واذكر ربك:
وورد الذكر بمشتقاته واقعا على لفظ الرب في ثمانية مواضع، وهذه المواضع فيها معنى التربية والامتنان والفضل والإنعام، وهذه ظاهرة تعبيرية واضحة في كل مقام يذكر فيه القرآن لفظ الرب حيث يكون الإشعار بالتربية ألزم وأنسب من الإشعار بالعبودية، ولأن إدراك معنى التربية- إذا صدق- يوصل إلى العبودية الخالصة.
стр. 5637
وهذه الآيات تؤكد صحة هذا الاستنتاج يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ (١)، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (٢)، ويقول تعالى لعبده زكريا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٣).
ويقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ (٤)، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٥)، وعن يوسف يقول تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ (٦)، وعن سليمان يقول تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ (٧)، وفي تأنيب الكافرين الجاحدين يقول تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٨).
стр. 5638
الإعراض عن الذكر. . وآثاره وبواعثه
الإعراض عن الذكر بادرة خطيرة تزعزع بنيان العقيدة، ولذا نرى في القرآن الكريم تحذيرا من اللهو الشاغل عنه، ومن كل داعية إلى الانصراف عن هديه، فالذين لا يذكرون هم المنافقون أو الكافرون وكفى!! ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١)، ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (٣).
стр. 5639
والذين لا يؤمنون بالآخرة لا يرتاحون إلى الذكر الخالص لله ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ (١)، ولقسوة قلوبهم وعدم تأثرها بالذكر استحقوا الويل ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢).
وفي هذه الآيات تحذير من الصوارف عن الذكر واتباع الضالين المنحرفين، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣) ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٤) ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٥) والشيطان أكبر صارف عن الذكر، بل هو الذي ينمي كل الصوارف ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (٦) ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ (٧).
والمؤمنون الصادقون لا تؤثر فيهم هذه الصوارف كما وصفهم ربهم فقال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ (٨).
стр. 5640
مصير الغافلين:
والغافلون عن ذكر الله ينتظرهم شقاء الدنيا وبلاؤها، وعذاب الآخرة ونكالها، فمن يعم عن ذكر ربه ييسر له شيطانا في الدنيا يوغل به في متاهات الإغواء ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (١)، وفي الآخرة يصف القرآن لنا
وهذه منزلة الذاكرين:
يعدهم الله من بين حملة القيم، وأصحاب المثل السامية كالمسلمين والمؤمنين والصابرين والصادقين فيقول تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (١). . كما يعدهم الله تعالى بأن يذكرهم كما ذكروه ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٢) وذكر الله لعبده تكريم ما بعده تكريم.
стр. 5643
التذكر والتذكير في القرآن
إذا كان الذكر أمام مرآة الإسلام مقصدا كريما، وبالنسبة لعقيدة الإيمان سياجا متينا يحفظ لها وجودها، ويبقي لها قوتها، وعميق تأثيرها، حتى إن القرآن الكريم، كما أوضحنا، حرص على أن يبقي هذا المعنى العظيم في سلوك المسلمين. . فهناك بجانب هذا حقيقة يجب ألا نغفلها هي أن الذكر لا يبقى ولا يكون له سلطانه إلا بالتذكر والتذكير، واستمرار الذكرى، ومن هنا كان لها من عناية القرآن الكريم أوفى قسط، ومن بيانه أوفر نصيب.
وقد عرفنا أن التذكير ينتهي بنا إلى التذكر، والتذكر ثمرته الذكر.
والذكرى موطن العبرة نفسه الباعث على التذكر.
وكأن التذكير والتذكر- إذن به بهذه الصورة- مرحلتان في طريق الذكر.
стр. 5644
فما مبلغ عناية القرآن الكريم بهما؟ وكيف تناولهما؟ وكيف كشف عن أهميتهما؟ وما البواعث التي استخدمها في التذكير لتحمل النفوس على التذكر؟
هذه الأمور سنوضحها في هذه المرحلة من البحث.
