدافها العليا، وغايتها السامية، أن تنال قسطا كبيرا من العناية بها، وإعدادها من الناحية الروحية الداخلية، إعدادا يتناسب مع ما ينتظر منها من انطلاقة في الحياة، وتأثير في الأحياء واندفاع بروية وحكمة في عملية البناء والتعمير، بناء النفوس المسلمة وتعمير الأرض، واستثمار خيراتها.
وإن بناء توضع قواعده وأسسه داخل النفس البشرية، لا سبيل إليه إلا بواسطة شرع الله، وسنة ومنهاج رسوله إذ إنه سبحانه وحده الذي يملك ذلك. ولذا فإن من أهم متطلبات إعداد الشخصية المسلمة، إرضاعها مع لبانها، وتعاهدها في مختلف مراحل نموها، بالقرآن العزيز وآياته الكريمة والسنة النبوية المطهرة، والسيرة العطرة. وحياة السلف الصالح، والقادة العظام الذين رعوا هذا الدين، واستجابوا لدعوته، ووضعوا نصوصه وأهدافه موضع التنفيذ في أصول العقيدة، وقواعد الشريعة، في الطاعة والعبادة، والعادات والآداب والسلوك. ونمو شجرة الإيمان المعطية في النفوس بتكرار هذه الآيات والمعجزات، حتى عمرت بها النفوس واكتمل بها بناء الجانب الروحي، الذي يعد من أهم جوانب النفس، الباعث إلى العمل وفق ما شرعه الله لعباده. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١) ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٢) ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ (٣) ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٤) ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (٥).
стр. 5309
ب - الإعداد العقلي:
والآيات القرآنية الكريمة مليئة بالعلوم والمعارف النافعة، والضرورية لبناء العقل الإنساني الحر، وهي تحث على طلب العلم النافع، المصحوب بالعمل الصالح، والنفع العام والخاص، التي من شأنها زيادة الحصيلة العلمية، ومعرفة الحقائق في مختلف فروع المعرفة، والحقائق التي يبرهن عليها العلم والمعرفة في مختلف مجالات الحياة في أمور الدنيا ومسائل الدين.
ثم إن هذا الدين في كثير من آيات القرآن الكريم يدعو إلى التأمل في آيات الله وخلقه، ويلفت النظر إلى تدبر عجائب قدرته، في آفاق الكون وسفينة الحياة، وأغوار النفس ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (١) وكثيرا ما تأتي اللفتات الكريمة في القرآن إلى آيات الله، وعظيم صنعه، وكريم لطفه وإحسانه، ثم تذيل الآيات بقوله تعالى: أفلا تعقلون، أفلا تتذكرون، أفلا تتفكرون، أفلا تعقلون وإن في ذلك لآيات لأولي الألباب.
ثم إن القرآن والسنة في كثير من آيات القرآن والأحاديث النبوية، تحتاج إلى إعمال الرأي في فهمها، وكيفية تحقيق مراد الله في نصوص شرعه، في واقع الحياة وتنزيلها على الحوادث، وهذا كله من شأنه تنمية العقل بزيادة العلوم والمعارف، والكشف عن الحقائق العلمية. والتربية على طرائق التفكير المنظم، الذي يلاحظ الظاهرة فيدرسها بالطريقة العلمية السليمة، ويصل إلى النتائج، ويطبقها على المواقيت المتشابهة، وهو إلى جانب هذا يزوده بالآيات المعينة على نضوج العقل ووصوله إلى النتائج المحددة. وهو بهذا إنما يعد الشخصية المسلمة إعدادا عقليا، يتلاءم مع المهام الجسيمة التي تنتظره في الحياة، وحمل الرسالة التي اختار الله هذه الأمة لها، فكانت بها خير أمة أخرجت للناس.
стр. 5310
ب - الإعداد الوجداني:
والإسلام في إعداده الفرد من الناحية الوجدانية، لا يدانيه أي نظام تربوي سواه، فإن شريعة الله الخالدة، وهي صادرة من العليم الخبير، تمنح الفرد قوة إيمانية دافعة، وطمأنينة مطلقة في نفسه، وسحرا وجدانيا فذا. إيمانا يجعله على يقين بأن ما هو عليه حق لا يتطرق إليه الشك، ويورثه الثقة في نفسه، ومنهج حياته وطمأنينته لا يتطرق إليها القلق، أو ينفذ إليها الخوف فيمارس الصراحة في القول والقوة في النفس، والثقة بأنه يسير في طريق سلام العالم، وسلام النفس، ويتحرر من العبوديات والتبعيات لغير الحق، وتتكون عنده رباطة الجأش وقوة الشكيمة.
