← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي: يظهر من التعريف اللغوي للبدعة بأنها تشمل كل شيء أحدث

стр. 6057

على غير مثال سابق محمودا كان أم مذموما. كما يظهر أن البدعة في اصطلاح الفقهاء هي ما أحدث في الدين مما ليس له أصل، فهي خاصة بما يحدث في الدين من الأمور المذمومة. فالمعنى اللغوي إذا أعم وأشمل من المعنى الشرعي. هذا وسنتعرض للتوسع في هذا عند الكلام على مسالك العلماء في تعريفهم البدعة في الاصطلاح.

стр. 6058

اختلاف العلماء في الحد الشرعي للبدعة: ذهب العلماء في تعريف البدعة اصطلاحا مذهبين: ١ - مذهب من يتوسع في معناها فيحملها على ما أحدث بعد عهد النبوة سواء كان راجعا إلى العبادات أم العادات أم المعاملات، وسواء أكان حسنا أم قبيحا، وعلى هذا سار الإمام الشافعي ﵀ كما نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري حيث قال: قال الشافعي: البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالفها فهو مذموم. . وجاء عن الشافعي ﵀ قوله: المحدثات ضربان: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال. وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة. وقد قسم العز بن عبد السلام ﵀ بناء على هذا التعريف البدعة إلى خمسة أقسام حيث قال: البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله ﷺ وهي تنقسم إلى بدعة واجبة وبدعة محرمة وبدعة مندوبة

стр. 6059

وبدعة مكروهة وبدعة مباحة والطريق في معرفة ذلك: أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة كوضع علم النحو والاشتغال بتعلمه وتعليمه حيث يفهم به كلام الله وكلام رسوله ﷺ وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجبة ولا يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك: فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة: مثال ذلك: مذهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة. فالرد على هؤلاء من البدع الواجبة. وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة: مثال هذا إحداث الرباط والمدارس والقناطر. وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وذلك كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف. وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة مثل المصافحة بعد صلاة الصبح والعصر والتوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والمساكن والملابس. وقد يختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة على عهده ﷺ فما بعده وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة (١) اهـ وممن سار على هذا التعريف ابن الأثير ﵀ (٢) ٢ - مذهب من يفسر البدعة بالطريقة المخترعة على أنها من الدين وليست من الدين في شيء فهي مذمومة في كل حال ولا يدخل في حقيقتها واجب أو مندوب أو مباح وعلى هذا سار الإمام الشاطبي حيث قال:

стр. 6060

البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه. ومن هذا التعريف يظهر أن البدعة هي ما كانت في الدين، أما ما كان في أمور الدنيا فليس ببدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لم تعهد من قبل وكذا ما اخترع بعد عهد النبوة مما هو متعلق بالدين كعلم النحو وأصول الفقه وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع فهذه ليست من البدعة في شيء؛ لأن لها في الشريعة أصولا تدخل تحتها.

стр. 6061

الموازنة بين هذين المسلكين: من التعريف الأول يتضح أن البدعة في المدلول الشرعي عند هؤلاء لا تختلف عن معناها اللغوي حيث إنها تطلق على كل ما أحدث على غير مثال سابق فهي شاملة للمبتدعات الحسنة والذميمة، غير أن هذا الفريق من العلماء يقيدون البدعة الشرعية بأن يقصد بالبدعة ما يقصد بالطريقة الشرعية فيشملها الذم. أما الفريق الثاني ومنهم الشاطبي: فإنهم يقصرون البدعة على ما أحدث بعد عصر التشريع من أمور الدين بقصد التقرب به إلى الله ومن هذا يتضح أن البدعة في الشرع لا تطلق إلا على ما يذم، ويترتب على هذا أن كل ما يطلق عليه بدعة في الشرع فإنه مذموم لا محالة فليس في الشرع بدعة محمودة، وقد تبين أن الفريقين مختلفان في حد البدعة شرعا فهي على رأي ابن عبد السلام عند الإطلاق تحتمل الذم والمدح حسبما فصلناه عنه آنفا. وعند الشاطبي لا تحتمل إلا الذم فقط.

стр. 6062

توضيح وجهة نظر الفريق الثاني: الذي يظهر أن إطلاق البدعة على ما يذم شرعا هو الإطلاق المفضل بل الأصوب؛ لأن شأن البدع هو الذم وليس ثمة بدعة يليق أن يقال عنها إنها بدعة مطلوبة أحيانا أو ممنوعة أحيانا أخرى، اللهم إلا ما اختاره العز بن عبد السلام بناء على توسعه في استعمال اللفظ وهو استعمال سيتضح أنه مرجوح؛ إذ البدعة أمر ممنوع في الشرع وإذا قلنا البدعة فإنما نعني بها ما عناه العلماء بها من أنها ما أحدث بعد عهد التشريع مما لا أصل له في الشرع. والنصوص التي وردت في البدع تفيد الذم مطلقا ومن ذلك: ١ - قوله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)» متفق عليه (٢)، وقوله ﷺ في رواية أخرى: «من عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣)» رواه مسلم. ووجه الدلالة منه أنه ﷺ أخبر بأن الإحداث في الدين مردود، وهذا دليل على أن كل محدث من البدع مردود ومذموم. فلا بدعة واجبة ولا حسنة ولا مباحة على هذا. ٢ - وقال ﵊: في حديث جابر: «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة (٤)» الحديث. رواه مسلم (٥). وقال ﵊ من حديث العرباض بن سارية: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة (٦)» رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (٧).

