← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

وأما قوله في أحد العناوين: لو كان من أصول الإيمان الاعتقاد برجعة المسيح أو ظهور الدجال أو المهدي لجاء ذلك في القرآن صريحا محكما. فجوابه أن يقال: كل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بوقوعه فالإيمان به واجب، وذلك من تحقيق الشهادة بأن محمدا رسول الله، وتحقيقها من أصول الإيمان، ولا يكون المرء مؤمنا معصوم الدم والمال حتى يحقق الشهادة بالرسالة لقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (١)». رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بظهور المهدي في آخر الزمان وبخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، فوجب الإيمان بذلك تصديقا لقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣)، وعملا بقوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٤)، وبما جاء في آيات كثيرة عن الأمر بالإيمان بالرسول ﷺ ، والإيمان به لا يتم إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه وتصديق أخباره والتمسك بسنته، وعملا أيضا بما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدم ذكره. وأما قوله: ثم كيف يملأ المسيح الدنيا عدلا بعد أن ملئت جورا؟ وهل هذا من سنة الله تعالى في الحياة الإنسانية؟ وكيف يفيض المال عند رجعة المسيح فلا يقبله أحد؟ فجوابه أن يقال: من علم أن الله على كل شيء قدير وأنه ما شاء كان، وعلم أيضا أن رسول الله ﷺ لا يقول إلا الحق ولا يخبر إلا بالصدق لم يشك في شيء مما أخبر به رسول الله ﷺ . فيجب على المسلم أن يؤمن بكل ما جاء عن الله تعالى وما جاء عن رسول الله ﷺ ، ولا يعترض على أخبار الصادق المصدوق بكيف ولم، وغير ذلك من أنواع الاستفهام الذي يدل على الشك فيما أخبر به رسول الله ﷺ وعدم الإيمان به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥).

стр. 5567

وأما قوله: وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم فيكسر الصليب ويقتل الخنزير (١)» ويضع الحرب ". فجوابه أن يقال: إن الكاتب قد صحف في لفظ الحديث حيث قال فيه ويضع الحرب. والذي في الحديث: «ويضع الجزية (٢)»، ومن تعمد التصحيف في أقوال رسول الله ﷺ فهو داخل في عداد الكاذبين على رسول الله ﷺ ، وقد تواتر عنه ﷺ أنه قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٣)»، ولعل الكاتب لم يتعمد التصحيف وإنما وقع منه سهوا أو وجده في بعض الكتب التي لم تصحح من الأخطاء المطبعية. وأما قوله: وبعد فإن هذه المرويات من الأحاديث والأخبار في شأن رجعة المسيح ﵇ أو في شأن ظهور الدجال أو المهدي لا متعلق لها بالعقيدة سواء أصحت أم لم تصح، وأن العقيدة الإسلامية قائمة على الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والحساب والجزاء والجنة والنار. فجوابه من وجهين: أحدهما أن يقال: كل ما أخبر به رسول الله ﷺ فالإيمان به متعلق بالعقيدة؛ لأنه لا يتم الإيمان بالرسول ﷺ إلا بالإيمان بأخباره، ومن لم يؤمن بأخباره فهو فاسد العقيدة، وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن عصمة الدم والمال إنما تكون لمن آمن بما جاء به الرسول ﷺ . الوجه الثاني أن يقال: إن أهل السنة والجماعة قد تلقوا عن النبي ﷺ في ظهور المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام بالقبول، ودونوا ذلك في كتب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكروا مضمونه في كتب العقائد، قال إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى في عقيدة أهل السنة والجماعة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كله كائن، وأن عيسى ابن مريم ينزل فيقتله بباب لد. انتهى. وقال أبو محمد البربهاري - رحمه الله تعالى - في شرح السنة: والإيمان بنزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ينزل فيقتل الدجال، ويتزوج، ويصلي خلف القائم من آل محمد ﷺ ، ويموت

стр. 5568

ويدفنه المسلمون. انتهى. والقائم من آل محمد ﷺ هو المهدي كما جاء في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة (١)»، رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده بإسناد جيد، وقد ذكره ابن القيم في كتاب (المنار المنيف)، وقال: إسناده جيد. وقال الطحاوي رحمه الله تعالى في العقيدة المشهورة: ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء. انتهى. وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين): جملة ما عليه الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسوله ﷺ لا يريدون من ذلك شيئا. إلى أن قال: ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى ابن مريم يقتله. انتهى، وهذا حكاية إجماع عن أهل الحديث والسنة على التصديق بخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتله الدجال، والعبرة بأهل الحديث والسنة ولا عبرة بمن خالفهم من أهل البدع والضلالة والجهالة، وقال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي رحمه الله تعالى في رسالته المشهورة: والإيمان بما ثبت من خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ حكما عدلا يقتل الدجال. انتهى. وقال أبو محمد ابن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد في عقيدة له: وأن الآيات التي تظهر عند قرب الساعة من الدجال ونزول عيسى ﵊ والدخان والدابة وطلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات التي وردت بها الأخبار الصحاح حق. انتهى. وقال الموفق أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي في عقيدته المشهورة: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه صدق وحق. إلى أن قال: ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وأشباه ذلك مما صح به النقل. انتهى.

