أثر بالغ الأهمية والخطورة، سلبا وإيجابا في تنشئة الأفراد وتوجيه الأجيال وتكوين الرأي العام.
ولهذا فإن وسائل الإعلام ينبغي أن يكون هدفها الأساسي هو الإعداد السليم، ومساندة البيئة والأسرة والمدرسة والمجتمع، في تكوين شخصيات الأفراد وإعدادهم، وعدم خروجها على وسائل التربية المقصودة والمبرمجة؛ لأن ذلك يحقق الانسجام والتعاون بين وسائل الإعداد، أما إذا كانت وسائل الإعلام تنطلق من منطلقات الترفيه، والتسلية، وقتل الوقت وغير ذلك، من الأغراض الهابطة، فإن كثيرا مما تتقبله النفوس المريضة في مجال الترفيه والتسلية، يتناقض مع ما تقرره العقيدة السليمة، وثقافة الأمة التي عادة ما تعد المناهج في المدارس والجامعات والمعاهد لخدمتها، وتعريف الناشئة بها وطبع نفوسهم عليها.
وهذا التناقض بين وسائل إعداد الناشئة في الأمة الواحدة، ينجم عنه اهتزاز في القيم وازدواجية في التفكير، وإذا كانت الصحافة تطالع الجيل في كل يوم بجديد في المقالات والتحاليل السياسية، والخبر والصورة وغيرها في صورة جذابة وإخراج متقن يشد القارئ، فإنه بقدر ما تكون هذه الأخبار صادقة، والمقالات هادفة، والتحاليل الإخبارية تطرق من وجهة نظر صادقة وسليمة، يكون رافد المعرفة وثمر الخبرة في اتجاه سليم أو طريق خاطئ، فإما أن يساند الإعداد الجيد أو يناقضه. الأمة الواعية هي التي تساند وسائل الإعداد فيها، على إعداد أفرادها إعدادا يتلاءم مع متطلعاتها، ويدفع إلى السعي لبلوغ غاياتها.
(والتلفزيون) يأتي في مقدمة وسائل الإعلام وأشدها خطرا وأبعدها أثرا في حياة الناشئة؛ إذ إنه يجمع بين جمال الصورة وحسن الصوت وإتقان الإخراج، في صور متغيرة وجذابة، ويتم إعداد برامجه وفق دراسة واعية للأوقات والمناسبات، وما يناسب كل فئة من فئات المجتمع من الوقت والمادة وطريقة العرض.
لهذا فإن الأمة الواعية في إعداد ناشئتها هي التي تستعمل هذه الوسيلة أداة للتربية السليمة، والتوجيه السديد.
فإذا انحرفت هذه الوسيلة في أية أمة كان ذلك مؤشرا على سوء الإعداد ونذير خطر
стр. 5322
على الناشئة، وبالتالي ذهاب الريح والاندثار.
ولهذا يجب على الأمة أن تكون حارسة لعقيدة أبنائها، عاملة على تكتيل كل الجهود والوسائل، لإعداد أفرادها وعدم السماح لأي وسيلة بأن تنحرف عن المسار الصحيح، والمنهج القويم، في أي صورة من الصور سواء كان ذلك في جريدة أو إذاعة أو تليفزيون أو غيرها.
وهذا الإعداد والتكوين الذي أشرنا إلى حلقاته ومراحله، له خصائص ومقومات ينفرد بها عن مناهج التربية المعهودة على وجه الأرض المستمدة من غير شرع الله، وله وسائل متعددة منها النظري وفيها العملي، في حياة الرسول ﷺ وحياة الأنبياء والرسل، من قبله وفي حياة الرعيل الأول من هذه الأمة المجاهدة. آثرت أن أتركها في هذا المقام لفرصة أخرى، وأرجو أن تتاح لي فرصة أخرى لاستعراض هذه المقومات والخصائص وتفصيل هذه الوسائل واستخلاص العبرة من التطبيقات العملية عبر التاريخ. ولكي يعطي هذا الإعداد ثماره اليانعة وعطاءه المثمر فإنه يتطلب أن يتم في مناخ ملائم وتربة خصبة قابلة للإنبات، أو مجتمع يشم فيه الفرد عبير الحرية ويعطيه بعدا كافيا في نفسه وفي شخصيته في مجتمعه.
هذا وإن أمتنا المسلمة اليوم وقد جربت مناهج الأرض كلها وطبقت كل التجارب الأرضية والأفكار والنظم العلمانية. فنزلت بها إلى الدرك الأسفل، وبقيت مثخنة بجراحها، تئن من سوء واقعها حتى فقدت الأمل في كل ما كانت ترجو النجاة عن طريقه، وأصابها شعور مزيج من اليأس والأمل واليأس من أنهم ممن لا يستحقون نصر الله، والأمل في النصر من عند الله، إذ إنه سبحانه وحده هو المأمول لكشف البلاء، وإبدال الذل عزة والهزيمة نصرا. مصداقا لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ (١).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 5323
ترجمة معاني القرآن الكريم
بين التأييد والتحريم
بقلم: السيد أحمد أبو الفضل عوض الله
كثر الجدل قديما وحديثا حول ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية. فذهب فريق إلى القول بتحريم ذلك، وقال آخرون بجوازه، ولكل من الفريقين أسانيد يعتمد عليها، وبراهين يدلي بها.
رأي القائلين بالتحريم:
أصحاب الرأي بعدم جواز الترجمة يقولون - في مساق حججهم وتأييدا لرأيهم -: إن إباحة الترجمة تعتبر بدعة - وكل بدعة ضلالة - يترتب عليها ضرر ومفسدة؛ إذ يترك المسلمون من غير العرب تعلم اللغة العربية، ويقتصرون في تعلم القرآن ودراسته وتلاوته على الترجمة، وسيؤدي ذلك حتما إلى الاختلاف فيه؛ لأن الترجمات قد لا تتفق، فيقع بذلك للمسلمين ما وقع لبني إسرائيل من اختلاف نسخ التوراة السامرية، والعبرانية، والسريانية واليونانية.
ويقولون أيضا: إن معاني القرآن كثيرة، فلا يمكن لأي مترجم أن يحيط بها، حتى يترجمها ترجمة دقيقة، تحمل طابع القرآن في إعجازه اللفظي والمعنوي.
ويرون في الإقدام على الترجمة جرأة على القرآن بممارسة شيء لم يفعله الصحابة ولا أهل الصدر الأول.
стр. 5324
ويقولون: إن إحجام السابقين الأولين عن ترجمة معاني القرآن أدى إلى انتشار اللغة العربية حتى عمت جميع الأقطار الإسلامية، فتحقق للمسلمين من وراء انتشارها مزايا كثيرة: اجتماعية، وعمرانية، وسياسية، فاتحدت ممالك الإسلام لغة كما اتحدت دينا، ونشأ عن ذلك اتحادها في المجتمع، وزوال تنافرها.
