← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

(٢) - في صورة الدعاء أو الالتماس: في دعاء المؤمن لربه الذي علمه إياه نرى ضراعة خاشعة، عادلة قويمة، يرجو فيها ألا يؤاخذه بما سلف من تحت سلطان النسيان المبسوط على بني الإنسان، فيقول تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، وفي موضع آخر يلتمس موسى من العبد الصالح ألا يؤاخذه بنسيانه ما اشترط عليه من عدم الاعتراض

стр. 5602

على تصرف يصدر منه، يقول تعالى على لسان موسى: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (١).

стр. 5603

(٣) - أخبار قرآنية تتصل بالنسيان: (أ) - مريم ﵍، وقد اختارها ربها موضعا لآيته؛ ونفخ فيها من روحه، وأحست بحكم نوازعها البشرية بكثير من الأسى، ورأت في الأمر محنة لها، إذ كيف يعلم الناس بحقيقة موقفها وبراءة ساحتها!! لذا كانت أمنيتها على الله تعبيرا عن مدى الألم الذي أحاط بها، تمنت أن قد كانت في عالم الموتى، ومحيت من ذاكرة الناس قبل أن تعيش هذه المأساة (كما تراها) يقول تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (١). (ب) - وفي حديث القرآن الكريم عن عجل السامري الذي فتن به بنو إسرائيل على أساس أنه رمز للإله ارتضاه لهم موسى، لكنه ذهب إلى الموعد، ونسيه مع السامري، هكذا فهموا أو هكذا خدعهم المحتال الأثيم: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ (٢) (ج) - وفي موضع ثالث يحدثنا القرآن الكريم عن نسيان موسى ﵇ وفتاه للحوت، وقد كان نسيانه أمارة، وميقاتا للالتقاء بالعبد الصالح، ولا يذكر أنه نسي إلا عندما يحل وقت الغداء، ويفتقد فتاه الحوت فلا يجده، ويتصور أن نسيانه من عمل الشيطان، ولكن موسى يكشف الحقيقة لفتاه، وأن ما حدث هو بغيتهما، وارتدا إلى مجمع البحرين، والتقيا بالعبد الصالح الذي وعد موسى بلقياه، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ (٣) ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (٤) ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ (٥).

стр. 5604

بهذه الصور الثلاث المتقدمة كان تناول القرآن الكريم للنسيان الذي هو ظاهرة إنسانية لها صفة العموم والانتشار، ولها صفة القهر والإلزام، ومن هنا رفع الشارع الحكيم مسئولية البشر عما يحدث في ظلال هذا النوع من النسيان.

стр. 5605

و النوع الثاني: النسيان المقصود: وهو نسيان الغفلة عن الواجب، وإهمال المسئوليات، وهو أكثر النوعين ورودا في القرآن الكريم، تناول أنواعه، وحلل أسبابه، وحذر من مغبته، وبين عقوبته. وتناول القرآن الكريم له بهذه الكثرة؛ لأنه ظاهرة بشرية منحرفة تحتاج إلى تحليل وعلاج، وللشارع الحكيم منها موقف يحتاج إلى بيان وتفصيل. ولهذا أولاها الكتاب العزيز اهتماما بالغا، لما لها من خطورة بالغة تهدد الدين السماوي، وتنحرف بالبشرية عن هديه وهداه. ومن هنا ورد الحديث عن هذا النوع في أربعة وثلاثين موضعا من كتاب الله، وكل ما ورد في هذه المواضع من نسيان يحمل طابع الغفلة عن واجب أو التنصل من تبعة أو الإهمال لمسئولية لا ينبغي أن تهمل بحكم ما تلزم به عقيدة الإيمان. ويمكن أن يصنف هذا النوع تصنيفا يجعل من الآيات التي وردت فيه موضوعا كاملا. (١) - مظاهر النسيان المنحرف واتجاهاته (٢) - تحليل أسبابه (٣) - عقوبته (٤) - العلاج الذي وضعه القرآن له (١) - مظاهر النسيان المنحرف واتجاهاته: يتخذ هذا اللون من النسيان عدة مظاهر تؤكد انحرافه عن سنن النسيان البشري الذي رفعت المسئولية عن صاحبه، وذلك لأن هذه الظواهر تؤكد أن للإنسان قصدا وإرادة على نحو من الأنحاء وأن ما يتورط فيه الإنسان من أعمال نتيجة له إنما هو شيء مراد.