стр. 5569

وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى "مسألة" " عيسى ابن مريم ﷺ " حي، رفعه الله تعالى إليه بروحه وبدنه، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ (١) أي قابضك، وكذلك ثبت أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، حكما عدلا مقسطا، ويراد بالتوفي الاستيفاء، ويراد به الموت، ويراد به النوم، ويدل على كل واحد القرينة التي معه ". انتهى وقال القاضي عياض في شرح مسلم: " نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته، وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) وبقوله ﷺ : «لا نبي بعدي (٣)»، وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا ﷺ ، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ، وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في الأحاديث شيء من هذا، بل صحت الأحاديث أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ويحيي من أمور شرعنا ما هجره الناس ". انتهى كلامه، وقد نقله النووي في شرح مسلم وأقره. وقال المناوي في شرح الجامع الصغير: " أجمعوا على نزول عيسى ﵊ نبيا لكنه بشريعة نبينا ﷺ ". وقال المناوي أيضا: " حكى المطامح إجماع الأمة على نزوله، ولم يخالف أحد من أهل الشريعة في ذلك وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة ". انتهى. وقال السفاريني في شرح عقيدته: " نزول المسيح عيسى ابن مريم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد الإجماع على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية ". انتهى.

стр. 5570

هذا ما ذكره علماء المسلمين في خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، وفيه أبلغ رد على قول الخطيب: إن المرويات من الأحاديث والأخبار في شأن رجعة المسيح أو في شأن ظهور الدجال لا متعلق لها بالعقيدة. ومما ذكرته عن أهل العلم يتضح أن الخطيب قد خالف عقيدة أهل السنة والجماعة وإجماعهم على خروج الدجال ونزول عيسى ﵊، ووافق أعداء الإسلام والمسلمين من الفلاسفة والملاحدة الذين أنكروا خروج الدجال ونزول عيسى ﵊. وأما قوله: ولو كان من أصول الإيمان الإيمان برجعة المسيح أو ظهور الدجال أو المهدي لجاء ذلك في القرآن الكريم صريحا محكما. فجوابه أن يقال: كل ما أخبر به رسول الله ﷺ من المغيبات مما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل فالإيمان به داخل في ضمن الإيمان بالرسول ﷺ ، وذلك من أعظم أصول الإيمان، وقد جاء الأمر بالإيمان بالرسول ﷺ في آيات كثيرة من القرآن وكلها محكمات، والإيمان بأخبار الرسول ﷺ داخل أيضا في ضمن قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١) وداخل أيضا في ضمن قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢)، وداخل أيضا في ضمن قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)، وهذه الآيات كلها محكمات وكلها تدل على أن تصديق أخبار النبي ﷺ من أعظم أصول الإيمان، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥)

стр. 5571

وأما قوله: إن مثل هذه الأخبار تفتح على الناس أبوابا من الفتن حيث تتطلع نفوس كثيرة إلى ادعائها كما حدث عن ادعاء كثيرين لأنفسهم بأنهم المهدي المنتظر، فأوقعوا الفرقة والقتال بين المسلمين، وإنه ليس ببعيد أن يقوم في الناس يوما من يدعي أنه المسيح المنتظر، فكيف تكون الحال حينئذ؟! فجوابه أن يقال: إن الأخبار الثابتة عن النبي ﷺ لا ترد بمثل هذه الاحتمالات والتعليلات الخاطئة، بل تصدق وتقابل بالقبول والتسليم ولو افتتن بمضمونها من افتتن من الناس، وقد قال الله تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يقول للناس: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١) وهكذا يقال في الأخبار الثابتة عن النبي ﷺ إنها تقابل بالقبول والتصديق ولا يلتفت إلى ما يكون من أهل الفتن الذين يتأولون الأحاديث على غير تأويلها ويطبقونها على مالا تنطبق عليه. ويقال أيضا: إن المهدي المنتظر إنما يخرج في آخر الزمان قرب خروج الدجال وعند انتشار الفوضى والفتن، ثم ينزل عيسى ﵊ فيصلي خلف المهدي أول ما ينزل كما جاء ذلك في حديث جابر الذي تقدم ذكره، ثم يذهب إلى الدجال فيقتله، وحينئذ يكون قيام الساعة قريبا جدا. وعلى هذا فمن ادعى من المفتونين أنه المهدي المنتظر ولم يخرج الدجال في زمانه فإنه دجال كاذب، وللمسيح ابن مريم علامتان لا تكونان لغيره من الناس، إحداهما: أنه يقتل الدجال كما تواتر بذلك الأحاديث، والثانية: أنه لا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، كما جاء ذلك فما حديث النواس بن سمعان الذي رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: غريب حسن صحيح. وفي هاتين العلامتين قطع لأطماع كل دجال يدعي أنه المسيح ابن مريم. وقبل الختام أحب أن أنبه عبد الكريم الخطيب على خطورة الأمر في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ سواء كانت من أحاديث أشراط الساعة مثل ظهور المهدي

стр. 5572

وخروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام وغير ذلك من أشراط الساعة، أو كانت من غيرها، فإن الذي يرد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ إنما هو في الحقيقة يرد على النبي ﷺ . ولا ينس الخطيب قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (٢)»، ولعل الخطيب يراجع الحق، فإن الحق ضالة المؤمن، والرجوع إلى الحق نبل وفضيلة كما أن التمادي في الباطل نقص ورذيلة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. تأليف الفقير إلى عفو ربه: حمود بن عبد الله التويجري غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين.