ومن رأيهم أن الممالك الداخلة في الإسلام، لو أنها اشتغلت بترجمة معاني القرآن إلى لغاتها، ورأت أن ذلك جائز أو واجب، ما كانت مصر والعراق والشام وتونس والجزائر والمغرب الأقصى مجالا للعروبة في تاريخنا، ولبقيت على عجمتها متفرقة اللسان والتفكير والثقافة والأدب، ولآل ذلك في نهاية الأمر إلى الافتراق في الدين أيضا.
فعدول السابقين عن الترجمة - برغم يسرها عليهم - وتحمل هؤلاء الأعاجم عبء تعلم اللغة العربية، وإحلالها محل لغاتهم الأصيلة دليل قائم على عدم جواز ترجمة معاني القرآن.
وأما عن تبليغ رسالة القرآن إلى الناس كافة وفيهم غير العرب فهم يرون في ذلك الاكتفاء بتبليغ مجمل ما جاء من أصول الدين والعقائد والعبادات والمعاملات كالإيمان، والإقرار بالشهادتين، وأحكام الصلاة والصوم والزكاة والحج والأحوال الشخصية. . . إلخ. ويرون أنه لا يتعين إبلاغ القرآن كله لكل الأمم، بل يقولون: إن من واجب تلك الأمم أن تتعلم اللسان العربي؛ حتى يمكن تبليغ رسالة القرآن إليها بنصها العربي.
ومنهم من يقول: إن بعض علماء الكلام ينصون على أن معرفة الله بالبرهان واجبة، ولا يمكن التوصل إلى ذلك إلا بتعلم اللغة العربية؛ إذ القرآن واللسان عربيان، وبهما تعرف الأدلة، وما لا يتوصل للواجب إلا به فهو واجب.
ومن أنصار هذا الرأي - أي القول بعدم جواز ترجمة معاني القرآن - ابن جزي في " القوانين الفقهية "، فقد ذكر أن من لم يحسن تلاوة القرآن وقراءته - إن كان لم يتعلمها - وجب عليه تعلمها، أو الصلاة وراء من يحسنها، فإن لم يجد فقيل يذكر الله، وقيل يسكت، ولا يجوز ترجمتها.
ويرى الأستاذ مصطفى صادق الرافعي أن من أسباب تحريم ترجمة معاني القرآن ونقله إلى لغات العالم قصور الترجمة، فهي لا يمكن أن تؤديه البتة، ولا تستطيع مطلقا
стр. 5325
أن تحمل حقيقة ما تعنيه ألفاظه على تركيبها المعجز، ولو هي أدت معانيه كما يفهم أهل العصر، بقي منها ما ستفهمه العصور الأخرى. . ويقول: إن أشهر وأدق ترجمة لمعاني القرآن في اللغة الفرنسية ترجمت فيها هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١)، فكانت الترجمة هكذا: هن بنطلونات لكم وأنتم بنطلونات لهن. . . وكيف يمكن أن تترجم هذه الكنايات الدقيقة بشرح وبسط تؤدى فيه الكلمة الواحدة بجمل طويلة. .!؟
تم يقول: إن أمثال هذه الكنايات هي وجه من وجوه إعجاز القرآن للغات العالم كله.
стр. 5326
رأي القائلين بجواز الترجمة:
أما الفريق الآخر الذي يجيز ترجمة معاني القرآن، ويدعو إليها، ويحض عليها، فمنهم الإمام أبو حنيفة، والإمام الشاطبي والإمام البخاري. . ومن المحدثين الإمام المراغي وأضرابه.
إن أبا حنيفة يجيز ترجمة معاني القرآن، بل يقول بصحة الصلاة بتلك الترجمة، والحنفية قاطبة متفقون على جواز ترجمة معاني القرآن للعارف، ويقولون: إذا ترجم القرآن فمن كان عاجزا عن القراءة باللفظ العربي وجب عليه وصحت له القراءة بالألفاظ الأجنبية المترجم إليها، وذلك هو أقوى الآراء عندهم.
أما إذا كان القارئ الأعجمي قادرا على تحريك لسانه باللفظ العربي فقد اختلفوا في أمره، فمنهم من يرى إلزامه بالقراءة في الصلاة وغيرها بالألفاظ العربية ما دام ذلك قد صار في مقدوره، ومنهم من يجيز له أن يقرأ بالترجمة الأجنبية التي يعي معانيها، ويدرك مقاصدها.
وللحنفية في هذه المسألة تفاصيل وفروع، ولكنها جميعها تتفق على جواز ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية.
стр. 5327
أما الشاطبي: فقد استدل في: الموافقات، على جواز ترجمة معاني القرآن بالقياس على ما هو حاصل من إجماع الأمة على تفسيره للعامة ومن ليس له من الفهم ما يقوى به على إدراك كل معانيه الدقيقة، وما الترجمة إلا تفسير وإيضاح لغير العربي؛ حتى يفقه القرآن وأحكامه، ويتدبر معانيه ومقاصده.
وأما البخاري: فإنه يستدل في " صحيحه " إلى جواز ترجمة معاني القرآن إلى لغات الأعاجم بالقياس على ما كان من ترجمة التوراة إلى العربية بحضرة النبي ﷺ . فقد روى في باب ما يجوز من تفسير التوراة وكتب الله بالعربية وغيرها هذا الرأي استنادا لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، وذكر ما أخبر به ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب من أن هرقل دعا ترجمانه ليقرأ كتاب النبي ويترجمه إليه، ونص الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) فقرأ الترجمان الرسالة وترجمها إلى هرقل ليعيها ويفهم ما جاء بها.
وأورد البخاري أيضا ما رواه محمد بن بشار مرفوعا إلى أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، (٤)».
وأورد بسنده أيضا حديث ابن عمر قال: «أتي النبي ﷺ برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود: ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخم وجهيهما ونخزيهما، قال: فجاءوا بها، فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور، اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، قال - يعني النبي ﷺ ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيه آية الرجم تلوح، فقال (أي اليهودي القارئ): إن عليهما الرجم،
стр. 5328
ولكنا نكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما، فرأيته يجنأ. عليها الحجارة (٢)».
والبخاري يستنبط من ذلك كله جواز ترجمة معاني القرآن إلى لغات الأعاجم أخذا بالقياس على ترجمة التوراة.
وقد علق صاحب فتح الباري على ما ورد في الحديث الشريف من قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ (٣) الآية. فقال: وجه الدلالة عند الإمام البخاري، أن التوراة بالعبرانية، فقضية ذلك الإذن في التعبير عنها بالعربية، وعكس ذلك يجوز أيضا بحكم قياس المساوي، فيجوز التعبير عن القرآن العربي بالعبرانية وغيرها، إذ لا فرق. . بل قد يقال: إن القرآن أولى لأن رسالته عامة، فالضرورة قاضية بترجمة معانيه، بخلاف التوراة فترجمتها للحاجة أو للكمال لا للضرورة لعدم عموم رسالة موسى ﵇.