стр. 5645
التذكير منهج لرسالات السماء:
والتذكير هو المنهج الذي يقوم عليه دين الله، ومن أجله كانت وتعددت رسالات السماء في شتى مراحل التاريخ، وتحمل الرسل عبء هذا المنهج، ليذكروا البشر بأبعاد الهداية، ويدلوهم على مواطن الخير في وحي الله ودين السماء؛ ليستطيع الإنسان تحقيق الرسالة التي أرادها الله له في هذا الوجود.
وتدرك هذه الأهمية البالغة للتذكير عندما تقلب صفحات الكتاب العزيز، إذ تستوقفك في مجال الدعوة إلى التذكير أمور ذات بال.
(١) يدعو رب العالمين نبيه ومصطفاه محمدا ﵊ إلى أن يذكر ويتذكر، أما التذكير فهو جوهر مهمته ومناط رسالته، ولذا وجهه الله تعالى إليه في مواطن كثيرة، وأرشده إلى وسائل شتى يستعين بها في تذكيره سنتناولها فيما بعد.
يقول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (١)، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ (٣) ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (٤)، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ (٥) ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ (٦)، وفي الآية الأخيرة دعوة إلى التذكير بالقرآن مخافة أن ينتهي أمر القوم إلى الهلاك، بما أسلفوه من بغي وانحراف.
стр. 5646
وأما التذكر فقد دعا الله نبيه إليه لأنه سيكون جنة له تحميه من نوازع البشرية، وتضع نصب عينيه مثلا أعلى من حياة من سبقوه في طريق الدعوة، فيهون أمامه البلاء، ويخف عليه وقع المحن، ويتحمل مئونة الصبر، ومن هنا كان الأمر بالتذكر يدور كله في مجال القصص القرآني.
وقد جاء الأمر في سورة مريم وحدها خمس مرات، يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ (١) ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾ (٣) ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ (٤) ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ (٥) الآيات.
كما جاء هذا الأمر في أربعة مواضع من سورة ص، تحث النبي ﵊ على تذكر أنبياء آخرين سبقوا في الدعوة إلى الله، فيقول: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ (٦) ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ (٧) ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٨) ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ (٩)، وفي الأمر بالصبر قبل الذكر في الموضع الأول إشارة إلى أن مغزى التذكر أن يصل به النهي إلى قضية الصبر التي بها تنجح الدعوات.
وفي سورة الأحقاف يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ (١٠)، وأخو عاد كناية عن نبي الله هود ﵇، والأحقاف موضع معروف، في الجهة الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة العربية، كما يقول تعالى في صدر الحديث عن موسى ﵇: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١١).
стр. 5647
وفي غير مجال القصص القرآني نجد توجيها للنبي ﷺ يدعوه إلى استلهام الذكرى من حادث عبد الله بن أم مكتوم الذي عبس في وجهه، فقال الله لرسوله بعد عتاب غير يسير: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ (١) ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٢).
فالتذكر الذي يحمي البشرية من الهوى وينأى بها عن الزلل، والتذكير الذي هو مهمة ورسالة لم يكونا مقصورين على خاتم الأنبياء وحده، فهذا أمر الله لنبيه عيسى ﵇ بالتذكر، إذ يقول له: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٣)، وهذا أمر آخر لنبيه موسى بالتذكير: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (٤)، ويحدثنا القرآن عن عتاب نوح ﵇ لقومه الذين ساءتهم الدعوة إلى الله والتذكير بآياته: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ (٥).
ويصف الله تعالى أنبياءه إبراهيم وإسحاق ويعقوب بصفة اختصهم بها، وهي تذكرهم لدار الجزاء ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٦).
فرسل الله جميعا ذكروا فتذكروا، وقاموا بواجب التذكير كما أمرهم الله، وإن لم تنسب إليهم الألفاظ صراحة بهذه الكثرة كخاتمهم محمد ﷺ .
