السؤال التاسع:
ما هي صفات الأضحية شرعا ؟
الجواب:
الأضحية الشرعية لا بد أن تكون سليمة من العيوب كالمرض والعمى والعرج البين والهزل، وأن تكون ثنية وهي ما تم له خمس سنين من الإبل أو سنتان من البقر أو سنة واحدة من المعز. أما الضأن
стр. 6022
فيجزئ منه الجذع وهو ما تم له ستة أشهر فأكثر. ومن العيوب المانعة أن يكون الحيوان قد ذهب أكثر قرنه أو أذنه، فإذا كان الحيوان سليما من كل نقص كان أكمل. والبدنة تجزئ عن سبعة وهكذا البقرة أما الغنم فلا يجزئ الواحد إلا عن واحد فقط، كما يجوز للمسلم أن يضحي بشاة واحدة عنه وعن أهل بيته وإن كثروا؛ لأن النبي ﷺ «ضحى عنه وعن أهل بيته بكبش واحد (١)»، ويجوز للمضحي أن يوكل من يتولى ذبحها من المسلمين، سواء كان ذلك في بلده أو في غير بلده، والسنة أن يأكل منها ويتصدق لقول الله : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢).
стр. 6023
السؤال العاشر:
هل يجوز إخراج ثمن الأضحية ودفعه للمجاهدين المسلمين ؟
الجواب:
ذبح الأضحية أفضل من إخراج ثمنها لأن في ذلك إحياء للسنة ومن أحب أن يتصدق بثمنها فلا بأس لكن التضحية أفضل من الصدقة بثمنها.
стр. 6024
السؤال الحادي عشر:
ما حكم حج من ترك طواف الوداع ؟
الجواب:
حجه صحيح بإجماع أهل العلم ولكن فيه نقص يجبر بدم؛ لأن طواف الوداع واجب في أصح قولي العلماء لقول النبي صلى الله عليه
стр. 6025
وسلم: «لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت (١)» خرجه مسلم في صحيحه. إلا الحائض والنفساء فليس عليهما وداع لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٢)».
стр. 6026
السؤال الثاني عشر:
إذا عزم المسلم على الحج، وبعد الإحرام تعذر حجه، ماذا يلزمه؟
الجواب:
إذا أحصر الإنسان عن الحج بعد ما أحرم بمرض أو غيره جاز التحلل بعد أن ينحر هديا ثم يحلق رأسه أو يقصره لقول الله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) ولأن النبي ﷺ لما أحصر عن دخول مكة يوم الحديبية نحر هديه وحلق رأسه ثم حل وأمر أصحابه بذلك. لكن إذا كان المحصر قد قال في إحرامه فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، حل ولم يكن عليه شيء لا هدي ولا غيره؛ لما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ «أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ﵂ قالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال لها النبي ﷺ حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني (٢)».
стр. 6027
السؤال الثالث عشر:
وماذا يجوز للمسلم أثناء تأدية فريضة الحج؟
وهل يجوز له الانشغال بأمور أخرى خارجة عن نطاق العبادة؟
стр. 6028
الجواب:
يجب عليه العناية بما أوجب الله عليه من المحافظة على الصلوات بوقتها بجماعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة والحذر مما حرم الله عليه لقول الله : ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) الآية.
وقول النبي ﷺ «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه (٢)». والرفث الجماع في الإحرام ودواعيه من القول والفعل، والفسوق جميع المعاصي؛ ولأن الواجب على المسلم في كل زمان ومكان أن يتقي الله وأن يحافظ على ما أوجب الله عليه وأن يحذر ما حرم الله عليه. فإذا كان في بلد الله الحرام وفي أعمال مناسك الحج، كان الواجب عليه أعظم وأشد، وكان إثمه في تعاطي ما حرم الله عليه أكبر وأغلظ، ويجوز له البيع والشراء وغير ذلك مما أباح الله له من الأقوال والأعمال لقول الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُم﴾ (٣) قال ابن عباس ﵄ وغيره في تفسير الآية: يعني في مواسم الحج. وهذا من فضل الله ورحمته وتخفيفه على عباده وإحسانه إليهم فإن الحاج قد يحتاج إلى ذلك والله ولي التوفيق.