стр. 5573

صفحة فارغة

стр. 5574

حقيقة لا إله إلا الله للشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان (١) الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وكل من اتبعه وتمسك بسنته إلى يوم الدين. . أما بعد: فإن الله أمرنا بذكره وأثنى على الذاكرين، ووعدهم أجرا عظيما، فأمر بذكره مطلقا، وبعد الفراغ من العبادات. . قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (٣)، وأمر بذكره أثناء أداء مناسك الحج خاصة فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٤) وقال تعالى:

стр. 5575

﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢). وقال النبي ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله (٣)». وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٤) ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٥)، ولما كان أفضل الذكر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له- كما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير (٦)»، ولما كانت هذه الكلمة العظيمة لا إله إلا الله لها هذه المنزلة العالية من بين أنواع الذكر، ويتعلق بها أحكام، ولها شروط، ولها معنى ومقتضى، فليست كلمة تقال باللسان فقط، لما كان الأمر كذلك آثرت أن تكون موضوع حديثي في هذه الكلمة المختصرة، راجيا من الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهلها المستمسكين بها والعارفين لمعناها، العاملين بمقتضاها ظاهرا وباطنا. وسيكون حديثي عن هذه الكلمة في حدود النقاط التالية: مكانة لا إله إلا الله في الحياة، وفضلها، وإعرابها، وأركانها وشروطها ومعناها، ومقتضاها، ومتى ينفع الإنسان التلفظ بهذه الكلمة، ومتى لا ينفعه ذلك. . فأقول مستعينا بالله تعالى: - ١ - أما مكانة هذه الكلمة: فإنها كلمة يعلنها المسلمون في أذانهم وإقامتهم وفي خطبهم ومحادثاتهم، وهي كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه، ولأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين وقام سوق الجنة والنار، وبها انقسمت

стр. 5576

الخليقة إلى مؤمنين وكفار، فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحق الذي خلقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب، وعليها نصبت القبلة، وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وهي حق الله على جميع العباد، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وعنها يسأل الأولون والآخرون. . فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: (ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين)، وجواب الأولى بتحقيق لا إله إلا الله معرفة وإقرارا وعملا، وجواب الثانية بتحقيق أن محمدا رسول الله معرفة وانقيادا وطاعة (١). هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى والعروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢)، وهي التي شهد الله بها لنفسه وشهد بها ملائكته وأولو العلم من خلقه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣). وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ولأجلها خلق الخلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤)، ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٦).

стр. 5577

قال ابن عينية: ما أنعم الله على عبد من العباد نعمة أعظم من أن عرفهم لا إله إلا الله. وإن لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا (١)، فمن قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه هدر، ففي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله (٢)». وهي أول ما يطلب من الكفار عندما يدعون إلى الإسلام؛ فإن النبي ﷺ «لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله (٣)» الحديث أخرجاه في الصحيحين (٤)، وبهذا تعلم مكانتها في الدين وأهميتها في الحياة، وأنها أول واجب على العباد لأنها الأساس الذي تبنى عليه جميع الأعمال.

стр. 5578

٢ - وأما فضل هذه الكلمة: فلها فضائل عظيمة ولها من الله مكان، من قالها صادقا أدخله الله الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت دمه وأحرزت ماله وحسابه على الله ، وهي كلمة وجيزة اللفظ قليلة الحروف خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان، فقد روى ابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال موسى: يا رب، علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله. قال: كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله (١)»، فالحديث يدل على أن لا إله إلا الله هي أفضل الذكر، وفى حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (٢)»، رواه- أحمد

стр. 5579

والترمذي، (١). ومما يدل على ثقلها في الميزان أيضا ما رواه الترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، عن عبد الله بن عمرو: قال النبي ﷺ : «يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا. فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك. فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة (٢)». ولهذه الكلمة العظيمة فضائل كثيرة ذكر جملة منها الحافظ ابن رجب في رسالته المسماة (كلمة الإخلاص) واستدل لكل فضيلة، ومنها: أنها ثمن الجنة، ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة، وهي نجاة من النار، وهي توجب المغفرة، وهي أحسن الحسنات، وهي تمحو الذنوب، وهي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله ، وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها، وهي أفضل ما قاله النبيون، وهي أفضل الذكر، وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزا من الشيطان، وهي أمان من وحشة القبر وهول الحشر، وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم، ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لا بد أن يخرجوا منها، هذه عناوين الفضائل التي ذكرها ابن رجب في رسالته واستدل لكل واحد منها (٣).