стр. 5606

وهذه هي مظاهره: (أ) - نسيان الذنوب والخطايا: إذا وقع الإنسان في الذنب أو هوى إلى الخطيئة لأول مرة فله عذره، والخطأ من حقه؛ لأن وراءه نوازع بشرية عميقة التأثير في توجيه السلوك، ولذا شأنه إذا تاب قبل الله توبته، وفرح بأوبته على أن يظل هذا الذنب الذي اقترفه درسا يضيفه إلى تجاربه التي تحدد في الحياة فاعليته ومسلكه. أما إذا نسي تجربة الذنب فستنتكس حياته، ويتعثر سلوكه، ويظل يهوي مع هواه حتى يكون من الغاوين، وهذه هي صفته كما عرضها القرآن الكريم. يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (١)، فأسلوب الآية يشير إلى أن أشد الناس ظلما ذاك الباغية المنحرف، الذي يذكر بآيات الله في كتابه وفي الحياة فيعرض عن الذكرى، وينسى ما تورط فيه من ذنوب وآثام، ومن هنا استحق ما وصف به في آخر الآية ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٢)، وإذا كان في طبع الآثم نسيان ذنبه، فهذا النسيان دعامة انحرافه، ومن هنا يكشف القرآن الكريم هذه الظاهرة في سلوك طائفة أخرى من الآثمين الذين هووا في وادي الشرك السحيق، إذ ذكروا ربهم في الضراء، ونسوا أنهم أشركوا به في السراء، فيقول تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (٤) فالفطرة السليمة التي شوهها الإنسان بانحرافه في السراء تعود نقية صافية، تشد الإنسان المنحرف إلى ربه في الضراء؛ ولهذا ترشد الآية إليها؛ لتؤكد للإنسان أن نداء الفطرة السليمة أهدى وأقوم.

стр. 5607

على أن الحقيقة التي ينبغي أن يذكرها الآثم أنه إن نسي فاستمرأ بالنسيان إثمه، فإن وراءه الرقيب الذي يحصي عليه ما قد نسيه، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١). (ب) - نسيان يوم القيامة: يوم القيامة الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين، حيث يجد كل إنسان طائره في عنقه، ويقرأ بنفسه صحائف أعماله، ويرى بعينه مصيره، وهو اليوم الحق، حيت يفصل فيه بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، وينتهي أمر الباطل إلى جحيم، وينعم المتقون في دار النعيم. وقد عني القرآن الكريم بعرض مشاهد شتى من ذلك اليوم، وطالما كان المؤمن على ذكر لذلك اليوم سيتخذ منه حافزا يدفعه إلى الخير، وينأى به عن الضلال، ويثبته على طريق الهداية. ولذا نجد في أكثر من آية في كتاب الله دعوة إلى اتقاء ذلك اليوم، وما فيه من أهوال وبلاء، وإذا نسي الإنسان ذلك اليوم فلم يعمل له حسابه فنسيانه بادرة إلى الانحراف الذي ينتهي بالإنسان إلى ضلال. وها هو موقف الناس ليوم القيامة يعرضه القرآن الكريم في عدة صور. يقول تعالى عن الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وغرهم ما في دنياهم من زخرف ومتاع: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٢) فجزاؤهم عند الله إذن إهمال ووبال؛ لأنهم نسوا يوم القيامة فلم يقدموا في دنياهم عملا ينفعهم، والهوى يهوي بصاحبه ويضله فينسيه يوم الجزاء بما يقدم له من شواغل صارفة، يقول تعالى في نصح نبيه داود عليه

стр. 5608

السلام: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (١). فالضالون عن سبيل الله سر ضلالهم نسيانهم يوم الجزاء، وهذا النسيان سر آفة الإنسان وضلاله، ولذا عندما يقف المجرمون ناكسي رءوسهم عند ربهم، وقد رأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم ما نسوه من حقائق ذكروا بها دنياهم فلم يتذكروا، عند ذاك يدعون إلى العذاب الذي عرفوا يومئذ سبب وقوعهم فيه، ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢). وفي الآية الأخرى يقال لهؤلاء الذين نسوا ما لا ينبغي أن ينسى: لقد نسيتم يوم الجزاء فكان أعدل جزاء لكم تلقونه في هذا اليوم من إهمال وازدراء ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (٣). (جـ) - نسيانهم لله هذان النوعان السابقان من النسيان: نسيان الذنوب، أو نسيان يوم المصير، آفتهما أن أولهما يحمل معنى عدم الاستفادة من التجربة، وثانيهما يحمل معنى عدم الاعتداد بالدافع، أما هذا النوع الثالث وهو الذي يتعلق بالله فهو شر بذاته؛ لأنه يعني تقلص ظل الإيمان من نفوس البشر، إذ لا يمكن أبدا أن يصح إيمان أو يستقيم على أساسه سلوك ما لم يكن القلب مشغولا بذكر الله منصرفا إلى ما يهيئه له الذكر من مراقبة دقيقة لخالقه ومولاه. وهذا النسيان قد يتعلق بأمر الله، وقد يكون تعلقه بذات الله، وهذا النسيان لذكر الله الذي يجب أن يكون سلاحا للمؤمن يشهره في وجه الشيطان إذا أراد أن يهوي مزالق الخسران.