стр. 6029
السؤال الرابع عشر:
متى يجوز التوكيل في رمي الجمرات وهل هناك أيام لا يجوز التوكيل فيها؟
стр. 6030
الجواب:
يجوز التوكيل في جميع الجمرات للمريض العاجز عن الرمي، والحامل التي تخاف على نفسها، والمرضع التي ليس عند أطفالها من يحفظهم، والشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، ونحوهم ممن يعجز عن الرمي. وهكذا ولي الصبي والصبية يرمي عنهما. والوكيل يرمي عن نفسه وعن موكله في موقف واحد عند كل جمرة، يبدأ بنفسه ثم يرمي عن موكله، إلا أن يكون متنفلا فلا يلزمه البدء بالرمي عن نفسه، لكن لا يجوز أن يتولى الرمي إلا من كان حاجا، أما الشخص الذي لم يحج فليس له أن يتوكل عن غيره في الرمي، ولا يجزئ رميه عن غيره.
стр. 6031
السؤال الخامس عشر:
ما حكم حج المصر على المعصية أو المستمر على ارتكاب صغيرة من الذنوب؟
الجواب:
حجه صحيح إذا كان مسلما لكنه ناقص ويلزمه التوبة إلى الله سبحانه من جميع الذنوب ولا سيما في وقت الحج وفي هذا البلد الأمين ومن تاب تاب الله عليه لقول الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (٢) الآية.
والتوبة النصوح هي المشتملة على الإقلاع عن الذنوب والحذر منها تعظيما لله سبحانه وخوفا من عقابه مع الندم على ما مضى منها والعزم
стр. 6032
الصادق على ألا يعود فيها. ومن تمام التوبة رد المظالم إلى أهلها إن كان هناك مظالم في نفس أو مال أو بشرة أو عرض أو استحلال أهلها منها.
وفق الله المسلمين لما فيه صلاح قلوبهم وأعمالهم ومن علينا وعليهم جميعا بالتوبة النصوح من جميع الذنوب إنه جواد كريم.
стр. 6033
السؤال السادس عشر:
ما هو ضابط المبيت في مزدلفة وإذا تعذر المبيت واكتفى الحاج بالمرور بها فقط فما حكم حجه؟
الجواب:
يجب على الحاج المبيت بمزدلفة إلى أن ينتصف الليل وإن كمل المبيت وصلى بها الفجر وذكر الله بعد الصلاة واستغفره حتى يسفر كان أفضل وأكمل، ويجوز للضعفة من النساء والشيوخ ومن يلزمهم الدفع في النصف الأخير من الليل؛ لأن الرسول ﷺ رخص للضعفة من أهله في ذلك. أما هو ﷺ فبات بها وصلى بها الفجر وذكر الله بعد الصلاة وهلله واستغفره، فلما أسفر جدا دفع إلى منى والأكمل للحجاج التأسي به ﷺ في ذلك، وللضعفة الترخيص في الدفع قبل الصبح كما تقدم. ومن ترك المبيت في مزدلفة من غير عذر شرعي وجب عليه دم؛ لكونه خالف السنة، ولقول ابن عباس ﵄: من ترك نسكا أو نسيه فيهرق دما. ولا شك أن المبيت في مزدلفة نسك عظيم حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ركن من أركان الحج، وذهب بعضهم إلى أنه سنة. وأعدل الأقوال أنه واجب من الواجبات في الحج يجب بتركه دم، مع التوبة والاستغفار ممن ترك ذلك عمدا من غير عذر شرعي.
стр. 6034
السؤال السابع عشر:
الشباب المسلم اليوم أحوج ما يكون إلى التفقه في دينه ماذا يرى سماحتكم من أساسيات لهذه الحاجة؟
الجواب:
لا شك أن الشباب وغيرهم في أشد الحاجة إلى التفقه في الدين في كل وقت، وفي هذا الوقت الحاجة أشد وأكبر؛ لكثرة المنحرفين عن الحق وكثرة الدعاة إلى الباطل بأنواع الشبه، فالمسلم شابا وغيره في أشد الضرورة إلى معرفة الحق بأدلته من الكتاب والسنة، وعلى أيدي العلماء المعروفين بالعقيدة الطيبة والسيرة الحميدة والسير على المنهج الإسلامي، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة (١)» خرجه مسلم في الصحيح، والمراد بالعلم هنا هو العلم الشرعي المستفاد من كلام الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ ، وقال ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (٢)» متفق عليه، فوصيتي للشباب بأن يعنى بالدراسة الإسلامية في المدارس والمعاهد والجامعات التي تعنى بذلك.