стр. 5580

٣ - إعرابها وأركانها وشروطها: إذا كان فهم المعنى يتوقف على معرفة إعراب الجمل- فإن العلماء ﵏ قد اهتموا بإعراب لا إله إلا الله - فقالوا إن (لا) نافية للجنس و (إله) اسمها مبني معها على الفتح، وخبرها محذوف تقديره (حق)، أي لا إله حق، وإلا الله استثناء من الخبر

стр. 5581

المرفوع، و (الإله) معناه: المألوه بالعبادة- وهو الذي تألهه القلوب وتقصده رغبة إليه في حصول نفع أو دفع ضرر. وأما أركان لا إله إلا الله: - فلها ركنان: الركن الأول: النفي، والركن الثاني: الإثبات. والمراد بالنفي نفي الإلهية عما سوى الله تعالى من سائر المخلوقات. والمراد بالإثبات إثبات الإلهية لله سبحانه، فهو الإله الحق- وما سواه من الآلهة التي اتخذها المشركون فكلها باطلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١). قال الإمام ابن القيم: فدلالة لا إله إلا الله على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قوله: الله إله- وهذا لأن قول: (الله إله) لا ينفي إلهية ما سواه، بخلاف قول لا إله إلا الله فإنه يقتضي حصر الألوهية ونفيها عما سواه، وقد غلط غلطا فاحشا من فسر الإله بأنه القادر على الاختراع. قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرح كتاب التوحيد: فإن قيل قد تبين معنى الإله والإلهية فما الجواب عن قول من قال بأن معنى الإله القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة؟ قيل: الجواب من وجهين، أحدهما: أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا القول باطلا. الثاني: على تقدير تسليمه فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم أن يكون خالقا قادرا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإله حق وإن سمي إلها، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام فإن هذا لا يقوله أحد، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين ولو قدر أن بعض المتأخرين أراد ذلك فهو مخطئ يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية (٢).

стр. 5582

وأما شروط لا إله إلا الله: - فإنها لا تنفع قائلها- إلا بسبعة شروط: - الأول: العلم بمعناها نفيا وإثباتا. الثاني: اليقين، وهو كمال العلم بها المنافي للشك والريب. الثالث: الإخلاص المنافي للشرك. الرابع: الصدق المانع من النفاق. الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه والسرور بذلك. السادس: الانقياد بأداء حقوقها وهي الأعمال الواجبة إخلاصا لله وطلبا لمرضاته. . السابع: القبول المنافي للرد (١) وهذه الشروط قد استنبطها العلماء من نصوص الكتاب والسنة التي جاءت بخصوص هذه الكلمة العظيمة وبيان حقوقها وقيودها.

стр. 5583

٤ - معنى هذه الكلمة ومقتضاها: معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له، فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله من سائر المعبودات ليس بإله حق وأنه باطل. ولهذا كثيرا ما يرد الأمر بعبادة الله مقرونا بنفي عبادة ما سواه؛ لأن عبادة الله لا تصح مع إشراك غيره معه قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣)، وقال ﷺ : «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه (٤)» الحديث.

стр. 5584

وكان كل رسول يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١) إلى غير ذلك من الأدلة، قال الإمام ابن رجب ﵀: وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله، يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله . ولهذا لما قال النبي ﷺ لكفار قريش: قولوا: لا إله إلا الله قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٢) ففهموا من هذه الكلمة أنها تبطل عبادة الأصنام كلها وتحصر العبادة لله وحده، وهم لا يريدون ذلك، فتبين بهذا المعنى أن معنى لا إله إلا الله ومقتضاها إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، فقد أعلن وجوب إفراد الله بالعبادة وبطلان عبادة ما سواه من الأصنام والقبور والأولياء والصالحين، وبهذا يبطل ما يعتقده عباد القبور اليوم وأشباههم من أن معنى لا إله إلا الله هو الإقرار بأن الله موجود، أو أنه هو الخالق القادر على الاختراع، وأشباه ذلك، أو أن معناها لا حاكمية إلا لله ويظنون أن من اعتقد ذلك وفسر به لا إله إلا الله فقد حقق التوحيد المطلق ولو فعل ما فعل من عبادة غير الله والاعتقاد بالأموات والتقرب إليهم بالذبائح والنذور والطواف بقبورهم والتبرك بتربتهم، وما شعر هؤلاء أن كفار العرب الأولين يشاركونهم في هذا الاعتقاد، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع، ويقرون بذلك، وأنهم ما عبدوا غيره إلا لزعمهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، لا أنهم يخلقون ويرزقون. ولو كان معنى لا إلى إلا الله ما زعمه هؤلاء لم يكن بين الرسول ﷺ وبين المشركين نزاع، بل كانوا يبادرون إلى إجابة الرسول ﷺ ، إذا قال لهم بزعم: هؤلاء أقروا بأن الله هو القادر على الاختراع، لكن القوم وهم أهل اللسان العربي فهموا أنهم إذا