وعلق أيضا صاحب فتح الباري على الحديث الذي ذكره البخاري عن ابن عباس عن أبي سفيان السابق ذكره، فقال: ووجه الدلالة منه أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل باللسان العربي، وهرقل لسانه رومي، ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه، والمترجم المذكور هو الترجمان، وكذا وقع، بل الحديث واضح الدلالة في جواز ترجمة معاني القرآن لغير العربية؛ لأن كتاب النبي ﷺ مشتمل على آية قرآنية وهي: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٤) الآية. وقد كتب النبي ﷺ بها للنجاشي ملك الحبشة أيضا، ولملك الفرس كذلك، والثلاثة أعاجم لا يعرفون العربية، ولا يخفى أن في ذلك إذنا ضمنيا منه ﵊ في ترجمة معنى هذه الآية للغات المذكورة كلها، وقد جاء في الصحيح عن أبي سفيان بن حرب، أن هرقل لما جاءه الكتاب أمر ترجمانه فترجمها له، وما جاز في آية واحدة يجوز مثله في سائر القرآن على الإطلاق.
وعلق أيضا على حديث أبي هريرة بأن بعضهم استدل على جواز قراءة القرآن بالفارسية، وأيد ذلك بدليل آخر هو أن الله حكى في القرآن الكريم قول الأنبياء كقول
стр. 5329
نوح وموسى وعيسى ويوسف وسائر الأنبياء بلسان القرآن وهو لسان عربي مبين، مع أن ألسنتهم ليست بعربية، واستدل على ما ذهب إليه من جواز ترجمة معاني القرآن بل ضرورتها بقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١). فذكر أن الإنذار إنما يكون بما يفهمون من لسانهم، فقراءة كل أمة من الناس تكون بلسانها حتى يقع لهم الإنذار به.
стр. 5330
الحكم في قضية ترجمة معاني القرآن
والحكم عندنا في هذه القضية أن ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية أمر جائز بالأدلة الشرعية. . بل إن الدعوة الإسلامية تقتضيه وتوجبه، فهو رأي ليس فيه ابتداع، بل إنه واجب الاتباع. ويشترط في المترجم أن يكون على دراية تامة ومعرفة يقينية باللسان العربي واللسان المترجم إليه، مع معرفة تامة بأسباب نزول الآيات، متمكن من كل أداة توصله إلى الإدراك والفهم الدقيق لما تضمنته الآيات عند ترجمة معناها من العربية إلى اللغة الأجنبية المترجم إليها.
بل لقد أفتى بعض الحريصين على نشر الدعوة - ومنهم السيد محمد بن الحسن الحجوي المغربي - بجواز ترجمة معاني القرآن مطلقا، فقال: إن ترجمتها من الأمور المرغوب فيها، وإنها من فروض الكفاية التي يجب على الأمة القيام بها، فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين القيام بها ولم يكن عليهم حرج، وإن لم يقم بها أحد أثم الكل. ودليل ذلك عنده، أن القرآن تبليغ عن رسول الله ﷺ ، وأنه هو القائل في خطبته المشهورة غداة فتح مكة، وفي خطبته في حجة الوداع: «فليبلغ الشاهد منكم الغائب (١)»، وهو القائل أيضا: «بلغوا عني ولو آية (٢)»، ولقد أوجب الله على رسوله الأمين أن يقوم بتبليغ الرسالة إلى الناس فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٣)، فالنبي ﷺ بلغ العرب بلسانهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٤)، بل إنه قد بلغ غير العرب أيضا، فبلغ
стр. 5331
هرقل قيصر الروم، وكسرى فارس، والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس عظيم القبط، فيجب على العرب أن يبلغوا رسالة الإسلام لغيرهم من الأمة نيابة عن النبي ﷺ ، ولذا قال لهم: «بلغوا عني ولو آية (١)». والتبليغ لجميع الأمم لا يمكن أن يكون في العادة شاملا لجميع أفراد الشعب إلا إذا كان بالترجمة إلى لغاتهم. وما دامت أمة من الأمم لم يترجم معنى القرآن إلى لغتها ففرض الكفاية بالتبليغ لم يؤد، ولم يحصل القيام به من الأمة كما يجب.
أما عن القائلين بعدم جواز الترجمة والاكتفاء في التبليغ بمجمل ما جاء به الدين، فحجتهم داحضة لا يقوم عليها دليل؛ إذ الظاهر من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢) أن المراد بما أنزل هو عموم القرآن لا جزء خاص منه، بل إنه يشمل السنة أيضا.
وإنه لمن الدلالات القاطعة بفساد ما دعا إليه القائلون بعدم جواز الترجمة وإلزام الأمم بتعلم اللغة العربية، أنهم لن يستطيعوا أن يقيموا على ما ذهبوا إليه أي دليل نقلي أو عقلي. . فالدلالات النقلية تعوزهم، والدلالات العقلية المنطقية تسفه رأيهم، وليس أدل على ما نقول من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (٣)، ولقد ثبت أن الرسول ﷺ كلم أهل اليمن بلغتهم، كما جاء في كتاب (الشفاء) وغيره. ثم إنه لاختلاف ألسن العرب ولهجاتهم اقتضت حكمة الله أن يكون نزول القرآن على سبعة أحرف ليقرأ العرب ما تيسر لهم منه، وما كان ذلك إلا تسهيلا عليهم كي لا يلزموا بلغة خاصة.
فإذا كان بنو تميم وهوازن وعرب اليمن لم يلزموا بتعلم لغة قريش لغة القرآن، بل أبيح لهم أن يقرءوه بحروفهم ولحونهم مع أنه من السهل عليهم أن يروضوا ألسنتهم على لسان قريش. فغير العرب أولى وأحرى بأن لا يلزموا بتعلم العربية؛ حتى يتسنى لنا تعليمهم الدين والقرآن - طبقا لما يقول به مخالفونا في الرأي - بل يجب أن نيسر لهم تفهم القرآن بلغاتهم وألسنتهم، وبذلك نكون قد بلغناهم الرسالة وألزمناهم الحجة.
стр. 5332
ولقد كان النبي ﷺ يأمر الصحابة بتعلم اللغات الأعجمية ليبلغوا عنه، فقد أمر زيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود ولغة السريان، فكان يبلغ عنه إليهم، ويبلغ عنهم إليه ﷺ .
وكذلك أمر عمر بن الخطاب قواد جيوشه باتخاذ التراجمة مع من لم يعرف العربية من شعوب الأقطار التي فتحها المسلمون كفارس، والروم، ومصر، والسودان، وبرقة، وطرابلس. وكان أبو جمرة ترجمانا لعبد الله بن عباس حين كان واليا على البصرة. وكانت دفاتر الخراج ودواوين الأموال تكتب في كل قطر بلغة أهله، ويتولاها كتاب من الفرس أو الروم أو القبط أو غيرهم على حسب ما يقتضيه لسان كل إقليم، واستمر الحال كذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان حين كثر من أبناء الموالي من أتقنوا اللغة العربية، ووجد من أبناء العرب من عرفوا ألسنة الأعاجم، فأمر بنقل دواوين الخراج والمحاسبة جميعها في سائر الأقطار إلى اللغة العربية.