كما أوصيهم وأوصي جميع المسلمين شيبا وشبابا وذكورا وإناثا أن يهتموا بدينهم وأن يجتهدوا في سماع الحلقات الدينية والبرامج الإسلامية من وسائل الإعلام ومن أهمها برنامج نور على الدرب وبرنامج نداء الإسلام، فهما مفيدان كثيرا، كما أوصي أيضا بالعناية بالكتب الإسلامية، ومن أهمها كتب الحديث الشريف، وكتب المعروفين بالعقيدة الصحيحة والتحقيق في مسائل الخلاف وتأييد الدليل، كشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم والحافظ بن كثير والشيخ محمد بن عبد الوهاب
стр. 6035
وغيرهم من دعاة الحق؛ لما في هذه الكتب من الخير الكثير والذب عن السنة والتحذير من البدع.
стр. 6036
السؤال الثامن عشر:
الداعية إلى الله جل وعلا فيم تكمن صفاته من وجهة نظركم؟
الجواب:
حرصه على العلم واجتهاده في معرفة الأدلة الشرعية وبذل المستطاع في دعوة الناس إلى توحيد الله واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه مع البداءة بنفسه واجتهاده في تطبيق أحكام الشريعة عليها حتى يكون من الدعاة إلى الله سبحانه بأقواله وأعماله وسيرته وأخلاقه والله ولي التوفيق.
стр. 6037
السؤال التاسع عشر:
من لم يستطع طواف القدوم لأنه لم يصل إلى مكة إلا عصر يوم عرفة فهل يذهب لعرفة مباشرة دون المرور بالحرم وماذا عليه؟
الجواب:
هو مخير إن شاء دخل مكة وطاف وسعى وبقي على إحرامه وخرج إلى عرفات ووقف بها ما شاء الله ولو في الليل، ثم ينصرف إلى مزدلفة للمبيت بها. وإن شاء قصد عرفات ووقف بها حتى الغروب، ثم نفر إلى مزدلفة مع الناس وصلى بها المغرب والعشاء وبات بها، ثم يطوف ويسعى بعد ذلك في يوم النحر أو بعده، ولا حرج عليه في ذلك ولا دم عليه إذا كان قد أحرم بالحج فقط. أما إن كان أحرم بالحج والعمرة جميعا فعليه هدي تمتع سبع بدنة أو سبع بقرة أو ثني من المعز أو جذع من الضان يذبح في منى أو في مكة ويأكل منه ويتصدق لقول الله سبحانه
السؤال العشرون:
كيف يستطيع الإعلام بوسائله المختلفة خدمة المسلمين ؟
الجواب:
يستطيع الإعلام خدمة المسلمين لنشر الفضائل والدعوة إليها والنشاط المتواصل في الدعوة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية والتحاكم إليها والالتزام بأحكامها والتحذير من كل ما يخالف الشرع المطهر من أقوال وأعمال. كما يستطيع أن يدعو العالم الإسلامي إلى الصناعات المفيدة والأعمال النافعة المباحة والعناية باستخراج خزائن الأرض بالطرق الحديثة والوسائل المفيدة في العصر الحاضر؛ ليستفيد من ذلك ويستغني عن الحاجة إلى أعداء الإسلام، ومن تمام ذلك أن يقوم الإعلام بمحاربة الرذائل القولية والعملية وأن ينشر بيان العقيدة الصحيحة التي سار عليها سلف الأمة، وهي توحيد الله والإخلاص له في جميع العبادات، والإيمان بأسمائه وصفاته وإقرارها كما جاءت على الوجه اللائق به سبحانه، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، مع الوصية بالقرآن الكريم والإكثار من تلاوته بالتدبر والتعقل، والوصية بسنة رسول الله ﷺ وتعظيمها والعمل بها والذب عنها.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 6040
البدع طعن في الشريعة وقدح في كمالها .
للشيخ / صالح بن سعود آل علي.
بحث يتكون من الآتي:
١ - مقدمة تتضمن التحذير من البدع، ووجوب محاربتها والقضاء عليها. والاستدلال لذلك بأدلة نقلية وعقلية.
٢ - تعريف البدعة في اللغة وفي الشرع - والعلاقة بين المعنيين - ومسالك العلماء في تعريفها شرعا - والفرق بين المسلكين- تخريج بعض الأحاديث والآثار الواردة بشأن البدع مدحا أو ذما بناء على هذين المسلكين.