стр. 5585

قالوا: إلا إله إلا الله، فقد أقروا ببطلان عبادة الأصنام، وأن هذه الكلمة ليست مجرد لفظ لا معنى له، ولهذا نفروا منها وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١) كما قال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣) فعرفوا أن لا إله إلا الله تقتضي ترك عبادة ما سوى الله وإفراد الله بالعبادة، وأنهم لو قالوها واستمروا على عبادة الأصنام لتناقضوا مع أنفسهم، وعباد القبور اليوم لا يأنفون من هذا التناقض الشنيع، فهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم ينقضونها بعبادة الأموات والتقرب إلى الأضرحة بأنواع من العبادات، فتبا لمن كان أبو جهل وأبو لهب أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله. والحاصل أن من قال هذه الكلمة عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها ظاهرا وباطنا من نفي الشرك وإثبات العبادة لله مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته والعمل به، فهو المسلم حقا، ومن قالها وعمل بها بمقتضاها ظاهرا من غير اعتقاد لما دلت عليه فهو المنافق، ومن قالها بلسانه وعمل بخلافها من الشرك المنافي لها فهو الكافر ولو قالها آلاف المرات؛ لأن عمله يبطل نطقه بها، فلا بد من النطق بهذه الكلمة من معرفة معناها؛ لأن ذلك وسيلة للعمل بمقتضاها، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤) والعمل بمقتضاها وهو ترك عبادة ما سوى الله، وعبادة الله وحده هو الغاية من هذه الكلمة.

стр. 5586

٥ - متى ينفع الإنسان قول لا إله إلا الله ؟ سبق أن قلنا أن قول لا إله إلا الله لا بد أن يكون مصحوبا بمعرفة معناها والعمل بمقتضاها، ولكن لما كان هناك نصوص قد يتوهم منها أن مجرد التلفظ بها يكفي وقد تعلق بهذا الوهم بعض الناس، فاقتضى الأمر إيضاح ذلك لإزالة هذا الوهم عمن يريد الحق، قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ على حديث عتبان. . الذي

стр. 5587

فيه: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله (١)» قال: اعلم أنه قد وردت أحاديث ظاهرها أنه من أتى بالشهادتين حرم على النار كهذا الحديث وحديث أنس قال: «كان النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل، فقال: يا معاذ. قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على النار (٢)»، ولمسلم عن عبادة مرفوعا: «ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله حرمه الله على النار (٣)»، ووردت أحاديث فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة، وليس فيها أن يحرم على النار، منها حديث عبادة الذي تقدم قريبا وحديث أبي هريرة «أنهم كانوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك (٤)» الحديث وفيه: «فقال رسول الله ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة (٥)» رواه مسلم (٦). قال: وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها - كما جاءت مقيدة - وقالها خالصا من قلبه مستيقنا بها قلبه غير شاك فيها، بصدق ويقين، فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة؛ لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة وما يزن خردلة وما يزن ذرة. وتواترت بأن كثيرا ممن يقول: لا إله إلا الله، يدخل النار ثم يخرج منها،، وتواترت بأن الله حرم النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينها، وأكثر من

стр. 5588

يقولها يقولها تقليدا وعادة، لم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث: «سمعت الناس يقولون شيئا فقلته (١)»، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم، وهم أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢)، وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان وهذه التوبة وهذا الإخلاص وهذه المحبة وهذا اليقين لا تترك له ذنبا إلا يمحى كما يمحى الليل بالنهار. انتهى كلامه ﵀ (٣). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كشف الشبهات: - (٤) ولهم مشبهة أخرى، يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: لا إله إلا الله. وقال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله (٥)»، وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل، فيقال لهؤلاء الجهال معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب، وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئا من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه، ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث.

стр. 5589

وقال ﵀: فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) أي (فتثبتوا) فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت فإن تبين بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل؛ لقوله: فتبينوا ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه من أن من أظهر الإسلام والتوحيد وجب الكف عنه إلا إن تبين منه ما يناقض ذلك. والدليل على هذا أن الرسول ﷺ الذي قال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله (٢)» وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (٣)» هو الذي قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد (٤)» مع كونهم من أكثر الناس تهليلا حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة، فلم تنفعهم لا إله إلا الله ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة، وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة. وقال الحافظ ابن رجب في رسالته المسماة: (كلمة الإخلاص) (٥) على قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (٦)» قال: ففهم عمر وجماعة من الصحابة أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا لمجرد ذلك، فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة، وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ : «فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دمائها إلا بحقها وحسابهم على الله (٧)»، وقال: «الزكاة حق المال (٨)»، وهذا الذي فهمه الصديق قد رواه عن النبي ﷺ صريحا غير واحد من الصحابة منهم ابن عمر وأنس وغيرهما وأنه قال: «أمرت أن

