أسئلة وأجوبة في أحكام الحج
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
السؤال الأول: ما حكم الاجتماع في الدعاء في يوم عرفة سواء كان ذلك في عرفات أو غيرها، وذلك بأن يدعو إنسان من الحجاج الدعاء الوارد في بعض كتب الأدعية المسمى بدعاء يوم عرفة أو غيره، ثم يردد الحجاج ما يقول هذا الإنسان دون أن يقولوا آمين، فهل يعتبر هذا الدعاء بدعة أم لا؟ نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل.
الجواب: الأفضل للحاج في هذا اليوم العظيم أن يجتهد في الدعاء والضراعة إلى الله ، ويرفع يديه؛ لأن الرسول ﷺ اجتهد في الدعاء والذكر في هذا اليوم حتى غربت الشمس، وذلك بعدما صلى الظهر والعصر جمعا وقصرا في وادي عرنة ثم توجه إلى الموقف فوقف هناك عند الصخرات وجبل الدعاء ويسمى جبل الال، واجتهد في الدعاء والذكر رافعا يديه مستقبلا القبلة وهو على ناقته، وقد شرع الله سبحانه لعباده الدعاء بتضرع وخفية وخشوع لله ورغبة ورهبة، وهذا الموطن من أفضل مواطن الدعاء قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ (٢) الآية.
وفي الصحيحين: قال أبو موسى الأشعري ﵁: «رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته (٣)»، وقد أثنى الله جل وعلا على زكريا ﵇ في ذلك، قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ (٤) ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ (٥)، وقال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٦) الآية، والآيات والأحاديث في الحث على الذكر والدعاء كثيرة، ويشرع في
стр. 5533
هذا الموطن بوجه خاص الإكثار من الذكر والدعاء بإخلاص وحضور قلب ورغبة ورهبة، وشرع رفع الصوت به وبالتلبية كما فعل ذلك النبي ﷺ وأصحابه ﵃، وقد روي عنه ﷺ أنه قال في هذا اليوم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير (١)».
أما الدعاء الجماعي فلا أعلم له أصلا، والأحوط تركه؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ فيما علمت، لكن لودعا إنسان في جماعة وأمنوا على دعائه فلا بأس في ذلك كما في دعاء القنوت ودعاء ختم القرآن الكريم ودعاء الاستسقاء ونحو ذلك.
أما التجمع في يوم عرفة في غير عرفة فلا أصل له عن النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)» أخرجه مسلم في صحيحه، والله ولي التوفيق.
стр. 5534
السؤال الثاني: نرى في هذه الأيام عند النفرة من عرفات إلى مزدلفة الزحام الشديد، بحيث إن الحاج إذا وصل إلى مزدلفة لا يستطيع المبيت فيها من شدة الزحام، ويجد مشقة في ذلك، فهل يجوز ترك المبيت بمزدلفة ، وهل على الحاج شيء إذا ترك المبيت بها، وهل تجزئ صلاة المغرب والعشاء عن الوقوف والمبيت في مزدلفة وذلك بأن يصلي الحاج صلاتي المغرب والعشاء في مزدلفة، ثم يتجه فورا إلى منى، فهل يصح الوقوف على هذا النحو، نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل.
الجواب: المبيت بمزدلفة من واجبات الحج، اقتداء بالنبي ﷺ ، فقد بات بها ﷺ وصلى الفجر بها وأقام حتى أسفر جدا، وقال: «خذوا عني مناسككم (١)»، ولا يعتبر الحاج قد أدى هذا الواجب إذا صلى المغرب والعء فيها جمعا ثم أنصرف؛ لأن النبي ﷺ لم يرخص إلا للضعفة آخر الليل.
وإذا لم يبت في مزدلفة فعليه دم جبران لتركه الواجب، والخلاف بين أهل العلم ﵏ في كون المبيت في مزدلفة ركنا أو واجبا أو سنة مشهور معلوم، وأرجح الأقوال الثلاثة أنه واجب على من تركه دم، وحجه صحيح، وهذا هو قول أكثر أهل العلم، ولا
стр. 5535
يرخص في ترك المبيت إلى النصف الثاني من الليل إلا للضعفة، أما الأقوياء الذين ليس معهم ضعفة فالسنة لهم أن يبقوا في مزدلفة حتى يصلوا الفجر بها ذاكرين الله داعينه سبحانه حتى يسفروا، ثم ينصرفوا قبل طلوع الشمس تأسيا برسول الله ﷺ ، ومن لم يصلها إلا في النصف الأخير من الضعفة كفاه أن يقيم بها بعض الوقت ثم ينصرف أخذا بالرخصة، والله ولي التوفيق.
стр. 5536
السؤال الثالث: ما حكم من صلى صلاتي المغرب والعشاء قصرا وجمع تأخير قبل دخول مزدلفة وذلك لأسباب طارئة، منها تعطل سيارته في الطريق إلى مزدلفة وخشية فوات وقت المغرب والعشاء، حيث كان الوقت متأخرا جدا فصلى صلاتي المغرب والعشاء على حدود مزدلفة، أي قبل مزدلفة بمسافة بسيطة، ثم نام ريثما يتم إصلاح سيارته، ثم صلى أيضا صلاة الفجر وذلك بعد دخول وقت صلاة الفجر أيضا، صلاها على حدود مزدلفة حيث إنه لم يستطع دخول مزدلفة إلا في الصباح والشمس قد أشرقت، فهل تصح صلاته هذه لكل من المغرب والعشاء والفجر على حدود مزدلفة، فنرجو من سماحتكم توضيح ذلك مع ذكر الدليل؟
الجواب: الصلاة تصح في كل مكان إلا ما استثناه الشارع، كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (١)» ولكن المشروع للحاج أن يصلي المغرب والعشاء جمعا في مزدلفة حيث أمكنه ذلك قبل نصف الليل، فإن لم يتيسر له ذلك لزحام أو غيره صلاها بأي مكان كان ولم يجز له تأخيرهما إلى ما بعد نصف الليل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢) أي مفروضا في الأوقات، ولقول النبي ﷺ : وقت العشاء إلى نصف الليل (٣). رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، والله أعلم.
стр. 5537
السؤال الرابع: هل يجوز رمي جمرة العقبة ليلا أي ليلة عيد الأضحى بعد الانصراف من مزدلفة إلى منى في الليل، وما هو تعليق سماحتكم على الحديث الصحيح
стр. 5538
وهو قول النبي ﷺ لغلمان بني عبد المطلب: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس (١)».