стр. 5609

أما الأول منها: فقد عهد الله لآدم ألا يأكل من شجرة بعينها، وحذره من وسوسة الشيطان وإغراءاته، ونسي آدم عهده مع ربه، وذهب عنه العزم الذي يثبت اليقين في أحلك الظروف، يقول الله تعالى، يعرض لنا هذا الموقف: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (١). ثم نجد الآيات التالية تسجل أن هذا النسيان كان لونا من الانحراف ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٢) وأن الله تاب على آدم وغفر له ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٣) وأما الثاني: فقد أشار إليه القرآن الكريم، وهو بصدد الحديث عن المنافقين إذ وصفهم بأنهم نسوا الله فيقول: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤). ووقوع ظاهرة النسيان منهم على الله دلالة بليغة على خفوت حرارة العقيدة، وتبلد عاطفة الإيمان وصيرورتها مجرد دعوى بلا واقع؛ إذ أن كل ما في الإنسان من جوارحه، وما حوله من آيات في السماوات والأرض تذكره بالله، فكيف ينساه؟ إنه شأن المنافقين، ظاهرهم الذكر، وباطنهم الغفلة، ومن طبعهم الكذب، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك اللون من النسيان في موضع آخر يحذر فيه المسلمين من سلوك المنافقين؛ إذ يقول الله تعالى لهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥). وكأن هذا النسيان من شأن المنافقين وحدهم، إذ أن سلوكهم يقوم على نسيان بارئهم والحرص على شهواتهم، وتضليل الناس من حولهم. وثالث الأنواع من هذا النسيان الذي يتصل بالله: نسيان ذكر الله. ومعنى هذا النسيان افتقاد سلاح لا يستقيم أمر المؤمن في الحياة بدونه؛ إذ يقيه من الإغواء، ويثبته في مواقف الإغراء، ويحفظه من همزات الشياطين ولذا جعل

стр. 5610

القرآن الكريم ذكر الله صفة للمتقين الذين تتجه هممهم إلى خشية الله ومراقبته يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١)، كما يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٢)، ومن هنا كان نسيان الذكر مباءة للفساد، ويزيد من فرص الانحراف في أمور الدنيا، وعن أوامر الدين. وهذا هو شأن من نسوا ذكر الله، توضحه عدة آيات، وفي كل آية منها إشارة إلى باعث لهذا النسيان، وهو إما استهواء الشيطان أو استعلاء الإنسان أو غرور لا يسمح بفهم واقعه البشري، فيذكر ماديته وينسى ذكر ربه. ولكون الآيات التي تتناول نسيان الذكر تعنى بتحليل أسباب هذه الظاهرة سأتناول هذه الآيات عند تناولي لأسباب هذه الظاهرة بعد قليل. واقتران نسيان الذكر بتحليل بواعثه وبيان أسبابه دلالة على خطورة هذا النوع الذي يصرف الفكر عن ربه ويدفع الإنسان إلى مهاوي الضلال.

стр. 5611

بواعث النسيان: عندما يكون النسيان مجرد ظاهرة بشرية فبواعثه حينذاك نفسية بحتة، تنبع من داخل الإنسان، وتتمشى مع فطرته الإنسانية في استواء، ليس فيه شذوذ أو نشاز أو التواء، وهذه البواعث خارجة عن دائرة هذا البحث، ومجال دراستها بحوث علماء النفس، ولا يعنى القرآن الكريم في هذه الناحية الإنسانية إلا بتسجيل ظواهرها، أما تحليل الأسباب فرب العالمين خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، ويفرض عليه من السلوك ما ينسجم مع بشريته، وتعليل الظواهر البشرية الثابتة لا يفيد الإنسان في تدينه، أي في علاقته بخالقه ومولاه.

стр. 5612

أما النسيان المنحرف فهو الذي تعرضت له الآيات لما وراءه من بواعث؛ لأنها تنبع من خارج الإنسان، أو من داخله الذي خالف عن نداء الفطرة القويم، وذكر البواعث حينذاك علامات هادية للإنسان على الطريق. وهذه هي الأسباب: في مقدمتها الشيطان، وقد نسب إليه القرآن الكريم شغل الإنسان عن ربه، وصرفه عن ذكره، وذلك في عدة مواطن: فيوسف في سجنه وقد طال به الأمد، وفي نفسه شعور صارخ بالظلم، وسجنه هو البديل الوحيد للرذيلة التي تطارده، طلب إلى أحد رفيقيه- وقد يسرت له النجاة- أن يذكره عند الملك، ونسي يوسف رب الملك، إذا لا نجاة له إلا بتقديره، ولكن الشيطان قد ينال من الإنسان وهو يعانى من ضراوة الامتحان، قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ (١). وكان مكثه في السجن لمسة عقاب على غفوة يسيرة تولى أمرها الشيطان. وفي حديث القرآن الكريم عن المنحرفين عن سمت الإسلام إما بفساد في العقيدة، أو انحراف في السلوك نجد تعليلا لذلك يتمثل في تسلط الشيطان عليهم، وسيطرته على نفوسهم، فأنساهم خالقهم، وبذلك تم لهم الانغماس في ضلالهم، يقول تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢). والشيطان وهو يؤدي رسالة الشر في البشرية لا يقصر جهده على الأشرار فهم جنوده وقد فرغ منهم، ولكنه يبحث عن ضالته في السائرين على طريق الرشاد يحاول جذبهم إليه، وقد تبلغ به الوقاحة مبلغا كبيرا، فيطمع في أن ينال فرصة من رواد البشرية، وأنى له ذلك؟ ولذا يقول الله لنبيه محمد ﵊

стр. 5613

مذكرا ومحذرا، يذكره بمحاولات الشيطان جذبه إليه في مجالس هؤلاء الضالين، ويحذره من الجلوس معهم أكثر من فترة التذكير والتوجيه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١). والغرور هو ثاني الأسباب: وهو أن يسيء الإنسان فهم نفسه، بأن ينسى الأصل الذي منه نشأ، أو ينسى أن الأيام تدول، وأن النعم تزول، وأن النعمة قد تصير شقاء، والجاه قد يتحول إلى بلاء. وسوء الفهم الذي يوجد الغرور هو الذي ينسي الإنسان هذه الحقائق الثابتة من سنن الله في الحياة. فأبي بن خلف عندما وقف موقف التحدي من النبي ﷺ منكرا في تهكم عقيدة البعث ويأتي بعظام بالية ويفتنها بيده ويقول: أترى يا محمد أن الله يحيي العظام بعدما رمت؟!! من غير شك أن أبيا في موقفه الذي تبدو منه حماقة البغي وشراسة الجحود لم يدر بخلده الماء المهين الذي خلق منه!! ولو تذكره لراجع نفسه مرات قبل أن يقول ما قال، وهذه هي الحقيقة التي يسجلها القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٢) ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). فالغرور أنسى أمية إحدى بديهيات الوجود حتى تورط فيما تورط فيه من كفران وجحود، والنعمة تأتي للإنسان بما وراءها من بهجة ومتاع، فيعيش عيشة الرغد، ويرفل في أفخر الثياب، وينعم في سلطان المال والجاه، وينسى أسس شقائه وبلائه، وفقره وبأسائه.

стр. 5614

إن الإنسان المغرور، يفزع إلى ربه في الضراء، وينسى ضراعته في السراء: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (١). فغرور الإنسان أنساه صاحب الحق، فضل السبيل إليه وأشرك. وكم يؤدي غرور الإنعام بالإنسان إلى مهاوي الكفران عندما ينسى ما كان فيه من عسر وما صار إليه من يسر. ويوم القيامة سيبرأ المعبودون من العبيد أمام رب الأرض والسماء معللين انحراف من عبدوهم بأن متاع النعمة أنساهم فضل المعبود الواحد، يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٢) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ (٣). ومن عجب أن تكون نعمته سببا لجحود فضله، والغفلة عن ذكره، ثم ضلالهم طريق الوصول إليه. وثالث الأسباب: شهوة التسلط عندما يشعلها إمعان الأتباع في الخضوع. قد يجد المغرور من يستخزي لكبريائه، وينصاع لغلوائه، ويستذل لبغيه، فيغريه ذلك بمزيد من الطغيان، ويسمع كلمات الثناء وعبارات التمجيد من أفواه العبيد، فيتصور أنه كبير، وينسى أن فوقه الكبير المتعال. وعندما وجد فرعون من يستذلهم أنساه ذل العبيد أنه عبد مثلهم، وصدق رب العالمين إذ يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ (٤).

