الإسلامية، وأن يتطوع القادر بتخصيص جزء من وقته أداء لحق الله الذي منحه القدرة والكفاءة، ولا يبخل من لديه قدرة ومتسع من الوقت بالتعاون معه امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١).
٤ - تنمية الحجاب لدى المرأة المسلمة، وتشجيع الانفصال في التعليم عن الرجل لإيجاد الشخصية الإسلامية من البداية حسب أمر الله ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢).
٥ - تنظيم الندوات والمحاضرات الإسلامية للرجال والنساء وتشجيع النقاش وطرح الأسئلة، والإجابة على الشبهات وتوضيح اختلاف نظرة الإسلام لكثير من الأمور عن النصرانية واليهودية، حتى تتسع مدارك أبناء المسلمين لأن الإسلام يخاطب العقل.
٦ - تقوية الرابطة في المجتمعات الإسلامية وخاصة عندما يكون المسلمون في بلاد بها معتقدات مختلفة.
٧ - الاهتمام فيما بينهم بالمناسبات الإسلامية كالأعياد ويوم الجمعة، وشهر الصوم وتشجيع التزاور والنقاش في الفوارق بين مناسبات المسلمين وغيرهم. ونبذ المناسبات الطارئه على المجتمع الإسلامي التي دخلته من أصحاب الأهواء والبدع.
أما بالنسبة للمسلمين عموما، فإن هناك أمورا إذا أخذ بها، كانت خير سلاح للوقوف بحزم وقوة ضد ظاهرة الإلحاد التي برزت في هذا العصر بصورة أكثر مما كانت معروفة به من قبل في مثل: -.
стр. 6127
١ - تمكين عقيدة التوحيد من القلوب. فالإلحاد لم ينشأ إلا من خراب القلوب حيث حلها الشيطان واستوطنها.
يقول الله جلت قدرته ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣).
فالفرد إذا امتلأ قلبه بمعرفة الله، وأخلص له سبحانه بالعبادة والوحدانية، لن يجد هؤلاء الملاحدة منفذا يدخلون معه، ولا تجد أفكارهم إلى نفسه سبيلا.
٢ - ترابط المسلمين واهتمامهم بإخوانهم؛ ليكونوا كالجسد الواحد كما جاء في الحديث الشريف، فيعرفوا ما يحاك ضد إخوانهم في أي مكان من مكائد، وما يطرح من شبهات فيعينوهم في الوقوف ضد ذلك حتى لا يقعوا فيه.
٣ - العناية بالتعليم الإسلامي لتنمية العقيدة الصحيحة، ونبذ الخلافات التي دخلت المجتمعات الإسلامية وغذاها أعداء الإسلام، من باب " فرق تسد ".
٤ - بذل المساعدات المالية والعلمية لأبناء المسلمين حتى يزدادوا علما ومعرفة لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. ومن ثم توجيه الثقافة والتعريف بالنافع من الضار.
٥ - التصدي لشبهات الملاحدة التي تثار، وتوضيحها بالدليل العقلي، والدليل المنقول؛ لأنها شبهات باطلة تتهاوى هشة أمام التوضيح والمناقشة، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٤).
стр. 6128
٦ - العناية بالتوجيه الإعلامي من مسموع أو مقروء أو منظور، وربط الأمور بمنطلق العقيدة الإسلامية، فوسائل الإعلام في العصر الحاضر مدرسة لتوجيه أفراد المجتمع على اختلافهم، وتبصيرهم بما يجب عليهم وما لهم؛ لأنها تدخل كل بيت وتتحدث بكل لغة. ٧ - الاهتمام بالتربية الخلقية، والتأدب بآداب الإسلام فالإحسان إلى الآخرين من آداب الإسلام ويستبعد الآخرين، والعدل بين الناس، والصبر على أذاهم وغير هذا من الأمور التي تجذب الكافر وأصحاب النحل الأخرى إلى حظيرة الإسلام. هذه بعض الأمور التي تعين في التغلب على ظاهرة الإلحاد، والكيد للإسلام وأهله. ويحضرني في هذا الموقف واقعتان حصلتا في العهد العباسي منهما نجد أسلوب علمائنا الأفاضل في معالجة مثل هذه الظاهرة بأسلوب مقنع.
- الأولى حصلت لأحد علماء بغداد عندما طلب إليه مناظرة أحد الملاحدة في ميدان عام بالرصافة، وقد تجمع الناس والعلماء، فتأخر هذا الشيخ عن الحضور والناس ينتظرون، وجاء بعد طول انتظار، فابتدر الجميع قائلا، وهو يعني الملحد الذي سوف يناظر: لقد تأخرت لأنني منذ وقت طويل، وأنا جالس تحت تلك الشجرة أنتطرها تقطع نفسها ثم تصنع لي قاربا من جذرها فأركبه إليكم زورقا.