إن ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية ما هي في الواقع إلا ترجمة لمعاني الكلمات، وتفسير وتوضيح لمقاصد آيات الكتاب بتلك اللغات على نحو ما يفعل المفسرون باللسان العربي. . فما أقوال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل وابن جبير وغيرهم من المفسرين القدامى والمحدثين إلا ترجمة لمعاني القرآن وإيضاح لها، ولذلك سمي ابن عباس ترجمان القرآن. . ومن البدهي الذي لا خلاف فيه أن القرآن لا يمكن أن يسمى قرآنا إلا إذا كان عربيا كما أنزل بنصه ولفظه ولغته.
وإذا كان القرآن قد فسر باللغة العربية، فلقد فسر أيضا بغير اللسان العربي كتفسير العالم المحقق إسماعيل حقي الذي فسره باللغة الفارسية، وكذلك فعل غيره من المفسرين الذين فسروه بلغات مختلفة، وقد أقرهم على هذا العمل علماء الإسلام.
إن ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية أمر لا معدى عنه، لأنه - كما صرح في غير موضع من آياته: ذكر للعالمين فرسالته عامة لجميع الأمم، لأن النبي ﷺ أرسل ﴿لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١)، قال ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي (٢)». . إلى أن قال:
стр. 5333
«وكان النبي يبعث في قومه خاصة، وبعثت للناس عامة (١)». وقال تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٢)، وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣)، ويلزم من عموم الرسالة المحمدية جواز ترجمة معاني القرآن؛ لأنه دستور الإسلام لسائر الأمم.
إن القرآن قد ترجم معناه إلى كثير من لغات العالم، ترجمه الشيخ سعدي إلى اللغة الفارسية، وترجمه كذلك العالم الهندي شاه ولي الله إلى الفارسية، وترجمه إلى اللغة الأردية أفراد من بني شاه ولي الله، وشاه رفيع الدين، وشاه عبد القادر، وهناك تراجم أخرى إلى هذه اللغة وضعت حديثا. وقد ترجم معاني القرآن أيضا إلى لغات البوشتو والترك والجاوة والملايو والجوجراتي والبنجالي والهندي والجرموقي. . . إلخ.
وكان أول من حاول ترجمة معاني القرآن إلى اللاتينية من الأوربيين الإنجليزي روبرت من رتينا، وألماني اسمه هيرمان من دلماسيا، وكان ذلك في عام ١١٤٣ م بأمر من بطرس راعي دير كلاجني، ولكن الترجمة لم تنشر إلا بعد أربعة قرون أي في سنة ١٥٤٣ م على يد تيودور بيبلباندر، ثم ترجم إلى الإيطالية والألمانية والهولندية بعد ذلك.
وأقدم ترجمة إلى الفرنسية قام بها دي رييه في باريس عام ١٦٤٧ م، ثم نشرت لمعاني القرآن ترجمة باللغة الروسية في سان بطرس برج (لينينجراد) عام ١٧٧٦ م.
وأول ترجمة إنجليزية لمعاني القرآن قام بها إسكندر روس وقد نقلها عن الترجمة الفرنسية (١٦٤٩ - ١٦٨٨) م، وكذلك نشرت ترجمة سيل الشهيرة عام ١٧٣٧ م. وطبعت ترجمة رودويل عام ١٨٦١ م، ونشرت ترجمة بالمر من كلية كمبريدج عام ١٨٨٠ م.
وفي القرن العشرين قامت الجمعية الأحمدية بلاهور في الهند بترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأوربية، فترجمته إلى الإنجليزية والهولندية والألمانية عام ١٩٥١ م.
وقد يقول قائل: إن معاني القرآن كثيرة، فليس في مقدور مخلوق أن يحيط بها فيترجمها، وللرد على ذلك نقول: إن الله نزل القرآن وهو حافظ له، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)،
стр. 5334
فلا يمكن أن تنشأ من تعدد الترجمات اختلاف في القرآن كما وقع في التوراة والإنجيل، لأن القرآن نزل على محمد ﷺ وقد أوحي إليه بلفظه ونصه وأسلوبه. وأما غير القرآن من كتب الشرائع السماوية فقد أوحى بها إلى أصحابها بمعانيها دون ألفاظها وأساليبها. ولذلك فإن القرآن لا يمكن أن يتطرق إليه تغيير أو اختلاف أو تبديل، أما الترجمات المختلفة لمعاني القرآن فهي تفسير لمعانيه، ومن اليسير على أئمة المسلمين وعلمائهم أن يقابلوا الترجمة على الأصل العربي المنزل، فيقبل الموافق للنص، وينبذ المخالف.
وكل تفسير للقرآن - سواء أكان بلسان عربي أم غير عربي - ليس هو القرآن، وإنما القرآن هو المنزل على محمد ﷺ بنصه ولفظه ولغته. وللقرآن الكريم سمات وصفات لا يمكن أن تنطبق على غيره من التفاسير والشروح والترجمات. قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٤)، ولسان النبي ﷺ لسان عربي مبين، قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (٥)، وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ (٦) ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٧)، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (٨) ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٩).
وبعد: فالذي نستخلصه من كل ما سبق، هو ضرورة ترجمة معاني القرآن ضرورة ملزمة، وهي فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وأنه من الخير أن يقوم بالترجمة جماعة على مستوى عال من الثقافات الشرعية واللسانية والعلوم الاجتماعية مع سلامة العقيدة، والحذق التام والمهارة البارعة في اللغتين العربية والأجنبية المترجم إليها. وحسبنا من القائمين بترجمة معاني القرآن أن يبذلوا أقصى الجهد في نقله إلى اللغات الأجنبية بما يوضح معانيه ولا يخرج عن مقاصده، في أسلوب واضح وبيان مقنع راجح. . . وبالله التوفيق.
стр. 5335
الإمام وكيع: حياته وآثاره
للشيخ عبد الرحمن الفيرواني
اسمه ونسبه: هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن جمجة بن سفيان بن عمرو بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رؤاس الرؤاسي.
كنيته: أبو سفيان نسبة إلى ولده سفيان الذي كان من رواة الحديث.
ولادته: ولد سنة تسع وعشرين ومائة على الراجح.
نشأته: ونشأ وتربى في أسرة عريقة في العلم والدين حيث كان والده من المحدثين، وصاحب منصب حكومي في الدولة العباسية، في مدينة الكوفة. التي كانت من أهم المدن التي كانت تزخر بالعلماء والمحدثين والفقهاء، فتوجه وكيع إلى تحصيل العلم مبكرا، وكان شديد الحرص على تحصيل العلم من المحدثين والفقهاء من أهل بلده والواردين عليه، ثم رحل إلى المراكز العلمية في العالم الإسلامي لتنمية ثقافته، وتكوين شخصيته، وللاستفادة من خبرات علماء الزمن، فقدم بغداد مرات، كما رحل إلى الأنبار، وعبادان، وواسط، والموصل، ودمشق، والمصيصة، وطرطوس، ومكة، والمدينة مرات، وبيت المقدس، ومصر.