(٢) الدعوة إلى التذكر في القرآن ملحة تهز عقول البشر هزا عنيفا، وتزيح أستار الغفلة التي تلقيها عليها بين الحين والحين نوازع النفوس ومغريات الحياة، وذلك ليعود للعقل البشري صفاؤه، فيستجيب لدعوة الله، ويذعن لرسالة الحق، تبدو قوة هذه الدعوة إلى التذكر في الأسلوب التي عرضت به الآيات الداعية إليه، إذ في ستة مواطن من القرآن الكريم وردت الدعوة بهذه الصورة: أفلا تذكرون؟ التي تتضمن
стр. 5648
استنكار الغفلة الصارفة عن استحضار العبرة عندما تمر آية، أو يلم حدث، أو يطوف بالحياة أمر ذو شأن، والذي يلفت النظر، ويشد الانتباه أن هذه المواطن الستة تدور كلها حول التوحيد وتوطيد العقيدة الصحيحة للإسلام في نفوس البشر، ففي محاجة إبراهيم لقومه يؤكد لهم أنه لا يخشى إلا الله، ثم يقول: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (١) ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ (٢).
ويضرب القرآن الكريم مثل الفريقين: الفريق الذي عقل الحق وعرف العقيدة الصحيحة، والفريق الذي غفل فضل، واتبع هواه، فالأول مثله مثل البصير والسميع، والثاني مثله: مثل الأعمى والأصم، وتنتهي الآية بهذا التساؤل ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
ويرد هود ﵇ شهوة جامحة لقومه طلبوها في غفلة من العقل والبصيرة، إذ رغبوا إليه أن يطرد المستضعفين من مجلسه، ليخلو لهم وحدهم ما يريدون من شهوة الانفرادية: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (٤) ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٥).
وفي موازنة رائعة مقنعة تأخذ بتلابيب النفوس الضالة التي غشيتها سحابة الشرك يقول رب العالمين: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦).
стр. 5649
وفي مساءلة هادية راشدة بين الداعي وقومه، جاءت الدعوة السادسة إلى التذكر، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢).
стр. 5650
وفي غير هذه المواطن دعوات كثيرة للتذكر، مقرونة بوسيلة أو الباعث عليها، وقد قدمت للبشرية في ظروف مختلفة حتى تستمر على طريق الحق مسيرتها، يقول تعالى في تأنيب الغافلين الضالين غداة الحسرة عندما تتبين الحقائق وينكشف عن العين الغطاء: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (١).
وهذه دعوة للمسلمين بعد النصر العظيم في بدر لأن يتذكروا ماضيهم الذي عاشوه مستضعفين، مبغيا عليهم، إذ أن هذه الذكرى تحفزهم على الشكر الذي يزيد النعم ويوثق العلاقة بخالقهم العظيم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
وعلى لسان شعيب ﵇ جاء النصح لقومه بأن يتذكروا: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٣).
وعلى لسان هود وصالح ﵉ جاء نفس النصح لقوميهما عاد وثمود، يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ (٤)، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥).
وفي شأن بني إسرائيل يقول تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦).
(٣) وبقدر ما كانت الدعوة إلى التذكر تحمل هذا القدر الكبير من التقدير والاهتمام؛ لما في التذكر من صحوة العقيدة، ويقظة الضمير، بقدر هذا كان التنديد عنيفا
стр. 5651
وقاسيا بمن غفلوا ولم يعقلوا، وسمحوا لغشاوة النسيان أن تحجب البصيرة، وتتركهم في متاهات الضلال، يتجلى عنف هذا التهديد من حديث القرآن عن المعرضين عن الذكر، ووصفه لهم، وتقويمه لعقيدتهم، وكشفه عن مصائرهم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ (١) وفي آية أخرى: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (٢).
وفي وصف المنافقين يقول تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٣).
وأهل الكتاب خانتهم ذاكرة المؤمن، فنسي اليهود حظا مما ذكروا به، فحرفوا الكلم عن مواضعه، ولا تزال خياناتهم مستمرة، وأما النصارى ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٤).