فضحك الملحد قائلا إن الشجرة لا بد لها من عامل معه فأس
стр. 6129
يقطعها، ثم نجار ينشر خشبها، ثم مسامير ومطرقة، ليجمع من أعوادها قاربا، ثم عمال يحركون المجاديف لتجتاز بك النهر حتى تصل إلينا.
فقال الشيخ: إذا كيف تقول: إن المصنوع في هذه الحياة ليس له صانع يوجده من العدم، فما دام لا بد من عامل يعمل، ونجار يصنع من أجل إصلاح قارب؛ فلا بد إذا لهذا الكون من خالق يدبره وهو الله جل وعلا. فالأشياء لا توجد نفسها. فسكت الملحد وانخذل.
- أما الثانية فهي قصة أبي حنيفة ﵀ مع جاره اليهودي الذي آذاه بفتح بيت الخلاء عليه ليؤذيه بالرائحة الكريهة، فصبر الإمام أبو حنيفة عليه خمسة عشر عاما أداء لحق الجوار، مع أنه قادر بكلمة واحدة لأمير المؤمنين أن ينتقم من هذا اليهودي شر انتقام، وكان أن مرض أبو حنيفة فزاره اليهودي من جملة من زاره، وقد تعمد أن يضع يده على أنفه إظهارا للاستياء مما يشم، وبعد أن جلس عند أبي حنيفة، قال له: منذ متى وهذه الرائحة الكريهة عندكم؟ فقال: منذ جاورتنا، منذ خمسة عشر عاما. فقال اليهودي: وقد صبرت من ذلك التاريخ؟ قال: نعم. لأن ديننا يأمرنا بحسن الجوار. فبهت اليهودي، ثم قال: دين هذه أخلاق علمائه فإنه خير دين، أشهدك أنني أسلمت، ونطق بالشهادتين، ومن هذا كله ندرك علاقة النصرانية واليهودية بموجة الإلحاد السائدة في هذا العصر وحرصهما على مباعدة المسلمين عن دينهم.
نسأل الله السلامة والعافية لأمة الإسلام وأبناء المسلمين، وأن يرزقهم التفقه في دينهم، ومعرفة الحق حقا ويرزقهم اتباعه، والباطل
стр. 6130
باطلا ويزرقهم اجتنابه، وإنها لأمانة ملقاة على كاهل العلماء في توضيح حقيقة الإسلام، وشرح تعاليمه، والتصدي لكل شبهة تطرح على أي مستوى، وفي أي مكان، بالتفنيد والإيضاح، وتبصير المسلمين بما يجب عليهم، وهذا من نصر دين الله، وأداء حق ما تحملته النفوس من علم بالدعوة والتوجيه، والله كفيل بتأييدهم ونصرهم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٢).
والله الهادي سواء السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 6131
صفحة فارغة
стр. 6132
محمد بن عمر بن عبد الرحمن العقيل
. * الشهرة العلمية - أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري
. * المولد سنة ١٣٥٧ هـ بشقراء
. * يحمل الماجستير في التفسير - ثاني فوج من معهد القضاء العالي.
* عمل موظفا بإمارة المنطقة الشرقية وديوان الخدمة المدنية ورئاسة تعليم البنات / ويعمل الآن مديرا عاما للإدارة القانونية بوزارة البلديات والشئون القروية، وعمل رئيسا للنادي الأدبي بالرياض ولا يزال أحد أعضائه طبع له أربعون كتابا ونيفا - أهمها - لن تلحد، وهموم عربية، وابن حزم خلال ألف عام.
стр. 6133
صفحة فارغة
стр. 6134
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسند بلال بن رباح ﵁
لأبي علي الزعفراني
بتحقيق: أبي عبد الرحمن بن عقيل
توطئة عاجلة: -.
بدار الكتب المصرية مجموع برقم ١٥٥٨ / حديث يضم ستة وأربعين مؤلفا ما بين كتاب وجزء ورسالة. وقد عرفت بهذا المجموع في مقدمتي لكتاب التذكرة للحميدي. وهذا المجموع بخط يوسف بن شاهين (سبط ابن حجر) يتميز بإثبات الرواية والسماع لكل جزء.
وهو بخط تعليق واضح يهمل الحروف ولا يعجمها ويكتب الكاف لاما.
أما راويه وناسخه سبط ابن حجر فقد قال عنه السخاوي في الضوء اللامع: (وليس خطه بالطائل لا سندا ولا متنا، بل ولا يعتمد عليه في كثير مما يبديه لتساهله).
وضمن هذا المجموع بضعة أحاديث رواها الزعفراني بإسناده إلى بلال ﵁ مرفوعة إلى رسول الله ﷺ ، وكتب عليها (مسند بلال بن رباح).