شيوخه: وكان لتبكيره في تحصيل العلم، ورحلاته المتكررة إلى مراكز العلم والثقافة أثر كبير في كثره مشايخه، وقد أكثر عن علماء الكوفة حتى اشتهر بروايته عن الكوفيين، وقد لازم بعض هؤلاء ملازمة شديدة واعتنى بمروياتهم وبأقوالهم في معرفة الرجال وعلل الحديث، وفي الفقة، والسنة، ومنهم الأعمش سليمان بن مهران، وسفيان الثوري، وإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، وجرير بن حازم، ومسعر، والأوزاعي، وابن جريج، ومالك، والحسن وعلي ابنا صالح، وهشام الدستوائي، وعبيد الله العمري. وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال (١٩١) من مشايخه في الكتب الستة (١)، اكتفى الحافظ
стр. 5336
ابن حجر بذكر واحد وثمانين منهم (١).
تلاميذه: بدأ الإمام وكيع بتدريس علوم الحديث وهو ابن ثلاثين سنة واشتهر أمره حتى قال ابن معين: إنما كانت الرحلة إلى وكيع في زمانه، فأخذ عنه عدد كبير من أهل العلم ذكر المزي منهم (١١٢) راويا، واكتفى الحافظ ابن حجر بذكر (٢٦) راويا منهم، وهؤلاء: شيخه الثوري، وابن المبارك، وابن معين، والحميدي، وابن أبي شيبة، وأحمد، وهناد بن السري، وابن المديني، وأبو خيثمة، وابن سعد، وأبناؤه: سفيان، ومليح، وعبيد، وابن مهدي، وعلي بن خشرم، ومسدد، وقتيبة بن سعيد، ويحيى بن آدم، ومحمد بن أبان بن وزير البلخي المعروف بحمدويه مستملي وكيع، وعباس بن غالب الوراق صاحب وكيع، وإبراهيم بن عبد الله العبسي وهو آخرهم.
مذاكرة الحديث: وكان الإمام يذاكر مع أهل عصره ويسهر الليالي في تلك المذاكرة والبحث.
مكانته العلمية وثناء الناس عليه: ثبتت للإمام وكيع إمامة في كثير من الجوانب العلمية، فهو إمام في العقيدة، وإمام في علوم الحديث رواية ودراية، وإمام في السنة والرد على أهل البدع حتى وصفه الإمام أحمد بأنه كان إمام المسلمين في وقته (٢). وحتى قال ابن معين: وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه (٣). وقد قال الإمام أحمد: ما رأيت رجلا قط مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوع وورع (٤).
توثيقه: وأجمع نقاد الحديث على توثيقه وأشاد بذكره كل من ترجم له من أصحاب المؤلفات، بل هو كان ناقدا كبيرا من النقاد الذين يرجع إلى أقوالهم في الجرح والتعديل، وقد لخص أقوالهم فيه الإمام الذهبي فقال: الإمام الحافظ، الثبت، محدث العراق، أحد الأئمة الأعلام (٥).
حفظه: إن نعمة الحفظ وقوة الذاكرة لهما أهمية كبيرة في باب رواية الأحاديث
стр. 5337
النبوية، وقد رزق الله الإمام وكيع ذهنا وقادا وذاكرة قوية حتى وصف بأحفظ أهل عصره لأحاديث رسول الله ﷺ ، قال الإمام أحمد: كان وكيع مطبوع الحفظ كان حافظا حافظا، وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيرا وكثيرا (١). وقال: ما رأيت أحفظ من وكيع (٢).
زهده وورعه: تمتاز القرون الأولى الموصوفة بالخيرية والتي تليها باتصاف أهل العلم بالعمل الطيب والسلوك القويم وكان الإمام من أزهد الناس وأورعهم حتى قال الإمام أحمد: ما رأيت أحدا أوعى للعلم من وكيع، ولا أشبه بأهل النسك (٣).
وكان كثير البكاء خشية من الموت، قال ابن معين سمعت وكيعا يقول كثيرا: وأي يوم لنا من الموت، وحدث أنه من شدة بكائه ورقته توقف على حديث ابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل (٤)» ثلاثة أيام (٥).
خلقه: وكان قواما صواما معتكفا، كثير الصلاة والحج والعمرة، وكان يتعفف عن المسألة ويدعو كثيرا أن يصونه الله عن المسألة، وكان يجتنب الشهرة، وما كان يحب أن يطلع الناس على عبادته، وكان مديم الاشتغال بالعلم والزهد والعبادة.
عقيدته وكفاحه من أجل العقيدة: عاش الإمام وكيع في زمن كثر فيه الكلام حول العقيدة لحدوث فرق مبتدعة في الإسلام، بعد أن كان أصول الأئمة في أصول الدين متفقة، وكان موقف أهل الحديث من هؤلاء المبتدعة وكلامهم موقفا شديدا، لا يخفى على من درس تراجم أهل الحديث والسنة والأثر، فكم من أهل العلم قد ترك كتبا مستقلة أو كلاما في ثنايا مؤلفاته في أمور الدين والعقيدة.
ومن هؤلاء الأئمة الأعلام من حماة العقيدة النافين عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين الإمام وكيع الذي اتخذ موقفا شديدا إزاء الفرق الضالة، فندد بهم وزيف آرائهم، وقد كثرت عنه النقول في مسائل العقيدة مثل خلق القرآن والجهمية وتكفير رئيسهم بشر (٦).
стр. 5338
المريسي، وإثبات الآيات والأحاديث الواردة في أسماء الله وصفاته، وفي مسائل زيادة الإيمان ونقصانه والاستثناء فيه، وفيما يلي نسرد آراءه وأقواله من غير تعليق لأنها في غاية من الوضوح.
стр. 5339
١ - الفرق بين منهج أهل السنة وبين أهل البدع:
قال أبو هشام الرفاعي: سمعت وكيعا يقول: أهل السنة يروون ما لهم وما عليهم، وأهل البدعة لا يروون إلا ما لهم (١).
стр. 5340
٢ - ما ورد عنه في معنى قول السلف: " أمروها كما جاءت " وإن الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب:
١ - قال ابن معين: شهدت زكريا بن علي سأل وكيعا، فقال: يا أبا سفيان هذه الأحاديث يعني مثل حديث الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا؟! فقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرا يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون بشيء (١).
٢ - قال الترمذي في سننه: في كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار بعد أن أخرج حديث رؤية الباري عن أبي هريرة قال: وقد روي عن النبي ﷺ روايات كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية، أن الناس يرون ربهم وذكر القدم وما أشبه هذه الأشياء.
والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا: تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال: كيف؟ وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه، وذهبوا إليه (٢).