ونسي كثير من بني إسرائيل واجب النصيحة، فحلت بهم العقوبة، ولم يفلت منها إلا من نهوا عن السوء ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٥).
ويصور القرآن الكريم حقيقة هؤلاء المعرضين عن الذكر أسلوبا ونتيجة، فيقول تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٦) ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (٧) ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (٨) فرسم القرآن الكريم صورة منفرة لإعراضهم، كما أشار إلى موقفهم يوم القيامة عندما يواجهون العذاب بلا شفيع ولا نصير.
стр. 5652
والوصف بعدم التذكر نراه سجية لكل منحرف عن دين الله، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾ (١)، ولا عجب فهو أساس الداء والباعث الأقوى على الانحراف، فالذي لا يتذكر تختلط أمام بصيرته القيم، يقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢).
والذي لا يتذكر يتورط في أرجاس الشرك: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
ووصف الكفار بقلة التذكر المعني به العدم ورد أيضا في مواضع أخرى.
والذي لا يتذكر تختفي أمام عينيه الحقائق الساطعة ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (٤) ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ (٥) ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (٦).
(٤) يؤكد القرآن الكريم أن التذكر أو الانتفاع بالذكرى والاستفادة من التذكير لون من السلوك الأقوم لا يتيسر إلا لأنماط معينة من البشر:
(أ) من هم على درجة من العقل الراشد واللب النابه والبصيرة النافذة، وقد ورد في السور والآيات الآتية ما يفيد أن التذكر مقصور على أولي الألباب وذوي البصيرة والعقول مثل: وما يذكر إلا أولوا الألباب ومثل لقوم يعقلون ومثل ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٧)
стр. 5653
(ب) من هم على صفة الإيمان أو التقوى أو العبادة أو الإنابة، وهذه الصفات هي من أرفع المستويات التي يصل إليها المسلمون بإسلامهم، وهذه الصفات ليست متباينة، وإنما هي مترابطة متآخية، ولا تتحقق- بصدق- إحداها إلا إذا تحققت أخواتها، فلا إيمان بدون تقوى، والعبادة جوهرهما، والإنابة تضفي عليهما حيوية العقيدة، وعمق تأثيرها.
وأكثر هذه الصفات ارتباطا بالذكر والتذكر صفة التقوى؛ لأنها تقوم على مراقبة الله وخشيته، ومن هنا كان المتقون أكثر الناس ذكرا لله وتذكرا لآياته.
ففي ارتباط الذكر بالتقوى وردت ثماني آيات تؤكد أن التذكر صفة لازمة للتقوى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ (١)، ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ (٢)
وجاءت ثلاث آيات تؤكد ارتباط التذكر بعقيدة الإيمان وهي [١٢ / هود، ٥١ / العنكبوت، ١٥ / السجدة].
وفي علاقة الإنابة بالذكر، يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ (٣)، ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٤).
وفي ارتباط العبادة بالذكر يقول تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (٥).
والذاكر هو الذي يتذكر، وهذا الارتباط لغوي وقرآني أيضا، إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٦).
стр. 5654
(٥) التذكر منطلق المسئولية:
فعند الذكرى أو التذكر تتحدد المسئولية وتتأكد، وتنتفي الأعذار والتعللات، يبدو ذلك من خطاب الله لرسوله في هاتين الآيتين: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢)، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (٣)، ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (٤).
стр. 5655
بواعث التذكر
من هذه الموضوعات التي أثرتها والنتائج التي استخلصتها نستطيع أن نقف على مدى أهمية التذكر في سلوك كل ذي دين، وبخاصة دين الإسلام الذي اصطفاه الله وارتضاه.
وبالدراسة الواعية القائمة على استقراء دقيق لاستعمالات هذه الألفاظ في القرآن الكريم (التذكر والتذكير والذكرى) نرى أن الكتاب العزيز وضع تحت أيدينا وسائل التذكر وبواعثه، وهي متعددة ومتنوعة حتى تغطي ميول البشر، وتصيب نوازعهم وهي مختلفة ومتنوعة.