الجواب: الأفضل للأقوياء رمي جمرة العقبة يوم العيد بعد طلوع الشمس اقتداء بالنبي ﷺ ، وعملا بالحديث المذكور، أما أهل الأعذار وهم الضعفة فإنه يجوز لهم في النصف الأخير من الليل لأحاديث وردت في ذلك، منها حديث أم سلمة ﵂ أنها رمت الجمرة قبل الفجر (٢)، رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولما رواه البخاري ﵀ «عن عبد الله مولى أسماء، أنها نزلت ليلة جمع في المزدلفة فقامت تصلي، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني، هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا ومضينا حتى رمت جمرة العقبة، ثم رجعت وصلت الصبح في منزلها، فقلت لها يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا. قالت: يا بني، إن رسول الله ﷺ أذن للظعن (٣)» أما حديث ابن عباس ﵄ في الرمي بعد طلوع الشمس فقد ضعفه بعض أهل العلم لما في إسناده من الانقطاع، وعلى فرض صحته فهو محمول على الندب والأفضلية جمعا بين الأحاديث الواردة في ذلك كما نبه على ذلك الحافظ ابن حجر ﵀، والله أعلم.
стр. 5539
السؤال الخامس: ما حكم من ترك المبيت في منى ثلاثة أيام أو اليومين المذكورين للمتعجل، فهل يلزمه دم عن كل يوم فاته المبيت فيه في منى، أم أنه عليه دم واحد فقط لكل الأيام الثلاثة التي لم يبت فيها بمنى، نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل؟
الجواب: من ترك المبيت بمنى أيام التشريق بدون عذر فقد ترك نسكا شرعه رسول الله ﷺ بقوله وفعله وبدلالة ترخيصه لبعض أهل الأعذار مثل الرعاة وأهل السقاية، والرخصة لا تكون إلا مقابل العزيمة، ولذلك اعتبر المبيت بمنى أيام التشريق من واجبات الحج في أصح قولي أهل العلم، ومن تركه بدون عذر شرعي فعليه دم؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من ترك نسكا أو نسيه فليرق دما (١). ويكفيه دم واحد عن ترك المبيت أيام التشريق، والله أعلم.
стр. 5540
السؤال السادس: ما حكم من ترك المبيت في منى ليلة واحدة وهي ليلة الحادي عشر، وذلك بأن كان الحاج مريضا ولم يستطع المبيت في منى تلك الليلة، ولكنه رمى الجمار نهارا بعد الزوال، أي أنه رمى جمار يوم الحادي عشر من أيام التشريق مع جمار اليوم الثاني عشر في النهار بعد الزوال، فهل يلزمه دم في هذه الحالة حيث إنه ترك مبيت ليلة الحادي عشر بمنى مع العلم أنه بات ليلة الثاني عشر في منى ورمى الجمار بعد الزوال من ذلك اليوم ثم ارتحل عن منى إلى مكة، نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل؟
الجواب: ما دام ترك المبيت بمنى ليلة واحدة لعذر المرض فلا شيء عليه لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، ولأن النبي ﷺ رخص للساقة والرعاة المبيت بمنى من أجل السقي والرعي والله أعلم.
стр. 5541
السؤال السابع: هل يجوز للحاج رمي جمار أيام التشريق كلها في يوم واحد ، سواء كان ذلك اليوم هو أول يوم من أيام التشريق أو كان النحر مثلا، أو كان آخر يوم من أيام التشريق، ثم يبيت في منى اليومين أو الأيام الثلاثة بدون رمي، حيث إنه قد رمى جميع الجمار في يوم واحد، فهل يصح رميه هذا أم أنه لا بد من ترتيب رمي الأيام كل يوم على حدة حتى ينتهي من رمي الأيام الثلاثة، نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل؟
الجواب: رمي الجمار من واجبات الحج، ويجب في يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة لغير المتعجل وفي اليومين الأولين من أيام التشريق للمتعجل، ويرمي عن كل يوم بعد الزوال؛ لفعل النبي ﷺ ، وقوله: «خذوا عني مناسككم (١)» ولا يجوز تقديم رميها قبل وقته، أما التأخير فيجوز عند الحاجة الشديدة كالزحام عند جمع من أهل العلم قياسا على الرعاة؛ لأن النبي ﷺ رخص لهم بأن يجمعوا رمي يومين في اليوم الثاني منهما وهو الثاني عشر، ويرتب ذلك بالنية أولها يوم العيد ثم رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث إن لم يتعجل، ويكون طواف الوداع بعد ذلك، والله أعلم.
стр. 5542
السؤال الثامن: بعض الناس يمكثون بمنى ليلة واحدة وهي ليلة الحادي عشر، ويرمون الثاني عشر في يوم الحادي عشر، ويظنون أنهم قد مكثوا يومين وذلك لأنهم يحسبون يوم العيد يوما من أيام التشريق فيقولون: نحن قد رمينا يوم العيد (يوم النحر) واليوم الثاني الذي بعده وهو يوم الحادي عشر، ويقولون: إن هذه يومان استنادا إلى الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) الآية، وبذلك يغادرون منى يوم الحادي عشر بعد أن يكونوا قد رموا اليوم الثاني عشر في يوم الحادي عشر، ويتركون بيات يوم الثاني عشر في منى، فهل هذا يجوز شرعا، وهل يصح للإنسان أن يحسب يوم العيد من اليومين أم أنهم قد رموا يوم الثاني عشر في يوم الحادي عشر ثم انصرفوا من منى؟ نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل.
الجواب: المراد باليومين اللذين أباح الله جل وعلا للمتعجل الانصراف من منى بعد انقضائهما هما ثاني وثالث العيد؛ لأن يوم العيد هو يوم الحج الأكبر وأيام التشريق هي ثلاثة أيام تلي يوم العيد، وهي محل رمي الجمرات وذكر الله جل وعلا، فمن تعجل انصرف قبل غروب الشمس يوم الثاني عشر، ومن غربت عليه الشمس في هذا اليوم وهو في منى لزمه المبيت والرمي في اليوم الثالث عشر، وهذا هو الذي فعله النبي ﷺ وأصحابه، والمنصرف في اليوم الحادي عشر قد أخل بما يجب عليه من الرمي فعليه دم يذبح في مكة للفقراء، أما تركه المبيت في منى ليلة الثاني عشر فعليه عن ذلك صدقة بما يتيسر مع التوبة والاستغفار عما حصل منه من الخلل والتعجل قي غير وقته.