стр. 6063

وجه الدلالة من هذين الحديثين: أن شر الأمور المحدثات في الدين وهي التي حذر منها ﷺ بقوله: «وإياكم ومحدثات الأمور (١)» وهذا دال على أن كل محدثة منهي عنها فلا تكون محمودة في بعض الأحيان. وقوله ﷺ «وكل بدعة ضلالة (٢)» قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها كما يقول الحافظ ابن حجر ﵀: أما منطوقها فكأن يقال: حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة، فلا تكون من الشرع؛ لأن الشرع كله هدى، فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب (٣). أما ما ذكره الفريق الأول من أن البدعة قد تكون ممنوعة وقد تكون مشروعة، فهو اصطلاح يضفي على البدعة الممنوعة شيئا من التلطيف، ويقلل من الحذر منها ويجعلها بعض الناس أمرا معتادا ومألوفا؛ لأنها كما تكون ممنوعة فإنها قد تكون مشروعة فيخف استنكارهم لها لهذا الاعتبار. علما بأن ما ذكره بدعة مطلوبة فيه اصطلاح يغني عنه في الشريعة وهو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ونحوها من المصادر الشرعية والقواعد المرعية. فلا حاجة بنا لأن ندرجها تحت أمر غلب استعماله في الذم. مبحث: تخريج بعض الأحاديث والآثار الواردة بشأن البدعة مدحا وذما بناء على هذين المسلكين. ١ - قوله ﷺ : «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (٤)» ونحوه من الأحاديث والآثار التي تذم البدع.

стр. 6064

محمول عند الفريق الثاني على الذم وهو متمش مع ما قالوا به من أن كل بدعة مذمومة إذ لا بدعة محمودة إطلاقا وهو من أدلتهم على هذا الإطلاق. أما عند الفريق الأول: فهو محمول أيضا على البدعة المذمومة المحدثة في الدين. أما البدعة المحمودة التي لها أصل تستند إليه فلا يشملها هذا الذم؛ لأن لها أصلا مشروعا. ٢ - قوله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (١)» رواه مسلم (٢). فالفريق الأول: يجعلون هذا الحديث وأمثاله سندا لهم في أن هناك أعمالا مبتدعة فإن كانت خيرا أو تؤدي إلى خير فهي من السنن المثنى عليها في هذا الحديث وإن كانت شرا أو تؤدي إلى شر فهي من السنن المذمومة في شطر الحديث «ومن سن سنة سيئة (٣)» وهذا هو معنى تقسيمنا للبدعة إلى حسنة ومذمومة. أما الفريق الثاني: فيجيبون عن هذا الحديث وأمثاله بجواب منسجم مع اصطلاحهم: هو كما قال الشاطبي: والجواب عن هذا أن يقال: ليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية وذلك لوجهين: (أ) أن السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة حيث قاله الرسول ﷺ عندما «جاء رجل من الأنصار بصرة كبيرة فيها

стр. 6065

دراهم فلما رآه الناس تتابعوا في التصدق فتهلل وجه رسول الله ﷺ سرورا بما رآه فقال: من سن سنة حسنة (١)» الحديث. فهذا الرجل قد أحيا الصدقة التي كان مأمورا بها في الكتاب والسنة، فهذا مطابق لما جاء عنه ﷺ من قوله: فيما خرج الترمذي لبلال بن الحارث: «اعلم: قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم يا بلال. قال ما أعلم يا رسول الله. قال: إن من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا (٢)» حديث حسن (٣) وقال ﵊ من حديث أنس «ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة (٤)» حديث حسن (٥). فالرسول ﷺ سمى هذه البدعة حسنة لأنها إحياء لسنة سبقت؛ ولهذا قال: «ومن ابتدع بدعة ضلالة (٦)» فجعل مقابل تلك السنة الابتداع فظهر أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة. (ب) الوجه الثاني: أن قوله ﷺ من سن سنة حسنة، ومن سن سنة سيئة لا يمكن حمله على الاختراع من أصل لأن كونها حسنة أو سيئة لا يعرف إلا من جهة الشرع؛ لأن التحسين والتقبيح مختص بالشرع لا مدخل للعقل فيه، وهو مذهب جماعة من أهل السنة، وإنما يقول به المبتدعة بالعقل. فلزم أن تكون السنة في الحديث إما حسنة في الشرع وإما قبيحة بالشرع فلا يصدق إلا على مثل الصدقة المذكورة التي قيل

стр. 6066

الحديث فيها وما أشبهها من السنن المشروعة وتبقى السنة السيئة منزلة على المعاصي التي ثبت بالشرع كونها معاصي كالقتل المنبه عليه في حديث: ابن آدم حيث قال ﷺ : «ليس من نفس تقتل ظلما إلا على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل (١)» متفق عليه (٢) وعلى البدع لأنه قد ثبت ذمها والنهي عنها بالشرع. وقوله: «من ابتدع بدعة ضلالة (٣)» هو على ظاهره لأن سبب الحديث لم يقيده بشيء فلا بد من حمله على ظاهر اللفظ كالعمومات المبتدأة التي لم تثبت لها أسباب. ويصح أن يحمل على نحو ذلك قوله «ومن سن سنة سيئة (٤)» أي من اخترعها. وقوله ﷺ «من ابتدع بدعة ضلالة (٥)» تقييد البدعة بالضلالة. يفيد مفهوما: الجواب عنه: إما بعدم القول بالمفهوم وأنه أي المفهوم ليس بحجة كما هو رأي بعض الأصوليين وإن قلنا: إنه حجة على رأي بعضهم، فالجواب عنه أنه قد قام الدليل على تعطيله في هذا الموضع كما دل دليل تحريم الربا قليله وكثيره على تعطيل المفهوم في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٦) ولأن الضلالة لازمة للبدعة بإطلاق الأدلة المتقدمة فلا مفهوم أيضا (٧). ٣ - وأما قول عمر ﵁ لما جمع الناس لصلاة التراويح على إمام واحد: (نعمت البدعة هذه). فقد سماها بدعة وحسنها وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع كما يقول أصحاب الرأي الأول والجواب- من أهل الرأي الثاني- أن