وهذه التربية الوجدانية تجعل للمسلم معايير بانية، وصادقة في عمليات الحب والكره، ومعرفة النافع من الضار، وانشراح الصدر وسلامة السيرة والسريرة، وهذا اللون من التربية مهم جدا في بناء الشخصية المسلمة المتكاملة القادرة على المضي في طريق الخير المؤثرة في الحياة.
стр. 5311
جـ - الإعداد الجسمي:
والجسم يعد وعاء الروح والعمل، وهو الوسيلة لتحقيق تطلعاتهما في الواقع، له أهميته البالغة في نظر الإسلام؛ ولذا فإنه يأخذ بكل وسيلة أو خبرة تزيد في نمو الجسم وسلامته وقوته، من الممارسات البدنية والمزاولات اليدوية، التي تزيد الجسم قوة وصلابة، وتباعد بينه وبين الترهل والخمول والدعة والهبوط، ثم إنه من ناحية أخرى يزوده بالحقائق العلمية، والمعارف التي من شأنها الأخذ بأسباب الصحة العامة، وقواعد التغذية السليمة والعادات الكريمة، في الأكل والشرب والحركة والراحة والنوم وغيرها.
ومعرفة طرق الوقاية من الأمراض على اختلاف أنواعها، وتعدد أسبابها. وآداب الرسول ﷺ في ذلك معروفة، وكلها تهدف إلى بناء الشخصية المسلمة، إعدادا جسميا، يتلاءم مع رسالته في الناس والمستقبل الذي ينتظره، فإن العقل السليم في الجسم السليم «والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير (١)». والقوة
стр. 5312
كما ينبغي أن تكون في النفس والعقل والوجدان، ينبغي أن تكون كذلك وبطريق الأولى في بناء الجسم وإعداد التراث.
стр. 5313
د - الإعداد الاجتماعي:
الإسلام وهو يعد الفرد إنما يعده على أساس أنه فرد في جماعة، ولبنة قوية في صرح شامخ البناء، لا ينفك عنه ولا يحيا بدونه، ولذا فإنه يعده فردا مسلما يتحلى بالأخلاق الإسلامية الاجتماعية الفاضلة، التي تتسم بالاستقامة وحياة الضمير، وينقي الوجدان ويربيه على الأمانة والصدق، وعفة اللسان وطهارة الجيب، والبعد عن كل رذيلة اجتماعية أو نقيصة خلقية. والقرآن الكريم مملوء بالآيات الحاثة على ذلك، والأخبار الدالة عليه. مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤)، وغير ذلك من الآيات الكفيلة بإعداد الشخصية المسلمة الاجتماعية، التي تتعامل مع المجتمعات، وتأخذ بمجامع قلوب أصحابها بما يتحلى به المرء من فضائل الأعمال ومحاسن الآداب، وطهارة النفس، وسمو الأخلاق. فيكون بسيرته داعية إلى منهج الله وشرعه، أكثر من الدعوة بقوله ولسانه. ومثلما جاء في القرآن الكريم فإن السنة النبوية المطهرة قدوة في القول والفعل، بالحث والعمل، فالرسول ﷺ نموذج فريد في السلوك الاجتماعي وما يجب على المسلمين الاحتذاء به في جميع أعماله.
стр. 5314
هـ - الإعداد المهني:
ومن متطلبات إعداد الشخصية المسلمة أن يزود ببعض الخبرات العلمية، والمهارات
стр. 5315
اليدوية، التي تكون ضمانا لكسب عيشه، من عمل شريف، وإعفاف نفسه وولده عن المسألة وإبعاد غائلة الحاجة وسطوة الجوع عنهم، وضمان عيش كريم لهم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المسلم بمزاولته لأي مهنة شريفة، يكسب بها عيشه، إنما يقدم لها خدمة جليلة لأمته، فإذا أتقنها وصدق في تعامله فيها مع الناس، وبعد عن الجشع والطمع والاستغلال، كان بذلك داعيا لدين الله بعمله، مستغنيا به عن أعدائه، وكان نبي الله داود ﵇ يأكل من عمل يده وعرق جبينه، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (١)، ويقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ للِصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤).