стр. 5543
السؤال التاسع: متى يبدأ وقت رمي الجمار جمار أيام التشريق الثلاثة ؟ وإلى متى ينتهي؟ وهل يصح أن يرمي الحاج ليلا هذه الجمار خاصة هذه الأيام ونحن نرى الزحام الشديد والمشقة الصعبة في الرمي نهارا؛ وذلك لأن بعض الناس يستدلون بالحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. فقال: رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج (١)» فهم يقولون: إنه إذا كان رسول الله ﷺ قد أجاز للرجل الرمي ليلا حيث إن الرمي في يوم النحر
стр. 5544
من أوجب الواجبات على كل حاج حتى يتحلل التحلل الأول فكيف ببقية أيام التشريق الثلاثة التي تقل وجوبا عن يوم النحر؟ فهذا دليل على أن الرمي أيام التشريق الثلاثة جائز ليلا، فما حكم من رمى الجمار ليلا هل عليه شيء أم لا؟ نرجو من سماحتكم توضيح هذه النقطة مع ذكر الدليل.
الجواب: وقت رمي الجمار أيام التشريق من زوال الشمس إلى غروبها؛ لما روى مسلم في صحيحه أن جابر ﵁ قال: «رمى رسول الله ﷺ يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلك بعد الزوال (١)»، وما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن ذلك فقال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا. وعليه جمهور العلماء، لكن إذا اضطر إلى الرمي ليلا فلا بأس بذلك ولكن الأحوط الرمي قبل الغروب لمن قدر على ذلك أخذا بالسنة وخروجا من الخلاف.
وأما حديث ابن عباس المذكور فليس دليلا على الرمي بالليل؛ لأن السائل سأل النبي ﷺ يوم النحر فقوله: بعدما أمسيت أي بعد الزوال، ولكن يستدل على الرمي بالليل بأنه لم يرد عن النبي ﷺ نص صريح يدل على عدم جواز الرمي بالليل، والأصل جوازه، لكنه في النهار أفضل وأحوط، ومتى دعت الحاجة إليه ليلا فلا بأس به في رمي اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل، أما اليوم المستقبل فلا يرمي عنه في الليلة السابقة له ما عدا ليلة النحر في حق الضعفة في النصف الأخير، أما الأقوياء فالسنة لهم أن يكون رميهم جمرة العقبة بعد طلوع الشمس كما تقدم جمعا بين الأحاديث الواردة في ذلك والله أعلم.
стр. 5545
السؤال العاشر: هل يجب الهدي على أهل مكة لمن أحرم منهم بالحج فقط ؟ وهل يصح في حقهم التمتع أم القران في الحج نرجو توضيح ذلك مع ذكر الدليل؟
الجواب: يصح التمتع والقران من أهل مكة وغيرهم لكن ليس على أهل مكة هدي، وإنما الهدي على غيرهم من أهل الآفاق القادمين إلى مكة محرمين بالتمتع أو القران؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).
стр. 5546
السؤال الحادي عشر: ما حكم الأضحية؟ وعلى من تجب الأضحية؟ وهل هناك فرق بين الأضحية والهدي؟ وهل الأضحية تجب على الحاج أم لا؟ وكيف ومتى وأين ضحى رسول الله ﷺ ؟ كما نرجو من سماحتكم التعليق على ما روي عن رسول الله ﷺ : «من كان عنده سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا (١)» أو كما قال ﷺ . فنرجو توضيح هذا الحديث، وتوضيح الأحكام الخاصة والمتعلقة بالأضحية ومشروعيتها مع ذكر الدليل.
الجواب: الأضحية سنة مؤكدة في أصح قولي أهل العلم، وتتأكد على من عنده سعة من المال؛ لأنها من آكد أنواع العبادات المشروعة يوم عيد الأضحى وأيام التشريق.
وقد داوم عليها النبي ﷺ في المدينة، فكان يضحي كل سنة بكبشين أملحين أقرنين كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أنس ﵁، والفرق بينها وبين الهدي أن هدي التمتع والقران واجب من واجبات الحج؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)، أما الأضحية فلا تجب على الصحيح لعدم ورود نص صحيح صريح يفيد الوجوب كما تقدم، ومن الفرق أيضا أن الهدي مشروع ذبحه في منى وبقية الحرم أما الأضحية فتشرع في كل مكان.
وما عدا ذلك فأحكامهما واحدة من حيث وقت الذبح، والشروط المطلوبة للإجزاء، والأكل منها والتصدق، إلى غير ذلك.
أما حديث «من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا (٣)» فقال عنه الحافظ في البلوغ: رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الحاكم، ورجح الأئمة غيره وقفه.
* * *
стр. 5547
ومع ذلك فليس صريحا في الإيجاب لو صح رفعه، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: «من أكل ثوما أو بصلا فلا يقربن مصلانا (١)»، ولم ير أهل العلم أن ذلك يوجب تحريم الثوم والبصل إنما احتجوا به على كراهة حضوره الصلاة مع المسلمين؛ لما في ذلك من الأذية لهم بسبب الرائحة الكريهة. . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
стр. 5548
اللجنة تجيب على أسئلة موجهة إلى سماحة الرئيس العام
فتوى برقم ٦٢٤٩ وتاريخ ٢٧/ ١٠ / ١٤٥٣ هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله واله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الاستفتاء المقدم من ص. ش إلى سماحة الرئيس العام والمحال إليها برقم ٩٩٣ في ٨/ ٥ / ١٤٠٣هـ ونصه: (في الحقيقة عندي مسألة محيرة منذ زمن طويل وأود لو تأخذ بيدي لجادة الحق والصواب بها وهي مفصلة كالأتي:
يقول الرسول ﵊ في أحاديثه الشريفة:
أ- «إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر (١)». ب- «إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير (٢)».
جـ- «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (٣)».
د- «إن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى النملة في جحرها (٤)».
هـ- العالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس لا خير فيه. رواه الطبراني عن أبي الدرداء موقوفا.
و «نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها (٥)».
стр. 5549
ويقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم:
أ- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (١).
ب- ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢).
فالسؤال هو:
يفهم من أحاديث الرسول ﷺ ومن آيات الله المحكمات بأن العلم والعالم المقصود هو علم الدين الإسلامي وعالم الشريعة الإسلامية، فهم الربانيون وهم الصديقون وهم الراسخون في العلم وهم الشهداء على الناس، ولكن يقول الله تعالى في كتابه الكريم أيضا:
أ- ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣).