стр. 6135
وراويها أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح - بتشديد الباء - الزعفراني صاحب الإمام الشافعي.
ترجم له - أو ذكره - ابن النديم في الفهرس، والشيرازي في طبقات الفقهاء، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وابن عدي في الكامل، والخطيب في تاريخ بغداد، وابن قانع في المعجم، وابن عبد البر في الانتقاء، وأبو الوليد الباجي في كتابه التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الصحيح، والذهبي في سير أعلام النبلاء، والعبر، وتذكرة الحفاظ، والكاشف، وأبو يعلى في طبقات الحنابلة، وابن طاهر في الجمع بين رجال الصحيحين، والسمعاني في الأنساب، والنووي في تهذيب الأسماء، وابن خلكان في وفيات الأعيان، وابن خير في الفهرس، وياقوت في معجم البلدان، وابن السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، وابن كثير في طبقات الشافعية، وفي البداية والنهاية، والأسنوي في طبقات الشافعية، والعبادي في طبقات الشافعية، وابن هداية في الطبقات، وابن الأثير في اللباب، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة، وابن الجوزي في المنتظم، والصفدي في الوافي، واليافعي في مرآة الجنان، وابن حبان في الثقات، والمزي في تهذيب الكمال، وابن حجر في تهذيب التهذيب، والخزرجي في الخلاصة، والعليمي في المنهج الأحمد، وابن العماد في شذرات الذهب، والخوانساري في روضات الجنات، والزركلي، وكحالة وسزكين.
ولم يذكر جمهور من ترجم له أن له شيئا من المؤلفات، وإنما ذكر ابن خلكان وتابعه ابن العماد أن له مؤلفات في الفقه والحديث. وذكر له ابن خير حديث أبي علي الزعفراني في أربعة أجزاء وأسنده إليه بعدة طرق من طريق ابن الأعرابي عن الزعفراني، وكذلك ذكره
стр. 6136
صاحب صلة الخلف الذي ذكر له مسند بلال، وخباب، وعمار بإسناده إلى الفخر بن البخاري إلى الدجاجي إلى القطان عن الزعفراني.
ولعله من جمع تلميذه ابن الأعرابي.
ولم يصل إلينا شيء من آثار الزعفراني غير هذه الضميمة من حديث بلال، ولعلها من جمع تلميذه أبي عبد الله القطان. ذكر سزكين لهذه الضميمة نسخة أخرى بدار الكتب المصرية برقم ٢٥٥٨٥ حديثة النسخ في سنة ١٣٥١ هـ.
والزعفراني منسوب إلى الزعفرانية قرية بسواد العراق، ثم سكن ببغداد، فقيل للدرب الذي يسكن فيه درب الزعفراني نسبة إليه. وهذا تصحيح من ابن السبكي لقول شيخه الذهبي: إن الزعفراني منسوب إلى الدرب.
والعكس هو الصحيح.
روى عنه الستة إلا مسلما، كما روى عنه من ألف في الصحيح كابن خزيمة وأبي عوانة. وثقه النسائي، بل أجمعوا على إمامته وتوثيقه. كان نبطيا، ولكنه من أفصح أهل زمانه، ومن أهل اللغة.
ورد عند ابن عبد البر والسمعاني: (أنه الزعفراني البزار) ولم أر هذا عند غيرهما، ولعل السمعاني تابع ابن عبد البر، ويكون ابن عبد البر اختلط عليه الزعفراني بالحسن بن الصباح صاحب الإمام أحمد.
وفي طبقات الحنابلة لأبي يعلى: روى عنه الشافعي كتابه القديم.
стр. 6137
قال أبو عبد الرحمن: لعل هذا تطبيع، وأن العبارة (عن) بدون هاء الغائب.
قال ابن عبد البر عن الزعفراني:.
كان يذهب إلى مذهب أهل العراق فتركه وتفقه للشافعي. .
وكان نبيلا فقيها مأمونا قرأ على الشافعي الكتاب كله نيفا على ثلاثين جزءا، وكتبه عنه.
وهو الكتاب المعروف بالبغدادي، وبالقديم.
ويقال لكتابه (المصري الذي كتبه بمصر الجديد). اهـ.
وقال ابن النديم: (روى المبسوط عن الشافعي على ترتيب ما رواه الربيع، وفيه خلف يسير).
وليس يرغب الناس فيه، ولا يعملون عليه. وإنما يعمل الفقهاء على ما رواه الربيع.
ولا حاجة إلى تسمية الكتب التي رواها الزعفراني؛ لأنها قد قلت، واندرس أكثرها. وليس ينسخ فيما بعد). اهـ.