هذا ومع تعدد جوانب الإعداد في النفس البشرية، فإن الغاية بعد ذلك كله هو إعداد شخصية واحدة، متكاملة الإعداد والبناء، سوية التكوين متوازية الإعداد، تؤدي إلى شخصية إنسانية ذات خصائص مميزة، شخصية فاعله مؤثرة، تعي أهداف أمتها وتسعى لتحقيقها في واقع الحياة، قادرة على مزاولة مسئولياتها والقيام بوظائفها، بفعالية وتأثير يؤهلها لدورها القيادي المنتظر.
стр. 5316
عوامل بناء الشخصية المسلمة:
أولا: البيئة الاجتماعية - وإذا كان هذا الإعداد لجوانب الشخصية المسلمة لازما، فأين يا ترى يمكن أن يكون إعداده في كل هذه الجوانب وغيرها؟ ومن أين يأتي هذا الإعداد؟
إن مادة الإعداد سبقت الإشارة إليها، وهي أنها موجودة في الكتاب والسنة، وسيرة الرسول الكريم ﷺ ، وحياة السلف الصالح، من هذه الأمة المسلمة عبر التاريخ،
стр. 5317
وحياة المصلحين والقادة العظام، الذين نشروا هذا الدين بما تضمنه من عقيدة ومبادئ وقيم وأخلاق وآداب وعادات، وفي التجربة العملية الفريدة التي تمت في حياة المسلمين في الصدر الأول، وهي غنية تمام الغنى بمادة الإعداد، وروافد التكوين، ولكنها كنوز مهملة وثروة معطلة.
أما عن مكان الإعداد فإنه يتم في التفاعل مع البيئة الاجتماعية، التي ينشأ فيها الطفل ثم ينتقل فيها إلى المدرسة، والمعهد والجامعة، ثم يخرج بها إلى المجتمع بكل تشكيلاته ومؤسساته، والحياة المحيطة به.
وقد سبق أن قلنا في صدر هذا البحث: إن الطفل يولد على الفطرة السليمة، أو بتعبير التربويين الذين قرروا بالاستعدادات والعوامل الوراثية. ذلك يعني أنه يولد خيرا متفتحا للإيمان وكامل الاستعدادات، ولكنه مع ذلك على درجة كبيرة من المرونة والقابلية للتشكيل وفق ما يتلقى في البيئة الاجتماعية التي يولد فيها من توجيه؛ ولهذا فإن للبيئة التي يولد فيها الطفل ويتفاعل معها في مراحل نموه الأولى أثرا بالغا في تشكيل سلوكه، وتحديد اتجاهه والأخذ بيده.
فإذا كانت البيئة الاجتماعية بيئة إسلامية بعقيدتها وآدابها وسلوكها وعاداتها وتعاملها، وتفاعل معها الطفل في كل المواقف، تشرب في هذه البيئة العقيدة والسلوك والآداب والعادات والتعامل، حتى تتطبع نفسه بهذه البيئة، وما يحمله من مقومات الشخصية المسلمة، وتتشكل بذلك سلوك الأفراد، وتصنع القواعد الأساسية لهذا البناء، وتستمر في تغذية هذا الاتجاه في الفرد تلقائيا بواسطة التفاعل، حتى يتكون لدى الطفل الاستعداد الذي يمكنه من تلقي المعلومات والمعارف التي تفسر له حقائق التفاعل والمواقف. وهنا يأتي دور المدرسة كحلقة ثانية في تكوين الشخصية المسلمة القادرة على الاستجابة لدواعي الخير والمؤثرة في حياة الآخرين.