стр. 5590

أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة (١)»، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) كما دل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) على أن الأخوة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد، فإن التوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد، فلما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابا، فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة. وقال أيضا: (٤): وقالت طائفة من العلماء المراد من هذه الأحاديث أن التلفظ بلا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتضى لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو الأظهر. ثم ذكر عن الحسن البصري أنه قال للفرزدق وهو يدفن امراته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. قال الحسن: نعم العدة، لكن للا إله إلا الله شروط، فإياك وقذف المحصنات. وقيل للحسن: إن أناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة. فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك. . وأظن أن في هذا القدر الذي نقلته من كلام أهل العلم كفاية في رد هذه الشبهة التي تعلق بها من ظن أن من قال: لا إله إلا الله، لا يكفر ولو فعل ما فعل من أنواع الشرك الأكبر التي تمارس اليوم عند الأضرحة وقبور الصالحين مما يناقض كلمة لا إله إلا الله تمام المناقضة ويضادها تمام المضادة، وهذه طريقة أهل الزيغ الذين

стр. 5591

يأخذون من النصوص ما يظنون أنه حجة لهم من النصوص المجملة، ويتركون ما تبينه وتوضحه النصوص المفصلة كحال الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض وقد قال الله في هذا النوع من الناس: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢) ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٣). اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. . والحمد لله رب العالمين.

стр. 5592

النسيان والذكر في القرآن الكريم دراسة لغوية ومنهج جديد في تفسير الكتاب الحكيم

стр. 5593

صفحة فارغة

стр. 5594

الدكتور السيد رزق الطويل ولد في قرية نكلا الجيزة مصر سنة ١٩٣٢م، حفظ القرآن الكريم قبل البلوغ، ثم التحق بالأزهر وحصل على الشهادة العالية من كلية اللغة العربية بامتياز عام ١٩٥٩ م، ثم حصل على الماجستير في الدراسات اللغوية سنة ١٩٦٧، وعلى الدكتوراه سنة ١٩٧٤م. عمل بوزارة المعارف السعودية لمدة عامين، ثم بوزارة التربية والتعليم بمصر، ثم في جامعة الأزهر كلية الدراسات الإسلامية والعربية أستاذا مشاركا، وأخيرا أستاذا مشاركا في قسم الدراسات العليا العربية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. اشتغل بالدعوة الإسلامية منذ أن كان طالبا، أسس جماعة دعوة الحق الإسلامية بمصر عام ١٣٩٥ هـ وهي جماعة مركزية تسهم في نشر الدعوة السلفية ويصدر عنها مجلة الهدي النبوي. مؤلفاته الإسلامية: العقيدة في الإسلام -منهج حياة بنو إسرائيل في القرآن، دراسة وتحقيق- الدعوة في الإسلام عقيدة ومنهج - مجموعة أبحاث نشرت في دورية المقاولون العرب تحت عنوان مع القرآن وهي: القرآن والتفكر، القرآن وأهل البيت، والقرآن واللغة العربية. ومن مؤلفاته اللغوية: اختلاف النحويين، دراسة وتحليل وتقويم- في علوم القراءات، مدخل ودراسة وتحقيق- أبنية الأفعال في اللسان العربي- النحو البسيط - بحوث لغوية نشرت في مجلات جامعية بعنوان: واو الثمانية- التوهم. في الدراسة النحوية والصرفية: ظاهرة التغليب ومواقفها في القرآن. وتحت الطبع الآن: الإسلام دعوة الحق- أساليب العموم والاستغراق في النحو العربي- اللسان العربي والإسلام معا في معركة المواجهة- إمام النحاة وقضية الاستشهاد بالحديث.

стр. 5595

صفحة فارغة

стр. 5596

(النسيان والذكر في القرآن الكريم) مقدمة باسم الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فهذا بحث ميدانه: كتاب رب العالمين. وموضوعه: النسيان والذكر وتناول القرآن الكريم لهما. ومنهجه: تتبع هذين اللفظين في الكتاب العزيز، في صورهما المتنوعة، واستخلاص النظرة الشاملة لهما بحيث يبدوان موضوعا واحدا متكاملا مدروسا على ضوء المنهج الإسلامي. ومن هنا نرى هذا البحث يحمل طابع الدراسة اللغوية للقرآن الكريم، وفي الوقت نفسه أسلوب جديد في تفسير الكتاب العزيز. والنسيان والذكر ظاهرتان بشريتان، ولهما أثرهما الكبير في مسيرة البشر من هذه الحياة، وهما أيضا من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان؛ ليستعين بها في أداء رسالته في الحياة، رسالة العبودية الخالصة لله تعالى وحده. وقد يتصور الإنسان بادئ الرأي أن هذين من الأمور البشرية التي لا يتعرض لها المنهج الإلهي بالبيان، فماذا يهم الإسلام إن نسي الإنسان في دنياه أو تذكر؟! لكن الحقيقة التي يؤكدها السلوك الإنساني أن ظاهرتي النسيان والذكر قد تصبحان موضوعا إسلاميا عندما يتحول النسيان إلى غفلة، وعندما يكون الذكر سياجا يحمي عقيدة الإيمان. ولهذا تحدث القرآن الكريم- كما سنرى- عن هاتين الظاهرتين كثيرا، وبشمول واستيعاب لجميع أوضاعهما الإنسانية والدينية. وسنبدأ بالحديث عن النسيان اتباعا لمنهج القرآن الذي يحارب الكفر كمقدمة للدعوة إلى الإيمان، وينهى عن الشرك قبل الدعوة إلى التوحيد، ويحارب الطاغوت قبل أن يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