٣ - قال أبو حاتم الرازي: ثنا أحمد بن حنبل ثنا وكيع يحدث في الكرسي قال: فاقشعر رجل عند وكيع فغضب، وقال: أدركنا الأعمش والثوري يحدثون بهذه
стр. 5341
الأحاديث ولا ينكرونها (١).
فلو اقتديت أيها المعارض في مثل هذه الأحاديث الضعيفة المشكلة المعاني بوكيع، كان أسلم لك من أن تنكره مرة ثم تثبته مرة أخرى، ثم تفسره تفسيرا لا ينقاس في أثر، ولا قياس عن ضرب المريسي وابن الثلجي، ونظرائهم (٢).
٤ - قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين الإمام المشهور من أئمة المالكية في كتابه الذي صنفه في أصول السنة في باب الإيمان بالنزول: ومن أقوال أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشايخ مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، ووكيع كانوا يقولون: إن النزول حق (٣).
قلت: وما جاء عن بعض السلف أنهم يمرون أحاديث الصفات، ولا يفسرونها فالمقصود به أنهم لا يفسرونها تفسير الجهمية والمعطلة في تأويلها بآراء، وهو ما أشار إليه الدارمي في كلام متقدم حيث قال: من فسر برأيه فاتهموه.
وأما تفسيرها وفقا بما تدل عليه اللغة فلم يمنعوه بل قالوا به كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول.
стр. 5342
٢ - كلامه في الفرق المبتدعة:
١ - قال وكيع: الرافضة شر من القدرية، والحرورية شر منهما، والجهمية شر هذه الأصناف، قال الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١)، ويقولون: لم يكلم، ويقولون: الإيمان بالقلب (٢).
стр. 5343
٢ - وقال: احذروا هؤلاء المرجئة، وهؤلاء الجهمية، والجهمية كفار، والمريسي جهمي، وعلمتم كيف كفروا، قالوا: يكفيك المعرفة وهذا كفر.
والمرجئة يقولون: قول بلا فعل، وهذا بدعة، فمن قال: القرآن مخلوق فهو كافر بما أنزل على محمد ﷺ ، يستتاب وإلا ضربت عنقه (١).
стр. 5344
٣ - تكفيره لبشر المريسي وأتباعه من الجهيمة:
١ - قال محبوب بن موسى الأنطاكي: إنه سمع وكيعا يكفر الجهمية (١).
٢ - وقال محمد بن عمرو الكلابي: سمعت وكيعا كفر المريسي.
٣ - وقال: الجهمية كفار، والمريسي جهمي، وعلمتم كيف كفروا؟ قالوا: يكفيك المعرفة وهذا كفر (٢).
٤ - قال وكيع: على المريسي لعنة الله، يهودي هو أو نصراني، فقال له رجل: كان أبوه أو جده يهوديا أو نصرانيا، قال وكيع: عليه وعلى أصحابه لعنة الله، القرآن كلام الله، وضرب وكيع إحدى يديه على الأخرى، وقال: سيئ ببغداد، يقال له المريسي، يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه (٣).
٥ - وقال الدارمي في آخر كتاب الرد على الجهمية: ولو لم يكن عندنا حجة في قتلهم وتكفيرهم إلا قول حماد بن زيد وسلام بن أبي مطيع، وابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون، وأبي توبة، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، ونظرائهم رحمة الله عليهم أجمعين، لأجبنا عن كفرهم بقول هؤلاء حتى نستبرئ ذلك ممن هو أعلم منهم وأقدم، ولكنا نكفرهم بما تأولنا فيهم من كتاب الله وروينا فيهم من السنة وبما حكينا
стр. 5345
عنهم من الكفر الواضح المشهور الذي يعقله أكثر العوام وبما ضاهوا مشركي الأمم قبلهم (١) إلخ.
стр. 5346
٤ - تكفيره لمن قال بخلق القرآن:
روى عنه غير واحد من أصحابه ومن وجوه متعددة تكفيره القائلين بخلق القرآن، وهو في هذا على مذهب أهل السنة المحققين الذين أجمعوا على تكفير هؤلاء المبتدعة.
١ - قال أبو هشام الرفاعي الصابوني: سمعت وكيعا يقول: من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن القرآن محدث، ومن زعم أن القرآن محدث فقد كفر (١).
٢ - عن أبي محمد وهب بن بقية الواسطي:
سمعت وكيعا يقول: القرآن كلام الله وليس بمخلوق وقال: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
٣ - وقال الحسين بن علي بن الأسود: سمعت وكيع بن الجراح يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق (٢).
وأيضا: ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر بالله العظيم، وقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق (٣).
٤ - وقال محمد بن قدامة الدلال الأنصاري: سمعت وكيعا يقول: لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم، إنما يذهبون إلى التعطيل (٤).
стр. 5347
٥ - وقال أبو حاتم الطويل: قال وكيع: من قال: إن كلام الله ليس منه فقد كفر، ومن قال: إن شيئا منه مخلوق فقد كفر (١).
٦ - وقال علي بن الحسين الهاشمي: حدثنا علي بن الحسين قال: عن وكيع بن الجراح يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله مخلوق. فقلت: يا أبا سفيان من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٢) ولا يكون شيء من الله مخلوقا (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا القول قاله غير واحد من السلف.
٧ - وقال يزيد بن الهيثم: سمعت أبا خيثمة قال: وقلت ليحيى الأنماطي بالخريبة: ترضى بوكيع؟ قال: نعم، فأتيت وكيعا فقلت له: إن هذا يزعم أن القرآن مخلوق مجعول؟ فقال: هذا كافر، هذا كافر (٤).
٨ - وأخرج البيهقي عن إسحاق بن حكيم قال: قلت لعبد الله بن إدريس الأودي: قوم عندنا يقولون: القرآن مخلوق، ما تقول في قبول شهادتهم؟ فقال: لا، هذه من المقاتل، لا يقال لهذه المقالة بدعة، هذه من المقاتل.
ثم سأل إسحاق أبا بكر بن عباس وحفص بن غياث عن هؤلاء، ثم سأل وكيعا عنهم فقال وكيع: يا أبا يعقوب من قال: القرآن مخلوق فهو كافر (٥).
٩ - وهكذا ذكر يحيى بن خلف المقرئ عن مالك وغيره من الأئمة، ومنهم وكيع أن من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر عندهم، وقالوا: اقتلوه (٦).
١٠ - وهكذا أخرج البيهقي عن سويد بن سعيد أنه سمع جميع من حمل عنهم العلم، ومنهم وكيع أنهم يقولون:
стр. 5348
١ - الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.
٢ - والقرآن كلام الله تعالى وصفة ذاته غير مخلوق، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم.
٣ - وأفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. وقال عمران بن موسى الجرجاني بنيسابور (الرواي عن سويد): وبه أدين الله ، وما رأيت محمديا قط إلا وهو يقوله (١).