ثانيا: المدرسة - المدرسة وسيلة من وسائل الإعداد التربوي للفرد المسلم، في مرحلة من مراحل نموه، تتلو مرحلة الطفولة والنمو، في محيط البيئة الاجتماعية، وكل الأسرة وهي ليست إلا مقر تجمع للطلاب وموضع تلقي المعلومات المعرفية، والحقائق العلمية والخبرات المتعددة في حدود قدرات الطلاب ونموهم العقلي والجسمي، واستجابتهم في
стр. 5318
التلقي، أما وسائل الإعداد ذاتها، فإنما تستمد كما أسلفنا من عقيدة المجتمع وتضامنه وأهدافه، وعاداته وتقاليده وقيمه وآدابه، ومعارفه وتأريخه، ومصادر ثروته، المهارات اللازمة للمعيشة فيه، ومن هذه العقيدة والثقافة الواسعة، تختار المدرسة ما تعلمه لتلاميذها، في كل مرحلة من مراحل نموهم، وما يناسبها من المعرفة والمهارات والآداب، ومنها تكون مناهج الدراسة.
ومن هنا تأتي أهمية المدرسة وضرورة تعاهدها بالمنهج القويم، والمدرس المسلم الأمين والكتاب الجيد، وتعاهد بيئتها الاجتماعية بأن تكون إحدى وسائل الإعداد لتكوين الشخصية المسلمة، وأن أي تهاون في ذلك أو تقصير إنما يتجرع مرارة كأسه الفرد والجماعة معا.
стр. 5319
البيت المسلم حلقة من حلقات الإعداد:
يمثل البيت المسلم إحدى الدعائم الأساسية في بناء الشخصية الإسلامية إذ هو المحضن الأول للطفل والمقر الدائم لحياة الفرد، وما دامت المدرسة في تعليمها إنما تنطلق من عقيدة الأمة وأهدافها وثقافتها وتاريخها وكل جوانب المعرفة وروافد العلم التي تتضافر على تكوين الشخصية المسلمة، فإن دور البيت ينبغي أن يكون دورا أساسيا لمساعدة وتدعيم كل المعارف والحقائق التي يتلقاها الفرد في المدرسة فتسير معها في اتجاه واحد يحقق التعاون والانسجام، وإذا كانت المدرسة تمثل الجانب النظري في الإعداد، فإن البيت ينبغي أن يكون محلا للتطبيق العملي لما يتلقاه الفرد في المدرسة، ويزيد في تبصيره بكثير مما تعجز المدرسة عن تغطيته، فإذا تحقق هذا التلاحم بين البيت والمدرسة كان لذلك أثره البعيد في تكوين الفرد وصلاحه واستقامة سلوكه، أما إذا حصل أي تناقض أو اختلاف بين ما يأخذه الطالب في المدرسة، وما يمارسه في البيت أو يشاهده في المنزل، فإن ذلك يورث اهتزازا في القيم، وتذبذبا في النفس، وازدواجية في التفكير، وبالتالي يحدث خللا في بناء الشخصية وتكوينها وتقل تطلعاتها
стр. 5320
وسائل الإعلام:
وتأتي وسائل الإعلام اليوم في مقدمة وسائل الإعداد للشخصية المسلمة، فهي ذات
стр. 5321
أثر بالغ الأهمية والخطورة، سلبا وإيجابا في تنشئة الأفراد وتوجيه الأجيال وتكوين الرأي العام.
ولهذا فإن وسائل الإعلام ينبغي أن يكون هدفها الأساسي هو الإعداد السليم، ومساندة البيئة والأسرة والمدرسة والمجتمع، في تكوين شخصيات الأفراد وإعدادهم، وعدم خروجها على وسائل التربية المقصودة والمبرمجة؛ لأن ذلك يحقق الانسجام والتعاون بين وسائل الإعداد، أما إذا كانت وسائل الإعلام تنطلق من منطلقات الترفيه، والتسلية، وقتل الوقت وغير ذلك، من الأغراض الهابطة، فإن كثيرا مما تتقبله النفوس المريضة في مجال الترفيه والتسلية، يتناقض مع ما تقرره العقيدة السليمة، وثقافة الأمة التي عادة ما تعد المناهج في المدارس والجامعات والمعاهد لخدمتها، وتعريف الناشئة بها وطبع نفوسهم عليها.
وهذا التناقض بين وسائل إعداد الناشئة في الأمة الواحدة، ينجم عنه اهتزاز في القيم وازدواجية في التفكير، وإذا كانت الصحافة تطالع الجيل في كل يوم بجديد في المقالات والتحاليل السياسية، والخبر والصورة وغيرها في صورة جذابة وإخراج متقن يشد القارئ، فإنه بقدر ما تكون هذه الأخبار صادقة، والمقالات هادفة، والتحاليل الإخبارية تطرق من وجهة نظر صادقة وسليمة، يكون رافد المعرفة وثمر الخبرة في اتجاه سليم أو طريق خاطئ، فإما أن يساند الإعداد الجيد أو يناقضه. الأمة الواعية هي التي تساند وسائل الإعداد فيها، على إعداد أفرادها إعدادا يتلاءم مع متطلعاتها، ويدفع إلى السعي لبلوغ غاياتها.