ب- ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (٤).
جـ - ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٥).
د- ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٦).
هـ- ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٧) ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٨) ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (٩).
ويقول الرسول ﵊:
أ- «يا عباد الله تداووا، فإن لكل داء دواء، إلا داء واحد وهو الهرم (١٠)».
стр. 5550
وهنا من خلال القسم الثاني من الآيات والأحاديث نرى بأن الله يدعونا لعلوم أخرى غير علم الشريعة، فالله يدعونا في كثير من الآيات أن نسعى لدراسة جسم الإنسان (أي الطب البشري) حتى نتبين آيات الله وإعجازه في خلقه حتى نبين ذلك للناس، ونثبت لهم عظمة الله ووجوده وصحة الشرع الإسلامي لمن يبطل الحق، بل إن الرسول ﵊ يأمرنا بذلك - أي بدراسة الطب وتطبيب الناس بها - وفي أحاديث كثيرة يقول الرسول العديد من الوسائل الطبية للعلاج من تلك التي لا يمكننا استخدامها الآن، إلا بوساطة طبيب متخصص عنده علم شرعي، فالسؤال (الجزء الأول):
هل أن العلم الذي يثيب الله عليه الإنسان ويرفعه الدرجات العلا به، ويجعله في المرتبة الرابعة في الجنة بعد الأنبياء والرسل هو العلم الشرعي - أي الديني - فقط، وبالتالي دارس الطب الذي يعمل في سبيل الله، لا حظ له ولا نصيب، أم أن العلم المقصود في الآيات وفي الأحاديث هو كل علم درسه الإنسان وفقا للشروط الآتية: أ- فائدة الإسلام والمسلمين.
ب- نية الإثابة من الله .
جـ - الوصول لحقائق إيمانية جديدة وبيانها للناس حتى تزيد قوة إيمانهم.
د- زيادة الإيمان من رؤية آيات إعجاز الله في خلقه وفي الكون.
مع الأخذ بعين الاعتبار بأن أي دارس لأي علم يكون عنده الحد الأدنى من العلم الشرعي المفروض عليه، وبالتالي الجزء الثاني من السؤال:
إذا كان الإنسان درس وما زال يدرس الحد الأدنى المفروض عليه من العلم الشرعي، وأراد بعدها أن يدرس الطب البشري في سبيل الله لعلاج المسلمين والوصول لحقائق إيمانية جديدة بربطه مع العلم الشرعي، فهل يدخله الله في الإثابة كطالب العلم الشرعي، أي هل يثيبه الله حسب جهده ومقدار علمه، مهما كان، طالما هو في سبيل الله، أم أن العلم الشرعي يحتل المكانة الأولى في الإثابة وتليه العلوم الأخرى كالطب وغيره.
الجزء الثالث:
إذا كان دارس الشريعة له الفضل الأكبر من دارس الطب، مع العلم بأن كلا منهما يريد وجه الله في علمه وعمله، فما ذنب دارس الطب أن يضيع عليه هذا
стр. 5551
الفضل وهو يدرس لعلاج الناس، وللبحث في إعجاز الله في خلقه تبعا لأوامر الله وتوجيهاته في كتابه؟ وهل معنى أن دارس الشريعة لأنه يفيد عددا أكبر من الناس عن الطبيب المتخصص الذي يفيد عددا أقل بحكم أن المرضى هم جزء من الناس، أنه أكثر إثابة من الطبيب أم أن الله سيحاسب الاثنين كلا على قدر جهده وعلمه وعمله المتعلق بظروفه الخاصة؟
وأجابت اللجنة الدائمة بما يلي:
أولا: أنزل الله تعالى كتابه وأرسل رسوله محمدا ﷺ ليهدي الناس إلى الصراط المستقيم في عقائدهم وعبادتهم ربهم سبحانه؛ وليبين لهم أحكام ما يدور بينهم من معاملات تنتظم بها أمور دينهم ودنياهم بيانا شافيا، وقد أتم الله نعمته بذلك على عباده وأكمل لهم دينهم الذي ارتضاه لهم، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
ثانيا: أمر الله تعالى عباده أن يتدبروا آياته الكونية، وأن يتبصروا في عجائب مخلوقاته ليقفوا على أسرارها، وليتعرفوا من خلال ذلك على بارئها، فيؤمنوا به، وتخبت له قلوبهم، ويقدروه حق قدره ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٢) فيعبدوه وحده لا شريك له، مخلصين له الدين، رجاء ثوابه وخوف عقابه، وليستيقنوا أنه لم يخلقهم عبثا، ولن يتركهم سدى، فإن مقتضى حكمته أن يعيدهم ليوم الجزاء، ليوفي كل نفس ما كسبت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٣) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٤)، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٥) ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦) ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ (٧)، فهذه الآيات سيقت للاستدلال بما ذكر فيها من توحيد الربوبية على إثبات ما سبقها من الخبر عن توحيد الإلهية الذي دعا إليه كل من نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام قومه، وللاستدلال بما ذكر فيها
стр. 5552
من كمال قدرة الله على بدء الخلق، على أن يعيدهم للحساب والجزاء، فأمرهم أن ينظروا في الخلق نظر تدبر واعتبار، وأن يسيروا في الأرض ليعرفوا الدلائل الكونية على توحيد الله في ألوهيته وكمال أسمائه وصفاته، وقدرته على البعث يوم القيامة، ولينظروا كيف كان عاقبة من آمن ومن كفر، من نصر ونجاة للمؤمنين، ودمار وهلاك للكافرين، فيسلكوا سبيل الحق الذي دعا إليه المرسلون، ويهتدوا بهداهم، ويجتنبوا طريق من كذب رسله، فأنزل بهم بأسه، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، فبالتبصر في هذا الآيات والاعتبار بها والإيمان بما دلت عليه من عقائد وأحكام، وما يتبع ذلك من عواقب يرفع الله بها الذين آمنوا والذين أوتوا هذا العلم عنده درجات نصرا وعزة في الدنيا، وفوزا وسعادة يوم القيامة.