١١ - وقال محمد بن يزيد قلت لوكيع: يا أبا سفيان! إن هذا الرجل رأيته عندك، يزعم أن القرآن محدث، فقال وكيع: من قال: إن القرآن مخلوق، فقد زعم أن القرآن محدث، ومن زعم أن القرآن محدث فقد كفر (٢).
هذا ما ورد عنه في القائلين بخلق القرآن وفي كفرهم وضلالهم، وقد فصل القول شيخ الإسلام في موضوع خلق القرآن وركز على نقل أقوال وكيع والدفاع عنه عما رماه به المعتزلة أنه كان يقول: " إن القرآن بعض الخالق "، هكذا حكاه عنه زرقان المعتزلي، قال شيخ الإسلام: إن ما ذكره محمد بن شجاع عن فرقة أنها قالت: إن القرآن هو الخالق، وفرقة قالت: هو بعضه، وحكاية زرقان أن القائل بهذا هو وكيع بن الجراح " (٣) هو من باب النقل بتأويل الفاسد، وكذلك قوله: إن فرقة قالت: إن الله بعض القرآن وذهب إلى أنه سمي فيه، فلما كان اسم الله في القرآن والاسم هو المسمى كان الله في القرآن وذلك أن الذي قاله وكيع قاله سائر الأئمة إن القرآن من الله، يعنون أن القرآن صفة الله وأن الله تعالى هو المتكلم به، وأن الصفة هي تدخل في مسمى الموصوف كما قال مالك بن أنس: القرآن كلام الله من الله، ليس شيء من الله مخلوقا.
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: أدركت الناس ما يتكلمون في هذا ولا عرفنا هذا إلا بعد، فمنذ سنين القرآن كلام الله منزل من عند الله لا يؤول إلى خالق ولا مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، هذا الذي لم نزل عليه، ولا نعرف غيره.
стр. 5349
ثم ساق كلام أهل العلم كأحمد وعمرو بن دينار، ووكيع، وقال: وكذلك فسره أحمد، ونعيم بن حماد، والحسن بن الصباح البزار، وعبد العزيز بن يحيى الكناني، فهذا لفظ وكيع الذي سماه زرقان، وهو لفظ سائر الأئمة الذين حرف محمد بن شجاع قولهم، فإن قولهم: كلام الله من الله يريدون به شيئين:
أحدهما: أنه صفة من صفاته والصفة مما تدخل في مسمى اسمه، وهذا كما قال الإمام أحمد فالعلم من الله، وله، وعلم الله منه، وكقوله وقول غيره من الأئمة ما وصف الله من نفسه، وسمى من نفسه، ولا ريب أن هذا يقال في سائر الصفات كالقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، وغير ذلك فإن هذه الصفات كلها من الله أي مما يدخل في مسمى اسمه.
والثاني: يريدون بقولهم: " كلام الله منه " أي خرج منه، وتكلم به كقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ (١)، وذلك كقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٢)، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٣)، وهذا اللفظ والمعنى مما استفاضت به الآثار، ثم ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وقال: وإنما سمى - والله أعلم - زرقان وكيعا لأنه كان من أعلم الأئمة بكفر الجهمية، وباطن قولهم، وكان من أعظمهم ذما لهم، وتنفيرا عنهم فيعم الجهمية من ذمه لهم ما لم يبلغهم من ذم غيره، إذ هم من أجهل الناس بالآثار النبوية وكلام السلف والأئمة كما يشهد بذلك كتبهم، ومحمد ابن شجاع هذا منهم في روايته. . . ثم نقل أقوال وكيع من كتاب أفعال العباد، مستدلا بما قال، ثم ذكر عن البخاري نصا عن عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف أهل البدع، وجاء فيه أنه قال عبد الله بن إدريس فأتيت وكيعا فوجدته من أعلمهم بهم، فقال: يكفرون من وجه كذا، ويكفرون من وجه كذا، ويكفرون من وجه كذا، حتى أكفرهم من كذا وكذا وجها.
ثم قال شيخ الإسلام: وهكذا رأيت الجاحظ قد شنع على حماد بن سلمة، ومعاذ ابن معاذ قاضي البصرة بما لم يشنع على غيرهما، لأن حمادا كان معتنيا بجمع أحاديث
стр. 5350
الصفات وإظهارها، ومعاذ لما تولى القضاء رد شهادة الجهمية والقدرية فلم يقبل شهادة المعتزلة، ورفعوا عليه إلى الرشيد فلما اجتمع به حمده على ذلك، وعظمه، فلأجل معاداتهم لمثل هؤلاء الذين هم أئمة في السنة يشنعون عليهم بما إذا حقق لم يوجد مقتضيا لذم (١)!!!
стр. 5351
قوله في مسألة الإيمان وزيادته ونقصانه:
١ - قال الحميدي: سمعت وكيعا يقول: وأهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: الإيمان قول، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة (١).
٢ - وقال وكيع: حذروا هؤلاء المرجئة والجهمية، والجهمية كفار، والمريسي جهمي، وعلمتم كيف كفروا، قالوا. يكفيك المعرفة، وهذا كفر، والمرجئة يقولون: الإيمان قول بلا عمل وهذا بدعة (٢).
٣ - وقال: الرافضة شر من القدرية، والحرورية شر هذه الأصناف، قال الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣) ويقولون: لم يكلم، ويقولون: الإيمان بالقلب (٤).
٤ - وذكر سويد بن سعيد عن غير واحد من أهل العلم منهم وكيع: إن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (٥).
٥ - وذكر ابن عبد البر عن العلاء بن عصيم قال: قلت لوكيع بن الجراح: لقد اجترأت حين قلت: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: ولقد اجترأ أبو حنيفة حين قال: الإيمان قول بلا عمل (٦).
وقال الحافظ ابن حجر - في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه - بعد نقل كلام السلف
стр. 5352
في المسألة: وحكاه فضيل بن عياض ووكيع عن أهل السنة والجماعة (١).
стр. 5353
٦ - قوله في مسألة الاستثناء في الإيمان:
١ - روى الخطيب بسنده عن محمود بن غيلان حدثنا وكيع قال: سمعت الثوري يقول: نحن المؤمنون، وأهل القبلة عندنا مؤمنون في المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار، ولنا ذنوب ولا ندري ما حالنا عند الله، قال وكيع: وقال أبو حنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاك، نحن المؤمنون هنا، وعند الله حقا.
قال وكيع: ونحن نقول بقول سفيان، وقول أبي حنيفة جرأة (١).
وقال عبيد بن يعيش حدثنا وكيع قال: كان سفيان إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: نعم! وإذا قيل له: عند الله؟ قال: أرجو، وكان أبو حنيفة يقول: أنا مؤمن ههنا، وعند الله، قال وكيع: قول سفيان أحب إلينا (٢).