(والتلفزيون) يأتي في مقدمة وسائل الإعلام وأشدها خطرا وأبعدها أثرا في حياة الناشئة؛ إذ إنه يجمع بين جمال الصورة وحسن الصوت وإتقان الإخراج، في صور متغيرة وجذابة، ويتم إعداد برامجه وفق دراسة واعية للأوقات والمناسبات، وما يناسب كل فئة من فئات المجتمع من الوقت والمادة وطريقة العرض.
لهذا فإن الأمة الواعية في إعداد ناشئتها هي التي تستعمل هذه الوسيلة أداة للتربية السليمة، والتوجيه السديد.
فإذا انحرفت هذه الوسيلة في أية أمة كان ذلك مؤشرا على سوء الإعداد ونذير خطر
стр. 5322
على الناشئة، وبالتالي ذهاب الريح والاندثار.
ولهذا يجب على الأمة أن تكون حارسة لعقيدة أبنائها، عاملة على تكتيل كل الجهود والوسائل، لإعداد أفرادها وعدم السماح لأي وسيلة بأن تنحرف عن المسار الصحيح، والمنهج القويم، في أي صورة من الصور سواء كان ذلك في جريدة أو إذاعة أو تليفزيون أو غيرها.
وهذا الإعداد والتكوين الذي أشرنا إلى حلقاته ومراحله، له خصائص ومقومات ينفرد بها عن مناهج التربية المعهودة على وجه الأرض المستمدة من غير شرع الله، وله وسائل متعددة منها النظري وفيها العملي، في حياة الرسول ﷺ وحياة الأنبياء والرسل، من قبله وفي حياة الرعيل الأول من هذه الأمة المجاهدة. آثرت أن أتركها في هذا المقام لفرصة أخرى، وأرجو أن تتاح لي فرصة أخرى لاستعراض هذه المقومات والخصائص وتفصيل هذه الوسائل واستخلاص العبرة من التطبيقات العملية عبر التاريخ. ولكي يعطي هذا الإعداد ثماره اليانعة وعطاءه المثمر فإنه يتطلب أن يتم في مناخ ملائم وتربة خصبة قابلة للإنبات، أو مجتمع يشم فيه الفرد عبير الحرية ويعطيه بعدا كافيا في نفسه وفي شخصيته في مجتمعه.
هذا وإن أمتنا المسلمة اليوم وقد جربت مناهج الأرض كلها وطبقت كل التجارب الأرضية والأفكار والنظم العلمانية. فنزلت بها إلى الدرك الأسفل، وبقيت مثخنة بجراحها، تئن من سوء واقعها حتى فقدت الأمل في كل ما كانت ترجو النجاة عن طريقه، وأصابها شعور مزيج من اليأس والأمل واليأس من أنهم ممن لا يستحقون نصر الله، والأمل في النصر من عند الله، إذ إنه سبحانه وحده هو المأمول لكشف البلاء، وإبدال الذل عزة والهزيمة نصرا. مصداقا لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ (١).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 5323
ترجمة معاني القرآن الكريم
بين التأييد والتحريم
بقلم: السيد أحمد أبو الفضل عوض الله
كثر الجدل قديما وحديثا حول ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية. فذهب فريق إلى القول بتحريم ذلك، وقال آخرون بجوازه، ولكل من الفريقين أسانيد يعتمد عليها، وبراهين يدلي بها.
رأي القائلين بالتحريم:
أصحاب الرأي بعدم جواز الترجمة يقولون - في مساق حججهم وتأييدا لرأيهم -: إن إباحة الترجمة تعتبر بدعة - وكل بدعة ضلالة - يترتب عليها ضرر ومفسدة؛ إذ يترك المسلمون من غير العرب تعلم اللغة العربية، ويقتصرون في تعلم القرآن ودراسته وتلاوته على الترجمة، وسيؤدي ذلك حتما إلى الاختلاف فيه؛ لأن الترجمات قد لا تتفق، فيقع بذلك للمسلمين ما وقع لبني إسرائيل من اختلاف نسخ التوراة السامرية، والعبرانية، والسريانية واليونانية.