وهذه هي البواعث التي تدفع إلى التذكر، معززة بآيات القرآن الكريم التي تناولتها.
(١) الكتاب السماوي بعامة باعث على التذكر، والقرآن بخاصة يعد من أول الوسائل وأقوى البواعث والحوافز، فهو من حيث الإطار يثير التذكر بلسانه العربي، ومن حيث المضمون هو مليء بالمواعظ والعبر، حافل بالدروس والقصص، وهو - كما قلنا أول البحث - والذكر صنوان، فالقرآن ذو الذكر، وسماه الله ذكرا في أكثر من موضع، وفي خمس عشرة آية منه يبين الله لنا أن كتاب السماء
стр. 5656
يحرك النفوس إلى التذكر، فلا يضيع إيمانها في سحب الغفلة وركامها، في ثلاثة مواضع منها حديث عن كتاب موسى، وفي باقيها حديث من القرآن.
وهذه هي السور والآيات التي وصفت كتاب الله بأنه دافع إلى التذكر ووسيلة إلى التذكير: [٤١ / الإسراء، ٤٨ / الأنبياء، ٤٣ / القصص، ٥١ / العنكبوت، ٢٩ / ص، ٥٣، ٥٤ / غافر، ٥٨ / الدخان]، وفي سورة ق ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (١)، وفي سورة القمر جاءت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢) أربع مرات، وفي الحاقة: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
стр. 5657
(٢) وجاء لفظ الآيات باعثا على التذكر في نحو سبع آيات، والآيات إما كونية وإما قرآنية، والتذكير بالقرآن تحدثنا عنه، والتذكير بآيات الكون سنتحدث عنه، أما في هذه المواطن فقد جاءت الآيات عامة بدون تحديد، لكن في بعض المواطن يغلب على الظن أنها القرآنية، وفي بعضها الآخر يترجح أنها الكونية.
فمن الأولى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ (١) الكهف والسجدة، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (٢) وراجع ١٥ / السجدة و ٢٢١ البقرة.
ومن الثانية قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٣)، والمشار إليه نعم الله على بني آدم باللباس والرياش، ثم إرشادهم إلى أن لباس التقوى أجمل وأكمل.
стр. 5658
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (١): أي أن الحديث في إنشاء السحاب وإنزال المطر تنوع القول فيه بين الناس في القرآن وفي الكتب السماوية الأخرى ليتذكروا ويعتبروا.
стр. 5659
(٣) التأمل في مخلوقات الله وفي سننه الكونية، وهذا من أقوى البواعث على التذكر، ومن أنجح وسائل التذكير، ولا عجب فهو المنهج الذي ارتضاه القرآن لهداية النفوس الضالة إلى الله، وفي غرس جذور العقيدة ودعم سلطانها على قلوب البشر.
وقد أشرت في الفقرة السابقة إلى آيتين فيهما حديث عن آيات الله حافز على التذكير.
وتأمل معي هذه الآيات التي تعرض جوانب من الكون العظيم، لتنتهي بالناس إلى ضرورة الإيمان والتوحيد: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)، وراجع [٥٧ / الأعراف- ١٧ / النحل- ٦٢ / الواقعة- ٨ / ق- ٣١ / المدثر- ٦٢ / النمل].
стр. 5660
(٤) التذكير بعبر التاريخ وأحداثه:
والتاريخ ذاكرة البشر وملهم المواعظ، وكلما عرفت الأمم ماضيها أقامت على أصح التجارب مستقبلها، ولذلك عني القرآن الكريم بدعوة الأمم إلى السير في
стр. 5661
الأرض والنظر في أخبار السابقين، وكان القصص القرآني على كثرته وتنوعه بمثابة جذب لذاكرة النبي ﷺ نحو عبر الماضي؛ لينتفع بها في الحاضر، فالتجربة البشرية واحدة، والتاريخ يعيد نفسه، يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (١) ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (٢) قد مرت آيات فيها دعوة للرسل إلى تذكر التاريخ، وتذكير أممهم به، مثل قوله تعالى لنبيه موسى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (٣)، كما يقول لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وفي تذكير البشر بالقرون السابقة يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٥) بعد قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (٦).