قال أبو عبد الرحمن: إنما رغب الناس عنها فقها؛ لأنها القول القديم للشافعي، أما الأحاديث فلا بد أنها بقيت في رواية الزعفراني والبيهقي وغيرهما.
اختلف المؤرخون في تاريخ وفاة الزعفراني، فقال السمعاني مات في ربيع الآخر سنة ٢٤٩ هـ.
стр. 6138
وقال ابن عبد البر: توفي سنة ٢٥٩ هـ.
وقال الجمهور وقدماء المؤرخين توفي سنة ٢٦٠ هـ إلا أن بعضهم قال: في شعبان، وبعضهم قال: في رمضان، وحدده ابن طاهر بيوم الاثنين لثمان بقين من رمضان سنة ٢٦٠ هـ.
ولم يذكروا تاريخ مولده، إلا أن الذهبي اختار أنه ولد سنة ١٦٠ هـ ثم قال: وهو في عشر التسعين. قال هذا في تذكرة الحفاظ، وقال في السير: ولد سنة بضع وسبعين ومائة.
أما صلة الزعفراني بالشافعي فقد حددها بقوله: (قدم علينا الشافعي بغداد سنة ١٩٥ هـ) اهـ.
وقد سمع بقراءته الكتب على الشافعي: أحمد، وأبو ثور، والكرابيسي.
стр. 6139
أسانيد الكتاب وسماعاته:
سيأتي سند الكتاب في صدره، ولكنني أضيف ما جاء في طرة الجزء وآخره.
جاء في الطرة: (مسند بلال بن رباح المؤذن ﵁: تأليف الإمام أبي علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني رحمه الله تعالى: رواية أبي عبد الله الحسن بن يحيى بن عياش القطان عنه: رواية أبي محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الأسدي عنه: رواية أبي الغنائم محمد بن علي بن الحسن الدجاجي عنه: رواية أبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز: رواية أبي حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد البغدادي عنه: رواية أبي الحسن علي بن
стр. 6140
أحمد بن عبد الواحد بن البخاري، وأبي العباس أحمد بن شيبان بن تغلب الدمشقي، وأم أحمد زينب بنت مكي بن علي بن كامل الحرانية. ثلاثتهم عنه). اهـ.
قال أبو عبد الرحمن: ابن العياش القطان [٢٣٩ - ٣٣٤] هـ، ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد ٨/ ١٤٨.
والأسدي هو ابن الأكفاني [- ٤٠٥ هـ]. ترجم له في تاريخ بغداد ١٠/ ١٤١ - ١٤٢.
وابن الدجاجي البغدادي توفي سنة ٤٦٣ هـ.
وأبو منصور القزاز شيباني بغدادي يعرف بابن زريق توفي سنة ٥٣٥ هـ.
وابن طبرزد ٥١٦ - ٦٠٧ هـ، ترجمته في التكملة للمنذري ٣/ ٣٣٤ - ٣٣٧، والمحقق لبشار عواد معروف ص ٦ ٥ - ٥٧.
وابن البخاري ٥٩٦ - ٦٩٠ هـ، ترجمته في معجم المؤلفين ٧/ ١٩.
وابن تغلب [٥٩٨ - ٦٨٥ هـ]، ترجمته في الوافي للصفدي ٦/ ٤١٧ - ٤١٨ وكناه أبا المعالي بدر الدين الشيباني الصالحي العطار ثم الخياط.
وزينب [٦٢٤ أو ٥٩٤ - ٦٨٨ هـ[ترجمتها في أعلام النساء لكحالة ٢/ ١١٦ - ١١٩.
وورد في الطرة: (الحمد لله وحده، وبعد فقد سمع جميع هذا الجزء على أم الفضل هاجر بنت الشرف محمد القدسي مسندة فيه بقراءة
стр. 6141
العلامة الأوحد الزين محمد بن الزين عبد الرحمن بن محمد الأسدي الدمشقي الشافعي فسمعه: الشهاب أحمد بن داود بن سليمان البيجوري، وأبو الطيب الطبيب محمد بن محمد بن يحيى بن أبي علي التقاوسي القسنطيني.
وذا خطه، وصح وثبت في ليلة لأربعاء العشرين من محرم سنة ٨٧٣ هـ إجازته، ولله الحمد.
قرأ محمد المظفري جميع هذا الجزء على سيدنا الشيخ بدر الدين محمد بن المحب: أنا شيخ الإسلام أحمد بن حجر بسنده فيه.
سمعه الشيخ العلامة جلال الدين البلبيسي وأجاز المسمع بتاريخ ثالث وعشرين ربيع الثاني من اثني عشر وتسع مائة.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. (صح ذلك قاله محمد بن المحب المالكي.) اهـ.