ويقولون أيضا: إن معاني القرآن كثيرة، فلا يمكن لأي مترجم أن يحيط بها، حتى يترجمها ترجمة دقيقة، تحمل طابع القرآن في إعجازه اللفظي والمعنوي.
ويرون في الإقدام على الترجمة جرأة على القرآن بممارسة شيء لم يفعله الصحابة ولا أهل الصدر الأول.
стр. 5324
ويقولون: إن إحجام السابقين الأولين عن ترجمة معاني القرآن أدى إلى انتشار اللغة العربية حتى عمت جميع الأقطار الإسلامية، فتحقق للمسلمين من وراء انتشارها مزايا كثيرة: اجتماعية، وعمرانية، وسياسية، فاتحدت ممالك الإسلام لغة كما اتحدت دينا، ونشأ عن ذلك اتحادها في المجتمع، وزوال تنافرها.
ومن رأيهم أن الممالك الداخلة في الإسلام، لو أنها اشتغلت بترجمة معاني القرآن إلى لغاتها، ورأت أن ذلك جائز أو واجب، ما كانت مصر والعراق والشام وتونس والجزائر والمغرب الأقصى مجالا للعروبة في تاريخنا، ولبقيت على عجمتها متفرقة اللسان والتفكير والثقافة والأدب، ولآل ذلك في نهاية الأمر إلى الافتراق في الدين أيضا.
فعدول السابقين عن الترجمة - برغم يسرها عليهم - وتحمل هؤلاء الأعاجم عبء تعلم اللغة العربية، وإحلالها محل لغاتهم الأصيلة دليل قائم على عدم جواز ترجمة معاني القرآن.
وأما عن تبليغ رسالة القرآن إلى الناس كافة وفيهم غير العرب فهم يرون في ذلك الاكتفاء بتبليغ مجمل ما جاء من أصول الدين والعقائد والعبادات والمعاملات كالإيمان، والإقرار بالشهادتين، وأحكام الصلاة والصوم والزكاة والحج والأحوال الشخصية. . . إلخ. ويرون أنه لا يتعين إبلاغ القرآن كله لكل الأمم، بل يقولون: إن من واجب تلك الأمم أن تتعلم اللسان العربي؛ حتى يمكن تبليغ رسالة القرآن إليها بنصها العربي.
ومنهم من يقول: إن بعض علماء الكلام ينصون على أن معرفة الله بالبرهان واجبة، ولا يمكن التوصل إلى ذلك إلا بتعلم اللغة العربية؛ إذ القرآن واللسان عربيان، وبهما تعرف الأدلة، وما لا يتوصل للواجب إلا به فهو واجب.
ومن أنصار هذا الرأي - أي القول بعدم جواز ترجمة معاني القرآن - ابن جزي في " القوانين الفقهية "، فقد ذكر أن من لم يحسن تلاوة القرآن وقراءته - إن كان لم يتعلمها - وجب عليه تعلمها، أو الصلاة وراء من يحسنها، فإن لم يجد فقيل يذكر الله، وقيل يسكت، ولا يجوز ترجمتها.
ويرى الأستاذ مصطفى صادق الرافعي أن من أسباب تحريم ترجمة معاني القرآن ونقله إلى لغات العالم قصور الترجمة، فهي لا يمكن أن تؤديه البتة، ولا تستطيع مطلقا
стр. 5325
أن تحمل حقيقة ما تعنيه ألفاظه على تركيبها المعجز، ولو هي أدت معانيه كما يفهم أهل العصر، بقي منها ما ستفهمه العصور الأخرى. . ويقول: إن أشهر وأدق ترجمة لمعاني القرآن في اللغة الفرنسية ترجمت فيها هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١)، فكانت الترجمة هكذا: هن بنطلونات لكم وأنتم بنطلونات لهن. . . وكيف يمكن أن تترجم هذه الكنايات الدقيقة بشرح وبسط تؤدى فيه الكلمة الواحدة بجمل طويلة. .!؟
تم يقول: إن أمثال هذه الكنايات هي وجه من وجوه إعجاز القرآن للغات العالم كله.