٣ - أقسام البدع من حيث أنواعها - وهل تارك الواجب أو المندوب أو المباح - تدينا- يعد مبتدعا.
٤ - درجات البدع من حيث هي كفر أو معصية - وتفاوت البدع من حيث هي صغيرة وكبيرة -.
٥ - الفرق بين البدع والمعاصي- معاملة أهل البدع.
٦ - أهل البدع هل لهم من توبة؟ وخلاف العلماء في هذا والراجح.
стр. 6041
٧ - من شبه المبتدعة التي تعلقوا بها في ابتداعهم - إبطال ما توهموه مستندا لهم من:
(أ) جمع عمر ﵁ الناس على إمام واحد في صلاة التراويح.
(ب) زيادة عثمان بن عفان ﵁ أذانا ثانيا يوم الجمعة.
(ج) ما ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
(د) تحقيق هذه المسائل وبيان وجه الحق فيها.
٨ - نماذج من البدع المحدثة وهي:
(أ) بدعة إيثار التعبد والانقطاع به عن العلم والجهاد.
(ب) بدعة التشدد والمبالغة في الطهارة إلى حد الوسوسة.
(ي) بدعة التلفظ بالنية والجهر بها قبل العبادات.
(د) بدعة الاحتفال بمولد النبي ﷺ وإيراد الشبه في هذا والرد عليها.
١ - مقدمة في:
التحذير من البدع ووجوب محاربتها والقضاء عليها:
كان من نعم الله تعالى الجلى وآلائه العظمى أن جاءت هذه الشريعة كاملة لا تحتمل الزيادة ولهذا قال عنها سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) فلما كانت بهذه المثابة من الشمول والكمال حذر الشارع من أن يتطرق إليها
стр. 6042
من البدع ما يشوه جمالها أو يدنس نصاعتها؛ لأن البدع مهما كان نوعها أو الباعث لها تعتبر نكتة سوداء في صفحة هذه الشريعة الغراء، تختلف أحكامها باختلاف آثارها السيئة: فبدعة تعتبر كفرا بواحا، وبدعة تعتبر من الكبائر، وأخرى تعتبر من الصغائر تقدح في كمال هذه الشريعة وجمالها، وهذا يتضح كثيرا عندما نتعرض لدرجات البدع في موضوع لاحق من هذا البحث إن شاء الله تعالى.
وبعد هذا يحسن أن نبين ذم البدع نقلا وعقلا؛ ليعلم المسلم أنه لا يسوغ له أن يزيد في هذا الدين أو ينقص منه لأن الشارع الحكيم أوجب الاتباع وحرم الابتداع بل جعل الابتداع خروجا عن الصراط المستقيم. يتضح هذا بالأدلة النقلية والعقلية الآتية:
стр. 6043
(أ) من الأدلة النقلية الدالة على ذم البدع وفاعليها:
١ - قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) ففي هذه الآية أمر سبحانه عباده باتباع صراطه وهو دينه الذي ارتضاه لعباده هذا الصراط الذي أخبر عنه بأنه مستقيما أي قويما لا اعوجاج به عن الحق، ثم نهاهم أن يسلكوا طريقا سواه أو يبغوا دينا خلافه من اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو عبادة الأوثان، أو غير ذلك من الملل فإنها بدع وضلالات.
وقد فسر مجاهد ﵀ السبل: بأنها البدع والشبهات.
ثم ذكر سبحانه علة النهي عن اتباع السبل وهي أنها تبعدهم عن دينه الذي ارتضاه لهم مما ينجم عنه هلاكهم ودخولهم النار (٢)
стр. 6044
ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله أمر باتباع دينه القويم الذي هو صراطه المستقيم، ونهى عن اتباع ما عداه من الملل والشبه والبدع؛ لأنها تنأى بالعبد عن الصراط السوي الذي ارتضاه سبحانه لعباده، فدل ذلك على تحريم هذه البدع؛ لأنها من السبل التي تودي بصاحبها إلى ما لا يرضاه سبحانه.
من هذه الآية يتضح أن الصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه. وهو السنة التي جاء بها رسوله ﷺ . أما السبل فهي طرق أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط القويم، وهم أهل البدع: يدل لهذا ما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ حيث قال: «خط لنا رسول الله ﷺ يوما خطا فقال: هذا سبيل الله، ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطا فقال هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية: (٢)» وهذا حديث صحيح كما قال ابن كثير في تفسيره (٣) وقال رجل لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٤) الآية.