стр. 5615

تتجلى حقيقة هذا السبب في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١) ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (٢) فكما يحاول الفاتن أن يصرف مفتونه عن دينه، ويبعده عن ربه نرى المفتون من ناحية أخرى ينسى فاتنه ذكر ربه عندما يظن سكوته عنه انصياعا له وذلا له، فيغريه ذلك بمزيد من التجاوز والشطط.

стр. 5616

عقوبة النسيان نسيان: هؤلاء الذين وقعوا مطية للنسيان المنحرف الذي حللنا أسبابه، كيف قوم القرآن موقفهم؟ وماذا قال في عقوبتهم؟ إن سنة الله في عباده وقانونه في خلقه: الجزاء من جنس العمل، فمن نسي ينسى، ونسيان الله لعبده يعني أنه في موقف الطرد من رحمته، والبعد عن مغفرته، وأنه موكول إلى نفسه، ولذا فشقاء الحياة ينتظره، وبؤسها سيلاقيه. وهذه هي الآيات التي تشير إلى عاقبة النسيان الخاطئ، يقول تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (١)، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)، ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (٣)، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤)، وفي هذه الآية الأخيرة لون آخر من العقوبة، وهو أن من نسي ربه يوكل الله به ظاهرة النسيان البشري بصورة غير طبيعية تجعل حياته لا تحتمل، ويقضي أيامه في الحياة بدون ذاكرة، ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (٥)

стр. 5617

وفي مثل هذه الآية كانت عقوبة النسيان من أجل نسيانهم يوم اللقاء، ونسيان يوم اللقاء يعني نسيانهم الملك الحق الذي جعل هذا اليوم فيصلا بين العباد. هكذا تؤكد الآيات السابقة كلها بأوضح عبارة وأجلى بيان أن عقوبة النسيان نسيان. والنسيان الذي هو عقوبة ليس كالنسيان الذي هو خطيئة لكنها المشاكلة في التعبير، وهي من خصائص بلاغة القرآن، جاءت لتؤكد حتمية القانون الإلهي واستمراريته، وهو أن جزاء العامل من جنس عمله.

стр. 5618

الذكر في القرآن ما صلة حديث الذكر بحديث النسيان ؟ إذا ذكرت ربك بصدق طهرت القلب من شواغله، وأخلصته لبارئه، وأنقذته من أدوائه، وحرسته من بواعث النسيان الضال التي أسلفناها، وكنت على ذكر لربك تنقشع أمامه بواعث الغفلة مهما كثرت. وقد قدم لك القرآن العلاج من هذه الآفة القاتلة المدمرة للعقيدة والسلوك في آية واحدة هي قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ (١) الذكر علاج للنسيان والغفلة، هذه واحدة. وهناك أمر آخر يدعونا إلى الحديث عن الذكر بعد النسيان، وهو أن الحديث عن أي من المعاني يسوق إلى الحديث عن مقابله، وتناول المعاني المتقابلة يزيدها وضوحا، ويكسبها في النفس بلاغا، وبضدها تتميز الأشياء.

стр. 5619

ألفاظ الذكر في القرآن وأوضاعها اللغوية والنحوية: وردت ألفاظ الذكر في القرآن في نحو مائتي موضع مختلفة الاشتقاق والموضع الإعرابي ونوع الضمائر الملحقة بها وفي التجرد والزيادة.

стр. 5620

وقد رأيت أن الصيغة الثلاثية للذكر (ذكر) ومشتقاتها المختلفة تستعمل في معان معينة، بينما الصيغ المزيدة تستخدم استخداما آخر. فالذكر صورة حاضرة ماثلة في الذهن. والتذكرة استحضارها بعد النسيان. والتذكير حفز الغير على ذلك الاستحضار. ولنبدأ بالحديث عن الذكر، وما يشتق من مادته من صيغ ثلاثية. وردت الصيغة الثلاثية للذكر من عدة صور متباينة، وفي معان متنوعة: *جاءت بالصيغة الفعلية (ذكر- يذكر- اذكر) مرادا بها الحديث. *وجاءت بالصيغة الاسمية مرادا بها الشرف أو الشأن، ومرادا بها العلم، ومرادا بها الكتاب المنزل أو النبي المرسل. *وتناوله القرآن بالصيغة الفعلية واقعا على لفظ الجلالة، وبالصيغة الاسمية مضافا إليه مثل: ذكروا الله- يذكرون الله- اذكروا الله- ذكر الله. *وبنفس الصيغتين واقعا على لفظ الرب أو مضافا إليه. . *وبالصيغة الفعلية واقعا على اسم الله تعالى مثل: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١). والذكر في الحالات الثلاث الأولى يدخل في دائرة الاستعمال اللغوي فحسب، وفي الحالات الأربع الأخيرة مقصور على العبودية الخالصة، والارتباط الوثيق بالله.

стр. 5621

الذكر بمعنى الحديث: تناول الإنسان لأمر من الأمور بلسانه يعني إخراجه من دائرة النسيان إلى عالم الشهود، وقد ورد الذكر بهذا المعنى في ستة مواضع، منها ما فيه تكريم، ومنها ما فيه تحذير. فقد ذكر النبي ﷺ الأصنام التي ضل بها قومه، وقالوا عنه كما حكى القرآن الكريم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ (١).

стр. 5622

وذكر إبراهيم الأصنام التي ضلت بها شيعته، وقالوا عنه كما حكى القرآن: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (١). وطلب يوسف من رفيقه في السجن أن يذكره عند الملك ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٢). وظل يعقوب يذكر يوسف كثيرا حتى لامه في إشفاق، أو أشفق عليه في لوم بنوه الآخرون ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ (٣). وإذا تحدث القرآن عن الجهاد وذكر في آياته اسم القتال فزعت قلوب المنافقين وزاغت أبصارهم ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (٤). والإنسان قبل أن يوجد أو يولد لم يكن شيئا ذا بال يستحق أن يتحدث عنه، فهو كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (٥).

стр. 5623

الذكر بمعنى الشأن والشرف: وقد امتن على نبيه برفعة الشأن وعلو المظهر ونباهة الذكر، فقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (١)، كما شرف العرب برسالة الإسلام فيهم، ونزول القرآن بلغتهم ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢).

стр. 5624

الذكر بمعنى العلم: والعلم أصول وقواعد مستحضرة في أذهان البشر يواجهون بها مشكلات الحياة والوجود، والعالمون بها هم أقدر الناس على بذل العون لغيرهم ممن لا يعلمون، ولذا كان توجيه القرآن الكريم لغير العالمين أن يسألوا العالمين الذاكرين لهذه الأصول، يقول تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). ووعد النبي ﷺ قومه بشيء من العلم عن ذي القرنين عندما سألوه عنه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٢). وطلب الرجل الصالح من موسى ﵇ أن يلوذ بالصمت حتى يذكر له فيما بعد شيئا من علم ذلك ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (٣). ومن أهداف عروبة اللسان القرآني أن يقود قلوب العرب في رفق إلى الخوف من بارئها العظيم، ويمنحها العلم به ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (٤)، ويعلل الضالون لانحرافهم عن منهج الإخلاص بافتقادهم شيئا من العلم الذي هدى به السابقون، أو من التجارب التي مروا بها، وهو استنتاج دقيق منهم، لكن بعد فوات الأوان ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ (٥) ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٦).

стр. 5625

الذكر بمعنى الكتاب المنزل أو النبي المرسل: الكتاب المنزل مبادئ قويمة، وشرائع مستقيمة، ونصح رشيد، وتوجيه سديد، ولا عجب فهو كتاب رب العالمين، الذي خلقهم ويعلم ما يصلحهم ويسددهم،

стр. 5626

وعلى قدر بشريتهم شرع لهم من الدين ما وصى به رسله جميعا ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١). والكتاب المنزل ذكر؛ لأنه يضع أمام ذاكرة البشر هذه المبادئ التي تحكم الحياة، وتقود السلوك، إنه ذكر حكيم، وذكرى للمؤمنين. وقد جاء الذكر بهذا المعنى في واحد وثلاثين موضعا من القرآن الكريم، من هذه المواضع ما كان الذكر فيه بمثابة العلم على القرآن ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٢)، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣)، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤)، ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٥)، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ (٦)، ومعنى هذه الآية أنهملكم فنحرمكم من هدي الكتاب لتجاوزكم حد الاعتدال. . وتتساءل قريش في استنكار: كيف ينزل هذا الذكر على محمد من بينهم؟ ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ (٧)، ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ (٨). وقد يترك القرآن ببيانه المعجز آثارا في القوم، يندر في قلوبهم حقدا، وفي أعينهم زيغا وغيظا ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (٩)

стр. 5627

وتسمية القرآن ذكرا فيه معنى الاسمية والوصفية، على السواء، غير أنه في بعض المواضع تغلب الاسمية، وفي بعضها تغلب الوصفية. فالقرآن من أبرز صفاته أنه ذكر، وأن رسالته هي الذكر ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (٢)، ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (٣) فهو ليس ذكرا فحسب وإنما هو ذكر محكم يصيب كبد الحقيقة، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويقتحم القلب فيصيب الشغاف، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤) وهو ذكر مبارك تسمو به حياة الناس، وينمو في طريق الخير مجتمعهم ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ (٥). ورسالة الذكر في القرآن تعم الوجود كله، ففي أكثر من آية يقول رب العالمين عن كتابه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦) يوسف، ص، التكوير، الأنعام ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٧)، ومع عمومها تخص العرب بذواتهم، يقول تعالى ممتنا على النبي وقومه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (٨)، كما يقول: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ (٩) ولفظ لدنا: فيه إكبار لهذا الذكر أي إكبار، ولذا ينتقد القرآن انصرافهم عنه، وإعراضهم عن هديه ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ (١٠)

стр. 5628

﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (١)، ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (٣). وأكبر خطأ يتورط فيه البشر أن يستبد بهم الغي، فلا ينتفعون بحكمة هذا الذكر. وهذا هو الكافر يلوم قرين السوء الذي أغواه ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ (٤)، كما يقول المعبودون من دون الله يتبرءون أمام ربهم من ضلال عابديهم: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ (٥). والذي يتبع الذكر ويهتدي بآثاره هو الذي يستجيب للنذير، ويؤثر فيه التبشير: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ (٦). وأروع ما في الذكر القرآني - وكله رائع - أنه يحوي خلاصة التجربة البشرية، يقول رب العالمين: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٧). وقد سمى القرآن الرسول "ذكرا" لأنه يحمل الذكر للبشرية، ويثير ذاكرتها نحو الاتجاه إلى المبادئ السماوية ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ (٨) ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ (٩).

стр. 5629

وفي قسم رب العالمين بملائكته وهم العباد المكرمون، يشير إلى جانب من فضلهم، وأنهم يتلون الذكر، ويلقونه على رسل الله وأنبيائه يقول تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (١)، ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (٢).

стр. 5630

ذكر الله وهو أرفع مستوى تسمو إليه عقيدة الإنسان؛ لأنه يعني استحضار عظمة الذات الإلهية والإحساس بها في كل موطن، وفي كل موقف، ومن هنا يكون الذكر جنة للمؤمنين، وملاذا لقلوبهم فلا تعصف بها الأهواء، وحصنا حصينا لإيمانهم فلا يزيغ به شرك أو رياء. وهذه هي ثمرته: طمأنينة في القلب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١). والأسوة بالنبي ﷺ منهج كريم، لكن الذي يعرف قيمة القدوة، ويحرص عليها من كان رجاؤه في الله وثوابه، وكان ذكر الله يملأ جوانب نفسه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢). والذكر صفة للمتقين لأنه باعث التقوى ووسيلتها ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٣)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٤).

стр. 5631

وذكر الله سمة تحكم مسلك العقلاء، يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢). وذكر العقلاء لله- كما تشير الآية- تأمل وتدبر، واستحضار لعظمة الذات، وليس مجرد ترديد عبارات باللسان والقلب عنها في شغل كبير. والذكر صفة للمؤمنين. . فإذا تحدث القرآن عن الشعراء بأنهم يهيمون في أودية الغي، فمنهم من نأى عن ذلك فنبذ تقاليد الجاهلية ومقاييسها الفاسدة، واتجه إلى قيم أمثل تصلح الحياة والنفوس، وهؤلاء هم شعراء المؤمنين أو مؤمنو الشعراء، وأبرز صفاتهم الذكر الكثير لله، والانتصار لدينه، يقول تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ (٣) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ (٤) ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (٥) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا﴾ (٦). ولكون الذكر صفة للمؤمن وسمة للإيمان، وجدنا هذه النداءات في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٧)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ (٨) ذلك لأن الذكر أعظم سلاح يرفع من معنوية المجاهد عندما يشتد البأس، وتحمر الحدق. ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٩)، ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (١٠) ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١١) ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١٢)، واستجابة القلب للذكر وتأثره به دليل على صدق الإيمان، وقوة سلطانه على نفس الإنسان.

стр. 5632

وكما أن الذكر سلاح فعال في ميادين القتال هو أيضا سلاح مؤثر في معترك الحياة، يقول تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). وفي المواقف الصعبة ترى في الذكر تثبيتا للذاكرين، وبه وصى الله موسى وهارون وهما ذاهبان لمواجهة فرعون ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ (٢).