стр. 6067

نقول: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ﷺ واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر ﵁ لا أنها بدعة في المعنى: فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي بسند ذلك فلا يجوز أن يستدل على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه أو أن يقال: سماها عمر بدعة بالمعنى اللغوي (١) وحسب. وأخيرا اتضح لنا أن الفريقين متفقان على أن البدعة المذمومة هي تلك التي لا أصل لها في الشريعة من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا أصل معتبر مما يقصد به التقرب إلى الله فهي بدعة ذميمة، أما ما عدا هذه البدعة مما وجد بعد عهد النبوة فهذا يسميه الفريق الأول بدعا إما مشروعة وإما ممنوعة حسب ما تؤدي إليه. في حين لا يسميها الفريق الثاني بدعا بل يدرجها تحت ما يناسبها من قواعد الشريعة الكلية كالمصالح المرسلة أو الاستحسان أو ما لا يتم الواجب إلا به. أو سد الذرائع أو نحو هذا. المهم أنهما متفقان على منع ما أحدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة وهو البدعة المذمومة. ولكل منهما في منحاه وجهة نظر أقل ما يقال عنها إنها اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح والله أعلم.

стр. 6068

مبحث: في أقسام البدع: تنقسم البدع إلى أقسام حسب الآتي: ١ - بدعة هي إحداث في الدين غير مشروع من أصله. كصلاة الرغائب في رجب وصلاة ليلة عاشوراء. ٢ - وبدعة هي زيادة على أمر مشروع كزيادة الشيعة في الأذان (أشهد أن عليا ولي الله). ٣ - وبدعة هي نقص من المشروع كالذكر بالاسم المفرد لأن الوارد إنما هو ذكر الله بلفظ مركب مفيد. ٤ - وبدعة هي تحويل للمشروع عن موضعه كتقديم خطبة العيد على صلاته (١). ٥ - وبدعة هي ترك للمأذون فيه على وجه التدين وتسمى البدعة التركية. مثال ذلك: ما حصل من بعض الصحابة حيث هم أحدهم أن يحرم نفسه النوم بالليل، وآخر: الأكل بالنهار، وآخر: إتيان النساء، وبعضهم هم بالاختصاء مبالغة في ترك شأن النساء. وفي أمثال هؤلاء قال الرسول ﷺ «من رغب عن سنتي فليس مني (٢)» فإذا كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي، فهو خارج عن سنة النبي ﷺ ، والعامل بغير السنة تدينا هو المبتدع بعينه (٣) يتضح هذا من المبحث الآتي:

стр. 6069

مبحث: تارك الواجب أو المندوب أو المباح هل يعد مبتدعا ؟ من ترك مطلوبا شرعيا لا يخلو من حالين: أ- أن يترك هذا المطلوب لغير التدين والعبادة؛ إما كسلا أو تضييعا أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية، فهذا الترك يعتبر مخالفة للأمر. فإن كان المتروك واجبا فإن تركه معصية، وإن كان مندوبا فليس كذلك. ٢ - أن يترك ذلك تدينا وطلبا للقربة إلى الله فهذا الترك على هذا الوجه يعد من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع الله ومثاله: ما سبق ذكره من فعل بعض الصحابة (١) الذين نهاهم ﷺ . ومن هذا يظهر أن البدع أنواع متعددة من ضمنها نوع هو البدعة التركية التي يظن أصحابها أنهم بتركهم المباحات أو الواجبات أو المندوبات تقربا إلى الله (٢) يسيرون على طريق صحيح في حين أنهم قد انحرفوا عن هذا الطريق وعليهم ينطبق قول المصطفى ﷺ «من رغب عن سنتي فليس مني (٣)» وهكذا الحكم بالنسبة لأصحاب البدع الأخرى المذكورة بدعهم مردودة عليهم وهم آثمون غير مأجورين؛ لأنهم أتوا بما لم يأت به الله ولا رسوله ﷺ .

стр. 6070

مبحث: درجات البدع من حيث هي كفر أو معصية . من سار من العلماء على أن البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، فلا يحتاج إلى بيان الدرجات باعتبار أن الأمر واضح لا إشكال فيه من حيث تنوع رتبها. أما على تعريف الفريق الثاني من العلماء الذي يخص البدعة بما يذم شرعا فالبدعة عند هؤلاء على درجات: وذلك أن البدع إذا تم التأمل في معقولها وجدت رتبها متفاوتة فمنها: ١ - ما هو كفر صراح كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن كقوله تعالى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ (١)، الآية وقوله سبحانه ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (٢) فهؤلاء بتحريمهم ما أحل الله في كتابه قد جاؤا من البدع ما هو كفر صراح. ٢ - ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر عند بعض العلماء، كبدعة الخوارج حين قال بعض طوائفهم: من حكم مخلوقا فهو كافر. وقول بعضهم (٣): نحن نتبرأ من علي ومعاوية لأن أمرهما قد اشتبه علينا.