وورد في آخر الجزء: (على الأصل المنقول منه: سمع جميع هذا الجزء - وهو مسند بلال للزعفراني - على (عمر بن محمد بن طبرزد) بقراءة الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي: علي بن عبد الواحد المقدسي، وزينب بنت مكي، وأحمد بن شعبان، وآخرون في القريب من شوال سنة ٦٠٣ هـ. وسمعه على (أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي - عرف بابن البخاري) بقراءة محمود بن أبي بكر الأرموي: نور الدين علي بن حسن بن علي الأرموي في آخرين.
وصح في رمضان سنة ٦٨٨ بمنزل المسمع بسفح قاسيون.
стр. 6142
وسمعه علي أبي الحسن علي بن حسن بن علي الأرموي سماعه أعلاه بقراءة ناصر الدين محمد بن أبي القاسم بن إسماعيل الفارقي: أبو بكر بن قاسم بن أبي بكر الرحبي، وابنه أحمد - وعلي بن قيران بن عبد الله السكزي، والإمام أبو الحسن علي بن أبي محمد عبد الله بن أبي الحسن الأردبيلي (١). التبريزي، وآخرون في يوم الثلاثاء خامس عشر جمادى الآخر سنة ٧٢٦ هـ.
وسمعه عليه أيضا جماعة منهم أحمد بن حسن بن محمد بن محمد بن زكريا السويداوي سنة ٧٣٨ هـ.
وسمعه على أبي العباس أحمد بن الحسن بن محمد القدسي السويداوي بقراءة كاتب السماع أحمد بن علي بن محمد العسقلاني:.
ولد المسمع أبو البقاء محمد الأصغر. (وصح سماع المسمع في الثالث عشر من المحرم سنة ٧٩٩ وأجاز.). اهـ.
قال أبو عبد الرحمن: هاجر بنت محمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي الطاعة [٧٩٠ - ٨٧٤] ترجم لها السخاوي في الضوء اللامع. وضياء الدين [٥٦٩ - ٦٤٣ هـ] هو الحافظ الإمام صاحب المختارة في الصحاح.
ومحمود الأرموي: فيه اثنان بهذا الاسم:
أحدهما: محمود بن أبي بكر الأرموي التنوخى [٥٩٤ - ٦٨٢ هـ].
стр. 6143
وثانيهما: محمود بن أبي بكر الأرموي الحسني صفي الدين [٦٤٦ - ٧٢٢ هـ].
ولعل هذا الأخير هو المقصود؛ لأن السماع بقراءته في ٦٨٨ هـ، والأول توفي قبل هذا التاريخ.
ونور الدين [٦٥٢ - ٧٣٦ هـ]، شافعي ترجمته في الدرر الكامنه ٣/ ١٠٩.
والفارقي [٦٧٦ - ٧٦١ هـ]، ترجمته في الدرر ٤/ ٢٦٥.
والرحبي [٦٦٦ - ٧٤٩ هـ]، ترجمته في الدرر ١/ ٤٨٧.
وابن قيران توفي سنة ٧٤٤ هـ وله ست وثمانون سنة، وترجمته في الدرر ٣/ ١٦٩.
والأردبيلي [٦٧٧ - ٧٤١ هـ]، ترجمته في معجم المؤلفين لكحالة ٧/ ١٣٤.
والسويداوي [٧٢٥ - ٨٢٦ هـ]، ترجمته في الضوء اللامع ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
والحافط ابن حجر توفي سنة ٨٢٥ ومولده سنة ٧٧٣ هـ.
стр. 6144
نص الجزء من مسند بلال
: أخبرنا. جدي لأمي شيخ الإسلام والحفاظ أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني - إجازة إن لم يكن سماعا - والمسندة المكرمة أم الفضل هاجر بنت محمد بن محمد بن أبي بكر القدسي قراءة عليها في شوال سنة ٨٦٨ هـ قالا: أنا المسند شهاب الدين أحمد بن حسن بن محمد السويداوي - سماعا للأول بقراءته، وإجازة للثانية إن لم يكن سماعا -: أنا أبو الحسن علي بن حسن بن علي الأرموي، وأنبأنا غير واحد منهم المسند عز الدين عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن الفرات (١). إجازة إن لم يكن سماعا عن ست العرب بنت البخاري:
أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي الشهير بابن البخاري: أنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد البغدادي سماعا عليه في العشرين من شوال سنة ثلاث وست مائة: أنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز - قراءة عليه ونحن نسمع: أنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي بن الحسن بن الدجاجي: أنا القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الأسدي - قراءة عليه ونحن نسمع في شهر ربيع الأول سنة
стр. 6145
٣٩٤ في جامع الرصافة بالجانب الشرقي من مدينة السلام -: أنا أبو عبد الله الحسين بن يحيى بن عياش القطان: أنا أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال:
стр. 6146
حديث أبي عبد الله بلال بن رباح
: حدثنا يحيى بن عباد، ثنا حماد بن زيد: ثنا عمرو بن دينار: أن ابن عمر حدث عن بلال ﵃: «أن رسول الله ﷺ صلى في الكعبة (١)».
حدثنا حسين بن الحسن. عن ابن عون (٢)، عن نافع: عن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ دخل الكعبة ومعه بلال، وأسامة وعثمان بن طلحة. وقد أجاف عليهم الباب. قال: فقعدت بالأرض مليا، ثم خرج، فدخلت، فقلت: أين صلى النبي ﷺ ؟ قال: قالوا: هاهنا.
стр. 6147
ونسيت أن أسأل كم صلى (١)».
حدثنا سعيد بن منصور: ثنا حماد بن زيد: عن عمرو بن دينار: عن ابن عمر: عن بلال ﵃: «أن رسول الله ﷺ صلى في جوف الكعبة (٢)».
حدثنا: سعيد بن سليمان. ثنا عبد الله بن المؤمل، سمعت ابن أبي مليكة (٣)، عن ابن عباس (٤). ﵄ قال: «صلى رسول الله ﷺ في الكعبة، فكان بلال والفضل على الباب. فقال بلال: سجد. وقال الفضل: إنما كان يركع (٥)».
стр. 6148
حدثنا شبابة (١)، ثنا الليث: عن ابن شهاب: عن سالم: عن ابن عمر ﵄ قال.
«دخل النبي ﷺ البيت، وأسامة، وبلال، وعثمان بن طلحة ﵃ فأغلقوا الباب، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالا فسألته عن صلاة النبي ﷺ ؟
فقال: نعم صلى بين العمودين اليمانيين (٢)».
حدثنا داود بن مهران. يعني العطار: عن موسى (٣)، عن نافع: «أن عبد الله بن عمر سأل بلالا ﵃
стр. 6149
- وكان دخل مع رسول الله ﷺ الكعبة -: هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ فقال بلال: نعم. وقد نسيت أن أسأله كم صلى (١)».
стр. 6150
[باب المسح على الخفين]
حدثنا يحيى بن عباد: ثنا شعبة: أخبرني الحكم (١)، عن ابن أبي ليلى: قال: قال بلال ﵃: «كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والخمار (٢)».
حدثنا عفان (٣)، ثنا شعبة قال: قال أبو بكر بن حفص (٤). سمعت أبا عبد الله مولى لبني تيم بن مرة يحدث عن أبي عبد الرحمن (٥). أنه كان قاعدا، فمر بلال ﵃، فسألوه عن وضوء رسول الله ﷺ ؟
فقال: «كان رسول الله ﷺ يقضي الحاجة، فيدعو بالماء.
فكنت آتيه بالماء فيمسح على موقيه وعمامته (٦)».
стр. 6151
حدثنا عاصم (١)، ثنا محمد بن راشد: عن مكحول: عن نعيم بن عمار (٢)، عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ ورضي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «امسحوا على الخفين والخمار (٣)».
حدثنا عاصم: ثنا شعبة قال: سألت حمادا عن المرأة تمسح على خمارها بماء؟
قال: قال لي إبراهيم: تنزع خمارها وتمسح على رأسها. قال شعبة: كنت إذا سألت الحكم عن هذا قال: سمعت ابن أبي ليلى يحدث عن بلال ﵁: «أن النبي ﷺ كان يمسح على الخمار والخفين (٤)».
حدثنا علي، ثنا ابن ثوبان (٥)، عن أبيه: عن محكول: عن الحارث بن معاوية، وسهيل بن أبي جندل. أنهما سألا بلالا رضي الله
стр. 6152
عنه عن المسح؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «امسحوا على الخفين والموق».
حدثنا علي: ثنا زهير: عن حميد: عن أبي رجاء: عن عمه أبي إدريس: «أنه كان قاعدا بدمشق في يوم بارد فأراد أن يخلع خفيه فمر به بلال مؤذن رسول الله ﷺ ورضي عنه، فقال: يا بلال: كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قال: كان يمسح على الخفين والخمار. قال: وترك خفيه فلم يخلعها (١)».
حدثنا علي: ثنا سفيان: عن أبان بن تغلب: عن الحكم: عن ابن أبي ليلى: عن بلال ﵁: «أن النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار (٢)».
стр. 6153
باب أفطر الحاجم والمحجوم:
حدثنا يزيد بن هارون: ثنا أبو العلاء، عن قتادة: عن شهر بن حوشب (١). عن بلال ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم (٢)».