стр. 5354
٧ - حمايته للسنة وحثه على التمسك بها:
كان الإمام وكيع صاحب سنة ورجل عقيدة، وكان يهتم بحماية السنة والقضاء على أهل البدع والإنكار على أهلها، وكانت تأخذه الغيرة في ذلك فكان يغضب غضبا شديدا. وقد روى عنه محمد بن سلام البيكندي أنه سمعه كان يقول: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلبه ليقوى به رأيه فهو صاحب بدعة (١).
وقال أبو هشام الرفاعي: سمعت وكيعا يقول: أهل السنة يروون ما لهم وما عليهم، وأهل البدعة لا يروون إلا ما لهم (٢).
وقال ابن معين: كان وكيع بن الجراح يحدث بكتبه، فيطلب هذا كتابا، وهذا كتابا، فقال رجل: دعوا كتاب الأشربة إلى آخر الكتاب، فقال وكيع، ما هذا الرجل؟
стр. 5355
لا يريد كتاب الأشربة؟ هو صاحب بدعة حين لا يريد " كتاب الأشربة " أو نحو هذا من الكلام (١).
وقال الترمذي: سمعت يونس بن عيسى يقول سمعت وكيعا يقول: حين روى هذا الحديث (أي حديث «إشعار النبي ﷺ الهدي (٢)» قال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا فإن الإشعار سنة وقولهم بدعة.
وقال الترمذي: وسمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله ﷺ ويقول أبو حنيفة: هو مثلة.
قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة، قال: فرأيت وكيعا غضب غضبا شديدا، وقال: أقول لك: قال رسول الله ﷺ ، وتقول: قال إبراهيم، ما أحقك بأن تحبس، ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا (٣).
وفي هذه النصوص كفاية لكل عاقل للاعتبار بها والاقتداء بسيرة السلف في التمسك بالسنة والعمل بها بدون تعصب أو تحيز لمذهب.
стр. 5356
٨ - عنايته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
كان السلف يمتازون بصراحتهم في النصيحة حرصا على المجتمع وشفقة على أهله لما كانوا يشعرون به من المسئولية تجاه المجتمع، وحياتهم كلها كانت عبارة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث بابه واسع جدا، وكان وكيع رجلا صريحا في كثير من المواقف لإبلاغ الحق وإرشاد الناس إليه ومن أمثلته ما تقدم، ومنها ما قال ابن معين: ورأيت وكيعا ورأى امرأة عند عطار، والعطار يكلمها، فقال لإنسان: اذهب إلى ذاك العطار، ففرق بينهما (١).
стр. 5357
" ما ورد عنه في آداب السامع والمحدث "
ومصطلح الحديث
إن علم المصطلح ينبني على دراسة أقوال أئمة الحديث النقاد القدامى الذين قضوا حياتهم في خدمة الحديث الشريف، واكتسبوا فيه تجارب علمية أودعوها في مؤلفاتهم، أو روى عنهم أصحابهم فوصلت إلينا في مؤلفات المتأخرين، وكان للإمام وكيع في هذا الصنف من العلم حظ كبير لممارسته الطويلة في التأليف والرواية والتحديث، والاحتكاك بالرجال ومعرفة أحوالهم، وهذا ليس يخفى على من درس مؤلفات أهل العلم في المصطلح.
وفيما يلي نسرد آراءه وأقواله وأفعاله في هذا الباب لنعرف مدى أصالة علم مصطلح الحديث، وإسهام السلف في جمع مادتها حيث تبلور هذا العلم بعد غربلة أفكارهم وتحريرها في صورة قواعد هذا الفن، حيث صارت هذه القواعد أصح القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقها، وقلدهم فيها العلماء في أكثر الفنون النقلية، وفي الحقيقة أن هذا العلم أساس لكل العلوم النقلية وهو جدير بأن يوصف بأنه: منطق المنقول وميزان تصحيح الأخبار (١).
стр. 5358
نصائح وتوجيهات لطلبة العلم:
١ - فضيلة الرحالين في طلب الحديث: قال أبو هشام الرفاعي: سمعت وكيعا يقول: لو أن الرجل لم يصب في الحديث شيئا إلا أنه يمنعه من الهوى كان قد أصاب فيه (١).
٢ - استدل أصحاب المصطلح بصنيع وكيع أنه كان يقول: حدثني سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث " وبغيره أنه من آداب المحدث أنه يحسن أن يثني على شيخه (٢).
стр. 5359
٣ - قال وكيع: إذا أردت حفظ الحديث فاعمل به (١).
٤ - قال علي بن خشرم: شكوت إلى وكيع قلة الحفظ، فقال: استعن على الحفظ بقلة الذنوب (٢).
واشتهر عن الشافعي شعره:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي
كذا في الديوان المنسوب إليه (٣).
وفي الفوائد البهية في تراجم الحنفية:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وعلله بأن العلم فضل ... وفضل الله لا يحويه عاصي
٥ - وأخرج الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع في مبحث: عود الطالب إلى وطنه، واختيار إقامته على ظعنه بسنده عن رزق الله بن موسى قال: مشيت خلف وكيع بن الجراح، وهو يريد مسجد الجامع، فسألته عن أحاديث؟ فقال لي: هون عليك، فإن كلام الناس من مائتي سنة، لا يلحق كلمة (٤).
٦ - وأخرج الخطيب في الجامع في باب أدب السماع بسنده عن شجاع بن مخلد قال: قال وكيع: من فهم، ثم استفهم، فإنما يقول: اعرفوني أني أجيد أخذ الحديث.
٧ - وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الكوفي: سمعت وكيعا يقول: من استفهم وهو يفهم، فهو طرف من الرياء (٥).
стр. 5360
٨ - وقال يحيى بن أيوب العابد: سمعت وكيعا يقول: من خرج من بيته إلى مجلس محدث بلا محبرة، فقد نوى المسألة (١).
٩ - وأخرج وكيع في زهده (رقم ٥٣٩ بتحقيقي) عن بعض مشايخه: كنا نستعين في طلب الحديث بالصوم.
١٠ - وقال وكيع: لا ينبل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه ومن هو مثله ومن هو دونه.
وقال: لا يكون الرجل عالما حتى يسمع ممن هو أسن منه، وممن هو مثله، وممن هو دونه (٢).
١١ - وكان لا يجلس ولا يحدث إلا وجهه إلى القبلة (٣).
١٢ - قال أبو السائب سالم بن جنادة: جالست وكيع بن الجراح سبع سنين فما رأيته بزق ولا رأيته مس - والله - حصاة بيده، ولا رأيته إلا يستقبل القبلة وما رأيته يحلف بالله.
١٣ - اجتمع أصحاب الحديث عند وكيع قال: وعليه ثوب أبيض فانقلبت المحبرة على ثوبه - فسكت مليا، ثم قال: ما أحسن السواد في البياض (٤).
١٤ - قال أحمد بن سنان: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه ولا يقوم أحد من مجلسه، ولا يبرى فيه قلم ولا يبتسم أحد، فإن تحدث أو برى صاح ونهى عنه.
وكذا كان يكون ابن نمير، وكان أشد الناس في هذا، وكان وكيع أيضا يكونون في