стр. 6071

٣ - ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل، والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع. ٤ - ومنها ما هو مكروه، مثل ذكر السلاطين بأسمائهم في خطب الجمعة، والاجتماع للدعاء عشية عرفة. وهذا النوع لم يسلم به الإمام الشاطبي بل نفاه، وقال: ليس من البدع ما هو مكروه بمعنى أن من تركه يثاب ومن اقترفه لا إثم عليه حيث قال: وأما تعيين الكراهة التي معناها نفي الإثم عن فاعلها وارتفاع الحرج ألبتة، فهذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص، أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ رد على من قال: «أما أنا فأقوم الليل ولا أنام. وقال الآخر: أما أنا فلا أنكح النساء إلى آخر ما قالوا. فرد عليهم ﷺ وقال: من رغب عن سنتي فليس مني (١)». وهذه العبارة أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر. وقال ﵀: إن كلام العلماء في إطلاق الكراهية في الأمور المنهي عنها كالبدع لا يعنون به كراهية التنزيه فقط؛ لأن هذا اصطلاح المتأخرين، أرادوا به التفرقة بين ما هو مكروه كراهة تنزيه، وبين ما هو مكروه كراهية تحريم. وقال: إذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها [أكره كذا ولا أحب كذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك]، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه، فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة، فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية تنزيه (٢)؟ وبعد هذا ننتقل إلى موضوع ذي صلة وثيقة بهذا المبحث وهو:

стр. 6072

مبحث: تفاوت البدع من حيث هي كبيرة وصغيرة . من المعروف أن المحرمات تنقسم من حيث حكمها وما يترتب عليها من مفاسد إلى ما هو كبيرة من الكبائر وإلى ما هو صغيرة من صغائر الذنوب، والكلام هنا عن البدع وتنوعها إلى بدع كبيرة وبدع صغيرة اعتبارا بتفاوت درجاتها. فالبدع الكبيرة هي ما أخل بأصل من الضروريات، وما لا فهي الصغيرة. يوضح هذا أن البدع تنقسم إلى ما هو كلي في الشريعة وإلى ما هو جزئي. ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليا في الشريعة كبدعة التحسين والتقبيح العقليين، وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارا على القرآن، وبدعة الخوارج في قولهم: لا حكم إلا لله. وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعا من فروع الشريعة دون فرع، بل نجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية. أما الخلل الواقع جزئيا كالذي يأتي في بعض الفروع دون بعض كبدعة التثويب في الصلاة: الذي قال فيه الإمام مالك: التثويب ضلال.

стр. 6073

وكبدعة الأذان والإقامة في العيدين ومثل بدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين وما أشبه ذلك. فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها. ولا تنتظم تحتها غيرها حتى تكون أصلا لها. ولكن مع القول بأن البدع منها ما هو كبيرة، ومنها ما هو صغيرة فإن العلماء ﵏ قالوا: لا تكون البدعة من الصغائر إلا بالشروط الآتية، وذلك اقتناعا منهم بأن البدع في الأصل مضادة للشارع ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة لا منصب المكتفي بما حوله، وحيث إن كل بدعة وإن قلت تشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل الصحيح؛ لهذا كانت البدعة مذمومة بكل حال؛ لأن النصوص الواردة في البدع بينت أن كل بدعة ضلالة، ومن أجل هذا اشترطوا في البدعة الشروط الآتية لتكون من البدع الصغيرة. ١ - ألا يداوم عليها صاحبها؛ لأن الصغيرة من المعاصي مع الإصرار تكون كبيرة كما قالوا: " لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار " فكذلك البدعة. ٢ - ألا يدعو إليها، فإن البدعة قد تكون صغيرة، ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها، فيكون إثم ذلك عليه. كما جاء في الحديث الصحيح من أن كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا. والصغيرة إنما تخالف الكبيرة بكثرة الإثم وقلته، فإذا دعا المبتدع إلى بدعته كثرت أوزاره؛ فلا تكون البدعة حينئذ صغيرة. ٣ - ألا يجاهر بها في مجتمعات الناس أو في الأماكن التي تقام فيها السنن أمام العوام؛ لأن هذا يجعلهم ينخدعون بها ويسول لهم الشيطان

стр. 6074

بأنها حسنة فتنتشر وتفشو وبهذا لا تكون من الصغائر. وبهذا يظهر أن البدعة لا تكون صغيرة إلا بوجود هذه الشروط. فإن تخلف منها شرط أو أكثر صارت كبيرة أو خيف أن تكون كبيرة (١).

стр. 6075

مبحث الفرق بين البدع والمعاصي: المعاصي والبدع: فيها تعد على حرمات الله وتجن على شريعته ولكن المعاصي والبدع تختلف بسبب اختلاف بواعثها وآثارها لهذا ذكر العلماء فروقا بينها: ١ - أن مرتكب المعصية قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلا على العفو ورفع الحرج الثابت في الشريعة، فهو إلى الطمع في رحمة الله أقرب. كما أن إيمانه لا يتزحزح في أن هذه المعصية ممنوعة شرعا، وإن اقترفها فهو يخاف الله ويرجوه، والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان. ٢ - أن مرتكب المعصية ليس في ذهنه أن معصيته هذه من الشرع في شيء، فهو لا يعتقد إباحتها فضلا عن أن يعتقد شرعيتها. كما أنه بمعصيته لم ينقص من الدين شيئا، في حين أن المبتدع ببدعته قد جاء بتشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على انفراد أو ملحقا بما هو مشروع، فيكون قادحا في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدا لكفر؛ إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قل أو كثر كفر. ولكن من فعل هذا بتأويل فاسد أو برأي

стр. 6076

خاطئ فإنه يكون مخالفا لشرع الله ولا أقل من أن تكون هذه المخالفة بدعة يمنعها الشارع منعا قاطعا. ٣ - أن مرتكب المعصية يؤاخذ عليها شرعا ولكنه مع صحة الاعتقاد يحب الله ورسوله، في حين أن المبتدع ليس كذلك يوضح هذا الحديثان الآتيان: (أ) فيما يتصل بصاحب المعصية: روى البخاري (١): في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁: «أن رجلا كان يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان يضحك النبي ﷺ وكان كلما أتي به النبي ﷺ جلده الحد فلعنه رجل مرة وقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتي به إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله (٢)». ووجه الدلالة: أن هذا رجل كثير الشرب للخمر ومع هذا لما كان صحيح الاعتقاد ويحب الله ورسوله شهد له النبي ﷺ بذلك ونهى عن لعنه. (ب) وفيما يتصل بصاحب البدعة: جاء في الصحيحين عن علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وغيرهما «أن النبي ﷺ كان يقسم فجاءه رجل ناتئ الجبين كث اللحية محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود وقال: ما قال: فقال النبي ﷺ : يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون

стр. 6077

من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد (١)». وفي رواية: «لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل (٢)». وفي رواية: «شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه (٣)». ووجه الدلالة: أن هؤلاء المبتدعة مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة، أمر النبي ﷺ بقتلهم؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل كما يروي عنه ابنه عبد الله قال: حدثنا أبي قال: قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدع من الزنادقة حفرة. فساق أهل السنة أولياء الله، وزهاد أهل البدعة أعداء الله. اهـ. وكلام الإمام أحمد لعل المقصود به والله أعلم بيان النسبة بين ضرر الفسق وأهله والبدعة وأهلها لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (٤) ولقوله سبحانه عن أوليائه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥) وقد بين المحققون أن البدعة شر من المعاصي وأضر لاعتقاد أهلها أنها حق وطاعة، وذلك كذب على الله وقول في دينه بغير علم، ويندر أن يتوب صاحبها (٦). من هذا التفريق بين المعصية والبدعة ظهر قبح البدع في الإسلام؛ لأنها كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر (٧).

стр. 6078

مبحث: معاملة أهل البدع . أخطاء المبتدعة خطيرة على الدين من جهة جنايتهم عليه وإفسادهم في الأرض وخروجهم عن جادة الإسلام إلى جواد التيه والضلال، هذا الخروج الذي جعلهم يتركون صراط الله المستقيم ويستبدلون به طرقا شتى معوجة تذهب بهم وبأتباعهم إلى الغي والضلال كما قال سبحانه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) لهذا فإن الأمر يقتضي أن يعاملوا بالتثريب أو التنكيل أو الطرد والإبعاد أو الإنكار أو القتل، ولكن هذه المعاملة تختلف باختلاف أحوالهم وبحسب البدعة التي أحدثوها من كونها عظيمة المفسدة في الدين، وكون صاحبها مشتهرا بها، وداعيا إليها، ومستظهرا بالأتباع وخارجا عن الناس، وكونه عاملا بها عن علم. فقد تكون البدعة على هذه الحال وقد تكون أقل من هذا، ولهذا ذكر الإمام الشاطبي ﵀ أنواعا من معاملة هؤلاء المبتدعة حسب حجم البدعة التي يرتكبونها وحسب الأشخاص الداعين إليها أو العاملين بها. وهي: ١ - الإرشاد والتعليم وإقامة الحجة كما فعل ابن عباس ﵁ مع الخوارج حين جادلهم بالحق حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة. ٢ - الهجران وترك الكلام والسلام كما جاء عن السلف في هذا المقام وكما جاء عن عمر ﵁ في قصة صبيغ العراقي أن عمر ضربه مرتين، ثم أراد أن يضربه الثالثة فقال له صبيغ: إن كنت تريد

стр. 6079

قتلي فاقتلني قتلا جميلا وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت. فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ ألا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتد ذلك على الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت سيئته: فكتب إليه عمر أن يأذن للناس بمجالسته. ٣ - التغريب كما فعل عمر بصبيغ السابق ذكره. ٤ - السجن كما سجنوا الحلاج الحسين بن منصور (١) قبل قتله، سنين عديدة. ٥ - ذكرهم بما هم عليه وإظهار بدعتهم وتفنيدها كي يحذروا ولئلا يغتر بهم وبكلامهم. كما جاء عن محمد بن سهل النجاري قال: كنا عند القرباني فجعل يذكر أهل البدع فقال له رجل: لو حدثتنا كان أعجب إلينا. فغضب وقال: كلامي في أهل البدع أحب إلي من عبادة ستين سنة (٢) ٦ - القتال إذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم كما قاتل علي ﵁ الخوارج وغيره من خلفاء السنة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد (٣). ٧ - القتل إن أظهروا بدعتهم ولم يرجعوا مع الاستتابة وهذا إن كانت

стр. 6080

البدعة مما يستحق عليه القتل كما فعل خالد بن عبد الله القسري حينما قتل الجعد بن درهم. ٨ - تكفير من قام الدليل على كفره كما إذا كانت البدعة صريحة في الكفر كالإباحية، وكالباطنية القائلين بالحلول. فهؤلاء يكفرون ويشهر بهم ويحكم عليهم بألا يناكحوا ولا تقبل شهادتهم ولا روايتهم ولا يولون إمارة ولا قضاء ولا يعاد مريضهم ولا تشهد جنازتهم. وذلك ليحذرهم الناس. ٩ - يحكم عليهم بالضرب كما فعل عمر بصبيغ. وقد حكم الإمام الشافعي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجرائد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام (١): يعني أهل البدع. ومن عرض هذه الأنواع يظهر لكل ذي لب أن علماء السلف قد شددوا في صيانة الشريعة من كل ما يؤثر في كمالها ويشوه وجهها الناصع الذي أراد الله أن تكون عليه دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وحنيفية سمحة جاء بها محمد ﷺ بيضاء نقية. وإن هذه المعاملة لهؤلاء المبتدعة لهم حقيقون بها؛ لأنهم سلكوا غير سبيل المؤمنين، فولاهم الله ما تولوا وسيجزيهم بخروجهم عن صراطه السوي ما هم مستحقون له.