стр. 5633

الذكر عبادة والعبادة ذكر: ومعنى العبادة لا يتحقق إلا به، وهي في الوقت نفسه وسيلة إليه وأسلوب له، والصلاة ذكر، والذكر من أعظم ثمراتها ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (١)، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢)، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٣). وفي تناول الصلاة ذكرى وفي أعقابها ذكر ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (٤)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٥). والذكر ألزم سلوك لعبادة الحج، ولذا تراه مطلوبا من الحجيج في كل منسك ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (٦)، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ (٧)، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٨).

стр. 5634

ذكر اسم الله: وفي نحو أربعة وعشرين موضعا من الكتاب العزيز ورد الذكر أو مشتقاته واقعا على اسم الله، وتتميز هذه المواضع بأنها عبادات ذات رسوم وحدود، وأن المعنى فيها الإهلال باسم الله، لأنه في هذه المواطن دليل الانصياع، وبرهان الإذعان للخالق العظيم. فالإهلال بذكر الله في الصلاة ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١)، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٢)، ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٣)، وفي الحج كذلك ترديد لاسم الله تعالى، يقول جل شأنه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٤)، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ (٥). وعند الذكاة (الذبح) يتحتم الذكر ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٦)، ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٧)، ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٨)، ويحرم ما ذبح من غير ذكر، أو ذكر عليه غير اسم الله تعالى، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٩)، ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ (١٠).

стр. 5635

ويجب الذكر عند وقوع الصيد في قبضة الحيوان المعلم ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١). وذكر اسم الله شعار ينبغي للمؤمن أن يرفعه في كل حين، ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٢)، ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٣). هذه هي المواطن التي يحددها القرآن الكريم للذكر القولي: مواطن العبادات، وأوقات الضراعة التي يهتف فيها العبد الخاشع الضارع لائذا مستجيرا بمن خلقه وسواه، مرددا اسمه وحده في أدب واتزان دون تحريف وإلحاد، يقول تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤)، وفي آية أخرى يقول: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (٥) ومن هنا ندرك مدى العبث الذي يتورط فيه بعض هؤلاء الذين يقفون صفوفا يترنحون ذات اليمين وذات اليسار، يرددون اسم الله بألفاظ غير مفهومة زايلها الوقار والاتزان، زاعمين بهذا أنهم يذكرون الله. . ألا ساء ما يصنعون!! وما عدا مواطن العبادات والضراعة، فالذكر استحضار لعظمة الله، وتأمل وتفكير في أثار قدرته.

стр. 5636

واذكر ربك: وورد الذكر بمشتقاته واقعا على لفظ الرب في ثمانية مواضع، وهذه المواضع فيها معنى التربية والامتنان والفضل والإنعام، وهذه ظاهرة تعبيرية واضحة في كل مقام يذكر فيه القرآن لفظ الرب حيث يكون الإشعار بالتربية ألزم وأنسب من الإشعار بالعبودية، ولأن إدراك معنى التربية- إذا صدق- يوصل إلى العبودية الخالصة.

стр. 5637

وهذه الآيات تؤكد صحة هذا الاستنتاج يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ (١)، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (٢)، ويقول تعالى لعبده زكريا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٣). ويقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (٤)، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٥)، وعن يوسف يقول تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (٦)، وعن سليمان يقول تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ (٧)، وفي تأنيب الكافرين الجاحدين يقول تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٨).

стр. 5638

الإعراض عن الذكر. . وآثاره وبواعثه الإعراض عن الذكر بادرة خطيرة تزعزع بنيان العقيدة، ولذا نرى في القرآن الكريم تحذيرا من اللهو الشاغل عنه، ومن كل داعية إلى الانصراف عن هديه، فالذين لا يذكرون هم المنافقون أو الكافرون وكفى!! ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)، ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (٣).

стр. 5639

والذين لا يؤمنون بالآخرة لا يرتاحون إلى الذكر الخالص لله ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ (١)، ولقسوة قلوبهم وعدم تأثرها بالذكر استحقوا الويل ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢). وفي هذه الآيات تحذير من الصوارف عن الذكر واتباع الضالين المنحرفين، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣) ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٤) ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٥) والشيطان أكبر صارف عن الذكر، بل هو الذي ينمي كل الصوارف ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (٦) ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ (٧). والمؤمنون الصادقون لا تؤثر فيهم هذه الصوارف كما وصفهم ربهم فقال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ (٨).

стр. 5640

مصير الغافلين: والغافلون عن ذكر الله ينتظرهم شقاء الدنيا وبلاؤها، وعذاب الآخرة ونكالها، فمن يعم عن ذكر ربه ييسر له شيطانا في الدنيا يوغل به في متاهات الإغواء ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (١)، وفي الآخرة يصف القرآن لنا
следующие страницы →