стр. 5597

وكلمة التوحيد: أولها نفي، وآخرها إثبات. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١)، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). أسأل الله الكريم أن يمنحنا التوفيق والسداد، وأن ييسر لنا أسباب القول؛ ليتحقق الخير الذي نرجوه لأمتنا المسلمة، والله يتولى الصالحين.

стр. 5598

النسيان في القرآن النسيان ظاهرة بشرية: النسيان ظاهرة بشرية، وسمة أصيلة من مسلك الإنسان، وقد اختلف اللغويون في اشتقاق الإنسان، فمنهم من رأى أن أصل الكلمة هو الأنس، وآخرون منهم رأوا أصلها النسيان، وقديما قال أحد الشعراء: وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب وهذا يؤكد أصالة هذه الصفة في سلوك البشر. ويرى علماء النفس أن النسيان ضرورة بشرية؛ لأن الذاكرة لها درجة تشبع، ومن رحمة الله بالإنسان أن منحه النسيان ليهمل ما لا يهمه، ويختزنه في عقله الباطن، ويحتفظ في منطقة الشعور بكل ما يهمه من شئون حياته. والنسيان بهذه الصفة يخرج عن دائرة التكليف، ويتجاوز حدود المسئولية، ويعفي الإنسان مما يحدث منه وهو واقع تحت سلطانه، خاضع بغير قصد لتأثيره. أما النسيان المقصود، وهو تعبير قد نجد من ظاهره لونا من التناقض، لكنه في حقيقة الأمر لا تناقض فيه، إذ فيه نسيان وفيه قصد، ونعني به الغفلة عن الواجب، وإهمال ما لا ينبغي أن يهمل من حقوق ومسئوليات.

стр. 5599

تناول القرآن لهذه الظاهرة الإنسانية: ولنتجه الآن إلى القرآن الكريم لنرى كيف تناول هذه الظاهرة؟! وبإحصاء دقيق للفظ النسيان في القرآن الكريم في صوره الاشتقاقية المختلفة نجد أنه ورد في خمسة وأربعين موضعا من الكتاب العزيز. وبدراسة المواضع التي ورد فيها هذا اللفظ بمشتقاته، نرى أن القرآن الكريم قد استخدمه بمعنييه جميعا: النسيان الحقيقي الذي يلم بالإنسان في غير قصد أو إرادة، والنسيان المقصود الذي نعني به الغفلة عن الواجب وإهمال المسئوليات. النوع الأول: النسيان الحقيقي ، كيف تناوله القرآن؟ عندما يكون النسيان قسرا وجبرا، وعندما يلم بالإنسان بلا قصد منه أو إرادة يكون هو النسيان الحقيقي الذي أعطيناه صفة الظاهرة البشرية أو السمة الإنسانية، إذ أن أي إنسان مهما كان لا يستطيع أن يتجرد منه. وحديث القرآن عن هذا النوع حديث إخباري بحت، يعرض فيه بعض صوره أو ينفيه في بعض المواضع التي ينبغي أن ينفى فيها؛ لأنه تجاوز إطار الظاهرة البشرية، أو يتناوله في أسلوب دعاء على لسان المؤمنين يضرعون فيه إلى ربهم ألا يؤاخذهم بما وقع منهم تحت سلطانه، وهذا أقصى ما ينبغي أن يتحدث به القرآن عن ظاهرة بشرية جبرية كهذه، فهو إذن لا يحتاج إلى تحليل أو تقويم، أو إصدار أحكام كما سنرى في النوع الثاني. وتناول القرآن الكريم لهذا النوع من النسيان بصوره الثلاث: النفي والدعاء والإخبار جاء في أحد عشر موضعا. (١) - في صورة النفي: (أ) - نفاه القرآن نفيا قاطعا عن رب العالمين، الذي ربى الوجود كله بنعمه، ورعاه بحكمته وخبرته، وحفظه بقدرته؛ إذ يقول تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ﴾ (١)

стр. 5600

﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١) ونفي النسيان عن طريق نفي كينونته أروع وأوضح، إذ هو بالنسبة لله لا وجود له، لا أنه موجود ثم نفي، وحاشا للحكم العدل اللطيف الخبير أن تلم به ظاهرة هو ركبها في الإنسان؛ لتنسجم له أسباب الحياة. (ب) - وفي موضع آخر يطمئن رب العالمين نبيه بأنه سيكون بمنجاة من هذه الظاهرة البشرية في مجال الوحي وتبليغ الشريعة، فيقول له: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (٢) ففي هذه الآية ينفي القرآن النسيان عن النبي ﵊ في كل ما يتصل بالوحي، وتبليغ الرسالة. (ج) - وفي موضع ثالث ينفيه عن الكتاب أو اللوح المحفوظ الذي سجل فيه أقدار الخلق وأعمالهم ومصايرهم، ووحي الله وأمره إليهم، قال تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (٣)، وإذا تصورنا نفي الضلال والنسيان منسوبا لله في هذه الآية، فإننا بهذا الاعتبار ندخلها في الموضع الأول.