стр. 6081

مبحث: هل لأهل البدع من توبة ؟ المبتدع يتعلق ببدعته ويعض عليها بالنواجذ ؛ لأنه يرى أنها بدعة حسنة وأنها من الشرع، وهو باعتقاده هذا يزيدها في نفسه رسوخا، ويدعو إليها وينافح عنها فتستشري هذه البدعة وتنمو وتنتشر، وقد يكون له فيها الأتباع والأنصار فيزداد بها تعلقا، ومن ثم يصعب أن يقبل الحوار حول مجافاتها للكتاب والسنة وما كان الصحابة عليه والتابعون وتابعوهم بإحسان. وحيت إن البدعة زيادة في الدين أو نقص منه أو تحريف له، وشرها يتعدى صاحبها إلى أناس آخرين فتموت بسببها السنن، وتفشو بين العامة وتندثر معالم السنة، ويظهر أهل الأهواء والتأويل وينحسر أهل الحق وتقل جهودهم بسبب هؤلاء المبتدعة؛ فلهذا اختلف العلماء في هؤلاء المبتدعين هل لهم من توبة أم لا: وسبب اختلافهم في قبول توبة المبتدع دون العاصي: أن المبتدع كما قلنا أشرب قلبه البدعة، وتمكنت من نفسه وسرت في عروقه حتى سرى الران على قلبه وأعمته غشاوة ضلالته عن الحق، فركس في العماية وانغمس في أوحال البدعة، وصار لا يرى حقا إلا هذه البدعة ولا صوابا إلا هذا الرأي المحدث المتجانف عن صراط الله السوي مما جعل قبوله الحق ورجوعه إليه وسماع نصح أهل الحق أمرا بعيد الملتمس؛ فلهذا اختلف العلماء في قبول توبته لاستبعادهم وقوع التوبة النصوح منه وحاله ما ذكرنا. والمقصود بقبول التوبة القبول الحكمي؛ لأنه مناط معاملة مثل هؤلاء القوم المنحرفين أما قبول التوبة عند الله سبحانه فأمره إلى الله جل

стр. 6082

وعلا. أما المعاصي فلم يختلف العلماء في قبول التوبة منها؛ لأنها صادرة من قوم يؤمنون بأن الله هو المشرع وحده، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ليس لأحد أن يزيد في شرعه ولا أن ينقص منه أو يحرف فيه، بل كل ما هنالك معاص تقع بسبب ضعف الوازع الإيماني وقوة الشهوات مع الخجل من الله والطمع في مغفرته والأمل في الإقلاع عن هذه المعاصي. فتوبة من هذه حالهم متوقعة دائما، وقبولها مرتجى من الله سبحانه، ومن حكام المسلمين متعينة. وبخاصة أنها تقع في حالة تستر وخجل، وأن أضرارها قاصرة على مرتكبيها غالبا، وضررها في الدين منتف؛ لأنها لا تسبب له زيادة في تشريعه ولا نقصا ولا تحريفا. وبعد هذه المقدمة: نتعرض للموضوع فنقول وبالله التوفيق.

стр. 6083

الخلاف في قبول توبة المبتدع يرى بعض العلماء أن المبتدع ليس له من توبة وممن اختار هذا أبو إسحاق الشاطبي وأبو إسحاق بن شاقلا من أصحاب أحمد وهو مذهب الربيع بن نافع. ومما احتج به هؤلاء: * قول الرسول ﷺ : «من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة (١)». * وبما روى أبو حفص العكبري عن أنس مرفوعا: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته (٢)» رواه الطبراني وإسناده حسن (٣).

стр. 6084

وقال القاضي: سئل الإمام أحمد ﵀ عما روي عن النبي ﷺ : «أن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة (١)» وحجز التوبة أيش معناه؟ قال أحمد: لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة. ووجه الدلالة من الحديث الأول أن المبتدع يلازمه وزر بدعته ووزر من عمل بها إلي يوم القيامة، وهذا يعني أنه من الأخسرين أعمالا فلا توبة له؛ لأن بدعته حالت بينه وبين التوبة، وكذلك فإن ما روي عن أنس مرفوعا من حجب التوبة عن كل صاحب بدعة، يدل على أن المبتدع محجوب عن التوبة والتوبة محجوبة عنه؛ لأن بدعته قد أحاطت به والعياذ بالله. ويعلل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عدم توبة أهل البدع والأهواء بقوله: لأن اعتقاد هؤلاء لبدعهم يدعوهم إلى ألا ينظروا نظرا تاما إلى دليل مخالفيهم من أهل الحق فلا يعرفون الحق ولهذا قال السلف: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. وقال أبو أيوب السختياني وغيره: إن المبتدع لا يرجع (٢). أما الشاطبي ﵀ فيبرر عدم قبول توبة صاحب البدعة بقوله: أما أن صاحبها ليس له من توبة فلما جاء من قوله ﷺ : «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة (٣)»، وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة. وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى أشر منها. ونحوه: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما كان رجل على رأي من البدعة فتركه إلا إلى ما هو شر منه. خرج هذه الآثار ابن وضاح (٤).

стр. 6085

وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: اثنان لا نعاقبهما: صاحب طمع وصاحب هوى فإنهما لا ينزعان. ثم ذكر أحاديث منها: قوله ﷺ عن أهل الأهواء والبدع: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم على فوقه (١)». وعن أبي ذر أنه ﷺ قال: «سيكون من أمتي قوم يقرءون القرآن ولا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة (٢)». قال الشاطبي: فهذه شهادة الحديث الصحيح لمعنى هذه الآثار وحاصلها: أنه لا توبة لصاحب البدعة عن بدعته فإن خرج عنها فإنما يخرج إلى ما هو شر منها. ومن هنا قلنا: يبعد أن يتوب بعضهم لأن الحديث يقتضي العموم بظاهره (٣) " اهـ. هذا بعض مما استدل به هؤلاء. أما الفريق الثاني القائل بأن المبتدع له توبة: فقالوا: إن المبتدع له توبة كأي مذنب ولا حائل بينه وبين التوبة؛ لأن باب التوبة مفتوح والتوبة لا تنقطع حتى تطلع الشمس من مغربها يدل لهذا: ١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٥).

стр. 6086

٣ وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ (١). ووجه الدلالة من الآية الأولى: أن الله نهى المسرفين على أنفسهم أن يقنطوا من رحمته؛ لأنه سبحانه يغفر الذنوب جميعا. وهؤلاء المبتدعة من عباده المسرفين على أنفسهم بهذه البدع الذين أخبر وهو أصدق القائلين أنه يغفر الذنوب جميعا وبدعة هؤلاء ذنب يشمله هذا الوعد منه سبحانه. وما دام الأمر كذلك فلا مجال لتخصيص أهل البدع بعدم التوبة. ووجه الدلالة من الآية الثانية: أنه سبحانه أخبر بأنه كثير الرحمة والمغفرة لجميع من تاب وآمن وعمل صالحا، ثم اهتدى. وكلمة (من) من صيغ العموم فتشمل كل المذنبين والمبتدع منهم. ووجه الدلالة من الآية الثالثة: أنه سبحانه أخبر أنه صاحب مغفرة لجميع الناس الظالمين، والمبتدع من الناس وبدعته من الظلم فيشمله الغفران وتشملها المغفرة كذلك؛ ولهذا ورد عن علي بن أبي طالب قوله: ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية. وقال عبد الله بن عمر ﵄: وهذه أرجى آية في القرآن. فقال عبد الله بن عباس: أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ (٣). ٤ - وجاء عن أبي هريرة فيما رواه مسلم (٤) أنه ﷺ قال: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه (٥)».

стр. 6087

٥ - وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها (١)». رواه مسلم (٢). فهذان الحديثان الشريفان أفادا بمنطوقهما أن المبتدع باب التوبة له مفتوح لدخوله في عموم قوله ﷺ (من تاب) و (مسيء الليل) و (مسيء النهار). قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم (٣): إن للتوبة ثلاثة أركان: الإقلاع والندم على فعل تلك المعصية والعزم على ألا يعود إليها أبدا. فإن كانت المعصية لحق آدمي فلها ركن رابع وهو التحلل من صاحب ذلك الحق. واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة وأنها واجبة على الفور ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أم كبيرة. والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة. ولا يجب على الله قبولها إذا وجدت بشروطها عقلا عند أهل السنة لكنه يقبلها كرما وفضلا وعرفنا قبولها في الشرع والإجماع. اهـ. من هذا يظهر جليا أن الله قد شمل جميع عباده بقبول التوبة وأهل البدع مشمولون بهذا الفضل إذا حسنت توبتهم وأقلعوا عما أحدثوا ولا يبعد أن يمن الله عليهم برؤية الحق واتباعه والإقلاع عن البدع التي أحدثوها. والجواب عما استدل به أصحاب الرأي الأول: ١ - قوله ﷺ : «من سن سنة سيئة كان عليه وزرها (٤)».

стр. 6088

الحديث محمول على ما إذا لم يتب لأن التوبة تجب ما كان قبلها كما أخبر بذلك النبي ﷺ قال ابن عقيل (١): الرجل إذا دعا إلى بدعة، ثم ندم على ما كان، وقد ضل به خلق كثير، وتفرقوا في البلاد وماتوا، فإن توبته صحيحة إذا وجدت الشرائط، ويجوز أن يغفر الله له ويقبل توبته ويسقط ذنب من ضل به بأن يرحمه ويرحمهم، وبهذا قال أكثر العلماء. اهـ. ٢ - وأما بقية الأدلة: فما كان منها من أحاديث وآثار فهو معارض بالآيات الصريحة والأحاديث التي أوردنا طرفا منها فتقدم عليها. أو أن يقال إنها محمولة على ما إذا لم يتب هؤلاء وماتوا على بدعتهم. وأما ما كان منها (أي من أدلة أهل الرأي الأول) مرويا عن السلف فمحمول على التنفير من هذه البدعة وأهلها أو على من مات ولم يتب؛ لأن شأن المبتدعة عدم التوبة بناء على التجربة التي مارسها علماء السلف مع هؤلاء. ولكن مع هذا فالمعول عليه هو النصوص المتواترة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، والتي صرحت بأن باب التوبة مفتوح ويد الله مبسوطة لكل مذنب يريد التوبة، حتى لو كان كافرا أو زانيا أو قاتلا ولا نطيل في هذا لأنه من المسلمات.

стр. 6089

مبحث: أسباب انحراف المبتدعة . يتعلق المبتدعون بحجج أوهى من بيت العنكبوت؛ إذ يتعلقون في الاستدلال بأدلة يستدلون بها على خصوصات مسائلهم، وهذه الأدلة قد تكون قطعية الثبوت قطعية الدلالة ولكنهم يحرفونها عن مواضعها، وقد تكون هذه الأدلة أحاديث ضعيفة أو موضوعة، وقد يتعلقون بآثار لا أصل لها، كما أن بعضهم يكون الوازع له على هذا هو اتباع الظن والهوى

стр. 6090

والتشهي؛ فلهذا وقعوا فيما وقعوا فيه من انحراف عن صراط الله السوي فاستحقوا غضب الله والبعد عن مرضاته وسنتحدث بإيجاز عن أهم الأسباب التي جعلت هؤلاء المبتدعة يحيدون عن الجادة: ١ - اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوبة على رسول الله ﷺ والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها. كحديث الاكتحال يوم عاشوراء وإكرام الديك الأبيض وأكل الباذنجان بنية (معينة). وأن النبي ﷺ تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه. وما أشبه ذلك فإن أمثال هذه الأحاديث- على ما هو معلوم- لم ينقل الأخذ بشيء منها عمن يعتد به في طريقة العلم ولا طريقة السلوك، ومعلوم أيضا أن الأحاديث الضعيفة الواهية الإسناد لا يغلب على الظن أن النبي ﷺ قالها، فلا يمكن أن يسند إليها حكم، فما الظن بالأحاديث المعروفة الكذب، فالذي حمل هؤلاء المبتدعة على العمل بها هو اتباع الهوى، أو الجهل بالشريعة وأصولها. ٢ - اعتمادهم على تحكيم عقولهم والسير على قواعد قعدوها مما حملهم على رد أحاديث صحيحة؛ لأنها غير موافقة لأغراضهم ومذهبهم فيجب ردها، كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله في الآخرة، وكذلك حديث الذباب إذا وقع في الإناء وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء. وحديث المبطون الذي أمر الرسول ﷺ أخاه بأن يسقيه العسل. وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول. وربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين ﵃ وكذا من اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم، كل ذلك ليردوا به

стр. 6091

على من خالفهم في المذهب حتى بلغ بهم الأمر أن جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولا بما لا يعقل وقد سئل بعضهم: هل يكفر من قال برؤية الباري في الآخرة فقال: لا يكفر؛ لأنه قال ما لا يعقل، ومن قال ما لا يعقل فليس بكافر. كل هذا إمعانا منهم في الضلالة حيث ردوا ما صح من النصوص وحرفوا ما لم يوافق مذاهبهم الباطلة ظلما وعدوانا. ٣ - قولهم في القرآن والسنة بالخرص والتخمين مع جهلهم بعلم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله، فيفتاتون على الشريعة بما فهموا ويدينون به ويخالفون الراسخين في العلم. وإنما فعلوا هذا من جهة تحسين الظن بأنفسهم واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط وليسوا كذلك. كقول بعضهم في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ (١) أي: ألقينا فيها. كأنه عندهم من قول العرب: (ذرته الريح) وذلك لا يجوز لأن (ذرأنا) مهموز و (ذرته) غير مهموز. ومثل قول ابن عربي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٢) قال ما نصه: واذكر اسم ربك الذي هو أنت أي: اعرف نفسك ولا تنسها فينساك الله. . إلخ وهذا التفسير مبني على اعتقاده من القول بوحدة الوجود. ومثل هذا تفسير بعض الشيعة: (الجبت والطاغوت) بأبي بكر وعمر. قاتلهم الله أني يؤفكون على هذا التأويل المنحرف.

стр. 6092

فمثل هذه الاستدلالات لا يعبأ بها ولا يعد خلاف قائليها خلافا وما استدلوا عليه من الأحكام الفرعية أو الأصولية فهو عين البدعة؛ إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى، وصدق عمر ﵁ حين قال: (إنما هذا القرآن كلام فضعوه مواضعه ولا تتبعوا به أهواءكم). أي: فضعوه على مواضع الكلام ولا تخرجوه عن ذلك فإنه خروج عن الطريق المستقيم إلى اتباع الهوى. ٤ - الانحراف عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات والأخذ بها تأويلا كما أخبر سبحانه في كتابه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (١). والذي عليه العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه. ويشترط في ذلك ألا يعارضه أصل قطعي. فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك أو عارضه قطعي. فليس بدليل لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا في نفسه ودالا على غيره. وإلا احتيج إلى دليل. فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى ألا يكون دليلا. ومن أمثلة هذا زعم المعتزلة أن القرآن مخلوق؛ لأن الكلام لا يتصل إلا بأصوات وحروف، وكل ذلك من صفات المحدثات، والباري تنزه عنها؛ ولهذا اضطروا لتأويل مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢) ولأن الله يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) والقرآن شيء فتشمله

стр. 6093

الآية، فهو إذا مخلوق وهذا المسلك منهم أخذ بالمتشابهات لأنهم قاسوا الخالق على المخلوق ونسوا أن بينهما فرقا عظيما لقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) لأن لله سبحانه صفات قائمة بذاته تليق بجلاله وعظمته لا تشبه صفات المخلوقين كما أن له أفعالا تليق به تختلف عن أفعال عباده. فهذا التأويل إخراج لهذه النصوص عن حقائق معانيها التي نزل القرآن بها وهو خروج عن أم الكتاب إلى ما تشابه منه (٢). وبعد، فهذه بعض المزالق التي تردى فيها المبتدعة ومن سلك سبيلهم من الأتباع وكانوا يظنون أنهم على شيء من الحق وهم أبعد ما يكونون عنه؛ لأنهم اتبعوا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، كما حكموا العقول، والعقول لا تستقل بمعرفة مصالح العباد بغير الشرع، كما حكموا الهوى والهوى يعمي أصحابه.

стр. 6094

مبحث: في إبطال تعلق المبتدعة بالمسائل الآتية: ١ - جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس على إمام واحد في صلاة التراويح. ٢ - زيادة عثمان بن عفان ﵁ أذانا ثانيا يوم الجمعة. ٣ - تحقيق ما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. وذلك أن المبتدعة يتعلقون بمثل هذه المسائل وهم يظنون أنهم

стр. 6095

يحسنون صنعا ولم يعلموا أن ما تعلقوا به ليس لهم فيه حجة على الوجه الذي استدلوا به وهو تحسين بدعهم ومحدثاتهم فنقول: (أ) مشروعية صلاة التراويح ثابتة بأحاديث عن النبي ﷺ منها ما رواه الجماعة عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١)» رواه الجماعة (٢). قال الكرماني: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. وقال النووي ﵀: إن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح. وقال: اتفق العلماء على استحبابها والجمهور على أن الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر ﵁ والصحابة ﵃ واستمر عمل المسلمين عليه لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد. وبالغ الطحاوي فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية (٣). ومما يؤيد استحباب صلاة التراويح وأفضلية أدائها جماعة ما رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم (٤). عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد فقال: أما بعد: فإنه لم يخف علي
следующие страницы →