ومن هذا يتبين أن القصد من هذه الآيات إثبات أصول دينية، هي توحيد الإلهية، وبعث العباد يوم القيامة للجزاء، وصدق النبي ﷺ في دعواه الرسالة، وفي دعوته الناس إلى التوحيد والبعث للجزاء، وقد دل على ذلك ما سبقها وما لحقها من الآيات، ولم يقصد بها وضع قواعد للصناعة والزراعة، يتعرف الناس منها شئون دنياهم، أو نظريات هندسية، أو شرح لسننه الكونية ليتعرف الناس منها علوم الهندسة والفيزياء وطبقات الأرض ويصلوا بذلك إلى ما ينهض بهم في دنياهم من مخترعات، إنما وصل إلى ذلك من وصل بتوفيق الله، ثم بما وهب الله له من فكر ثاقب ودراسة محكمة لما سخر الله لهم من ملكوت السماوات والأرض وما بينهما، وما أودع الله في ذلك من سنن كونية، فالأصل في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ التشريع الديني، تقعيدا وتفصيلا، لا التقعيد والتفصيل للعلوم الكونية، وما جاء فيهما من ذلك فهو قليل وغير مقصود بالمقصد الأول، بل بالتبع، كالأخبار التي وردت في مسائل من الطب ونحوه، وهي جزئيات محدودة لا قواعد كلية، يرجع إليها في تشخيص الأمراض، أو يعتمد عليها في جميع أنواع العلاج، أو يتعرف منها خواص جميع الخامات، وما يكون منها علاجا للأنواع المختلفة من الأمراض. كذا القول في آية: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) فإنها حث
стр. 5553
للمكذبين على النظر في ملكوت السماوات والأرض وفي عجائب جميع ما خلق الله؛ ليستدلوا بذلك على ما سبق التصريح به من توحيد العبادة، وإفراده تعالى بالدعاء، وتسميته تعالى بما سمى ووصف به نفسه، من كمال الأسماء والصفات، ولا يلحدوا فيها كما ألحد غيرهم، بإنكارها وجحدها أو تحريفها عن مواضعها، أو بتسميته تعالى ووصفه بغير ما سمى ووصف به نفسه، أو تسمية غيره ووصفه بما سمى ووصف به سبحانه نفسه، خشية أن يصيبهم بأس الله وعقابه، بما كانوا يفترون من الإلحاد في أسمائه وصفاته، وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وليحذروا أن يغتروا بإملائه، فإنه سبحانه يملي إعذارا واستدراجا، ولكنه لا يهمل، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٢) ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٤) ثم نوه بشأن نبيه محمد ﷺ ورجاحة عقله، وصدقه في رسالته ونذارته، فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥)، ثم أمرهم بالنظر في ملكوت السماوات والأرض. . فالآية مع ما قبلها سيقت لإثبات التوحيد بأنواعه، وإثبات رسالة نبينا محمد ﷺ وصدقه فيما جاء به من الله، وإثبات الجزاء عاجلا أو آجلا يوم القيامة، كالآيات الأولى التي من سورة العنكبوت، ولم تنزل لوضع تقعيد أو نظريات للعلوم الكونية يرجع إليها من يريد أن يتعلم تفاصيل هذه العلوم إلى آخر ما تقدم إيضاحه في الآيات السابقة.
ولا يبعد مغزى آية: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٦) عن مغزى ما تقدم من آيات سورة الأعراف وسورة العنكبوت من إثبات التوحيد وصدق النبي ﷺ في الرسالة، وإثبات البعث يوم القيامة، بل سورة فصلت نزلت كلها لإثبات ذلك وبيانه.
وأما قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٧) ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٨) ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (٩) فإنه سيق للاستدلال ببدء خلق الإنسان على قدرة الله على
стр. 5554
إعادته، فإن من قدر على البدء فهو على الإعادة أقدر على ما هو الحال في النظر، وإن كان الكل بالنسبة لقدرة الله سواء، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) بل سورة الطارق كلها في إثبات البعث وتهديد المكذبين.
وأما حديث التداوي فالقصد منه الأمر بالتداوي، والتنبيه على الأخذ بالأسباب وعدم الإعراض عنها، وبيان أن ذلك لا ينافي التوحيد، إذا كان المتداوي لا يعتمد على الأسباب ويجعلها الأصل في الشفاء، بل يوقن بأن الشفاء من الله، وأنه هو الذي جعل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، كما ثبت ذلك في الحديث، ولم يفصل النبي ﷺ أنواع الأدوية والأدواء، ولم يبين لكل داء ما يخصه من الأدوية إلا في جزئيات قليلة، ولم يضع للطب قاعدة يتعرف منها من يريد تعلم الطب وخواص الأدوية وأعراض الأمراض، ولكن حثهم على النظر وتعلم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وسخر الله لهم الكون، وأعطاهم العقل ليتبصروا في ذلك، ووفق منهم من شاء لما شاء من إدراك أسرار الكون وعجائبه، وما فيه من الخواص والمنافع والمضار.
فعلى المسلمين أن يتبصروا في كتاب الله تعالى، وفي سنة نبيه ﷺ ليعلموا كليات الشريعة ومقاصدها وتفاصيلها، كل بقدر ما آتاه الله من عقل واستعداد وما هيأ الله له من صحة وفراغ، كما أن عليهم أن يدرسوا أيضا سنن الله الكونية في السماوات والأرض ليعلموا ما أودع الله فيها من أسرار، وليستنبطوا منها ما شاء الله مما هم في حاجة إليه من علوم الطب والزراعة والصناعة والفيزياء وطبقات الأرض وغيرها من العلوم الكونية؛ ليستفيدوا منها في دنياهم، ويستعينوا بها في شئون دينهم، ويستغنوا بها عمن سواهم من الكافرين، وبذلك يجمعون بين القوة والعزة في الدنيا، والنجاة والسعادة في الآخرة، ويصلحون للخلافة في الأرض وعمارتها دينا ودنيا.
وعلى ولاة أمور المسلمين من علماء وحكام أن ينهضوا بالأمة الإسلامية، وأن يرعوها حق الرعاية، ويأخذوا بأيديها إلى ما فيه الخير والصلاح علما وعملا، ويوزعوا جهودها على جميع جوانب الحياة، دراسة وإنتاجا لشتى العلوم والأعمال، دينية ودنيوية، ليوجدوا الأكفاء الذين يقومون بمصالحها ويتضلعون بأعبائها، ويتحملون
стр. 5555
مسئولياتها، وتستغني بهم عمن سواها من الدول علما وعملا.