стр. 6154
باب الأذان
حدثنا عفان: ثنا شعبة قال: منصور وسليمان أخبراني عن إبراهيم: عن الأسود: عن بلال: أنه سمعه يؤذن. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. آخر مسند بلال للزعفراني. الحمد لله وحده. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. حسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 6155
صفحة فارغة
стр. 6156
الاجتهاد ومدى إمكانه في هذا الزمان
بقلم الدكتور / صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بحث حول موضوع فتح باب الاجتهاد
الحمد لله وحده. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وآله وصحبه وبعد: فهذا بحث حول موضوع فتح باب الاجتهاد قمت بتوفيق الله وإعانته بكتابة ما تيسر حول هذا الموضوع مسترشدا بأدلة الكتاب والسنة وكلام أهل العلم، ويتلخص هذا البحث في النقاط التالية:
- تعريف الاجتهاد لغة وشرعا - حكم الاجتهاد وأدلته - متى وجد الاجتهاد في هذه الأمة - شروط المجتهد وأنواع الاجتهاد - حكم الاجتهاد في هذا الزمان وهو ما يعبر عنه بفتح باب الاجتهاد، خاتمة نبين فيها ثمرات البحث ونتائجه. إذ كثيرا ما نسمع دعوات تطالب بفتح باب الاجتهاد ومن المعلوم أن ديننا كامل وشامل لكل متطلبات الحياة.
- قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) وقد استنبط علماؤنا الأوائل من هذا الكتاب العلم الغزير الذي غطى حاجتهم ومهدوا منه القواعد العلمية التي يسترشد بها من جاء بعدهم، ولا يزال القرآن يشتمل على بيان حكم كل نازلة إلى يوم القيامة، وسنة
стр. 6157
رسول الله ﷺ تفسره وتبينه، وبالرجوع إليها وتدبرها نحصل على العلم الغزير والفقه الكثير؛ لأنها وحي من عند الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (١) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) وهكذا بعلم الكتاب والسنة تحل المشكلات وتحصل الهداية التامة وصدق الله العظيم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٣) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٤) نسأل الله أن يمن علينا بالعلم النافع والعمل الصالح والتمسك بكتابه وسنة نبيه وأن يتوفانا مسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 6158
١ - تعريف الاجتهاد لغة وشرعا: الاجتهاد لغة: بذل الوسع والمجهود (١). - مأخوذ من الجهد (بضم الجيم) وهو الطاقة كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٢) في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في أي فعل كان (٣).، وأما الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين فهو: بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع (٤). وبين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي عموم وخصوص، فالتعريف الاصطلاحي أخص من التعريف اللغوي؛ إذ التعريف اللغوي يهم بذل الوسع في تحصيل أي شيء يحتاج تحصيله إلى بذل وسع، أما التعريف الاصطلاحي فإنما يعني بذل الوسع في معرفة الحكم الشرعي خاصة.
стр. 6159
٢ - أدلة الاجتهاد في الشريعة: الأصل في الاجتهاد قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١) إذ من المعلوم أن الحكمين يجتهدان في الجزاء المناسب في الصيد الذي يقتله المحرم متعمدا - وقوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ (٢) فداود وسليمان ﵉ حكما بالاجتهاد بدليل قوله تعالى في الآية التي تليها ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (٣) ولو حكما بالنص لم يخص سليمان بالتفهيم. والدليل في السنة قول الرسول ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران (٤)».
стр. 6160
٣ - وأما وقت وجود الاجتهاد في هذه الأمة فقد وجد في عهد النبي ﷺ ، فقد قال معاذ ﵁: (أجتهد رأيي) (١). وصوبه النبي ﷺ ، وقال ﷺ لعمرو بن العاص: «احكم في بعض القضايا. فقال: أجتهد وأنت حاضر: فقال: نعم إن أصبت فلك أجران. وإن أخطأت فلك أجر (٢)». وفوض ﷺ الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ ﵁ وصوبه (٣). قال الإمام ابن القيم ﵀ (٤). وكان التبليغ عنه من عين تبليغ ألفاظه وما جاء به وتبليغ معانيه، كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين:
стр. 6161
أحدهما حفاظ الحديث وجهابذته والقادة الذين هم أئمة الأنام وزوامل الإسلام الذين حفظوا على الأمة معاقد الدين ومعاقله. وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله، حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهل صافية من الأدناس، لم تشبها الآراء تغييرا، ووردوا فيها عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا، وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل في خطبته المشهورة في كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون في المتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلين.
قال ابن القيم: القسم الثاني فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (١).
стр. 6162
قال عبد الله بن عباس في إحدى الروايتين عنه وجابر بن عبد الله والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحاك ومجاهد في إحدى الروايتن عنه: أولو الأمر هم العلماء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقال أبو هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى وزيد بن أسلم، والسدي ومقاتل: هم الأمراء. وهو الرواية الثانية عن أحمد انتهى.
وهكذا نجد أن الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية قديم ومستمر في تاريخ الإسلام؛ لأنه هو الفقه في الدين الذي قاله عنه الرسول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١)». وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٢) وعملا بذلك أقبل علماء الإسلام على نصوص الكتاب والسنة فحفظوها واستنبطوا منها الأحكام الشرعية وفجروا منها ينابيع العلم، واجتهدوا في تطبيقها على النوازل فكان من آثار هذا العمل الجليل تلك الأسفار الضخمة التي تزخر بها المكتبات الإسلامية، إنها كتب الفقه الإسلامي التي نعتز بها ونجد فيها حلولا لمشكلاتنا ونجد فيها أكبر عون على فهم الكتاب والسنة.
فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ووفق الله الخلف للانتفاع بعلم السلف.
стр. 6163
٤ - أما شروط الاجتهاد ، فإنه لما كانت مرتبة الاجتهاد واستنباط الأحكام مرتبة خطيرة؛ لأن ذلك يتضمن الإخبار عن حكم الله والاجتهاد عرضة للخطأ وهذا يترتب عليه آثار سيئة على الأجيال اللاحقة بحيث تكون تلك الأخطاء الاجتهادية سببا في ضلال من يأخذ بها وابتعاده عن الكتاب والسنة؛ لذلك صار منصب الاجتهاد منصبا عاليا لا يناله إلا من توافرت فيه المؤهلات العلمية.
قال العلامة ابن القيم (١) ﵀: ولما كان التبليغ عن الله يعتمد على العلم بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق - فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه - ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله. وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه. ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به - فإن الله ناصره وهاديه. وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب - فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ (٢). وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٣) وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه
стр. 6164
وليوقن أنه مسئول غدا بين يدي الله. انتهى.
ولما كان منصب الاجتهاد بهذه الخطورة فقد وضع العلماء شروطا لمن يتولى هذا المنصب لأجل تلافي الأخطار الناجمة عن اجتهاد من لا تتوفر فيه تلك الشروط واعتبار اجتهاده غير معترف به، ولا يجوز العمل به وهذه الشروط كما يلي (١):
١ - إحاطة المجتهد بمدارك الأحكام المثمرة لها من كتاب وسنة وإجماع واستصحاب وقياس ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض وتقديم ما يجب تقديمه منها كتقديم النص على القياس.
٢ - علمه بالناسخ والمنسوخ ومواضع الإجماع والاختلاف، ويكفيه أن يعلم أن ما يستدل به ليس منسوخا، وأن المسألة لم ينعقد فيها إجماع من قبل.
٣ - معرفته بالعام والخاص والمطلق والمقيد والنص والظاهر والمؤول والمجمل والمبين والمنطوق والمفهوم والمحكم والمتشابه.
٤ - معرفته بما يصلح للاحتجاج به من الأحاديث من أنواع الصحيح والحسن والتمييز بين ذلك وبين الضعيف الذي لا يحتج به، وذلك بمعرفته بأسباب الضعف المعروفة في علم الحديث والأصول.
٥ - أن يكون على علم بالنحو واللغة العربية يمكنه من فهم الكلام.
تلك أهم الشروط التي لا بد من توافرها في المجتهد، والعدالة ليست شرطا من أصل الاجتهاد، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد، ولا يشترط كذلك حفظه لآيات الأحكام وأحاديثها، بل يكفي علمه بمواضعها في المصحف، وكتب الحديث ليراجعها عند الحاجة.
стр. 6165
٥ - أنواع الاجتهاد: قال الإمام علاء الدين علي بن سليمان المرداوي في كتابه الإنصاف (١): واعلم أن المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: المجتهد المطلق وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد والتي ذكرها المصنف في آخر كتاب القضاء (٢) على ما تقدم هناك إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة وأحكام الحوادث منها ولا يتقيد بمذهب أحد إلى أن قال: قال في آداب المفتي والمستفتي: ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأن الحديث والفقه قد دونا. وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك، لكن الهمم قاصرة. والرغبات فاترة، وهو فرض كفاية قد أهملوه وملوه ولم يعقلوه ليفعلوه، انتهى. القسم الثاني: مجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره وأحواله أربعة:
الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابا، وأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه - إلى أن قال: وفتوى المجتهد المذكور كفتوى المجتهد المطلق في العمل بها والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه مستقلا بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده مع إتقانه للفقه وأصوله وأدلة مسائل الفقه، عالما بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادرا على التخريج والاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه. إلى أن قال: