على من خالفهم في المذهب حتى بلغ بهم الأمر أن جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولا بما لا يعقل وقد سئل بعضهم: هل يكفر من قال برؤية الباري في الآخرة فقال: لا يكفر؛ لأنه قال ما لا يعقل، ومن قال ما لا يعقل فليس بكافر.
كل هذا إمعانا منهم في الضلالة حيث ردوا ما صح من النصوص وحرفوا ما لم يوافق مذاهبهم الباطلة ظلما وعدوانا.
٣ - قولهم في القرآن والسنة بالخرص والتخمين مع جهلهم بعلم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله، فيفتاتون على الشريعة بما فهموا ويدينون به ويخالفون الراسخين في العلم.
وإنما فعلوا هذا من جهة تحسين الظن بأنفسهم واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط وليسوا كذلك. كقول بعضهم في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ (١) أي: ألقينا فيها. كأنه عندهم من قول العرب: (ذرته الريح) وذلك لا يجوز لأن (ذرأنا) مهموز و (ذرته) غير مهموز.
ومثل قول ابن عربي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٢) قال ما نصه: واذكر اسم ربك الذي هو أنت أي: اعرف نفسك ولا تنسها فينساك الله. . إلخ وهذا التفسير مبني على اعتقاده من القول بوحدة الوجود. ومثل هذا تفسير بعض الشيعة: (الجبت والطاغوت) بأبي بكر وعمر. قاتلهم الله أني يؤفكون على هذا التأويل المنحرف.
стр. 6092
فمثل هذه الاستدلالات لا يعبأ بها ولا يعد خلاف قائليها خلافا وما استدلوا عليه من الأحكام الفرعية أو الأصولية فهو عين البدعة؛ إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى، وصدق عمر ﵁ حين قال: (إنما هذا القرآن كلام فضعوه مواضعه ولا تتبعوا به أهواءكم).
أي: فضعوه على مواضع الكلام ولا تخرجوه عن ذلك فإنه خروج عن الطريق المستقيم إلى اتباع الهوى.
٤ - الانحراف عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات والأخذ بها تأويلا كما أخبر سبحانه في كتابه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (١).
والذي عليه العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه. ويشترط في ذلك ألا يعارضه أصل قطعي. فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك أو عارضه قطعي. فليس بدليل لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا في نفسه ودالا على غيره. وإلا احتيج إلى دليل. فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى ألا يكون دليلا.
ومن أمثلة هذا زعم المعتزلة أن القرآن مخلوق؛ لأن الكلام لا يتصل إلا بأصوات وحروف، وكل ذلك من صفات المحدثات، والباري تنزه عنها؛ ولهذا اضطروا لتأويل مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢) ولأن الله يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) والقرآن شيء فتشمله
стр. 6093
الآية، فهو إذا مخلوق وهذا المسلك منهم أخذ بالمتشابهات لأنهم قاسوا الخالق على المخلوق ونسوا أن بينهما فرقا عظيما لقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) لأن لله سبحانه صفات قائمة بذاته تليق بجلاله وعظمته لا تشبه صفات المخلوقين كما أن له أفعالا تليق به تختلف عن أفعال عباده.
فهذا التأويل إخراج لهذه النصوص عن حقائق معانيها التي نزل القرآن بها وهو خروج عن أم الكتاب إلى ما تشابه منه (٢).
وبعد، فهذه بعض المزالق التي تردى فيها المبتدعة ومن سلك سبيلهم من الأتباع وكانوا يظنون أنهم على شيء من الحق وهم أبعد ما يكونون عنه؛ لأنهم اتبعوا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، كما حكموا العقول، والعقول لا تستقل بمعرفة مصالح العباد بغير الشرع، كما حكموا الهوى والهوى يعمي أصحابه.
стр. 6094
مبحث: في إبطال تعلق المبتدعة بالمسائل الآتية:
١ - جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس على إمام واحد في صلاة التراويح.
٢ - زيادة عثمان بن عفان ﵁ أذانا ثانيا يوم الجمعة.
٣ - تحقيق ما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
وذلك أن المبتدعة يتعلقون بمثل هذه المسائل وهم يظنون أنهم
стр. 6095
يحسنون صنعا ولم يعلموا أن ما تعلقوا به ليس لهم فيه حجة على الوجه الذي استدلوا به وهو تحسين بدعهم ومحدثاتهم فنقول:
(أ) مشروعية صلاة التراويح ثابتة بأحاديث عن النبي ﷺ منها ما رواه الجماعة عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١)» رواه الجماعة (٢). قال الكرماني: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. وقال النووي ﵀: إن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح. وقال: اتفق العلماء على استحبابها والجمهور على أن الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر ﵁ والصحابة ﵃ واستمر عمل المسلمين عليه لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد. وبالغ الطحاوي فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية (٣).
ومما يؤيد استحباب صلاة التراويح وأفضلية أدائها جماعة ما رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم (٤). عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد فقال: أما بعد: فإنه لم يخف علي
стр. 6096
شأنكم الليلة ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها (١)». وفي رواية «وذلك في رمضان (٢)» ووجه الدلالة من هذا أنه ﷺ أدى صلاة الليل في رمضان إماما بجماعة مدة ثلاث ليال حتى بلغوا من الكثرة ما جعل المسجد يكتظ بالمأمومين. وما منعه ﷺ من ترك مواصلة هذه السنة إلا الرأفة بالأمة وخوف المشقة عليها حيث صرح ﷺ بهذا بقوله: «لكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها (٣)» قال ابن حجر ﵀: وفي الحديث ندب قيام الليل ولا سيما في رمضان جماعة لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي ﷺ ؛ ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب كما يتضح من الحديث الآتي، الذي رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون: يعني آخر الليل. وكان الناس يقومون أوله. ولمالك في الموطأ عن يزيد بن رومان قال: كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة (٤). وجه الدلالة من جمع عمر الناس مع إمام واحد على سنية التراويح: إقرار الصحابة ﵃ لهذا العمل، بل وامتثالهم له دون معارض فدل على استحبابه. يوضح هذا ما نقله ابن حجر عن ابن
стр. 6097
التين وغيره حيث قال: استنبط عمر ذلك من تقرير النبي ﷺ من صلى معه في تلك الليالي وإن كان كره ذلك لهم، فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم، فلما مات النبي ﷺ حصل الأمن من ذلك. ورجح عند عمر ذلك؛ لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين. وإلى قول عمر جنح الجمهور. وقال الطحاوي: إن صلاة التراويح جماعة واجبة على الكفاية (كما سبق) وقال ابن بطال: قيام رمضان سنة؛ لأن عمر إنما أخذه من فعل النبي ﷺ ، وإنما تركه النبي ﷺ خشية الافتراض (١) أهـ فمن أقوال هؤلاء العلماء يتضح أن صلاة التراويح سنة بدأها الرسول ﷺ ، ثم توقف عنها لمصلحة رآها أو خوف مفسدة تراءت وهي الخوف من فرضها على المسلمين؛ مما يسبب الضيق والحرج عليهم وهكذا استمر توقف هذه السنة زمن أبي بكر وجزءا من خلافة عمر. ثم أعادها عمر ﵁ إلى ما كانت عليه أول الأمر في حياة النبي ﷺ أخذا من فعله ﷺ ، كما نقل ابن بطال ﵀. وأخذا من تقريره ﷺ من صلى معه في الثلاث الليالي الأولى كما قال ابن التين وغيره.
стр. 6098
مبحث: سبب تسمية عمر بن الخطاب ﵁ هذا العمل بدعة .
وتحسينه لها بقوله: نعمت البدعة هذه، وهل يصح مستمسكا للمبتدعة في استحسان بعض البدع ؟
والجواب عن هذا:
١ - أن عمر ﵁ لم يأت بجديد لم يسبق إليه، كما اتضح من الاستدلال السابق، بل جاء بعمل بدأه الرسول ﷺ وفعله وأقر عليه، ولولا خوف فرضه لاستمر عليه؛ فلهذا الاعتبار لم يكن عمر مبتدعا.
٢ - إقرار الصحابة وسكوتهم بل وفعلهم هذه السنة دليل على مشروعيتها وأن لها أصلا لعله ما ذكرناه من فعله وتقريره.
٣ - وفي سكوت الصحابة وإقرارهم لعمر وامتثالهم ما يوحي بالإجماع وهو حجة، والعمل المستند إلى الإجماع لا يقال لفاعله إنه جاء ببدعة لم يكن لها في الشرع مستند.
وفعل عمر ﵁ هذا وجمعه الناس على إمام واحد حجة؛ لأنه خليفة رسول الله ﷺ . والذي قال فيه ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ (١)».
ففعله ﵁ سنة؛ لأنه من الخلفاء الذين أمر النبي ﷺ باحتذاء سنتهم. قال الإمام الشاطبي في الموافقات: ويطلق لفظ السنة
стр. 6099
على ما عمل عليه الصحابة وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا أو اجتهادا مجتمعا عليه منهم أو من خلفائهم؛ فإن إجماعهم إجماع وعمل خلفائهم راجع أيضا إلى حقيقة الإجماع، إذا حملوا الناس عليه والتزمه الجميع وسار وافيه بدون نكير، فهذا يدل على إجماعهم عليه (١) اهـ. وعلى هذا فلا وجه لتسمية صلاة التراويح بدعة حسنة من فعل عمر. يتذرع بها أهل الرأي والاستحسان الخاطئ والمبتدعة ويؤيدون بها آراءهم الضالة.
أما تسمية أمير المؤمنين عمر هذا العمل بدعة، فالجواب عنه: أنه إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ﷺ ، واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر ﵁، لا لأنها بدعة في المعنى. فمن سماها بدعة لهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى الشائع. لأنه تحريف للكلم عن مواضعه (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال: ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة، كما قال عمر: (نعمت البدعة هذه). وإما أن يقال: هذا عام خصت منه هذه الصورة لمعارض راجح، فيبقى فيما عداها على مقتضى العموم كسائر عمومات الكتاب والسنة (٣). اهـ والعموم الذي يشير إليه شيخ الإسلام هو ما يستفاد من الأحاديث الواردة في ذم البدع، كقوله ﷺ «كل بدعة ضلالة (٤)».
стр. 6100
وبعد هذا التخريج لتسمية
عمر هذه الصلاة بدعة، يتضح بما لا يدع مجالا للشك أن أهل البدع ليس لهم بمثل هذا متعلق ألبتة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١)» وهو عام يشمل كل البدع دون استثناء. أما ما كان من الأمور المشروعة التي أحدثت دون سابق عمل من الرسول ﷺ وأصحابه، فإنها لا تسمى بدعة إلا بالمعنى اللغوي لأنها مستندة لأصل من أصول الشريعة، كما سبق توضيحه في ثنايا هذا البحث، والله سبحانه أعلم بالصواب.
стр. 6101
(ب) زيادة عثمان ﵁ أذانا ثانيا يوم الجمعة:
الأذان يوم الجمعة يطلق ويراد به واحد من ثلاثة:
١ - ما يقع عقيب صعود الإمام على المنبر فهذا لا خلاف فيه فقد كان يؤذن للنبي ﷺ كما جاء في صحيح البخاري (١) عن السائب بن يزيد قال: «كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك (٢)» وهذا الأذان هو الذي يمنع البيع ويلزم السعي لأنه تعالى أمر بالسعي ونهى عن البيع بعد النداء بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣) ولكون هذا الأذان الذي يقع عقيب صعود الإمام على المنبر هو النداء الموجود على عهد النبي ﷺ ؛ تعلق الحكم به دون غيره (٤).
стр. 6102
٢ - والثاني هو الإقامة للصلاة: وتسميتها أذانا من باب تغليب الأذان عليها، أو لاشتراكهما في الإعلام؛ حيث جاء عن ابن أبي ذؤيب: «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة (١)» ووجه كونها أذانا ثانيا هو أنها تقع في الترتيب بعد الأذان المعهود في عهد الرسول ﷺ وصاحبيه. وهذا الأذان أو الإقامة لا خلاف فيها.
٣ - الأذان الثالث وهو ما وجد على عهد عثمان ﵁ كما ورد في الحديث السابق وهذا هو محل البحث:
عرفنا من فعل عثمان للأذان الثاني أنه سنة مشروعة لا بدعة للأسباب الآتية:
١ - أنه أمر بهذا في وقت الصحابة وفعله، وأقروه على هذا دون نكير، فكان كالإجماع، اللهم إلا ما روي عن ابن عمر أنه قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة. فهذا منه: يحتمل الإنكار، ويحتمل أن يريد أنه لم يكن في زمن النبي ﷺ ، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، ويكون قصد ابن عمر على هذا: أنه بدعة لغوية كما سمى أبوه صلاة التراويح بدعة لهذا السبب كما فصلنا القول فيه آنفا.
٢ - أنه أحدثه لإعلام الناس بدخول الوقت لما كثروا قياسا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب (٢) ٣ - وفعل عثمان ﵁ هذا مشروع لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ (٣)» وعثمان من الخلفاء الذين أمرنا بالاستنان بسنتهم. فلا يكون عثمان
стр. 6103
رضي الله عنه بهذا مبتدعا وتابعه كذلك لا يصح أن يقال إنه جاء ببدعة.
ولهذا فلا متعلق للمبتدعة بإحداث عثمان هذا الأذان؛ لأن له أصلا شرعيا، وليس من البدعة في شيء؛ لأن البدعة محدثة لا أصل لها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا فعل صحابي كعثمان.
(جـ) يتعلق المبتدعة بأدلة يزعمون أنها تبرر ما جاءوا به من بدع وما أحدثوا من مخالفات: ومن هذا: استدلالهم بما جاء عن ابن مسعود ﵁: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح) والمقصود ما رأوه بعقولهم، وإلا لو كان حسنه بالدليل الشرعي لم يكن من حسن ما يرون؛ إذ لا مجال للعقول في التشريع، فدل على أن المقصود ما رأوه برأيهم.
ولكن نقول قبل الكلام عن هذا الحديث: إن الاستحسان لا يكون إلا بمستحسن وهو: إما العقل وإما الشرع. أما الشرع فاستحسانه هو الاستحسان الحق؛ لأن الأدلة اقتضت هذا، وأما العقل إذا استحسن فإن كان بدليل فهو حق، ولا فائدة لهذه التسمية لرجوعه إلى الأدلة لا إلى غيرها، وإن كان بغير دليل فذلك هو البدعة التي تستحسن، ويشهد لهذا تعريف من عرف الاستحسان: بأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله، ويميل إليه برأيه. وهذا النوع من الاستحسان هو الذي تعلق به المبتدعة، وبه حسنوا بدعهم. وهم حينما فعلوا كانوا يظنون أنهم على شيء من الحق وأنهم باستحسانهم لهذه البدع إنما ساروا على مصدر من مصادر التشريع المعتبرة عند كثير من العلماء. ولم يعرفوا أن الاستحسان الذي ساروا على فهمه يختلف عن الاستحسان الذي فهمه العلماء
стр. 6104
وغاب عنهم أن الاستحسان المعتبر هو ما ليس للرأي فيه مدخل ولا للعقل فيه نصيب؛ فلهذا ضلوا وأضلوا. وقد استدلوا بالحديث المروي عن ابن مسعود ﵁: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. ووجه الدلالة منه أنه قال: ما رآه المسلمون: والظاهر ما رأوه بعقولهم فرجع التحسين إليهم فهم المخترعون. ولو كان التحسين بالدليل لما نسب الرؤية إلى المسلمين فدل على أن البدعة إذا استحسنها المسلمون كانت مشروعة والجواب عن هذه الشبه من وجوه:
١ - أن هذا الحديث ليس بمرفوع بل هو أثر موقوف على ابن مسعود: فليس بحجة.
٢ - وعلى التسليم بأنه حجة فهو خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع.
٣ - وعلى التسليم بحجيته فليس المراد جنس المسلمين الصادق بالمجتهد وغيره لاقتضائه أن كل ما رآه آحاد المسلمين حسنا فهو حسنا وكل ما رآه آحاد المسلمين قبيحا فهو قبيح وهذا باطل لوجهين:
أحدهما: أنه يناقض حديث «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة (١)» ووجه المناقضة أن الحديث الأول يفيد كل مسلم لا يخطئ؛ لأنه يرى أن ما ذهب إليه حسن فلا يكون في النار، والثاني أفاد نقيض ذلك. وهذا باطل.
ثانيهما: أنه يقتضي كون العمل الواحد حسنا عند بعض الناس يصح التقرب به إلى الله تعالى، قبيحا عند البعض الآخر لا يصح التقرب به وهو باطل.
стр. 6105
٤ - أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون حسنا فهو حسنا، والأمة لا تجتمع على باطل، فاجتماعهم على حسن شيء يدل على حسنه شرعا؛ لأنه إجماع والإجماع يتضمن دليل شرعي. فالحديث دليل على هؤلاء لا لهم.
٥ - أنه إذا لم يقصد به أهل الإجماع وأريد بعضهم فليلزم عليه استحسان العوام وهو باطل بالإجماع. ٦ - ويجوز أن يكون الحديث فيما لم يرد فيه نص يأباه من كتاب ولا سنة ولا أصل معتبر من الأصول الشرعية العامة، بحيث لو عرض على العقول السليمة لتلقته بالقبول، ولم يكن من العبادات فعلى هذا يمكن أن يكون استحسانا مقبولا.
فالحاصل أن تعلق المبتدعة بمثل هذا الأثر هو تعلق بما يغنيهم ولا ينفعهم (١) ألبتة. لأن الأدلة الصحيحة نصت على أن «كل بدعة ضلالة (٢)» وهو عام في كل ما أحدث في الدين مما لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا دليل معتبر.
فبهذا بطل ما احتج به هؤلاء المبتدعة وتبين أنهم قد تمسكوا بحجج واهيه لا تسمن ولا تغنى من جوع.
стр. 6106
مبحث:
بعد هذه الدراسة عن البدع والمبتدعين أرى أن نأتي بأمثلة من البدع بها يستكمل البحث، ويزداد وضوحا زيادة على ما جاء في ثنايا هذا البحث من أمثلة.
стр. 6107
فمن ذلك:
١ - الإعراض عن العلم وطلبه والاشتغال عن ذلك بالعبادة، وهذا جهل دخل على بعض الناس وزينه لهم إبليس. قال أبو الفرج بن الجوزي ﵀: وقد لبس إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم؛ لأن جمهورهم يشتغل بالتعبد ولم يحكم العلم. فأول تلبيسه عليهم إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل، فأراهم أن المقصود من العلم العمل، وما فهموا من العلم إلا عمل الجوارح (فقط)، وما علموا أن العمل عمل القلب (أيضا)، وعمل القلب (لا يقل) عن عمل الجوارح. قال مطرف بن عبد الله: فضل العلم خير من فضل العبادة. وقال يوسف بن أسباط: باب من العلم تتعلمه أفضل من سبعين غزاة. وقال المعافى بن عمران: كتابة حديث واحد أحب إلي من صلاة ليلة. فلما مر عليهم هذا التلبيس، وآثروا التعبد بالجوارح على العلم، تمكن إبليس من التلبس عليهم في فنون التعبد (١). اهـ. فتمادوا في طريق الابتداع، وجاءوا بها بدعة بدعة بسبب تركهم العلم وبعدهم عنه، واستبدالهم الجهل الذي أودى بعقولهم حتى استحسنت ما ليس بالحسن، وبعدت عن السنن السليمة.
٢ - ومن البدع التي تسبب الحرج والمشقة في الدين: ما يفعله بعض الموسوسين من طول المكث في الخلاء، والمشي والقيام بحركات، كأن يرفع قدما ويحط أخرى زاعما أنه بهذا يستنقي، والواقع أنه كلما زاد في هذا نزل البول؛ لأن الماء يستقر في المثانة، فإذا تهيأ الإنسان للبول خرج ما اجتمع، فإذا مشى وتنحنح أو تزحر وتوقف رشح شيء آخر. فالرشح لا ينقطع (٢).
стр. 6108
فالمبالغة في الاستنقاء بدعة محدثة لم ينزل الله بها من سلطان.
٣ - التلفظ بالنية:
ومن البدع التي يقع فيها بعض المسلمين التلفظ بالنية، وهذا أمر لا يشرع إلا في الإحرام خاصة؛ لوروده عن النبي ﷺ ، وأما الصلاة والطواف وغيرهما فينبغي عدم التلفظ في شيء بالنية، فلا يقال: نويت أن أصلي كذا وكذا، ولا نويت أن أطوف كذا، بل التلفظ بذلك من البدع المحدثة، والجهر بذلك أقبح وأشد إثما، ولو كان التلفظ بالنية مشروعا؛ لبينه الرسول ﷺ وأوضحه للأمة بفعله أو قوله، ولسبق إليه السلف الصالح. فلما لم ينتقل ذلك عنه ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه ﵃؛ علم أنه بدعة، وقد قال ﷺ : «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (١)». رواه مسلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
والنية محلها القلب باتفاق العلماء، فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم، وقد خرج بعض أصحاب الشافعي وجها من كلام الشافعي غلط فيه على الشافعي؛ فإن الشافعي إنما ذكر الفرق بين الصلاة والإحرام بأن الصلاة في أولها كلام فظن بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية وإنما أراد التكبير. والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله فلا بد أن ينويه ضرورة، فمن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم في غاية اليسر، لا تحتاج إلى وسوسة وآصار وأغلال؛ ولهذا قال بعض العلماء: الوسوسة إنما تحصل للعبد من الجهل بالشرع أو خبل بالعقل (٢). اهـ.
стр. 6109
من هذا يظهر أن ما يفعله بعض الموسوسين في نية الصلاة بدعة منكرة، كمن يقول: نويت أصلي صلاة كذا ثم يعيد هذا ظنا منه أنه نقض النية. وكمن يكبر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض، فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه. فهذه البدعة فوتت عليه فضيلة تكبيرة الإحرام (١) في وقتها ومتابعة الإمام وقراءته وهو يظن أنه على شيء من الهدى، وهو أبعد ما يكون عنه. فالشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات وما جرى الرسول ﷺ عليه هو المعيار الصحيح للسير إلى الله.
وإذا كان بعض العلماء يجيز التلفظ بالنية فبالرغم من أنه مرجوح لعدم الدليل عليه، إلا أن هؤلاء المجيزين يتلفظون بها سرا دون ترديد أو تردد، كهذا الذي يفعله بعض الجهلة من التلفظ بتكبيرة الإحرام، ثم إعادتها زعما منه أن الأولى لم تنعقد.
٤ - ومن البدع الشائعة: اتخاذ اليوم الذي يوافق مولد النبي ﷺ عيدا: جرت عادة بعض المسلمين على إقامة عيد سنوي بمناسبة ذكرى مولد النبي ﷺ ، وفي هذا العيد تقام الاحتفالات المشتملة على الخطب والقصائد وقراءة القرآن، والإشادة بالنبي ﷺ ، وذكر شمائله وإظهار محاسنه، وبيان معجزاته وتوضيح سيرته، والمعروف أن من أحدث هذا بمصر هم الفاطميون في القرن الرابع، فابتدعوا عيد المولد النبوي، ومولد بعض آل البيت كعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃، وبقيت هذه الموالد إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش الأيوبي، ثم أعيدت في خلافة الحاكم بأمر الله سنة أربع وعشرين وخمسمائة للهجرة بعد ما كاد الناس
стр. 6110
ينسونها، وقد استمر العمل بالموالد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم، وتوجه شياطين الجن والإنس.
ولا نزاع أنها من البدع، ومع هذا فقد قال البعض: إنها وإن كانت بدعة إلا أنها من البدع الحسنة، واستدل هؤلاء لهذا الرأي بما يأتي:
١ - أنها تشتمل على أنواع من الخير: كإطعام الطعام، وتلاوة القرآن، وقراءة سيرة الرسول ﷺ وقصائد مدحه، وإظهار شمائله. وهذه محاسن تتمشى مع رغبة الشارع وأهداف الشريعة. وهي وإن لم تكن موجودة في عهد الصحابة والتابعين لعدم حاجتهم لقرب عهدهم بنور النبوة ومزيد عنايتهم بنشر الشريعة، إلا أن الناس في العصور المتأخرة قد بعد عهدهم بالنبوة، وزادت حاجتهم إلى تذكيرهم بمحاسن الإسلام ورسوله تذكيرا لعامتهم من النساء والأطفال والشيوخ؛ لتقوية صلتهم برسولهم ﷺ وتمكين محبته في نفوسهم، فهذه سنة حسنة مندوبة لانطباق قواعد الندب وأدلته العامة عليها.
٢ - الدليل الثاني: أن «النبي ﷺ حين قدم المدينة وجد اليهود يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى فيه موسى؛ فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فصامه ﷺ ، وأمر بصيامه (١)». فيستفاد من ذلك فعل الشكر لله تعالى على ما من الله به في يوم معين، من إسداء نعمة، ودفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة.
وحيث أقر الرسول ﷺ فعل هذا الشكر وعمل به، وقال «نحن أولى بموسى منكم (٢)» وأمر أن نصومه على أن نصوم يوما قبله أو بعده مخالفة لهم، فحيث جاز هذا شكرا لله على فضله في إنجاء موسى وإغراق فرعون، فإنه يجوز أن يشكر سبحانه على تفضله بمحمد رسولا لهذه الأمة.
стр. 6111
وشكره سبحانه يكون بإقامة عيد سنوي لميلاده، وفي هذا العيد يتلى القرآن، ويذكر الناس بفضل الله: حيث بعث محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؛ فلهذا وذاك يكون عيد المولد النبوي سنة حسنة مندوبة.
أما الرأي الصحيح وهو رأي من يعتد به من العلماء فهو أن الاحتفال بمولده ﷺ من البدع المذمومة في الدين للأمور الآتية:
١ - لأن السلف من الصحابة والتابعين لم يستحسنوها، ولم يفعلوها حيث لم ينقل عن أحد من صحابة رسول الله ﷺ أنهم أو بعضهم أحيا هذه الفعلة، وأقام عيدا بمناسبة ذكرى ميلاده ﷺ ، ولو حصل هذا لنقل إلينا؛ لأنه يتعلق بأمر يهم الأمة في دينها ورسولها.
وذلك كما نقلوا أقواله وأفعاله في العيدين وفي رمضان والتراويح وليلة القدر وصيام ست من شوال وصوم عاشوراء ونحوه.
٢ - أن هذا العيد داخل تحت المحدثات المذمومة في الدين مثل قوله ﷺ «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١)». ٣ - ومما يدل على أنها بدعة مذمومة ما ثبت بالتجربة والتتبع التاريخي: أن إحياء المولد كل عام قد زاد الجهال من المسلمين بعدا عن دينهم وتشويها لسنة نبيهم؛ حيت صاحب هذه الموالد منكرات يشيب لهولها الوليد، ويتقطر قلب المسلم الغيور حسرة وأسفا على ما يرتكب باسم الرسول، وما يقترف على الإسلام باسم إكرام رسول الإسلام أمثال:
١ - إضاعة الأموال وارتكاب مزيد من المحرمات كالمبالغة في إنارة
стр. 6112
المساجد والطرقات وإيقاد الشموع والمصابيح عند الأضرحة، واتخاذها أعيادا ومناجاة أهل القبور وذبح الذبائح عندهم.
٢ - ومنها انتهاك حرمة المساجد بتقذيرها، وكثرة اللغط والكلام غير المشروع ودخول الأطفال بأوساخهم وصراخهم، مما يفقد المساجد حرمتها.
٣ - ومنها خروج النساء متبرجات مع الاختلاط بالرجال إلى حد لا يؤمن معه وقوع المحذور.
٤ - ومنها استعمال المزامير والأغاني والأهازيج التي يستعملها المحترفون لإقامة هذه الموالد والذين يقتدي بهم المحبون لهذه الموالد، وهذا وذاك من المحرمات في الدين.
٥ - ومنها تلاوة القرآن بشكل مبتدع لم يكن مألوفا في عهد النبوة، كالتلحين والترجيع والتشدق، والقيام بحركات أثناء القراءة كالتمايل يمينا وشمالا وأماما وخلفا، وكترديد المستمعين للقارئ أذكارا ودعوات بشكل جماعي جهرا. وكون المقرئ والمستمعين له يتابعون القرآن من حيث الصوت لا المعنى، بحيث يظهرون بمظهر الطرب الذي لا يختلف عما يحصل أثناء الغناء، وهذا ينشأ عنه إهانة لكتاب الله وابتذال له ضد ما وصف الله به المؤمنين عند سماع كلامه (١). حيث قال سبحانه ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢).
стр. 6113
٦ - وهذه المفاسد التي ذكرنا طرفا منها تعارض المحاسن التي ذكروها، وإذا وجد مفاسد ومصالح يقدم العمل بدرء المفاسد على جلب المصالح، كما هو معلوم في الأصول.
الرد على ما احتج به مروجو هذه البدعة:
١ - ما قيل من أن هذه البدعة سبب لحمل الناس على فعل الخير فهذا لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها. فالوصول إلى الخير لا يكون بوسيلة محرمة لأن تلاوة القرآن والصدقات والتذكير بمعجزات الرسول ﷺ هي من أمور الخير ولكنها جاءت في وقت ومكان غير مشروعين؛ لأنها عبادات والأصل في العبادات التوقيف يتبع فيها صاحب الشرع ولا يبتدع. فمثل هذه الأعمال الخيرة مثل الصلاة إذا جاءت في غير وقتها بقصد التعبد فإنها مردودة على صاحبها.
ثم إن هذا اجتهاد فيما لا يجوز فيه الاجتهاد فيرد. ثم إن هذه المحاسن معارضة بما ذكرنا من المساوئ فتسقط هذه وتقدم تلك عملا بالقاعدة الأصولية " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " كما ذكرنا قريبا.
٢ - أما الدليل الثاني وهو حديث صوم عاشوراء شكرا لله. فلا دليل فيه على المدعي؛ لأن ما يدل عليه هو العمل بشيء سنه رسول الله ﷺ ، وهذا لا خلاف فيه؛ لأنه وحي من عند الله على لسان رسوله ﷺ ، فثبوته ليس استحسانا ولا ابتداعا حتى يقال بأنه دليل على أن نستحسن أو نبتدع. بل الذي ورد عن الرسول ﷺ قوله «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» رواه مسلم.
стр. 6114
ومن هذا يظهر أن الاحتفال بعيد المولد هو بدعة منكرة يتعدى ضررها ويعم شرها لمصاحبتها كثيرا من البدع والخرافات والمحرمات من الكبائر ومساوئ الأعمال كما ذكرنا والله الهادي إلى أقوم طريق، وبهذا القدر نكون قد أنهينا البحث عن البدع وما يتصل بها. وختاما نسأل الله سبحانه أن يجنب هذه الأمة مضلات الفتن ومزالق الشيطان، وأن يأخذ بيدها لتسير إليه سبحانه على ما أنزله في كتابه وشرعه على لسان نبيه محمد ﷺ ، إنه ﷻ خير مسئول، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
стр. 6115
صفحة فارغة
стр. 6116
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الإلحاد وعلاقته باليهود والنصارى
د. محمد بن سعد الشويعر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد: -.
فمنذ خلق الله الإنسان والصراع قائم بينه وبين الشيطان، ثم ازداد الأمر مع ذريته. الشيطان وأعوانه من الجن والإنس، يريدون إغواء بني آدم وصرفهم عن المنهج القويم. ونصب الحبائل لإبعادهم عن أمر الله وشرعه، وعن طاعة رسله واتباع كتبه التي أنزل، والمؤمنون من بني آدم يأتمرون بأمر الله ويتبعون رسله ويعملون بما أنزل عليهم، فهم عباد الله المخلصون له، الذين حماهم الله من الشيطان وحبائله، وأشد الناس عداوة وحسدا للمسلمين هم اليهود والذين أشركوا، وذلك لعداوتهم لله وتحديهم لرسالاته ووقوفهم ضدها، وكراهيتهم لأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، يقول الله ﵎ مخبرا عن اليهود وعدائهم للمسلمين، وأنهم متلازمون في هذا يعنى اليهود مع الملاحدة وعبدة الأوثان ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢).
стр. 6117
ويقول ﵎ مخبرا عما حل بهم بعد أن تجاوزوا الحد في المعصية والمعاندة: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١).
وكما حرص اليهود في بث السموم والعداء للديانة النصرانية، وفي وقوفهم ضد عيسى والحواريين فإن مواقفهم مع محمد ﷺ في المدينة معروفة في كتب السير، وسجلها التاريخ، بل أبان القرآن نماذج من حوارهم وعنادهم في أكثر من موضع، كما رصدت من قبل كثير من كتب النصارى وتأريخهم مواقف للعداء المستحكم بين اليهودية والنصرانية.
وبدءوا أسلوبا جديدا في حربهم للإسلام على يد عبد الله بن سبأ اليهودي الذي دخل الإسلام ظاهرا، أما باطنه فكان الإضلال والمباعدة بين المسلمين ودينهم، فأنشأ الفرقة البأية، وكان مما فتن الناس فيه قوله: بأن علي بن أبي طالب ﵁ لم يقتل وإنما هو حي في السحاب، ولو أتيتمونا بدماغه في سبعين صرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا (٢).
стр. 6118
حرك اليهود الجدل في تأريخ الإسلام منذ حل محمد ﷺ المدينة مهاجرا، بل إن هناك أخبارا تعطينا الدلالة على اتصال اليهود بالمدينة - واسمها ذلك الوقت يثرب - بكفار مكة وإخبارهم ببعض الأمور التي تطرح أسئلة على رسول الله ﷺ للتعجيز والحجاج، لا للفائدة والوصول للحقيقة، كالأسئلة التي وردت إجاباتها في سورة الكهف وهي مكية. لأن عرب الجزيرة قبل البعثة لم يكونوا أهل علم، ولا معرفة بأحوال الأمم السابقة.
ولذا يؤدب الله جلت قدرته أمة محمد ﷺ ، بعد الهجرة للمدينة، التي يسكنها قوم من أهل الكتاب في طريقة الحوار معهم، والنقاش فيما يطرح من مسائل، وهو اللين والرفق، لينجذب طالب الحقيقة، وتقوم الحجة على المعاند والمكابر، فيقول : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
ولما كان اليهود يضمرون العداء لمحمد ﷺ ورسالته، فإنهم سلكوا طرقا ملتوية لإضلال الناس، فحركوا في الأمم المغلوبة كالفرس والروم جذور دياناتهم السابقة ليأتوا بطرق ظاهرها الإسلام، وباطنها محاربته للتشكيك فيه.
فظهرت الزندقة في العهد العباسي، كما تحرك النصارى وبدءوا يطرحون شبههم ويحاولون الظهور على المسلمين، وكان أول رد جدلي حسب ما وصلنا خبره رسالة الجاحظ في " الرد على النصارى "، وما ذكره
стр. 6119
المسعودي من جدل بين الرشيد وملوك الروم (١).
وفي الحروب الصليبية حول النصارى الناحية الجدلية إلى قوات عسكرية ناوأت المسلمين، حتى هيأ الله لهم قائدا رفع راية الإسلام عالية في بلاد الشام ومصر ضد عباد الصليب إنه صلاح الدين الأيوبي ﵀ ٥٣٢ - ٥٨٩، الذي حرص أن يبني قاعدة وعقائد المسلمين، قبل أن يحارب بهم أعداءهم، فحرص ﵀ على القضاء على دولة الفاطميين في مصر؛ لأنها نشرت البدع وأماتت في المسلمين حب الجهاد في سبيل الله، وقد حول مصر من التشيع الذي اهتمت به الدولة الفاطمية إلى السنة عندما استقدم علماء من الشام، ووزعهم في أنحاء مصر لإصلاح عقائد أهل مصر قبل أن يدخل بهم المعركة ضد النصارى.
وقد نشط الجدل بين النصارى والمسلمين في العراق والشام ومصر، ولكنه بلغ الذروة في الأندلس لكثرة النصارى واليهود في تلك البلاد، خاصة وأن اليهود يحركون الشبه لدى النصارى ليجعلوهم في الصورة الجدلية وإلقاء العقبات في فهم الإسلام.
ومن الرسائل الجدلية القصيرة التي كتبها علماء الإسلام في الأندلس.
- الرد على اليهود للرقيلي.
- الرد على النصارى لأبي القاسم العتبي.
- وكتاب ابن أبي عبيد في الرد على النصارى.
стр. 6120
- كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم وهو من أقواها (١).
فالصراع بين الحق والباطل قائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد أخبر الصادق المصدوق في حديث رواه عوف بن مالك الأشجعي الأنصاري ﵁، بأن رسول الله ﷺ قال له: «اعدد يا عوف ستا بين يدي الساعة: أولهن: موتي، والثانية: فتح بيت المقدس، والثالثة: موتان يكون في أمتي يأخذهم مثل مقاص الغنم، والرابعة: فتنة تكون في أمتي وعظمها، والخامسة: يفيض المال فيكم حتى إن الرجل ليعطى المائة دينار فيتسخطها والسادسة: هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيسيرون إليكم على ثمانين غاية، قلت: ما الغاية. قال: الراية تحت كل راية اثنا عشر ألفا (٢)».
ولعل من تلك الرايات موجة الإلحاد التي حرص أعداء الإسلام على نشرها بين المسلمين لتشكيكهم في قدرة الإسلام على مسايرة الحياة الحاضرة من مالية وتربوية وعلمية وأمنية وغيرها بعد أن خسروا الحوار الجدلي بين الإسلام والنصرانية التي يدعون إليها.
إذ بدأ رجال خدموا الكنيسة وفي مناصب قيادية، يندسون في بعض المجتمعات الإسلامية لإظهار - أولا: تمردهم على الكنيسة التي وجدوا تعليماتها وطقوسها لا تتفق مع منطق العقل ولا مع متطلبات العصر، وما فيه من مستحدثات.
стр. 6121
وثانيا: وهذا هو هدفهم الأساسي لصرف المسلمين عن دينهم، بالمعادلات التي لمسوها في عقائد أصحاب الديانات الأخرى، فينصرف إليهم من لا خلفيات عقائدية أو علمية لديه في أمور الدين الإسلامي. وسوف أضرب في هذا الموقف مثالا واحدا، من الأمثلة الكثيرة التي تنتشر في العالم الإسلامي بأسره، ولدى الأقليات الإسلامية في أوروبا وأميركا وأستراليا مما يوجب اتخاذ عمل جماعي وموحد، لتبصير أبناء الإسلام بما يراد بهم، وتوضيح تلك الشبهات المطروحة أمامهم لصرفهم عن دينهم، وشاهده من كتاب الله قول الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١).
ومما لا شك فيه أن العالم الغربي والشرقي يمر بمرحلة إلحادية عارمة نشأت عن الشيوعية والعلمانية، حيث التمسوا في متاهاتهم الفكرية، ما يحل قضاياهم المتشابكة، فأصبحوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، حيث التجئوا للإلحاد للتمرد على الكنيسة وظلمها.
ومصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٢).
أجد أن الحالة التي سأذكر هنا، وهي نموذج لحالات كثيرة تخرج هنا وهناك عن أولئك القوم، تعطي فكرة عن الجهود التي تبذل لإخراج المسلمين عن جادة الصواب، التي هي منهج الإسلام، إلى متاهات
стр. 6122
فوضوية، لكي يقولوا لبني جلدتهم بلسان الحال والمقال: إن المسلمين أيضا قد شعروا بالضجر الذي مر بنا، فتركوا دينهم، فتغتنم ذلك الكنيسة لتكثيف التبشير، وجذب أولئك البشر روحانيا وعقائديا إليها؛ لأن النفس البشرية مهما ابتعدت بالإلحاد والانصراف، فهي في حاجة إلى الانتماء العقائدي لأي شيء يطرح أمامها.
وهي والله مكيدة يمكرون من ورائها بالمسلمين ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١) ليخرجوهم من الإسلام بالبعد عن مصدري التشريع فيه، ثم جذبهم لتعاليم الكنيسة.
فلقد وصلتني من أحد الأخوة الغيورين على دينهم من دبي - بدولة الإمارات العربية المتحدة، رسالة قد أرفق معها كتابا باللغة المليبارية بالهند واسمه: القرآن دراسة انتقادية من تأليف: جوزف ايدا ماروك. وقد صدر هذا الكتاب في شهر يوليو عام ١٩٨٢ م.
يقع الكتاب في ١٧٤ صفحة باللغة المليباريه، أما ترجمته إلى اللغة العربية فتقع في ٧٩ صفحة.
وقد نشرت هذا الكتاب جمعية النشر الإلحادية الهندية، ودار الكتب الزندقية هناك برقم (١) واحد. مما نستنتج معه أن هذه الجميعة جديدة التكوين، وجديدة النشاط أيضا، وأنها مركزة علمها في منطقة إسلامية في الهند، وبلغة أكثر من يتكلمها المسلمون.
وقبل أن نعطي فكرة عن الكتاب ومداخل المؤلف في التلبيس، فإن القارئ المسلم يجدر به أن يعرف شيئا عن المؤلف وأعماله حتى يتقي
стр. 6123
شره، ويسعى بما أعطاه الله من جهد وعلم للتعريف به في أوساط المسلمين للرد على شبهاته، وتوضيحا للمسلمين في كل مكان لمحاربة هذا المعاند لله ولرسالاته، فالمؤلف هو جوزف - يوسف - ايدامارك، ولد في أسرة من الأسر المسيحية السورية بمقاطعة " أيدوكي " " كيرالا " في عام ١٩٣٤ م، وكان أول أمره معروفا بتدينه وتمسكه بالنصرانية، وكان خطيبا من خطباء التبشير، ومعلما في إحدى مدارس الأحد، وقد قام بخدمات سياسية، وكان عضوا للجنة المركزية الشيوعية وأمينا لفرع كيرالا.
وألف في عام ١٩٥٣ م كتاب " إنما عيسى بشر " فغضبت عليه الكنيسة وأخرج من مجلس: " مهارون شولي " وهو مجلس من مجالس المسيحية في الهند.
تزوج بامرأة هندوكية في كيرالا عام ١٩٥٤ م. فبدأ من ذلك التأريخ نشاطه الإلحادي وأصدر: مجلة إلحادية شهرية باسم ايسكرا أي " شرارة النار " وقد انقطع إصدارها وكان حظه كبيرا في إصدار المنشورات الإلحادية مثل " تيرالى " و " يوكتى " وغيرهما، كما كان مديرا للتحرير لكل من المجلات التالية: " مجلة سينما " و " حولية متوراما " و " منو راجيم ". وهو الآن مراسل دلهي لمجلة " كيرالا شبدم " أي " صوت كيرالا " الأسبوعية. وكانت له اليد الطولى في تأسيس " جمعية كيرالا الإلحادية " منذ عام ١٩٥٦ م، وكان من المؤسسين للمنظمة التي انتشرت في الهند للتحضيض (الحث) على مناكحة أهل الأديان المختلفة فيما بينهم، وهم يريدون في ذلك أن تزوج المسلمات من غير المسلمين ليسهل تضليل المسلمين.
стр. 6124
ولعل نشاط جوزف ايدا مارك هذا في الهند وفي المناطق الإسلامية بالذات في كيرالا - أي خير الله -. وفي الدخول على المسلمين من ناحية التزاوج والانصهار العرقي، وفي طباعة كتب ونشرات الإلحاد في المناطق الإسلامية في الهند وباللغات التي يتكلمها المسلمون بالذات، مع جهوده المكثفة وتشكيكهم في دينهم، كل هذه الاعتبارات وغيرها لعلها هي التي أهلته لأخذ الجائزة الإلحادية العالمية عام ١٩٧٨ م. حيث يعتبر أول من نالها من آسيا.
ومع هذه النبذة عن حياته المليئة بما يغضب الله تعالى نذكر كلمة عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: عجبت لأهل الباطل وحرصهم على باطلهم، وهذا ليس بغريب فعدو الله إبليس يعرف عن نفسه أنه على باطل، ومع هذا يصر على السير في طريقه وإغواء الناس، ولن أذكر هنا مضامين هذا الكتاب؛ لأنه من أوله إلى آخره مليء بشبهات وأحقاد على الإسلام والرسول الأمين ﷺ ، بآراء غير مركزه ولا مرتبة، وفي جملتها هي من الشبهات التي يطرحها اليهود، ويثيرها النصارى في هجومهم على الإسلام والقرآن الكريم، الذي يصفونه دائما بأنه من وضع محمد. ثم بما يعرضون له من آراء حول الحدود الشرعية التي يصفونها بالقسوة، وعن حياة الرسول ﷺ العائلية وزواجه، وتلك الأمور في مخرجها الأساسي شبهات من اليهود رددها النصارى، وأثارها غيرهم من أصحاب الملل والنحل.
بل إن المبشرين ودعاة الكنيسة في كل مكان وزمان يثيرون هذه الشبه التي تعرض لها هذا المؤلف. . من باب التشكيك في صحة القرآن الكريم، وإيهام الآخرين أنه من وضع البشر وليس من عند
стр. 6125
الله. وهم يأخذون هذا من طريقة الجدل بين اليهود والنصارى، التي تشكك كل طائفة في الأخرى، وتصف كتابها بالتعديل والتغيير، وأنه من وضع أحبارهم ورهبانهم وزعماء الدين فيهم.
وإذا كانت المجتمعات غير الإسلامية قد ظهرت فيها مظالم، وتسلط القوي على الضعيف ونتج عن ذلك أمور عديدة: من تفكك الأسرة، وفقدان الرابطة الاجتماعية، وخلو القلوب من الوازع، وانتشار الجريمة، واضطراب النفوس، وكثرة القلق والحقد على الآخرين، وغلبة الأنانية. . وغير هذا من النوازع التي تسعى إلى تخريب المجتمعات، وضياع الرابطة الأسرية.
فإن الإسلام فيه الحل لكل ما يعترض من مشكلة، وما مر أو يمر بالعالم من اضطراب لتخليص أبناء الإسلام أولا من الغزو الإلحادي الموجه إليهم، ولإشعار الأمم الأخرى بقدرة الإسلام على تخليصها من المشكلات التي تعاني منها، لما في تشريعه وحدوده من قضاء على تلك المشكلات بالقضاء على مسبباتها.
فبالنسبة لأبناء المسلمين الذين غزوا في عقر دورهم، وبلغاتهم القومية، فإن الحل يكمن في تعاون المسلمين على الأمور التالية: -.
أ - تعليم أبناء المسلمين منذ صغرهم أمور دينهم حتى يتسلحوا ضد أعدائهم وأعداء دين الله.
٢ - وإذا كانت دراساتهم النظامية في مدارس علمانية لا تهتم بالدين الإسلامي فإن المسئولية تقع على الآباء والأمهات بتعليم الأولاد في المنزل ما يصلح شأنهم وعقائدهم.
٣ - تنظيم مجموعات لأبناء المسلمين لتعليمهم في المسجد أو في المراكز
стр. 6126
الإسلامية، وأن يتطوع القادر بتخصيص جزء من وقته أداء لحق الله الذي منحه القدرة والكفاءة، ولا يبخل من لديه قدرة ومتسع من الوقت بالتعاون معه امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١).
٤ - تنمية الحجاب لدى المرأة المسلمة، وتشجيع الانفصال في التعليم عن الرجل لإيجاد الشخصية الإسلامية من البداية حسب أمر الله ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢).
٥ - تنظيم الندوات والمحاضرات الإسلامية للرجال والنساء وتشجيع النقاش وطرح الأسئلة، والإجابة على الشبهات وتوضيح اختلاف نظرة الإسلام لكثير من الأمور عن النصرانية واليهودية، حتى تتسع مدارك أبناء المسلمين لأن الإسلام يخاطب العقل.
٦ - تقوية الرابطة في المجتمعات الإسلامية وخاصة عندما يكون المسلمون في بلاد بها معتقدات مختلفة.
٧ - الاهتمام فيما بينهم بالمناسبات الإسلامية كالأعياد ويوم الجمعة، وشهر الصوم وتشجيع التزاور والنقاش في الفوارق بين مناسبات المسلمين وغيرهم. ونبذ المناسبات الطارئه على المجتمع الإسلامي التي دخلته من أصحاب الأهواء والبدع.
أما بالنسبة للمسلمين عموما، فإن هناك أمورا إذا أخذ بها، كانت خير سلاح للوقوف بحزم وقوة ضد ظاهرة الإلحاد التي برزت في هذا العصر بصورة أكثر مما كانت معروفة به من قبل في مثل: -.
стр. 6127
١ - تمكين عقيدة التوحيد من القلوب. فالإلحاد لم ينشأ إلا من خراب القلوب حيث حلها الشيطان واستوطنها.
يقول الله جلت قدرته ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣).
فالفرد إذا امتلأ قلبه بمعرفة الله، وأخلص له سبحانه بالعبادة والوحدانية، لن يجد هؤلاء الملاحدة منفذا يدخلون معه، ولا تجد أفكارهم إلى نفسه سبيلا.
٢ - ترابط المسلمين واهتمامهم بإخوانهم؛ ليكونوا كالجسد الواحد كما جاء في الحديث الشريف، فيعرفوا ما يحاك ضد إخوانهم في أي مكان من مكائد، وما يطرح من شبهات فيعينوهم في الوقوف ضد ذلك حتى لا يقعوا فيه.
٣ - العناية بالتعليم الإسلامي لتنمية العقيدة الصحيحة، ونبذ الخلافات التي دخلت المجتمعات الإسلامية وغذاها أعداء الإسلام، من باب " فرق تسد ".
٤ - بذل المساعدات المالية والعلمية لأبناء المسلمين حتى يزدادوا علما ومعرفة لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. ومن ثم توجيه الثقافة والتعريف بالنافع من الضار.
٥ - التصدي لشبهات الملاحدة التي تثار، وتوضيحها بالدليل العقلي، والدليل المنقول؛ لأنها شبهات باطلة تتهاوى هشة أمام التوضيح والمناقشة، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٤).
стр. 6128
٦ - العناية بالتوجيه الإعلامي من مسموع أو مقروء أو منظور، وربط الأمور بمنطلق العقيدة الإسلامية، فوسائل الإعلام في العصر الحاضر مدرسة لتوجيه أفراد المجتمع على اختلافهم، وتبصيرهم بما يجب عليهم وما لهم؛ لأنها تدخل كل بيت وتتحدث بكل لغة. ٧ - الاهتمام بالتربية الخلقية، والتأدب بآداب الإسلام فالإحسان إلى الآخرين من آداب الإسلام ويستبعد الآخرين، والعدل بين الناس، والصبر على أذاهم وغير هذا من الأمور التي تجذب الكافر وأصحاب النحل الأخرى إلى حظيرة الإسلام. هذه بعض الأمور التي تعين في التغلب على ظاهرة الإلحاد، والكيد للإسلام وأهله. ويحضرني في هذا الموقف واقعتان حصلتا في العهد العباسي منهما نجد أسلوب علمائنا الأفاضل في معالجة مثل هذه الظاهرة بأسلوب مقنع.
- الأولى حصلت لأحد علماء بغداد عندما طلب إليه مناظرة أحد الملاحدة في ميدان عام بالرصافة، وقد تجمع الناس والعلماء، فتأخر هذا الشيخ عن الحضور والناس ينتظرون، وجاء بعد طول انتظار، فابتدر الجميع قائلا، وهو يعني الملحد الذي سوف يناظر: لقد تأخرت لأنني منذ وقت طويل، وأنا جالس تحت تلك الشجرة أنتطرها تقطع نفسها ثم تصنع لي قاربا من جذرها فأركبه إليكم زورقا.
فضحك الملحد قائلا إن الشجرة لا بد لها من عامل معه فأس
стр. 6129
يقطعها، ثم نجار ينشر خشبها، ثم مسامير ومطرقة، ليجمع من أعوادها قاربا، ثم عمال يحركون المجاديف لتجتاز بك النهر حتى تصل إلينا.
فقال الشيخ: إذا كيف تقول: إن المصنوع في هذه الحياة ليس له صانع يوجده من العدم، فما دام لا بد من عامل يعمل، ونجار يصنع من أجل إصلاح قارب؛ فلا بد إذا لهذا الكون من خالق يدبره وهو الله جل وعلا. فالأشياء لا توجد نفسها. فسكت الملحد وانخذل.
- أما الثانية فهي قصة أبي حنيفة ﵀ مع جاره اليهودي الذي آذاه بفتح بيت الخلاء عليه ليؤذيه بالرائحة الكريهة، فصبر الإمام أبو حنيفة عليه خمسة عشر عاما أداء لحق الجوار، مع أنه قادر بكلمة واحدة لأمير المؤمنين أن ينتقم من هذا اليهودي شر انتقام، وكان أن مرض أبو حنيفة فزاره اليهودي من جملة من زاره، وقد تعمد أن يضع يده على أنفه إظهارا للاستياء مما يشم، وبعد أن جلس عند أبي حنيفة، قال له: منذ متى وهذه الرائحة الكريهة عندكم؟ فقال: منذ جاورتنا، منذ خمسة عشر عاما. فقال اليهودي: وقد صبرت من ذلك التاريخ؟ قال: نعم. لأن ديننا يأمرنا بحسن الجوار. فبهت اليهودي، ثم قال: دين هذه أخلاق علمائه فإنه خير دين، أشهدك أنني أسلمت، ونطق بالشهادتين، ومن هذا كله ندرك علاقة النصرانية واليهودية بموجة الإلحاد السائدة في هذا العصر وحرصهما على مباعدة المسلمين عن دينهم.
نسأل الله السلامة والعافية لأمة الإسلام وأبناء المسلمين، وأن يرزقهم التفقه في دينهم، ومعرفة الحق حقا ويرزقهم اتباعه، والباطل
стр. 6130
باطلا ويزرقهم اجتنابه، وإنها لأمانة ملقاة على كاهل العلماء في توضيح حقيقة الإسلام، وشرح تعاليمه، والتصدي لكل شبهة تطرح على أي مستوى، وفي أي مكان، بالتفنيد والإيضاح، وتبصير المسلمين بما يجب عليهم، وهذا من نصر دين الله، وأداء حق ما تحملته النفوس من علم بالدعوة والتوجيه، والله كفيل بتأييدهم ونصرهم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٢).
والله الهادي سواء السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.