ومن هذا يتبين أن كل علم ديني مع وسائله التي تعين على إدراكه، داخل فيما يرفع الله من علمه وعمل به مخلصا له عنده درجات، وأنه مقصود بالقصد الأول. وكل علم دنيوي تحتاجه الأمة وتتوقف عليه حياتها كالطب والزراعة والصناعة ونحوها، داخل أيضا إذا حسنت النية، وأراد به متعلمه والعامل به نفع الأمة الإسلامية ودعمها، ورفع شأنها، وإغناءها عن دول الكفر والضلال، لكن بالقصد الثاني التابع، ودرجات كل متفاوتة تبعا لمنزلة ذلك من الدين وقوته في النفع، ودفع الحاجة، والله سبحانه هو الذي يقدر الأمور قدرها، وينزلها منازلها، وهو الذي يعلم السر وما هو أخفى، وإليه الجزاء ورفع الدرجات في الدنيا والآخرة وهو الحكيم العليم. وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5556
فتوى برقم ٨٧٣٢ وتاريخ ٧/ ٨ / ١٤٠٥ هـ
فتوى حول من فاته الركوع الثاني في صلاة الكسوف
السؤال: هل صحيح أن الركوع الثاني من صلاة الكسوف سنة ولا يعتد به المسبوق بحيث يأتي المسبوق بالركوع الأول بركعة كاملة بركعتين بعد تسليم الإمام أم أن الركوع الثاني يقوم مقام الأول؟
стр. 5557
الجواب: الصحيح أن من فاته الركوع الأول من صلاة الكسوف لا يعتد بهذه الركعة، وعليه أن يقضي مكانها ركعة أخرى بركوعين؛ لأن صلاة الكسوف عبادة والعبادات توقيفية، فيقتصر فيها على ما ثبت من كيفيتها في النصوص الصحيحة.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن سليمان المنيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 5558
صفحة فارغة
стр. 5559
إقامة البرهان
في الرد على من أنكر خروج المهدي والدجال ونزول المسيح في آخر الزمان
للشيخ: حمود بن عبد الله التويجري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد، فقد رأيت في المجلة المسماة "المسلمون" مقالا لعبد الكريم الخطيب أنكر فيه ما أخبر به رسول الله ﷺ من ظهور المهدي في آخر الزمان، وما أخبر به من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵊، وهذه جراءة عظيمة وخطيرة جدا؛ لأن إنكار الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ومقابلتها بالرد والإطراح يدل على الاستخفاف بأقوال رسول الله ﷺ ، ويستلزم مشاقته واتباع غير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) وليس إنكار الأحاديث الثابتة عن
стр. 5560
النبي ﷺ بالأمر الهين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا به وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (٢)»، وهذا يدل على وجوب الإيمان بكل مما أخبر به رسول الله ﷺ مما كان في الماضي وما يكون في المستقبل، ويدل أيضا على أن عصمة الدم والمال إنما تكون لمن آمن بالرسول ﷺ وبكل ما جاء به، ومن لم يؤمن به وبما جاء به فليس بمعصوم الدم والمال، وفي هذا أبلغ تشديد على من يرد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ويعارضها برأيه أو برأي غيره. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة. وقال إسحاق بن راهويه: من بلغه عن رسول الله ﷺ بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر. وقال أبو محمد البرهادي في شرح السنة: إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئا من أخبار رسول الله ﷺ فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل رديء المذهب والقول، وإنما يطعن على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه. وقال أيضا: ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله ، أو يرد شيئا من آثار رسول الله ﷺ ، أو يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام. وقال أيضا: من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد حديثا عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم.
وقال إبراهيم بن أحمد بن شاقلا: من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها، ولا جرح في ناقليها، وتجرأ على ردها فقد تهجم على رد الإسلام.
وقال ابن حزم في كتاب الإحكام: جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قاله ففرض اتباعه، وأنه تفسير لمراد الله في القرآن وبيان لمجمله. انتهى.
стр. 5561
وإذا علم ما ذكرته من الآيات والحديث وأقوال أهل العلم في التشديد على الذين يردون الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فليعلم أيضا أنه قد ثبت في ظهور المهدي في آخر الزمان عشرة أحاديث. وقد ذكرتها وذكرت كلام العلماء في تصحيحها في أول كتاب (الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر) فلتراجعه هناك.
стр. 5562
وأما خروج الدجال فقد جاء فيه أكثر من مائة وتسعين حديثا من الصحاح والحسان، وقد ذكرتها في الجزء الثاني من (إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة) فلتراجع هناك، وقد تواترت الأحاديث في خروج الدجال من وجوه متعددة ذكرتها في (إتحاف الجماعة) ولو لم يكن منها سوى الأمر بالاستعاذة من فتنة الدجال في كل صلاة كان ذلك كافيا في إثبات خروجه، والرد على من أنكر ذلك، وقد روى عبد الرزاق بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: " إنه سيخرج بعدكم قوم يكذبون بالرجم ويكذبون بالدجال ويكذبون بالحوض ويكذبون بعذاب القبر ويكذبون بقوم يخرجون من النار ". وهذا الأثر له حكم المرفوع لأن فيه إخبارا عن أمر غيبي وذلك لا يقال من قبل الرأي إنما يقال عن توقيف، وقد ظهر مصداق ما جاء فيه من التكذيب بالدجال وغيره، فأنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه.
ذكر ذلك ابن كثير في النهاية قال: وخرجوا بذلك عن حيز العلماء؛ لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، وذكر النووي في شرح مسلم أن مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار إثبات خروج الدجال خلافا لمن أنكره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة. انتهى.
وقد تبع الخوارج والجهمية والمعتزلة على إنكار خروج الدجال كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا وقبله بزمان، وأنكر بعضهم كثيرا من أشراط الساعة مما هو ثابت عن النبي ﷺ ، وبعضهم يتأولها على ما يوافق عقليته الفاسدة، وقد ذكرت بعض أقوالهم في (إتحاف الجماعة) فلتراجع هناك، ولو كان الذين أشرنا إليهم أهل علم على الحقيقة لما ردوا شيئا من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، ولكانوا يقابلونها بالرضى والقبول والتسليم.
стр. 5563
وأما نزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام في آخر الزمان فقد جاء فيه آيات من القرآن وتواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالإخبار بنزوله، وأنه يقتل الدجال ويكون في هذه الأمة حكما عدلا وإماما مقسطا. وجاء في ذلك آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين، وذكر بعضهم الإجماع على نزوله وأنه لم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافهم، وقد ذكرت ذلك مستوفى في (إتحاف الجماعة) فليراجع هناك.