стр. 5601

(٢) - في صورة الدعاء أو الالتماس: في دعاء المؤمن لربه الذي علمه إياه نرى ضراعة خاشعة، عادلة قويمة، يرجو فيها ألا يؤاخذه بما سلف من تحت سلطان النسيان المبسوط على بني الإنسان، فيقول تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، وفي موضع آخر يلتمس موسى من العبد الصالح ألا يؤاخذه بنسيانه ما اشترط عليه من عدم الاعتراض

стр. 5602

على تصرف يصدر منه، يقول تعالى على لسان موسى: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (١).

стр. 5603

(٣) - أخبار قرآنية تتصل بالنسيان: (أ) - مريم ﵍، وقد اختارها ربها موضعا لآيته؛ ونفخ فيها من روحه، وأحست بحكم نوازعها البشرية بكثير من الأسى، ورأت في الأمر محنة لها، إذ كيف يعلم الناس بحقيقة موقفها وبراءة ساحتها!! لذا كانت أمنيتها على الله تعبيرا عن مدى الألم الذي أحاط بها، تمنت أن قد كانت في عالم الموتى، ومحيت من ذاكرة الناس قبل أن تعيش هذه المأساة (كما تراها) يقول تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (١). (ب) - وفي حديث القرآن الكريم عن عجل السامري الذي فتن به بنو إسرائيل على أساس أنه رمز للإله ارتضاه لهم موسى، لكنه ذهب إلى الموعد، ونسيه مع السامري، هكذا فهموا أو هكذا خدعهم المحتال الأثيم: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ (٢) (ج) - وفي موضع ثالث يحدثنا القرآن الكريم عن نسيان موسى ﵇ وفتاه للحوت، وقد كان نسيانه أمارة، وميقاتا للالتقاء بالعبد الصالح، ولا يذكر أنه نسي إلا عندما يحل وقت الغداء، ويفتقد فتاه الحوت فلا يجده، ويتصور أن نسيانه من عمل الشيطان، ولكن موسى يكشف الحقيقة لفتاه، وأن ما حدث هو بغيتهما، وارتدا إلى مجمع البحرين، والتقيا بالعبد الصالح الذي وعد موسى بلقياه، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ (٣) ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (٤) ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ (٥).

стр. 5604

بهذه الصور الثلاث المتقدمة كان تناول القرآن الكريم للنسيان الذي هو ظاهرة إنسانية لها صفة العموم والانتشار، ولها صفة القهر والإلزام، ومن هنا رفع الشارع الحكيم مسئولية البشر عما يحدث في ظلال هذا النوع من النسيان.

стр. 5605

و النوع الثاني: النسيان المقصود: وهو نسيان الغفلة عن الواجب، وإهمال المسئوليات، وهو أكثر النوعين ورودا في القرآن الكريم، تناول أنواعه، وحلل أسبابه، وحذر من مغبته، وبين عقوبته. وتناول القرآن الكريم له بهذه الكثرة؛ لأنه ظاهرة بشرية منحرفة تحتاج إلى تحليل وعلاج، وللشارع الحكيم منها موقف يحتاج إلى بيان وتفصيل. ولهذا أولاها الكتاب العزيز اهتماما بالغا، لما لها من خطورة بالغة تهدد الدين السماوي، وتنحرف بالبشرية عن هديه وهداه. ومن هنا ورد الحديث عن هذا النوع في أربعة وثلاثين موضعا من كتاب الله، وكل ما ورد في هذه المواضع من نسيان يحمل طابع الغفلة عن واجب أو التنصل من تبعة أو الإهمال لمسئولية لا ينبغي أن تهمل بحكم ما تلزم به عقيدة الإيمان. ويمكن أن يصنف هذا النوع تصنيفا يجعل من الآيات التي وردت فيه موضوعا كاملا. (١) - مظاهر النسيان المنحرف واتجاهاته (٢) - تحليل أسبابه (٣) - عقوبته (٤) - العلاج الذي وضعه القرآن له (١) - مظاهر النسيان المنحرف واتجاهاته: يتخذ هذا اللون من النسيان عدة مظاهر تؤكد انحرافه عن سنن النسيان البشري الذي رفعت المسئولية عن صاحبه، وذلك لأن هذه الظواهر تؤكد أن للإنسان قصدا وإرادة على نحو من الأنحاء وأن ما يتورط فيه الإنسان من أعمال نتيجة له إنما هو شيء مراد.
следующие страницы →