← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

أحدهما حفاظ الحديث وجهابذته والقادة الذين هم أئمة الأنام وزوامل الإسلام الذين حفظوا على الأمة معاقد الدين ومعاقله. وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله، حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهل صافية من الأدناس، لم تشبها الآراء تغييرا، ووردوا فيها عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا، وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل في خطبته المشهورة في كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون في المتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المضلين. قال ابن القيم: القسم الثاني فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (١).

стр. 6162

قال عبد الله بن عباس في إحدى الروايتين عنه وجابر بن عبد الله والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحاك ومجاهد في إحدى الروايتن عنه: أولو الأمر هم العلماء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقال أبو هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى وزيد بن أسلم، والسدي ومقاتل: هم الأمراء. وهو الرواية الثانية عن أحمد انتهى. وهكذا نجد أن الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية قديم ومستمر في تاريخ الإسلام؛ لأنه هو الفقه في الدين الذي قاله عنه الرسول ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١)». وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (٢) وعملا بذلك أقبل علماء الإسلام على نصوص الكتاب والسنة فحفظوها واستنبطوا منها الأحكام الشرعية وفجروا منها ينابيع العلم، واجتهدوا في تطبيقها على النوازل فكان من آثار هذا العمل الجليل تلك الأسفار الضخمة التي تزخر بها المكتبات الإسلامية، إنها كتب الفقه الإسلامي التي نعتز بها ونجد فيها حلولا لمشكلاتنا ونجد فيها أكبر عون على فهم الكتاب والسنة. فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ووفق الله الخلف للانتفاع بعلم السلف.

стр. 6163

٤ - أما شروط الاجتهاد ، فإنه لما كانت مرتبة الاجتهاد واستنباط الأحكام مرتبة خطيرة؛ لأن ذلك يتضمن الإخبار عن حكم الله والاجتهاد عرضة للخطأ وهذا يترتب عليه آثار سيئة على الأجيال اللاحقة بحيث تكون تلك الأخطاء الاجتهادية سببا في ضلال من يأخذ بها وابتعاده عن الكتاب والسنة؛ لذلك صار منصب الاجتهاد منصبا عاليا لا يناله إلا من توافرت فيه المؤهلات العلمية. قال العلامة ابن القيم (١) ﵀: ولما كان التبليغ عن الله يعتمد على العلم بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق - فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه - ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله. وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه. ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به - فإن الله ناصره وهاديه. وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب - فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ (٢). وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٣) وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه

стр. 6164

وليوقن أنه مسئول غدا بين يدي الله. انتهى. ولما كان منصب الاجتهاد بهذه الخطورة فقد وضع العلماء شروطا لمن يتولى هذا المنصب لأجل تلافي الأخطار الناجمة عن اجتهاد من لا تتوفر فيه تلك الشروط واعتبار اجتهاده غير معترف به، ولا يجوز العمل به وهذه الشروط كما يلي (١): ١ - إحاطة المجتهد بمدارك الأحكام المثمرة لها من كتاب وسنة وإجماع واستصحاب وقياس ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض وتقديم ما يجب تقديمه منها كتقديم النص على القياس. ٢ - علمه بالناسخ والمنسوخ ومواضع الإجماع والاختلاف، ويكفيه أن يعلم أن ما يستدل به ليس منسوخا، وأن المسألة لم ينعقد فيها إجماع من قبل. ٣ - معرفته بالعام والخاص والمطلق والمقيد والنص والظاهر والمؤول والمجمل والمبين والمنطوق والمفهوم والمحكم والمتشابه. ٤ - معرفته بما يصلح للاحتجاج به من الأحاديث من أنواع الصحيح والحسن والتمييز بين ذلك وبين الضعيف الذي لا يحتج به، وذلك بمعرفته بأسباب الضعف المعروفة في علم الحديث والأصول. ٥ - أن يكون على علم بالنحو واللغة العربية يمكنه من فهم الكلام. تلك أهم الشروط التي لا بد من توافرها في المجتهد، والعدالة ليست شرطا من أصل الاجتهاد، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد، ولا يشترط كذلك حفظه لآيات الأحكام وأحاديثها، بل يكفي علمه بمواضعها في المصحف، وكتب الحديث ليراجعها عند الحاجة.

стр. 6165

٥ - أنواع الاجتهاد: قال الإمام علاء الدين علي بن سليمان المرداوي في كتابه الإنصاف (١): واعلم أن المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: المجتهد المطلق وهو الذي اجتمعت فيه شروط الاجتهاد والتي ذكرها المصنف في آخر كتاب القضاء (٢) على ما تقدم هناك إذا استقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة وأحكام الحوادث منها ولا يتقيد بمذهب أحد إلى أن قال: قال في آداب المفتي والمستفتي: ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول؛ لأن الحديث والفقه قد دونا. وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك، لكن الهمم قاصرة. والرغبات فاترة، وهو فرض كفاية قد أهملوه وملوه ولم يعقلوه ليفعلوه، انتهى. القسم الثاني: مجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره وأحواله أربعة: الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه وقرأ كثيرا منه على أهله فوجده صوابا، وأولى من غيره وأشد موافقة فيه وفي طريقه - إلى أن قال: وفتوى المجتهد المذكور كفتوى المجتهد المطلق في العمل بها والاعتداد بها في الإجماع والخلاف. الحالة الثانية: أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه مستقلا بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده مع إتقانه للفقه وأصوله وأدلة مسائل الفقه، عالما بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادرا على التخريج والاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه. إلى أن قال:

стр. 6166

وهذا شأن أهل الأوجه والطرق والمذاهب وهو حال أكثر علماء الطوائف الآن. فمن علم يقينا هذا فقد قلد إمامه دونه؛ لأن معوله على صحة إضافة ما يقول إلى إمامه لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع بلا واسطة إمامه، والظاهر معرفته بما يتعلق بذلك من حديث ولغة ونحو - إلى أن قال: والحاصل أن المجتهد في مذهب إمامه هو الذي يتمكن من التفريع على أقواله، كما يتمكن المجتهد المطلق من التفريع على ما انعقد عليه الإجماع ودل عليه الكتاب والسنة والاستنباط. الحالة الثالثة: أن لا يبلغ به رتبة أئمة المذاهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريره ونصرته يصور ويحرر ويمهد ويقوي ويزيف ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك إما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإما لكونه غير متبحر من أصول الفقه ونحوه. قال: وهذه صفة كثير من المتأخرين الذين رتبوا المذاهب وحرروها وصنفوا فيها تصانيف بها يشتغل الناس اليوم غالبا ولم يلحقوا من يخرج الوجوه ويمهد الطرق في المذاهب. الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه، فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من منصوصات إمامه أو تفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم. وما لا يجده منقولا في مذهبه - فإن وجد في المنقول ما هذا معناه بحيث يدرك من غير فضل فكر وتأمل أنه لا فارق بينهما. كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشريك جاز له إلحاقه به والفتوى به، وكذلك ما يعلم اندراجه تحت ضابط ومنقول ممهد محرر في المذهب. وما لم يكن كذلك فعليه الإمساك عن الفتيا فيه - إلى أن قال: ثم إن هذا الفقيه لا يكون

стр. 6167

إلا فقيه النفس؛ لأن تصوير المسائل على وجهها ونقل أحكامها بعده لا يقوم به إلا فقيه النفس، ويكفي استحضاره أكثر المذهب قدرته على مطالعة بقيته قريبا. القسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم: فمن عرف القياس وشروطه فله أن يفتي في مسائل منه قياسية لا تتعلق بالحديث، ومن عرف الفرائض فله أن يفتي فيها وإن جهل أحاديث النكاح وغيره وعليه الأصحاب. وقيل: يجوز ذلك في الفرائض دون غيرها وقيل: بالمنع فيهما وهو بعيد. القسم الرابع: المجتهد في مسائل أو مسألة، وليس له الفتوى في غيرها. وأما فيها فالأظهر جوازه. ويحتمل المنع لأنه مظنة القصور والتقصير. قاله في آداب المفتي والمستفتي قلت: المذهب الأول. قال ابن مفلح في أصوله: يتجزأ الاجتهاد عند أصحابنا وغيرهم انتهى. وتجزؤ الاجتهاد الذي أشار إليه هو أن يكون العالم قد تحصل له في بعض المسائل ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة دون غيرها (١) - فإذا حصل له ذلك فهل له أن يجتهد فيها أو لا بد أن يكون مجتهدا مطلقا عنده ما يحتاج إليه في جميع المسائل، فذهب جماعة إلى أنه يتجزأ وعزاه الصفي الهندي إلى الأكثرين، وحكاه صاحب النكت عن أبي علي الجبائي وأبي عبد الله البصري. قال ابن دقيق العيد: وهو المختار؛ لأنها قد تمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل المعرفة بمأخذ أحكامه، وإذا حصلت المعرفة بالمآخذ أمكن الاجتهاد. قال الغزالي والرافعي: يجوز أن يكون العالم منتصبا للاجتهاد في باب دون باب. وذهب آخرون إلى المنع؛ لأن المسألة في نوع من الفقه ربما كان أصلها من نوع آخر منه.

стр. 6168

احتج الأولون بأنه لو لم يتجزأ الاجتهاد لزم أن يكون المجتهد عالما بجميع المسائل. واللازم منتف، فكثير من المجتهدين قد سئل فلم يجب، وكثير منهم سئل عن مسائل فأجاب في البعض وهم مجتهدون بلا خلاف. ومن ذلك ما روي أن مالكا سئل عن أربعين مسألة فأجاب في أربع منها وقال في الباقي: لا أدري (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): والاجتهاد ليس هو أمرا واحدا لا يقبل التجزؤ والانقسام. بل قد يكون الرجل في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة، وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه، فمن نظر في مسألة تنازع العلماء فيها ورأى مع أحد القولين نصوصا لم يعلم لها معارضا بعد نظر مثله فهو بين أمرين: إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره، واشتغال على مذهب إمام آخر، وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فتكون موافقته لإمام يقاوم ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذي يصح. وإنما تنزلنا هذا التنزيل؛ لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر وليس اجتهاده قائما في هذه المسألة؛ لضعف آلة الاجتهاد في حقه، أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يرفع به النص، فهذا يجب عليه اتباع النصوص وإن لم يفعل كان متبعا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ولرسوله بخلاف من يقول قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص، وأنا لا أعلمها فهذا يقال له: قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) وقال النبي

стр. 6169

صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (١)». والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلك على أن هذا القول هو الراجح فعليك أن تتبع ذلك. ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضا راجحا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده، وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه. وترك القول الذي وضحت حجته أو الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى، فهذا مذموم. انتهى. وقال الإمام الموفق في روضة الناظر (٢): فليس من شرط الاجتهاد في مسألة بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل. بل متى علم أدلة المسألة الواحدة وطرق النظر فيها فهو مجتهد فيها، وإن جهل حكم غيرها، فمن ينظر في مسألة المشركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا بالفرائض أصولها ومعانيها، وإن جهل الأخبار الواردة وتحريم المسكرات والنكاح بلا ولي؛ إذ لا استمداد لنظر هذه المسألة منها، فلا تضر الغفلة عنها ولا يضره أيضا قصوره عن علم النحو الذي يعرف به قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٣) وقس عليه كل مسألة. ألا ترى أن الصحابة ﵃ والأئمة من بعدهم قد كانوا يتوقفون في مسائل. وسئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين لا أدري، ولم يكن توقفه في تلك المسائل مخرجا له عن درجة الاجتهاد. والله أعلم، انتهى. ومن هذه النقولات عن هؤلاء الأئمة يتضح أن القول بتجزؤ الاجتهاد هو القول الصحيح الراجح الذي يؤيده الدليل والواقع وبالله التوفيق.

стр. 6170

٦ - الخاتمة: نتيجة لما سبق بحثه في هذه العجالة في موضوع الاجتهاد نأتي على القول في المسألة المطروحة للبحث وهي فتح باب الاجتهاد في هذا الزمان فنقول: إن الاجتهاد مطلوب من علماء المسلمين في كل وقت لشدة حاجة المسلمين إليه بسبب تجدد المشكلات التي تحتاج إلى بحث لمعرفة حكمها في الإسلام؛ لأن شريعة الإسلام صالحة وشاملة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة، وفي كتب الفقه الإسلامي المستنبط من الكتاب والسنة أكبر عون لحل المشكلات وإلحاقها بنظائرها مما تحويه تلك الكتب، ولكن الشأن فيمن يتولى تلك المهمة ومن يقوم بهذا الواجب، إن المجتهد المطلق لا نكاد نطمع بوجوده وقد اشتكى فقده الفقهاء منذ زمن طويل، كما مر في كلام صاحب الإنصاف حيث نقل عن ابن حمدان في (آداب المفتي والمستفتي) أنه قال: ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق، هذا في زمان ابن حمدان وفي زمننا هذا فقده أشد حيث أخبر النبي ﷺ بانتزاع العلم بموت العلماء في آخر الزمان حتى لا يبقى عالم ولا حول ولا قوة إلا بالله - فلم يبق إلا الأنواع الأخرى من الاجتهاد وهي الاجتهاد المذهبي (١).، والاجتهاد الجزئي (٢). فهذان النوعان يمكن الاستفادة منهما في سد حاجة المسلمين واستعمالهما فيما يجد من المشاكل التي تجد في المعاملات ونظم الاستثمارات الحديثة، وما يجد في حياة الناس مما تجلبه التكنولوجيا الحديثة من مستجدات يحتاج الحكم عليها بالحل

стр. 6171

أو الحرمة إلى بحث واجتهاد، لا سيما في المجامع العلمية والاجتهادات الجماعية في المجامع الفقهية والمؤتمرات والندوات العلمية التي تعقد بين حين وآخر ويلتقي فيها الكثير من علماء المسلمين بمختلف تخصصاتهم وخبراتهم، وحبذا لو شكل مركز علمي على مستوى العالم الإسلامي توفر له كل الإمكانات ليتولى جمع ما يصدر عن تلك المجامع والمؤتمرات والندوات العلمية من توصيات وبحوث علمية، ثم يقوم بترتيبها وتبويبها وفهرستها على غرار كتب الفقه المعروفة أو تلحق بها؛ لتكون مكملة لها حتى يتسنى لكل مسلم الاستفادة من هذا النتاج العلمي، ويتابع هذا المركز العلمي انعقاد تلك المجامع والمؤتمرات والندوات العلمية بصفة مستمرة أينما انعقدت للحصول على نتاجها العلمي ليضمه إلى نظيره ويضعه في مكانه من تلك المجموعة. فطالما سمعنا عن انعقاد مؤتمرات ومجامع فقهية، لكن لا نرى لها بعد ذلك أثرا علميا يصل إلى أيدي الباحثين والدارسين، وحبذا لو تزود كليات الشريعة والدراسات العليا الإسلامية بهذه الحصيلة العلمية؛ ليستفاد منها في مجال الدراسة المنهجية. إنني لا أرى مجالا لفتح باب الاجتهاد بغير ما ذكرت، فما كان فيه من صواب فهو بفضل الله وتوفيقه، وما كان فيه من خطأ فهو نتيجة قصوري وتقصيري - هذا وأسأل الله أن ينصر دينه وأن يصلح علماء المسلمين وولاة أمورهم وعامتهم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. كتبه: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان. الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وعضو المجمع الفقهي.

стр. 6172

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الدكتور عبد الله بن محمد بن أحمد الطريقي * من مواليد مدينة الزلفى عام ١٣٦٦ هـ * تخرج من كلية الشريعة بالرياض عام ١٣٩٢ هـ * نال درجة الماجستير في المعهد العالي للقضاء بتقدير امتياز عام ١٣٩٦ هـ * ثم حصل على درجة الدكتوراه بدرجة الشرف من المعهد العالي للقضاء جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤٠١ هـ بالفقه المقارن عمل في مجال التعليم العام والجامعي منذ تخرجه وحتى الآن ويشغل الآن رئاسة قسمي الدراسات الإسلامية والدراسات القرآنية بالكلية المتوسطة بالرياض على وظيفة أستاذ مساعد * له من المؤلفات: - ١ - أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية مطبوع ٢ - أحكام الذبائح واللحوم المستوردة في الشريعة الإسلامية مطبوع ٣ - أحكام الصيد في الشريعة الإسلامية مطبوع ٤ - الأحكام المتعلقة بضرورة الغذاء والدواء مخطوط ٥ - تحقيق كتاب أحكام الخواتم وما يتعلق بها لابن رجب تحت الطبع ٦ - تحقيق كتاب نزهة الأسماع في مسألة السماع لابن رجب تحت الطبع

стр. 6173

صفحة فارغة

стр. 6174

حكم بيع العينة إعداد الدكتور عبد الله بن محمد الطريقي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته ومن اهتدى بهداه وبعد: - فهذا بحث عن مسألة كثر وقوعها والسؤال عنها ألا وهي مسألة " العينة " التي هي من أنواع الربا المحرم الذي قد آذن الله آكله بالحرب ومن المعلوم أن احتياجات الناس قد تنوعت وتشعبت خاصة في هذا العصر الذي كثر فيه احتكاك الشعوب مع بعضها ومن باب أولى احتكاك التجار مع بعضهم مما نتج عنه تنوع معاملات الناس وتشابه الكثير منها وحيث إن المسلم مأمور بالأخذ بالأحوط لدينه ودنياه وترك المتشابه لذا أردت أن أوضح بعض المعاملات التي تتصل بهذا الموضوع ألا

стр. 6175

وهو " بيع العينة "، ليتضح جانب من جوانب تعامله مع الآخرين ويكون على بينة واضحة من أمر تعامله والله نسأل أن يوفقنا في ما نصبو إليه، إنه سميع مجيب، وبالإجابة جدير وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين

стр. 6176

معنى العينة: - معناها في اللغة: - تطلق العينة على معان منها: السلف وخيار المال ومادة الحرب قال صاحب القاموس: العينة بالكسر السلف وخيار المال ومادة الحرب. ومن النعجة: ما حول عينيها. وثوب عينة -مضافة- حسن المرآة (١). وتطلق أيضا على الربا. قال في لسان العرب: العين والعينة الربا، وعين التاجر: أخذ العينة أو أعطى بها، والعينة السلف. . . . (٢) والمعنى المراد من هذه المعاني هو الربا أو أنها نوع من أنواع السلف على لغة أهل العراق، وهو السلم، وذلك على اعتبارها من أنواع السلم الذي هو ربا لأن السلم هو ما عجل ثمنه وأجل مثمنه، وفي العينة بعض هذا المعنى على ما سنوضحه في صورتها معناها في الشرع: - عرف الفقهاء العينة بعدة معان كل واحد يختلف عن الآخر بعض الاختلاف في الصورة وفي الحكم. أشهر هذه الأقوال ما يأتي: -

стр. 6177

" أن يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها منه نقدا بأقل مما باعها قال في لسان العرب قال الأزهري: يقال عين التاجر يعين تعيينا، وعينة قبيحة وهي الاسم، وذلك إذا باع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم ثم اشتراها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. ا / هـ (١). وهذا المعنى هو الذي عرفها به أكثر الفقهاء، ورتب عليه الحكم، وهو مشتق من المعنى اللغوي وقيل إن العينة أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر ويستقرضه عشرة دراهم ولا يرغب المقرض في الإقراض طمعا في فضل لا يناله بالقرض فيقول لا أقرضك ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهما، وقيمته في السوق عشرة ليبيعه في السوق بعشرة فيرضى به المستقرض فيبيعه كذلك فيحصل لرب الثوب درهمان وللمشتري عشرة وقال بعضهم هي أن يدخلا بينهما ثالثا فيبيع المقرض ثوبه من المستقرض باثني عشر درهما ويسلمه إليه ثم يبيعه المستقرض من الثالث بعشرة ويسلمه إليه ثم يبيعه الثالث من صاحبه وهو المقرض بعشرة ويسلمه إليه ويأخذ منه العشرة ويدفعها للمستقرض فيحصل للمستقرض عشرة ولصاحب الثوب عليه اثنا عشر درهما (٢). وقال آخرون إن أهل العينة قوم نصبوا أنفسهم لطلب شراء السلع

стр. 6178

منهم وليست عندهم فيذهبون إلى التجار فيشترونها منهم ليبيعوها لمن طلبها منهم فهي بيع من طلب منه سلعة قبل ملكه إياها لطالبها بعد شرائها. والمعنى الذي يرتب عليه أكثر الفقهاء حكم العينة هو المعنى الأول وما عداه فهو من أنواع البيوع الأخرى ولها أحكام تخصها، أو هو من صور العينة وله حكم خاص، ولهذا سوف نجعل كلامنا مقتصرا على المعنى الأول لأنه المعنى الذي رتب عليه الفقهاء أحكام العينة، لأن العينة سميت بذلك لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينا أي نقدا حاضرا (١). أو لأنه يعود للبائع الأول عين ماله

стр. 6179

حكم بيع العينة اختلف الفقهاء في حكم بيع العينة على النحو الآتي: - (١) قال الشافعي رحمه الله تعالى: - من باع سلعة من السلع إلى أجل وقبضها المشتري فلا بأس أن يبيعها من الذي اشتراها منه بأقل من الثمن أو أكثر أو دين أو نقد لأنها بيعة غير البيعة الأولى (١). وقد نصر هذا القول ابن حزم في المحلى. (٢) وقال جمهور الفقهاء من الحنفية (٢). والمالكية (٣). والحنابلة (٤). إن بيع العينة محرم لا يجوز وقد روي هذا عن ابن عباس وعائشة والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وأبي الزناد وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والأوزاعي وإسحاق (٥). قال محمد بن الحسن:

стр. 6180

هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم اخترعه أكلة الربا. ا / هـ (١). استدل الشافعي على جواز بيع العينة بما يأتي: - أ- ما روى أبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ «استعمل رجلا (٣). فقال رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل بع الجمع. بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا» متفق عليه واللفظ للبخاري. وجه الاستدلال: أنه ﷺ قال له: بع التمر الرديء بالدراهم واشتر بها تمرا جيدا بدون أن يفصل بين أن يشتري التمر الجيد من المشتري الأول أو من غيره، فدل ذلك على جواز بيع العينة لعدم التفصيل في موضع البيان قال النووي: واحتج بهذا الحديث أصحابنا وموافقوهم في أن

стр. 6181

مسألة العينة ليست بحرام وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلا إلى مقصود الربا بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتي فيبيعه ثوبا بمائتين ثم يشتريه منه بمائة وموضع الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﷺ قال له: بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري أو من غيره فدل على أنه لا فرق، وهذا كله ليس بحرام عند الشافعي وآخرين ا / هـ (١). ونوقش هذا الاستدلال بأن الحديث في غير محل الدعوى فلا يصلح دليلا، وذلك أنه ﷺ بين له فساد هذا البيع الذي فعله وهو أن يشتري الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة لعلة الربا. أما هل يشتري من المشتري الأول فهذا لم يبينه ﷺ ، ولو اشترى من المشتري الأول طعاما جيدا بسعر معروف فماذا يحصل إذ المنهي عنه أن يشتري عين ماله أما غيره فلا بأس قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: واستدل بالحديث على جواز بيع العينة وهو أن يبيع السلعة من رجل بنقد ثم يشتريها منه بأقل من الثمن لأنه لم يخص بقوله: " ثم اشتر بالدراهم جنيبا " غير الذي باع له الجمع. وتعقب بأنه مطلق والمطلق لا يشمل ولكن يشيع فإذا عمل به في صورة سقط الاحتجاج به فيما عداها، ولا يصح الاستدلال به على جواز الشراء ممن باعه تلك السلعة بعينها، وقيل إن وجه الاستدلال به لذلك من جهة ترك الاستفصال ولا يخفى ما فيه. ا / هـ (٢). ب- ما روى الدارقطني والبيهقي عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته

стр. 6182

أنها دخلت على عائشة ﵂ فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى فقالت أم ولد زيد بن أرقم يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وإني ابتعته بستمائة درهم نقدا فقالت لها عائشة بئسما اشتريت وبسئما شريت، إن جهاده مع رسول الله ﷺ بطل إلا أن يتوب " رواه الدارقطني والبيهقي واللفظ للدارقطني. وجه الدلالة منه: أن هذا البيع لو كان غير صحيح لما أقدم عليه زيد بن أرقم صاحب رسول الله ﷺ . وإنكار عائشة مجمل فهو على تقدير ثبوته يحتمل أن تكون عائشة عابت البيع إلى العطاء ولأنه أجل غير معلوم. وزيد صحابي وإذا اختلفوا ذهبنا إلى القياس وهو مع زيد، ونحن لا نثبت مثل هذا على عائشة وإذا كانت هذه السلعة لي كسائر مالي لم لا أبيع ملكي بما شئت وشاء المشتري (١). ونوقش هذا الاستدلال بما يأتي: - أولا: إن أم المؤمنين عائشة ﵂ لم تنكر هذا البيع إلا وعندها الدليل القاطع على تحريمه. إذ لو لم تكن متأكدة من الحكم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة وأن استحلال الربا كفر وهذا منه. ولكن زيدا معذور لأنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا قالت في بعض الروايات: " أبلغيه " ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم

стр. 6183

إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه لم يعمل شيئا، ولو كان مقصودها إنكار البيع إلى العطاء لم تستنكره هذا الاستنكار، ولما جعلته محبطا للعمل، لأن الجاهل بمثل هذه الأحكام يعلم، وغاية ذلك أن يبين الأجل أو يفسد البيع لا أن يكون ذلك محبطا للعمل. وقد وجه الرسول ﷺ من اشترى فضة بنقد ونسيئة أن ما كان يدا بيد فخذوه وما كان بنسيئة فردوه (١). ولم يجعل ذلك محبطا للعمل. ثانيا: قولهم إن زيدا من الصحابة وقد خالفها. هذا غير وارد لأن زيدا لم يقل هذا حلال، بل فعله، وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح لاحتمال سهو أو غفلة أو تأويل أو رجوع ونحوه. وكثيرا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته فإذا نبه له انتبه ولا سيما أم ولده فإنها دخلت على عائشة تستعتبها وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد. ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك (٢). ثالثا: إن عائشة ﵂ قد أنكرت على زيد هذا الفعل، ولو كان البيع جائزا لما أنكرته أم المؤمنين على وجه التغليظ والتشديد. قال الشوكاني: تصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد مع رسول الله ﷺ يدل على أنها قد علمت تحريم ذلك بنص من الشارع، إما من جهة العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة أو على جهة الخصوص كحديث

стр. 6184

العينة. . . ولا ينبغي أن يظن بها أنها قالت هذه المقالة من دون أن تعلم بدليل يدل على التحريم (١). جـ- القياس على بقية البيوع الجائزة؛ لأن البيع وقع من أهله في محله باكتمال شروطه وأركانه فهو بيع صحيح. والبيعة الثانية غير البيعة الأولى (٢). ونوقش هذا الاستدلال بأنه قياس في مقابلة النص فلا يصح؛ إذ لا قياس مع النص. ثم إن قياسه على بقية البيوع الجائزة فاسد؛ إذ كثير من البيوع تتوفر فيها الأركان ومع هذا فالبيع قد يكون فاسدا، وهنا الشروط غير متوفرة؛ لأن البيع منهي عنه والدليل الحاظر مقدم على الدليل المبيح مع أنه ليس هناك دليل مبيح، وإنما الشافعي أجازه بناء على الأصل.

стр. 6185

واستدل الجمهور على تحريم بيع العينة بما يأتي: أ- عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم (١)» رواه أبو داود وأحمد والبيهقي.

стр. 6186

وجه الاستدلال من الحديث: أن فيه التصريح من الرسول ﷺ على أن التبايع بالعينة من أسباب تسليط الله الذل على المسلمين وما هذا إلا لأنها محرمة، وهذا يدل على أنها من أنواع الربا المحرم. ونوقش هذا الاستدلال بأن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحا لأن الأعمش مدلس ولم يذكر سماعه من عطاء. وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر. . . وأيضا فالحديث رواه أحمد والطبراني من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء عن ابن عمر ورواه أحمد وأبو داود من طريق عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر. وقال المنذري في مختصر السنن ما لفظه: في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني نزيل مصر لا يحتج بحديثه، وفيه أيضا عطاء الخراساني وفيه مقال. ا / هـ (١). والجواب عن هذا أن الحديث رواه أحمد في مسنده حدثنا الأسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم (٢)».

стр. 6187

ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول. . . فذكره. وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر. فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر. والإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحيوة كذلك. وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم. وله طريق ثالث: رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد واتبعوا أذناب البقر أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم (١)». . وهذا يبين أن للحديث أصلا وأنه محفوظ (٢). قال الذهبي في الميزان: قال النسائي: أبو أيوب عطاء بن عبد الله بلخي سكن الشام ليس به بأس روى عنه مالك. وقال أيضا أبو أيوب عطاء بن ميسرة روى عنه عروة بن رويم. وقال عثمان بن عطاء عن

стр. 6188

أبيه: قدمت المدينة وقد فاتني عامة أصحاب رسول الله ﷺ . وقال أحمد ويحيى العجلي وغيرهم: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة معروف بالفتوى والجهاد. وقال أبو حاتم لا بأس به ا / هـ كلام الذهبي (١). وقال الحافظ ابن حجر: ورواه أحمد من رواية عطاء ورجاله ثقات وصححه ابن القطان (٢). وقال الشوكاني: وهذه الطرق يشد بعضها بعضا (٣). وقال في الفتح الرباني عن هذا الحديث: أخرجه الإمام أحمد وسنده جيد (٤). ب- عن يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية قالت: خرجت أنا وأم محبة إلى مكة فدخلنا على عائشة فسلمنا عليها فقالت لنا من أنتن؟ قلنا من أهل الكوفة قالت: فكأنها أعرضت عنا. فقالت لها أم محبة: يا أم المؤمنين كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه وأنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقدا، قالت فأقبلت علينا فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت فأبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. فقالت لها: أرأيت إن لم آخذ

стр. 6189

منه إلا رأس مالي قالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (١) وفي رواية عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأة أنها دخلت على عائشة ﵂ فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري وامرأة أخرى فقالت أم ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وإني ابتعته بستمائة درهم نقدا فقالت لها عائشة: - بئسما اشتريت وبئسما شريت إن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل إلا أن يتوب. أخرجه الدارقطني. قال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في التعليق المغني على الدارقطني: الحديث أخرجه البيهقي وعبد الرزاق أيضا. وأم محبة بضم الميم وكسر الحاء هكذا ضبطه الدارقطني في كتاب المؤتلف والمختلف، وقال: إنها تروي عن عائشة، وروى حديثها أبو إسحاق السبيعي عن امرأته العالية. ورواه أيضا يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أيفع عن أم محبة عن عائشة وقال: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما وأخرجه أحمد في مسنده حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة وأم ولد زيد بن أرقم فقالت أم ولد زيد بن أرقم لعائشة: إني بعت من زيد غلاما بثمانمائة درهم نسيئة واشتريت بستمائة درهم نقدا فقالت: - بلغي زيدا أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله ﷺ إلا أن تتوب، بئسما اشتريت وبئسما شريت. انتهى قال في التنقيح إسناده جيد ا / هـ

стр. 6190

كلام أبي الطيب (١). ووجه الاستدلال من الحديث إنكار عائشة ﵂ هذا البيع وهو نفسه بيع العينة وهي ﵂ لم تنكره هذا الإنكار إلا وعندها العلم بتحريمه وإلا لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد. قال الشوكاني: في هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز لمن باع شيئا بثمن نسيئة أن يشتريه من المشتري بدون ذلك الثمن نقدا قبل قبض الثمن الأول. أما إذا كان المقصود التحيل لأخذ النقد في الحال ورد أكثر منه بعد أيام فلا شك أن ذلك من الربا المحرم الذي لا تنفع في تحليله الحيل الباطلة (٢). فإن قيل إن الدارقطني قال: إن أم محبة والعالية مجهولتان (٣). قلنا: أم محبة في رواية الدارقطني لم ترو الحديث وإنما ذكر أنها حضرت القصة مع من روى الحديث. وأما العالية فقد قال ابن الجوزى: هي امرأة معروفة جليلة القدر. ذكرها ابن سعد في الطبقات فقال (٤): العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة، واسم أبي إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي (٥).

стр. 6191

قال ابن القيم: فإن قيل لا نسلم ثبوت الحديث فإن أم ولده زيد مجهولة؟. قلنا: أم ولده لم ترو الحديث وإنما كانت هي صاحبة القصة وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي وهي من التابعيات وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق وهو أعلم بها وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ وأن العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظها لها ولهذا رواها عنها زوجها ميمون ولم ينهها ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيا في التابعين فشوه فيمن بعدهم وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله ﷺ ويحتج به. ا / هـ (١). وأيضا فهذه امرأة أبي إسحاق السبيعي - وهو أحد أئمة الإسلام الكبار وهو أعلم بامرأته وبعدالتها فلم يكن ليروي عنها سنة يحرم بها على الأمة وهي عنده غير ثقة ولا يتكلم فيها بكلمة بل يحابيها في دين الله هذا لا يظن بمن هو دون أبي إسحاق. وأيضا فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلت على عائشة ﵂ وسمعت منها وروت عنها، ولا يعرف أحد قدح فيها بكلمة، وأيضا فإن الكذب والفسق لم يكن ظاهرا في التابعين بحيث ترد به روايتهم. وأيضا فإن هذه امرأة معروفة واسمها العالية وهي جدة إسرائيل كما رواه حرب من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية

стр. 6192

يعني جدة إسرائيل، فإنه إسرائيل بن يونس بن إسحاق والعالية امرأة أبي إسحاق ووالدة يونس وقد حملا عنها هذه السنة وإسرائيل أعلم بجدته، وأبو إسحاق أعلم بامرأته. وأيضا فلم يعرف أحد قط من التابعين أنكر على العالية هذا الحديث ولا قدح فيها من أجله ويستحيل في العادة أن تروي حديثا باطلا ويشتهر في الأمة ولا ينكره عليها منكر (١). جـ- قال ابن القيم: قال المحرمون للعينة الدليل على تحريمها من وجوه: - أحدها: إن الله تعالى حرم الربا، والعينة وسيلة إلى الربا بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام، فهنا مقامان: - أحدهما: بيان كونها وسيلة. والثاني: بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام. فأما الأول: فيشهد له النقل والعرف والنية والقصد، وحال المتعاقدين. فأما النقل: فيما ثبت عن ابن عباس " أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة، ثم اشتراها بخمسين؟ فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينها حريرة ". وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين، عن ابن

стр. 6193

عباس: أنه قال " اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة ". وفي كتاب أبي محمد النجشي الحافظ عن ابن عباس " أنه سئل عن العينة، يعني بيع الحريرة؟ فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله ". وفي كتاب الحافظ مطين عن أنس " أنه سئل عن العينة -يعني بيع الحريرة- فقال: إن الله لا يخدع. هذا مما حرم الله ورسوله ". وقول الصحابي " حرم رسول الله كذا، أو أمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا " في حكم المرفوع اتفاقا عند أهل العلم، إلا خلافا شاذا لا يعتد به، ولا يؤبه له. وشبهة المخالف: أنه لعله رواه بالمعنى، فظن ما ليس بأمر، ولا تحريم كذلك، وهذا فاسد جدا. فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقوها من في رسول الله ﷺ ، فلا يظن بأحد منهم أن يقدم على قوله " أمر رسول الله ﷺ ، أو حرم أو فرض " إلا بعد سماع ذلك، ودلالة اللفظ عليه، واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية. بل دونه، فإن رد قوله " أمر " ونحوه بهذا الاحتمال، وجب رد روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قبلت روايته: وجب قبول الآخر. وأما شهادة العرف بذلك: فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله وعباده من المتبايعين ذلك: قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها، ولا غرض لهما فيها بحال. وإنما الغرض

стр. 6194

والمقصود بالقصد الأول: مائة بمائة وعشرين، وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزله الحرف الذي لا معنى له في نفسه، بل جيء به لمعنى في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن. أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد، لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا. وأما النية والقصد: فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين، وفضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثم يحضران تلك السلعة محللا لما حرم الله ورسوله. وأما المقام الثاني -وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام- فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول. فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توصلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة، وسمى أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون مثل ذلك مخادعة، كما تقدم. وقال أيوب السختياني " يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل ". والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين، سواء كانت لغوية أو شرعية والخداع حرام. وأيضا: فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو من أكبر الكبائر فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا وإنما قصده حقيقة الربا.

стр. 6195

أيضا: فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام، فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلا؛ لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين، فلا يتصور أن يباح شيء ويحرم ما يفضي إليه بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما، والثاني باطل قطعا، فيتعين الأول. وأيضا: فإن الشارع إنما حرم الربا، وجعله من الكبائر، وتوعد آكله بمحاربة الله ورسوله، لما فيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يتصور -مع هذا- أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل؟. فيا لله العجب، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة، وقلبتها مصلحة بعد أن كانت مفسدة؟. وأيضا: فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين وكان مقصودهم منع حق الفقراء من الثمر المتساقط وقت الحصاد، فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة. ولا يقال: فالعقوبة إنما كانت على رد الاستثناء وحده، لوجهين: أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وترك الاستثناء عقوبته: أن يعوق وينسى لا إهلاك ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان، فإنها حرمان كالذنب. الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ (١) ورتب العقوبة على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف

стр. 6196

مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءا من العلة. وعلى التقديرين: يحصل المقصود. وأيضا: فإن النبي ﷺ قال: «الأعمال بالنيات (١)» والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم، ونيته أولى به من ظاهر عمله. وأيضا: فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وإسناده مما يصححه الترمذي. وأيضا: فإن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها، وأكلوا أثمانها (٢)» و " جملوها " يعني: أذابوها وخلطوها وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويحدث لها اسم آخر، وهو الودك، وذلك لا يفيد الحل، فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم. وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة، وهذا واضح بحمد الله. وأيضا: فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم من وقف مع صور العقود والألفاظ، دون مقاصدها وحقائقها: أن لا يحرم ذلك، لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن، وإنما حرم عليهم نفس الشحم، ولما لعنهم على استحلالهم الثمن وإن لم ينص على تحريمه دل على أن الواجب النظر إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل

стр. 6197

إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين، ولا ببدلها. ونظير هذا: أن يقال: لا تقرب مال اليتيم، فتبيعه وتأكل عوضه، وأن يقال: لا تشرب الخمر، فتغير اسمه وتشربه، وأن يقال: لا تزن بهذه المرأة، فتعقد عليها عقد إجارة، وتقول: إنما استوفي منافعها. وأمثال ذلك. وقالوا: ولهذا الأصل -وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله عليه - أكثر من مائة دليل، وقد ثبت أن النبي ﷺ «لعن المحلل والمحلل له (١)» مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح لما كان مقصوده التحليل، ولا حقيقة النكاح، وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانيا ولم ينظروا إلى صورة العقد. ا / هـ (٢). د- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي الله وسلم: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (٣)» رواه أبو داود (٤). قال ابن القيم: وللعلماء في تفسيره قولان: - أحدهما: أن يقول بعتك بعشرة نقدا، أو عشرين نسيئة، وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال «نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة (٥)». قال سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: - هو على نساء بكذا، وبنقد بكذا " (٦).

стр. 6198

وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا معنى الحديث، الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله " فله أوكسهما أو الربا " فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة، فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا. فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه ﷺ ، وانطباقه عليها. ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي ﷺ «أنه نهى عن بيعتين في بيعة (١)» عن سلف وبيع " (٢) فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلا منهما يؤول إلى الربا، لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا. ومما يدل على تحريم العينة: حديث ابن مسعود يرفعه "، «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، والمحلل والمحلل له (٣)». ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة والشهادة، لا يشهد بمجرد الربا، ولا يكتبه. ولهذا قرنه

стр. 6199

بالمحلل والمحلل له، حيث أظهرا صورة النكاح ولا نكاح، كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع ولا بيع. وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل؟ فلعن المعقود له، والمعين له على ذلك العقد، ولعن المحلل والمحلل له، فالمحلل له: هو الذي يعقد التحليل لأجله، والمحلل: هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي: هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به. فصلوات الله على من أوتي جوامع الكلم. ا / هـ (١).

стр. 6200

الترجيح: - من خلال ما سبق من عرض أدلة كل فريق ومناقشتها يظهر لنا أن الراجح تحريم بيع العينة كما هو قول جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وذلك للأدلة الدالة على ذلك، ولأن من أجاز بيعها استدل بالأدلة العامة الدالة إلى إباحة البيع، وهذه الأدلة معارضة بأدلة تحريم العينة والدليل المحرم مقدم على الدليل المبيح احتياطا. ولأن بيع العينة وسيلة إلى الربا بل هو من أهم الوسائل إليه، والوسيلة إلى الحرام حرام لأن للوسيلة حكم الغاية. قال ابن القيم ﵀: وأيضا فلو لم يأت في هذه المسألة أثر لكان محض القياس ومصالح العباد وحكمة التشريع تحريمها أعظم من تحريم الربا، فإنها ربا مستحل بأدنى الحيل. . . . وأيضا فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله وبالغت في تحريمه وآذنت صاحبه
следующие страницы →