وللقصص القرآني هدف آخر، وهو تذكير المعاندين والضالين ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٧).
стр. 5662
(٥) يوم القيامة:
اليوم الحق، ويوم الهول ويوم الزلزلة، ويوم القارعة، سيعيد للغافلين ذاكرتهم، ويطلبون دنيا أخرى يستدركون فيها ما فات، ويكون الجواب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (١)، ووصف القرآن الكريم يوم القيامة بأنه يوم التذكر ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ (٢) ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ (٣)، واقرأ الآيات [١٨ / محمد، ٥٤، ٥٥ / المدثر، ١٩ / المزمل].
стр. 5663
(٦) التذكير بالمحن والنعم:
قد يسلط الله على البغاة المحن- رحمة منه- رجاء أن يتذكروا، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١)، ومنهم الغارقون في الغفلة، فلا تؤثر فيهم ضراوة المحنة، وهم المنافقون ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢).
والنعم باعث آخر على التذكر، وتبلغ من بعض النفوس أكثر مما تبلغ منها المحنة، يقول تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣)، ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٤).
وفي نعم الله على الصالحين موعظة وتذكرة، يقول عن نبيه أيوب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (٥).
وفي سور ص، يقول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٦).
وفي إنقاذ المؤمنين بنوح من الطوفان تذكرة بالغة، إذ يقول تعالى مشيرا إلى السفينة: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (٧).
وفي معرفة الإنسان للنار تذكرة ومتعة، وتذكرة بنار الآخرة وبلائها وأهوالها، ومتعة في الدار العاجلة؛ إذ يستخدمها الإنسان في تحصيل الكثير من منافعه، يقول تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (٨).
стр. 5664
والمقوون: المسافرون.
стр. 5665
(٧) القول اللين، والموعظة الحسنة، وضرب الأمثال:
لين القول وحسن الموعظة، والاستعانة على هذا وذاك بضرب المثل من أبلغ وسائل التذكير التي اعتمد عليها القرآن في نصح البشر.
فبالقول اللين وصى الله نبيه موسى وأخاه هارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (١).
وهذان نموذجان للقول اللين الذي يحفز إلى التذكر، من واقع أسلوب القرآن:
الأول: في مجادلة من زعموا الملائكة بنات الله مع بغضهم للبنات: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (٢) ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٣) ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤) والثاني: في محاورة من اتبعوا هواهم فضلوا السبيل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٥) وقد استعان القرآن الكريم على ذلك بضرب الأمثال، وقد عرفنا مثل الفريقين: المؤمنين والكافرين، وتشبيه الأولين بالبصير والسميع، والآخرين بالأعمى والأصم، وتعقيب الآية على ذلك بهذا التساؤل: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦).
وفي القيمة التوجيهية والتأثيرية لضرب الأمثال، وفي دفعها القوي إلى التذكر يقول تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٧)، كما يقول تعالى:
стр. 5666
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١)، ويقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٣).
والآية الأخيرة تكشف عن المقدرة الفكرية والعلمية الواسعة التي يتصف بها كل إنسان يستفيد من أمثال القرآن الكريم.
رب أعني على ذكرك، وذكرني بآياتك حتى تذكرني يوم العرض عليك، واجعل لكل مسلم يقرأ بوعي كفلا مما دعوت، إنك سميع الدعاء.
стр. 5667
مصادر البحث:
(١) القرآن الكريم.
(٢) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
(٣) معجم ألفاظ القرآن الكريم. مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
(٤) تفسير المنار. محمد رشيد رضا.
стр. 5668
رسالة لشيخ الإسلام
تقي الدين ابن تيمية
أجاب فيها عن أسئلة في علم القراءات
حققها وقدم لها:
الدكتور محمد علي سلطاني
стр. 5669
صفحة فارغة
стр. 5670
* الدكتور محمد علي سلطاني.
* المولود عام ١٣٤٣هـ- ١٩٣٣م- في مدينة دمشق.
* تلقى تعليمه الأولي في دمشق.
* حصل على الشهادة الجامعين من جامعة دمشق في كليتي الآداب والتربية.
* عمل بعد حصوله على الدكتوراه مدرسا في جامعتي دمشق واللاذقية وغيرهما، وعمل بعد وقبل حصوله على الماجستير مدرسا في المعهد العلمي ببريدة وحفر الباطن، وهو الآن يدرس النحو في كليات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
* إنتاجه العلمي يدور في ميدان اللغة العربية وما يتصل بها، صدر له حتى الآن ما يزيد على عشرة كتب، اثنان في النقد القديم أحدهما تحقيق، واثنان في البلاغة، وواحد في العروض، واثنان في النحو أحدهما تحقيق، وثلاثة في اللغة تحقيق، وأسهم في أعمال علمية منها إصدار سلسلة لغوية بعنوان دليل الباحث اللغوي، إضافة إلى بعض البحوث في القراءات القرآنية من جانب النحو.
стр. 5671
صفحة فارغة
стр. 5672
(رسالة لشيخ الإسلام: تقي الدين ابن تيمية)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد:
فإن القراءات القرآنية من أكثر علوم القرآن والعربية أهمية وأجلها شأنا. . أما أهميتها من حيث اللغة فتعود إلى جانبين كبيرين:
- أولهما ما تقدمه للباحثين في نشأة اللغات وتطورها وتاريخها من الظواهر اللغوية الحية على اختلاف صنوفها: في الحرف والصوت والكلمة والتركيب. .
- وثانيهما ما تقدمه للنحو وفقه اللغة من الشواهد والنماذج مما لا يبلغ بعض شأوه شواهد العربية الأخرى في الشعر والخطب والأمثال والأقوال. . وذلك بسبب مما حظيت به القراءات منذ نشأتها من عناية وضبط وتوثيق. . بالتلقي المتثبت، والمشافهة الواعية، والرواية المتواترة أو النقل المستفيض، والتدوين المقرون بالوصف الدقيق والأسانيد المدروسة الموثوقة. .
وأما رفعة شأنها فلارتباطها بالقرآن العظيم منهاج المتقين ومعراج المرتقين، مصداقا لقوله ﵊: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (١)».
غير أن هذا الميدان الجليل بما اتسم به من الغنى اللغوي الفريد، نتيجة التيسير الذي عبر عنه الحديث النبوي: «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه (٢)»؛ أثار قدرا غير قليل من القضايا التي ارتبطت بعلم القراءات، وغدت مع الزمن أقرب إلى المشكلات، فشغلت العلماء والباحثين عبر القرون - وما يزال بعضها يشغلهم- للوصول إلى المعرفة اليقينية بشأنها. . من ذلك قولهم: ما تفسير الأحرف السبعة؟ أهي للتكثير أم لتحديد؟ وإن كانت الأخيرة فما المقصود بها على الدقة أهي القبائل أم الطرائق أم الظواهر؟
стр. 5673
ما مدى شيوع التواتر بين القراءات، أهو مقصور على السبع أم العشر أم ما فوق ذلك؟
أهي سواء في الفصاحة أم أن بينها فصيحا وأفصح؟ ما موقف النحو والقياس من هذا التفاوت في الفصاحة؟. .
هذه وغيرها أسئلة كثيرة تتردد بينهم لا تفتر، تبحث لها عن الجواب الأخير.
وقد أحدث اختلاف القراءات وتعددها حركة علمية مباركة، أسفرت عن أعداد من مجموعات الكتب القيمة. . بدأت بكتب جمعت القراءات، فأخرى نهضت بالاحتجاج لها بلغة العرب، وثالثة وصفت مرسوم مصاحف الأمصار، ورابعة اهتمت بالنقط والشكل. . وبقي في الميدان زوايا يلفها بعض الغموض والاختلاف وتباين الآراء، مما تعد رسالة شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية الآتي نصها حلقة في سلسلة الردود على تساؤلات الباحثين عن الحقيقة، حيث أجاب فيها عن عدد من هذه التساؤلات.
أما الرسالة فهي واحدة مما تضمه مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض من نفائس المخطوطات، وتقع في سبع صفحات تضمها أربع ورقات ضمن مجموع يحمل رقم ٣٦٥٣ / ف مصور عن الأصل في مكتبة تشستربتي، كتبه بخط نسخي دقيق علي عبد الله الغزي سنة ٨٥٩ هـ.
ومما يعد نسخة قيمة أخرى لهذا النص، ما تم نشره بعنوان (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) جـ١٣/ ٣٨٩ - ٤٠٤ فقد ضم الفاضل الشيخ عبد الرحمن العاصمي هذا النص إلى الكتاب بوصفه إحدى الفتاوى التي صدرت عن شيخ الإسلام آنذاك. . وقد أفدت منه في تصويب المواضع التي تأثرت بالرطوبة في الأصل لدي.
стр. 5674
ولم يذكر الشيخ العاصمي مصادره، غير أن الاختلاف الطفيف في بعض ألفاظ النصين يثبت أنه نسخة أخرى لهذه الرسالة، مما تجد ثماره وأثره في المتن وبعض حواشي التحقيق.
ومما يعد طرفا في هذا التوثيق نقول مطولة لمقاطع تامة من هذا النص، احتج بها ابن الجزري مقرونة بنسبتها إلى ابن تيمية في كتابه (النشر في القراءات العشر ١/ ٣٩ وما بعدها) مما تجد الإشارة إليه في مواضعه بعد.
وتبدأ الرسالة بالبسملة والدعاء فالنص على الأثر بلا عنوان يتقدمه، ولا ضير في هذا، لأن النص نفسه وما ورد فيه من عبارات صريحة أدلة ناصعة على صحة نسبته إلى الشيخ الإمام ابن تيمية، مما يطالع القارئ منذ السطور الأولى.
وقد لقيت هذه الرسالة من عناية العلماء عبر القرون ما يبدو أثره في الخاتم الرابض في نهايتها، وجاء في نقشه للواقف ما نصه:
"وقف سيد يوسف فضل الله، إمام جامع سلطان محمد خان، للولاة وللمدرسين المتأهلين، في جامع المزبور ١١٤٥ ".
أما مؤلف الرسالة فغني عن التعريف، فهو أبرز قوة فاعلة في صياغة الحياة في دولة المماليك في القرن الثامن الهجري بميادينها: العلمية والفكرية والعامة. . مما تجده مبسوطا في مظانه، وتؤكده مئات الكتب والرسائل التي كتبها بخطه في معالجة قضايا عصره، رافعا بقوة صوت الدين وموقفه منها، مما يتأبى على الحصر " فكان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدا لا يعرف مثله " (١).
ومات ﵀ معتقلا بقلعة دمشق سنة ٧٢٨ هـ، فخرجت دمشق كلها في جنازته (٢) رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 5675
النص المحقق
(١ / أ) بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر
ما يقول سيدي الشيخ- جمع الله له خير الدنيا والآخرة- في (١) قول النبي ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف (٢)».
- ما المراد بهذه السبعة؟
- وهل هذه القراءات المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما هي الأحرف السبعة أو واحد منها؟
- وما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف؟
- وهل تجوز القراءة برواية الأعمش وابن محيصن وغيرهما من القراءات الشاذة أو لا.
- وإذا جازت القراءة بها، فهل تجوز الصلاة بها أو لا؟
أفتونا مأجورين.