стр. 6045
٣ - ومنها قوله سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١).
ووجه الدلالة: أن الله أخبر نبيه محمدا ﷺ بأن يبرأ من كل من فارق دين الله وخالفه؛ لأن الله سبحانه بعث رسوله ﵊ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فالذين اختلفوا فيه وكانوا شيعا أي فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسوله ﵊ مما هم فيه، وهذا كاف في ذم هؤلاء، ومنهم المبتدعة (٢). ٣ - ومنها قوله ﷺ من حديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣)» أي: مردود، قال ابن دقيق العيد ﵀ عند شرحه هذا الحديث: إنه صريح في رد كل بدعة وكل مخترع (يعني في الدين) وقال عن رواية مسلم التي قال فيها رسول الله ﷺ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤)» قال: إنها صريحة في ترك كل محدثة سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها فإنه قد يحتج به (أي بما رواه الشيخان) بعض المعاندين إذا فعل البدعة فيقول: ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بهذه الرواية (٥). اهـ.
٤ - ومنها ما جاء عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال.
«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك
стр. 6046
من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (١)» رواه مسلم (٢).
ووجه الدلالة فيه: أن من يدعو إلى ضلالة من الضلالات التي أحدثت في الدين فإنه سيبوء بأوزار من يعمل بها. وهذا من أعظم ما ينفر عن البدع ويبين سوء منقلب دعاتها والعاملين بها. قال الحافظ ابن حجر ﵀: ووجه التحذير: أن الذي يحدث البدعة قد يتهاون بها لخفة أمرها في أول الأمر ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده ولو لم يكن هو عمل بها بل؛ لكونه كان الأصل في إحداثها (٣).
٥ - ومنها: ما جاء عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٤)». . الحديث. رواه مسلم وابن ماجه (٥).
وفي حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته (٦)» رواه الطبراني وإسناده حسن (٧).
ووجه الدلالة منهما: أنه ﵊ أخبر بأن شر الأمور في الدين هي المحدثات من البدع وأن كل بدعة ضلالة. كما أخبر عن
стр. 6047
حجب التوبة عن المبتدع حتى يدع بدعته، وهذا كاف في بيان سوء الابتداع وقبح البدع وأن أصحابها بعيدون عن هدي الله الذي كانوا يظنون أنهم بابتداعهم يقتربون منه. فقوله ﵊: «شر الأمور محدثاتها (١)». وقوله: «كل محدثة بدعة (٢)». في بعض الروايات. وقوله: «وكل بدعة ضلالة (٣)». وقوله: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته (٤)» هذه كلها نواه وزواجر تقرع الأسماع ليكون فيها عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
٦ - ومنها ما جاء في الحديث الطويل عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال: قلت: «يا رسول الله: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله: صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (٥)» رواه البخاري (٦).
ووجه الدلالة من الحديث: أن المحدثات في الدين أيا كان نوعها هي من الشرور والآثام التي حذر منها الشارع وأخبر أنها سبب لقذف أصحابها في نار جهنم. وهذا وعيد شديد لدعاة الباطل كالمبتدعة وأتباعهم ليقلعوا عما هم عليه حتى لا يقعوا تحت طائلة هذا الوعيد.
٧ - ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذم البدع:
стр. 6048
ما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (الاقتصاد في السنة أحسن من الاجتهاد في البدع) رواه الحاكم موقوفا بإسناد صحيح (١) ٨ - «وعن غضيف بن الحارث الثمالي قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا سليمان إنا قد جمعنا الناس على أمرين فقال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منهما، قال: لم؟ قال: لأن رسول الله ﷺ قال: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة (٢)» رواه أحمد بسند جيد والبزار (٣).
فإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة فما ظنك بما لا أصل له فيها فكيف بما يشتمل على ما يخالفها كما قال الحافظ ابن حجر (٤).
٩ - وقال الإمام مالك: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمور بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها ومن اقتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا (٥).
стр. 6049
١٠ - وقال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب كان يقول: سنت لكم السنن وفرضت عليكم الفرائض وتركتم على الواضحة إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا (١).
من هذه الأدلة وغيرها مما لا يحصى كثرة يظهر أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم كانوا يحثون على التمسك بالسنن التي جاءت عن الله على لسان رسوله ﷺ كما كانوا يشددون في النهي عن البدع وينفرون منها؛ لأنها كما هو واقعها زيف في الدين وخبث إذا داخله عكر صفوه وشوه جماله. ولولا خوف الإطالة لاستقصيت كافة الأدلة من الكتاب والسنة والمأثور عن السلف الصالح، ولكني أكتفي بما أوردت وأحيل من أراد التوسع والاستقصاء على بعض أمهات المراجع التي أفاضت في سرد الأدلة في هذا الصدد، مثل: كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي، وإغاثة اللهفان للإمام ابن القيم، وتلبيس إبليس لابن الجوزي. ففيها ما يشفي الغليل، جزى الله مؤلفيهما خير ما يجزي به العلماء العاملين.
стр. 6050
ب: و من الأدلة العقلية على ذم البدع وسوء منقلب أصحابها ما يلي:
١ - أنه ثبت بالاستقراء والتتبع أن العقول لا تستقل بمصالحها: استجلابا لها. أو مفاسدها: استدفاعا لها. لأنها إما دنيوية أو أخروية:
أما الدنيوية فلا يستقل العقل بإدراكها على التفصيل لا في ابتداء وضعها ولا في استدراك ما عسى أن يعرض في طريقها إما في السوابق وإما في اللواحق؛ لأن وضعها أولا لم يكن إلا بتعليم الله تعالى كما قال
стр. 6051
سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (١). وهكذا فلولا أن من الله على الخلق ببعثه الأنبياء لم تستقم لهم حياة ولا جرت أحوالهم على كمال مصالحهم.
وأما المصالح الأخروية فالعقل أبعد ما يكون عن إدراكها والعلم بها كالعبادات وأمور الآخرة؛ لأنها لا تعلم إلا من طريق الوحي.
إذا علم هذا فإن المبتدع يعتبر قائلا على الله بغير علم لأنه بابتداعه في الدين ادعى علم ما لم يعلم.
٢ - ومنها أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان لأن الله أخبر عنها بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) وأخبر عنها رسوله ﵊ كما في حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها (٣)» الحديث قال المنذري (٤) إسناده حسن.
وثبت أنه ﷺ بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، ولم يمت حتى بين جميع ما تحتاج إليه في أمر دينها ودنياها، سواء كان هذا البيان بالتفصيل أو بالقواعد الكلية، وهذا أمر متفق عليه عند من يعتد بهم من العلماء.
والمبتدع بلسان حاله أو فعاله يقول: إن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها. لأنه لو اعتقد كمالها وتمامها من
стр. 6052
كل وجه لم يبتدع، ورحم الله الإمام مالكا حيث قال: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ قد خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا.
٣ - أن المبتدع معاند للشارع محاد له لأن الشارع حدد للعباد طرقا خاصة وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها؛ لأن الله سبحانه يعلم ونحن لا نعلم وأنه إنما أرسل الرسول ﷺ رحمة للعالمين والمبتدع راد لهذا كله فهو يزعم أن ثم طرقا أخر وليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين فكأن الشارع يعلم والمبتدع يعلم بل ربما يفهم من هذا الابتداع أن المبتدع يعلم ما لم يعلم الشارع.
وهذا إن كان مقصودا للمبتدع فهو كفر في الشريعة والشارع وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين.
٤ - أن المبتدع من حيث يدري أو لا يدري قد جعل نفسه مضاهيا للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها وصار هو المنفرد بذلك؛ لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع ولم يبق الخلاف بين الناس ولا احتيج إلى بعث الرسل ﵈. والمبتدع قد صير نفسه للشارع نظيرا ومضاهيا حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابا ورد قصد الشارع بالانفراد بالتشريع وكفى بهذا مخالفة للدين (٢).
стр. 6053
تعريف البدع
تعريف البدعة في اللغة ، تعريفها في الشرع، العلاقة بين المعنيين، مسالك العلماء في تعريفها شرعا، الفرق بين المسلكين.
البدعة في اللغة:
بدع: الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء ومنه قيل: ركية بديع: أي جديدة الحفر (١)، وقال في الصحاح (٢) أبدعت الشيء اخترعته لا على مثال: والله تعالى بديع السماوات والأرض، والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال.
وقال في المصباح المنير: أبدع الله تعالى الخلق إبداعا: خلقهم لا على مثال وأبدعت الشيء وابتدعته: استخرجته وأحدثته. ومنه قيل للحالة المخالفة (بدعة) وهي اسم من الابتداع كالرفعة من الارتفاع، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة. وفلان بدع في هذا الأمر: أي هو أول من فعله فيكون اسم فاعل بمعنى مبتدع. والبديع
стр. 6054
فعيل من هذا فكأن معناه هو منفرد بذلك من بين نظائره. وفيه معنى التعجب ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (١) أي ما أنا أول من جاء بالوحي من عند الله تعالى وتشريع الشرائع بل أرسل الله تعالى الرسل قبلي مبشرين ومنذرين فأنا على هداهم (٢) من هذا يظهر أن البدعة في اللغة: هي الأمر المحدث على غير مثال: محمودا كان الأمر أم مذموما.
стр. 6055
البدعة في لسان الشارع:
البدعة: تطلق ويراد بها في الشرع: ما أحدث وليس له أصل في الشرع. أما ما كان له أصل يدل عليه في الشرع فليس ببدعه.
قال الراغب ﵀: البدعة في المذهب: إيراد قول لم يستن قائلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة وروي: كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (١). اهـ.
وقال في فتح الباري: (٢) المحدثات جمع محدثة والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع بدعة. فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما. اهـ.
стр. 6056
العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي:
يظهر من التعريف اللغوي للبدعة بأنها تشمل كل شيء أحدث
стр. 6057
على غير مثال سابق محمودا كان أم مذموما.
كما يظهر أن البدعة في اصطلاح الفقهاء هي ما أحدث في الدين مما ليس له أصل، فهي خاصة بما يحدث في الدين من الأمور المذمومة. فالمعنى اللغوي إذا أعم وأشمل من المعنى الشرعي. هذا وسنتعرض للتوسع في هذا عند الكلام على مسالك العلماء في تعريفهم البدعة في الاصطلاح.
стр. 6058
اختلاف العلماء في الحد الشرعي للبدعة:
ذهب العلماء في تعريف البدعة اصطلاحا مذهبين:
١ - مذهب من يتوسع في معناها فيحملها على ما أحدث بعد عهد النبوة سواء كان راجعا إلى العبادات أم العادات أم المعاملات، وسواء أكان حسنا أم قبيحا، وعلى هذا سار الإمام الشافعي ﵀ كما نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري حيث قال: قال الشافعي: البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالفها فهو مذموم. . وجاء عن الشافعي ﵀ قوله: المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال. وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة. وقد قسم العز بن عبد السلام ﵀ بناء على هذا التعريف البدعة إلى خمسة أقسام حيث قال: البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله ﷺ وهي تنقسم إلى بدعة واجبة وبدعة محرمة وبدعة مندوبة
стр. 6059
وبدعة مكروهة وبدعة مباحة والطريق في معرفة ذلك: أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة كوضع علم النحو والاشتغال بتعلمه وتعليمه حيث يفهم به كلام الله وكلام رسوله ﷺ وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجبة ولا يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك: فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة: مثال ذلك: مذهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة. فالرد على هؤلاء من البدع الواجبة. وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة: مثال هذا إحداث الرباط والمدارس والقناطر.
وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وذلك كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف.
وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة مثل المصافحة بعد صلاة الصبح والعصر والتوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والمساكن والملابس. وقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة على عهده ﷺ فما بعده وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة (١) اهـ وممن سار على هذا التعريف ابن الأثير ﵀ (٢) ٢ - مذهب من يفسر البدعة بالطريقة المخترعة على أنها من الدين وليست من الدين في شيء فهي مذمومة في كل حال ولا يدخل في حقيقتها واجب أو مندوب أو مباح وعلى هذا سار الإمام الشاطبي حيث قال:
стр. 6060
البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.
ومن هذا التعريف يظهر أن البدعة هي ما كانت في الدين، أما ما كان في أمور الدنيا فليس ببدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لم تعهد من قبل وكذا ما اخترع بعد عهد النبوة مما هو متعلق بالدين كعلم النحو وأصول الفقه وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع فهذه ليست من البدعة في شيء؛ لأن لها في الشريعة أصولا تدخل تحتها.