وأما ما جاء في العنوان الأول عن نزول عيسى في أخر الزمان هو حقيقة يؤكدها القرآن أم مسألة تتنافى مع الإسلام؟
فجوابه أن يقال بل نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان حقيقة يؤكدها القرآن، قال الله تعالى في صفة رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (١) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢).
وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، فيجب الإيمان بذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣) وقد جاء في ذلك آيتان من القرآن، إحداهما قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (٤)، وقال ابن عباس ﵄: قبل موت عيسى ابن مريم. رواه ابن جرير بإسناد صحيح. وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: خروج عيسى ابن مريم. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وروى أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: يعني أنه سيدركه أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى فيؤمنون به. وروى ابن مردويه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في هذه الآية نحو قول ابن عباس ﵄. وهذا القول هو الصحيح في تفسير الآية، وقد اختاره ابن جرير وابن كثير وبه يقول أبو مالك والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، قال الحسن: والله إنه لحي الآن عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون
стр. 5564
رواه ابن جرير. وأما قول من قال من المفسرين إن الضمير في قوله: قبل موته يعود إلى الكتابي فليس فيه معارضة لما تقدم، فقد يؤمن كل كتابي عند احتضاره بأن عيسى عبد الله ورسوله، ولكن لا ينفعه إيمانه في هذه الحالة، وأما الذين يؤمنون به بعد نزوله في آخر الزمان فإن إيمانهم به ينفعهم، والله أعلم.
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (١)، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة والأعمش: (وإنه لعلم للساعة) بفتح العين واللام، أي أمارة وعلامة على اقتراب الساعة. قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (٢) قال: "هو خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة ". رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم في مستدركه وصححه هو والذهبي. وقد رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ «قال: نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة (٤)» صححه الحاكم والذهبي. وقد روي عن أبي هريرة ومجاهد والحسن وقتادة وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والضحاك نحو قول ابن عباس ﵄.
ومما جاء في الآيتين والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في نزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وما قاله ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما من السلف في تفسير الآيتين من سورة النساء وسورة الزخرف يعلم أن نزول عيسى ﵊ حق، والحق لا يتنافى مع الإسلام، ومن زعم أن نزوله يتنافى مع الإسلام فهو ممن يشك في إسلامه؛ لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله، إذ لا بد في تحقيقها من التصديق بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ من أمور الغيب مما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل، وأما قول بعض المتخرصين: إن الأحاديث الواردة في نزول عيسى كلها مزيفة لا يقبلها العقل.
فجوابه: أن يقال: هذه مكابرة لا تصدر من رجل له أدنى مسكة من عقل ودين. وإذا كان عقل المرء فاسدا فلا شك أنه يتصور الحق في صورة الباطل، وقد جاء في نزول عيسى ﵊ أكثر من خمسين حديثا مرفوعا، أكثرها من الصحاح
стр. 5565
والباقي غالبه من الحسان، فمن زعم أنها كلها مزيفة فلا شك أنه فاسد العقل والدين، وأما قول المتخرص: إن نزول المسيح لا يقره المنطق.
فجوابه أن يقال: أما المنطق المستقيم والعقل السليم الذي يدور مع الحق حيثما دار فإنه لا يتوقف عن قبول ما جاء في كتاب الله تعالى، وما تواتر عن رسول الله ﷺ في نزول المسيح في آخر الزمان، وأما المنطق المنحرف والعقل الفاسد فإنه لا يتوقف عن رد الحق وعدم قبوله، ولا عبرة بالعقول الفاسدة ولا بأهلها، وأما قوله: وهو مستحيل لأن محمدا هو آخر الأنبياء بنص القرآن الكريم.
فجوابه أن يقال: إن عيسى ﵊ إذا نزل في آخر الزمان لا يأتي بشرع جديد ولا يحكم بالإنجيل، إنما يحكم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ ، ويكون واحدا من هذه الأمة، وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف بكم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ (١)» وفي رواية لمسلم: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم؟ (٢)» قال الوليد بن مسلم: فقلت لابن أبي ذئب: إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري، عن نافع، عن أبي هريرة: «وإمامكم منكم (٣)» قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني. قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ وقال أبو ذر الهروي: حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين قال: معنى وإمامكم منكم إنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل، وقال ابن التين: معنى قوله: وإمامكم منكم أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم. وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين، عن سمرة بن جندب ﵁، أن نبي الله ﷺ كان يقول: «إن الدجال خارج (٤)» فذكر الحديث وفيه: «ثم يجيء عيسى ابن مريم ﵉ مصدقا بمحمد ﷺ وعلى ملته، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة (٥)» وقد رواه الطبراني، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. وروى الطبراني أيضا في الكبير والأوسط عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «ما أهبط الله تعالى إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال (٦)» فذكر الحديث وفيه: «ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدقا بمحمد ﷺ على ملته إماما مهديا وحكما عدلا، فيقتل الدجال (٧)» قال الهيثمي: رجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضر. قلت: والحديث قبله يشهد له ويقويه.
стр. 5566
وأما قوله في أحد العناوين: لو كان من أصول الإيمان الاعتقاد برجعة المسيح أو ظهور الدجال أو المهدي لجاء ذلك في القرآن صريحا محكما.
فجوابه أن يقال: كل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بوقوعه فالإيمان به واجب، وذلك من تحقيق الشهادة بأن محمدا رسول الله، وتحقيقها من أصول الإيمان، ولا يكون المرء مؤمنا معصوم الدم والمال حتى يحقق الشهادة بالرسالة لقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (١)». رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بظهور المهدي في آخر الزمان وبخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، فوجب الإيمان بذلك تصديقا لقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣)، وعملا بقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٤)، وبما جاء في آيات كثيرة عن الأمر بالإيمان بالرسول ﷺ ، والإيمان به لا يتم إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه وتصديق أخباره والتمسك بسنته، وعملا أيضا بما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدم ذكره.
وأما قوله: ثم كيف يملأ المسيح الدنيا عدلا بعد أن ملئت جورا؟ وهل هذا من سنة الله تعالى في الحياة الإنسانية؟ وكيف يفيض المال عند رجعة المسيح فلا يقبله أحد؟
فجوابه أن يقال: من علم أن الله على كل شيء قدير وأنه ما شاء كان، وعلم أيضا أن رسول الله ﷺ لا يقول إلا الحق ولا يخبر إلا بالصدق لم يشك في شيء مما أخبر به رسول الله ﷺ .
فيجب على المسلم أن يؤمن بكل ما جاء عن الله تعالى وما جاء عن رسول الله ﷺ ، ولا يعترض على أخبار الصادق المصدوق بكيف ولم، وغير ذلك من أنواع الاستفهام الذي يدل على الشك فيما أخبر به رسول الله ﷺ وعدم الإيمان به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥).
стр. 5567
وأما قوله: وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم فيكسر الصليب ويقتل الخنزير (١)» ويضع الحرب ". فجوابه أن يقال: إن الكاتب قد صحف في لفظ الحديث حيث قال فيه ويضع الحرب. والذي في الحديث: «ويضع الجزية (٢)»، ومن تعمد التصحيف في أقوال رسول الله ﷺ فهو داخل في عداد الكاذبين على رسول الله ﷺ ، وقد تواتر عنه ﷺ أنه قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٣)»، ولعل الكاتب لم يتعمد التصحيف وإنما وقع منه سهوا أو وجده في بعض الكتب التي لم تصحح من الأخطاء المطبعية.
وأما قوله: وبعد فإن هذه المرويات من الأحاديث والأخبار في شأن رجعة المسيح ﵇ أو في شأن ظهور الدجال أو المهدي لا متعلق لها بالعقيدة سواء أصحت أم لم تصح، وأن العقيدة الإسلامية قائمة على الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والحساب والجزاء والجنة والنار.
فجوابه من وجهين: أحدهما أن يقال: كل ما أخبر به رسول الله ﷺ فالإيمان به متعلق بالعقيدة؛ لأنه لا يتم الإيمان بالرسول ﷺ إلا بالإيمان بأخباره، ومن لم يؤمن بأخباره فهو فاسد العقيدة، وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن عصمة الدم والمال إنما تكون لمن آمن بما جاء به الرسول ﷺ .
الوجه الثاني أن يقال: إن أهل السنة والجماعة قد تلقوا عن النبي ﷺ في ظهور المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام بالقبول، ودونوا ذلك في كتب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكروا مضمونه في كتب العقائد، قال إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى في عقيدة أهل السنة والجماعة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كله كائن، وأن عيسى ابن مريم ينزل فيقتله بباب لد. انتهى.
وقال أبو محمد البربهاري - رحمه الله تعالى - في شرح السنة: والإيمان بنزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج، ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ويموت
стр. 5568
ويدفنه المسلمون. انتهى. والقائم من آل محمد ﷺ هو المهدي كما جاء في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة (١)»، رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده بإسناد جيد، وقد ذكره ابن القيم في كتاب (المنار المنيف)، وقال: إسناده جيد. وقال الطحاوي رحمه الله تعالى في العقيدة المشهورة: ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء. انتهى.
وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين): جملة ما عليه الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسوله ﷺ لا يريدون من ذلك شيئا. إلى أن قال: ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى ابن مريم يقتله. انتهى، وهذا حكاية إجماع عن أهل الحديث والسنة على التصديق بخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتله الدجال، والعبرة بأهل الحديث والسنة ولا عبرة بمن خالفهم من أهل البدع والضلالة والجهالة، وقال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي رحمه الله تعالى في رسالته المشهورة: والإيمان بما ثبت من خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ حكما عدلا يقتل الدجال. انتهى.
وقال أبو محمد ابن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد في عقيدة له: وأن الآيات التي تظهر عند قرب الساعة من الدجال ونزول عيسى ﵊ والدخان والدابة وطلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات التي وردت بها الأخبار الصحاح حق. انتهى.
وقال الموفق أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي في عقيدته المشهورة: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه صدق وحق. إلى أن قال: ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وأشباه ذلك مما صح به النقل. انتهى.
стр. 5569
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى "مسألة" " عيسى ابن مريم ﷺ " حي، رفعه الله تعالى إليه بروحه وبدنه، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ (١) أي قابضك، وكذلك ثبت أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، حكما عدلا مقسطا، ويراد بالتوفي الاستيفاء، ويراد به الموت، ويراد به النوم، ويدل على كل واحد القرينة التي معه ". انتهى
وقال القاضي عياض في شرح مسلم: " نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته، وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) وبقوله ﷺ : «لا نبي بعدي (٣)»، وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا ﷺ ، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ، وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في الأحاديث شيء من هذا، بل صحت الأحاديث أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس ". انتهى كلامه، وقد نقله النووي في شرح مسلم وأقره.
وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: " أجمعوا على نزول عيسى ﵊ نبيا لكنه بشريعة نبينا ﷺ ".
وقال المناوي أيضا: " حكى المطامح إجماع الأمة على نزوله، ولم يخالف أحد من أهل الشريعة في ذلك وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة ". انتهى.
وقال السفاريني في شرح عقيدته: " نزول المسيح عيسى ابن مريم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد الإجماع على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية ". انتهى.
стр. 5570
هذا ما ذكره علماء المسلمين في خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وفيه أبلغ رد على قول الخطيب: إن المرويات من الأحاديث والأخبار في شأن رجعة المسيح أو في شأن ظهور الدجال لا متعلق لها بالعقيدة.
ومما ذكرته عن أهل العلم يتضح أن الخطيب قد خالف عقيدة أهل السنة والجماعة وإجماعهم على خروج الدجال ونزول عيسى ﵊، ووافق أعداء الإسلام والمسلمين من الفلاسفة والملاحدة الذين أنكروا خروج الدجال ونزول عيسى ﵊.
وأما قوله: ولو كان من أصول الإيمان الإيمان برجعة المسيح أو ظهور الدجال أو المهدي لجاء ذلك في القرآن الكريم صريحا محكما.
فجوابه أن يقال: كل ما أخبر به رسول الله ﷺ من المغيبات مما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل فالإيمان به داخل في ضمن الإيمان بالرسول ﷺ ، وذلك من أعظم أصول الإيمان، وقد جاء الأمر بالإيمان بالرسول ﷺ في آيات كثيرة من القرآن وكلها محكمات، والإيمان بأخبار الرسول ﷺ داخل أيضا في ضمن قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١) وداخل أيضا في ضمن قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢)، وداخل أيضا في ضمن قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)، وهذه الآيات كلها محكمات وكلها تدل على أن تصديق أخبار النبي ﷺ من أعظم أصول الإيمان، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥)