← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

فتوى برقم ١٩٤٣ في ٢٤/ ٥ / ١٣٩٨ هـ السؤال الأول: ما حكم إلقاء الخطبة يوم الجمعة بغير العربية ؟ الجواب: يلقي الخطيب خطبة صلاة الجمعة بالعربية، ثم يفسرها بلغة الحاضرين إذا كانوا لا يفهمون العربية. السؤال الثاني: ما حكم الصلاة خلف من يكتب بعض آيات القرآن ويمحوه ثم يعطيه لمن يغتسل به؟ الجواب: تجوز الصلاة خلفه. السؤال الثالث: ما حكم كتابة بعض الآيات القرآنية لمن يدفع المال لهذا الكاتب هل تصح الصلاة خلفه أم لا؟ يجوز دفع المال لما ذكر، وتصح الصلاة خلف الكاتب الذي يأخذ الأموال. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 6372

فتوى برقم ١٩٧٨ في ٢٠/ ٦ / ١٣٩٨ هـ السؤال: هل تجب صلاة الجمعة على الطلبة الذين يدرسون في الخارج ونحوهم؟ وهل لا بد لإقامة الجمعة من أربعين رجلا أم لا؟ الجواب: من كان مقيما إقامة تمنع قصر الصلاة في السفر فعليه إقامة صلاة الجمعة على الصحيح من أقوال العلماء، ولا يشترط لوجوبها ولا لصحتها أن يكون العدد أربعين رجلا، بل يكفي أن يكونوا ثلاثة فأكثر على الصحيح أيضا من أقوال العلماء؛ لعموم قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١) وقوله ﷺ : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين (٢)» رواه مسلم. أما ما مضى من تركهم صلاة الجمعة من قبل لعلمهم أنها لا تجب عليهم إلا إذا كانوا أربعين رجلا فنرجو أن يعفو الله عما سلف. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 6373

فتوى برقم ١٩٩٧ في ٢/ ٧ / ١٣٩٨ هـ السؤال: هل يجوز لمن يدخل المسجد فيما بين العصر والمغرب أن يصلي تحية المسجد؟ الجواب: الصحيح من قولي العلماء أنه يشرع لمن دخل المسجد أن يصلي

стр. 6374

ركعتين هما تحية المسجد قبل جلوسه؛ لما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (١)» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن. وهكذا القول في سائر ذوات الأسباب من النوافل كتحية المسجد لمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب، فلا تكره بالنسبة له ولا تحرم بل يؤمر بصلاتها قبل أن يجلس؛ لما ثبت أن النبي ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين، وليتجوز فيهما (٢)» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وأما ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس (٣)» فمحمول على المنع من صلاة النفل المطلق في هذين الوقتين، وبذلك يجمع بين الأدلة. ومعنى كون تحية المسجد من ذوات الأسباب أنها طلبت من الإنسان من أجل دخوله المسجد، كما طلبت صلاة الكسوف من أجل كسوف الشمس، ولو لم يحصل هذا السبب أو نحوه ما أمر بها بل لا يجوز له أن يصلي صلاة الكسوف دون حصول الكسوف، ولا يجوز لمن كان جالسا في المسجد أن يصلي نفلا بعد العصر أو أثناء خطبة الجمعة ولا في أي وقت من أوقات النهي عن الصلاة إلا إذا كان هناك سبب اقتضى ذلك كما تقدم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 6375

فتوى برقم ٢٠٢٧ في ١٦/ ٧ / ١٣٩٨ هـ السؤال: إذا حصل في الصلاة سهو وقام الإمام إلى الركعة الخامسة ماذا

стр. 6376

يفعل المأموم؟ هل يتابع الإمام أم يجلس وهو متأكد أنها الركعة الخامسة ونبه الإمام واستمر على قيامه؟ الجواب: إذا قام الإمام في الصلاة الرباعية إلى الخامسة ونبه واستمر وجب على كل من علم خطأه مفارقته ويسلم لنفسه أو ينتظر ويسلم معه، وقد سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ عن هذه المسألة فقال: لا ينبغي لهم أن يتابعوه بل ينتظرونه حتى يسلم بهم، أو يسلموا قبله والانتظار أحسن. اهـ. لكن من تابعه جاهلا بالحكم الشرعي فصلاته صحيحة كمن تابعه جاهلا بأنها زائدة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 6377

أطوار الاجتهاد الفقهي للدكتور / عبد الله الزايد - توطئة - إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن نزغات الشياطين، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد، فإنه لمن دواعي رغبتي في الكتابة أن أتقدم ببحثي هذا إلى مجلة البحوث الإسلامية التي تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، فلها قيمتها العلمية الخاصة بين طلاب العلم ومحبي المعرفة ورواد البحث، أو أنه يجب أن تكون لها هذه المنزلة لديهم، وأرجو أن يكون هذا البحث مما يجدر أن تضمه هذا المجلة الرائدة. وقد اشتمل البحث على أطوار الاجتهاد من عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى ما بعد عهود التابعين ﵏ وقد راعيت فيه أن يكون متمشيا مع كل الأطوار التي استدعت ما يناسبها من الاجتهاد وقد حاولت أن يستنتج القارئ بنفسه في كثير من فصول البحث الفرق بين أطوار الاجتهاد، وقد حاولت أن يستنتج القارئ بنفسه في كثير من فصول البحث الفرق بين أطوار الاجتهاد، وسيجد ذلك واضحا في الفرق بين اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم، وبين اجتهاد من جاء بعدهم، وهكذا الفرق بين اجتهاد التابعين وبين اجتهادات غيرهم. وإلى جانب ذلك سيجد القارئ الكريم تراجم للأعلام الذين جاء ذكرهم في البحث أو أكثرهم. وأرجو أن يمن الله بفرصة أستطيع أن أواصل فيها البحث عن أهم أبواب الأصول، وأكثرها صلة بحياة الناس وإفادة الباحثين وطلاب المعرفة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه في البدء وفي الانتهاء وسلم.

стр. 6378

الطور الأول من أطوار الاجتهاد في: عهد الخلفاء الراشدين: إن مما لا جدال فيه أن مصدر التشريع في عصر النبوة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن الرسول ﵊ كان موئل الاستفتاء والاستقصاء، فلما لحق بربه وانقطع الوحي بذلك انقلبت قيادة الأمة في أمور الدنيا والدين إلى خلفائه الراشدين، وكبار الصحابة فاضطلعوا بهذه المهمة، ونهضوا بأعبائها على خير وجه، كيف لا وقد استفادوا من صحبته ﷺ وعلوا بعد أن نهلوا من مجالستهم إياه سفرا وحضرا، سلما وحربا ما أكسبهم الذوق التشريعي السليم حين تعرض عليهم الحوادث، فيزنونها بميزان الشرع، ولهذا كان حكمهم أصح من أحكام غيرهم، ذلك بالإضافة إلى ما قد رباهم النبي ﷺ تربية تشريعية محكمة يشاهدونه وهو يجتهد في حادثة؛ لأنها تشتمل على وصف كذا، ويرون تطبيقه لأحكام القرآن في غير ما حادثة، والقرآن قد ينزل على سبب فيطبق على سببه وعلى غيره، كل ذلك أكسبهم هذا الذوق وصدق التقدير الشرعي فيما لم ينص على حكمه. ولقد دفعتهم سرعة الأحداث ومجريات الأمور إلى ولوج باب الاجتهاد والتصدي للفتوى ببصيرتهم النافذة، فلم تمض لحظات على وفاة رسول الله ﷺ حتى خطب أبو بكر في الناس يفتيهم في أمرهم، ويوضح لهم ما ينبغي أن تكون عليه الحال بعد أن اختلفت وجهات القوم وكاد يتفاقم الأمر فيما بين المسلمين فكان لكلامه بين الناس الواقع الجميل. وللفتاته على النفس برد وسلام ردهم إليه به من هويات كادت

стр. 6379

تعصف بالأمة في أودية من الخلاف، الذي ما إن ينشب بمخلب واحد حتى يمزق الأمة، كما حصل في عهود الخلاف والتفرق. أولم يكن الصديق ﵁ صاحب الموقف الأول ذلك الموقف الإيجابي البديع حين ترامى إلى مسامع الناس أن رسول الله ﷺ قد بكت على وفاته السماء والأرض، وقال قائلهم: إنه لم يمت. وهدد آخر بقوله: من قال إن محمدا مات فلأفعلن به ولأفعلن. فقال الصديق ﵁: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وتلا قوله تعالى ﵁: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (١). وما إن استقر أمر الخلافة حتى واجهتهم المهمة الشاقة باتساع الفتوحات، وامتداد نفوذ المسلمين إلى ما وراء الجزيرة إلى مصر والشام وفارس والعراق حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وانضوت أمم وشعوب مختلفة تحت راية الإسلام، ولا بد أن لهذه الشعوب من العادات والأعراف والنظم الاجتماعية والاقتصادية وسائر أمور تعاملهم في الحياة ما هو غريب على عهد المسلمين الذين فتح الله على أيديهم هذه الأمصار والأقاليم. فتطلب الأمر من المجتهدين البحث عن أحكام شرعية لتلك الأمور حتى يقام منهج الله، وغني عن القول أنه لم ينص على أشخاص الحوادث لا في الكتاب العزيز ولا في السنة المطهرة، فكان لزاما عليهم

стр. 6380

أن يجتهدوا في تطبيق القواعد الكلية المقررة لنص من الكتاب والسنة على أشخاص هذه الحوادث الطارئة عليهم، فبذلوا قصارى جهدهم ووقفوا نشاطهم على استنباط أحكام ما جد من مسائل دون أن يتجاوزوها إلى الافتراضيات. وكان اجتهاد الصحابة ﵃ بمعناه الواسع، فقد نظروا في دلالة النصوص، وقاسوا واستحسنوا إلى غير ذلك من العمل بالأمارات وقرائن الأحوال، إلا أنهم كانوا يطلقون كلمة الرأي على ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب فيما تتعارض فيه الأمارات. وإذ هم يستعملون الرأي بمعناه الواسع لم يكونوا ليطلقوا على أضرب الاجتهاد مصطلحاته الأصولية التي عرفت فيما بعد، كالاستحسان والمصالح المرسلة، والقياس بأنواعه، وقاعدة سد الذرائع، وعموم البلوى ونحو ذلك. وقد كان الاجتهاد في هذا العصر- كما أشرنا- مقصورا على استنباط الأحكام لما هو واقع، دون أن يلجئوا إلى الافتراضات، فلم يكونوا يفترضون مسائل لم تقع ثم يبحثون عن حكمها، كما سيأتي فيمن بعدهم. وقد روي عن بعض الصحابة نهي الناس عن الخوض فيما لم يقع، ومن ذلك ما روي عن زيد بن ثابت ﵁، أنه كان إذا استفتي في

стр. 6381

مسألة سأل عنها، فإن قيل له: وقعت. أفتى فيها، وإن قيل له: لم تقع. قال: دعوها حتى تكون. ويروى مثل ذلك عن عمر ﵁ (١)

стр. 6382

ب- أسباب ترك الصحابة الافتراض في الأحكام: لم يترك الصحابة ﵃ افتراض المسائل وتقدير أحكامها لأنهم منصرفون عن ذلك بجهاد أو غيره. إذ العلم من الجهاد بل من أعظم الجهاد، وإذا دعت الحاجة إليه فلا ينبغي أن يشغل عنه شاغل، ولكن حقيقة تركهم تعود إلى أمرين هامين: أحدهما: أن الرسول ﷺ لم يسلك هذا المسلك، وهو المدرسة المعصومة التي تخرج فيها هؤلاء الصفوة. ولو سلك التشريع هذا المسلك- أعني الافتراض- لنتج عنه محذورات ثلاثة: المحذور الأول: أن هذا خلاف كون الشريعة جاءت أحكامها عامة كلية في غير ما تناولته وقت الوحي أو المسائل التي لا يجوز فيها الاجتهاد. وقد تقرر أن الشريعة جاءت أحكامها كلية وعامة، بل حتى ما نزل به الوحي مفصلا في حياة الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي يعتبر كليا بالنسبة لما بعد التشريع حين نزوله. المحذور الثاني: لو سلك التشريع هذا المسلك لكانت الشريعة غير ما قص الله علينا من أنه ما جعل علينا في الدين من حرج، ووجه الحرج هاهنا أن الصور لا نهاية لها إلا بقيام الساعة، وهذا أمر مستحيل عادة أن يتحمله جيل لكل الأجيال إلى ذلك الحين، ولكن الله تكرم ولطف بأن جعل الشريعة يسرا لا حرج فيها، كما شرع تعالى لا تبديل لشرعه كما لا تبديل لخلقه.

стр. 6383

المحذور الثالث: لو سلك التشريع مسلك الافتراض لأدى بكثير من العقول إلى الفتنة التي جاءت الشريعة منقذة منها، والفتنة والكفر أو الحيرة التي أنقذ الله منها بهداه من شاء من عباده، وإنما الحيرة من دعوة الشيطان يستهوي بها إلى الضلال بعضا من الغاوين. ووجه ذلك أن كثيرا من الأمور التي تتناولها قواعد الشريعة الكلية وعموم أحكامها، لو ذكرت تفاصيلها للأجيال الأولى لأدت إلى ما قلنا، مع أنه لا حاجة إليهم بذكر التفاصيل ويكفي من بعدهم وضع التقعيد العام الذي ينتظم حكم ما سيجد بينهم، ولنضرب لذلك مثلا في الركوب وحمل الأثقال والمتاع والزينة، فإنه قد جد لهذه المرافق من أمور الناس من الطائرات السابحة في أجواء الفضاء على اختلاف أنواعها، ومن السفن الماخرة في عباب المحيطات كذلك، سواء منها ما يجري على متون البحار، أو يسير في قيعانها، ومن وسائط النقل البري المختلفة من حاملة ضخمة إلى (سيارة) لا تحمل إلا شخصين أو ثلاثة وتلك أمور تستدعي أحكاما متعددة: ١ - من جهة حل ركوبها واستعمالها وقد جاء قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (١) ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (٢) ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). فجملة: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥) تنتظم جميع هذه الوسائل وغيرها مما هو في علمه ﵎. ٢ - ومن جهة الأحكام المتعلقة بالسفر والترخص بقصر الصلاة الرباعية والفطر في رمضان، فقد جاءت أحكام ذلك صالحة لكل سفر سواء ما كان معروفا في زمن الوحي أو في زمننا هذا، إذ لم تحدد بمسافة بل جيء بما يصلح

стр. 6384

لكل زمان من إطلاق اسم السفر دون إشارة إلى ذكر آلات السفر. فلو ذكرت هذه على وجه التفاصيل لعاش كثير من الناس في صراع مع الحيرة داخل أعماق نفوسهم إذ العقل لا قبل له بتسليم هذه الأشياء إلا في عالم الذهنيات إلا أن يكون قد بلغ في الإيمان مبلغ أبي بكر وعمر ونحوهما. ولأدت هذه الحيرة إلى اهتزاز الإيمان في النفس والبعد كثيرا عن الإيمان بالله ورسوله بعد أن دخلوا فيه دون أن يكون ثم داع إلى إقحام العقول في مثل هذه الورطة، وإنك لترى التشريع ينحو هذا النحو حتى عند تطلع الصحابة إلى معرفة بعض أمور لا حاجة إليها سوى المعرفة بحقيقتها، ومن ذلك ما قيل في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١). فقد ذكر القرطبي في تفسيره أن معاذا ﵁ قال:

стр. 6385

يا رسول الله، إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة؟ فما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم ينتقص حتى يعود كما كان؟ فأنزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ (١) الآية. وقيل: إن سبب نزولها سؤال قوم من المسلمين النبي ﷺ عن الهلال وما سبب محاقه (٢) وكماله ومخالفته لحال الشمس قاله ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم (٣). وقال العوفي: عن ابن عباس، سأل الناس رسول ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ (٤) يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم (٥). فإن الحاجة داعية إلى معرفة ما أجيبوا به لا ما سألوا عنه. ولقد كان من طبع اليهود كثرة المسائل التي تورث الاختلاف منهم على أنبيائهم، وقد نهى رسول الله ﷺ الصحابة عن ذلك بقوله ﵇ «إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم (٦)» فاليهود في هذه الأمة - عليهم لعنة الله - أرادوا أن يشغلوا المسلمين بما ارتكسوا فيه من الشغب والتفرق عن الحق والمعاندة للرسل، فحمى الله صدر هذه الأمة؛ لأنه المثال الخير لكل القرون بعده. وكان من تلك الحماية هذا المسلك الرائد إلى الهدى على يد معلم الهدى ﷺ

стр. 6386

حتى لا تضل القرون وتهلك الأمة في متاهات الحيرة والتشكك. وقد جنت الأمة بعد الجيل الأول من ثمار هذه التربية خيرا كثيرا بما هيئ لهم من فرض الاجتهاد وترك تنزيل الأحكام على الحوادث رهنا باجتهاد ذوي الاجتهاد في كل بلد بما يناسب الحال في إطار الشريعة الإسلامية السمحة فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة. الأمر الثاني من الأمرين الهامين: أن الصحابة تركوا افتراض المسائل وتقدير أحكامها فيما لم يقع بينهم، إدراكا منهم لما يأتي: ١ - أن الأمة لا يزال فيها من يفتيها في أمور دينها قياما بأمر الله الذي وعد الرسول ﷺ بأن هذه الأمة لا يزال فيها من يقوم به حتى تقوم الساعة. ٢ - أن الاجتهاد ليس حكرا عليهم دون الأجيال. وخوفا من الوقوع في المأثم المترتب على الخطأ في الرأي الذي يقررونه لجيل غير جيلهم، وكأنه حكم معصوم بالوحي، والحكم المعصوم بالوحي انتهى بما تقرر بالنص في حياة الرسول ﷺ مما أراد تعالى أن تكون الأمة عليه في أمر معاشها ومعادها. وليس من حق أحد بعده أن يقرر هذا التقرير. ولقد رأينا سلامة هذا المسلك من الصحابة ﵃ بعد أن اشتغل الفقهاء بتلك الأمور من الفرضيات التي كان كثير منها أقرب إلى اللهو ومضعية الوقت منه إلى الجد والمحافظة على الأوقات، مع ما أثارت من تبلد في أذهان الذين ورثوا هذه الكتب المشحونة بها إلى أن وصل الفقه بين المسلمين إلى حد ليس بعده إلا الموت، وقل في الأمة من يقال عنه إنه مجتهد مطلق أو قريب منه منذ قرون. وفي وقتنا الحاضر لا أعلم من يطلق عليه هذا اللقب مع شديد الأسف، وإنما يوجد أفراد جد قلائل يمكن أن يطلق على بعضهم مجتهد مذهب. فرضي الله عن صحابة محمد ﷺ الذين اختارهم لحمل الأمانة إلى الأجيال، فسلموها إليها صافية المنهل طيبة المجتنى.

стр. 6387

جـ - طريقة الصحابة ﵃ في استنباط الأحكام: كان للصحابة ﵃، وبخاصة في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة مجالات ثلاثة يسلكونها للوصول إلى حكم الوقائع بشريعة الله وتلك هي: ١ - أخذ الحكم الشرعي من ظاهر النص، أي: تطبيق النصوص على الحوادث المندرجة تحتها، ويدخل في هذا المسلك إجماع الصحابة على الحكم، كما كان معروفا في عهد أبي بكر وعمر (فإنه عندما يعييهما) أن يجدا نصا لحكم الواقعة في القرآن أو السنة يلجئان إلى جمع رءوس الناس وخيارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضيا به، إلا أن عمر كان ينظر قبل تلك الخطوة في المأثور عن أبي بكر. ٢ - القياس على الأشباه والنظائر، وهو أمر دربهم النبي ﷺ عليه باجتهاده، كما في قصة «المرأة التي سألته عن الحج عن أمها وقد ماتت (١)». أ- كتاب عمر بن الخطاب إلى قاضيه باليمن أبي موسى: " اعرف الأشباه والنظائر، ثم قس الأمور عند ذلك " الخ. ب - ما روي من قضائهم في الجد والإخوة في الميراث، وتشبيههم إياها بالجدولين من النهر أو بالغصنين من الشجرة. جـ - ما ذكر من قياسهم الشارب على القاذف من أجل إقرار الحد ثمانين جلدة إلى غير ذلك مما أثر عنهم، ﵃. ٣ - استنباطهم الحكم مراعين فيه مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية، التي منها قاعدة سد الذرائع ونحوها. ويمثل لذلك بما جرى بين أمير المؤمنين عمر وبين حذيفة بن اليمان ﵃، وقد تزوج حذيفة بكتابية بالمدائن فكتب إليه

стр. 6388

عمر: أن خل سبيلها؛ فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين. هذا هو أسلوبهم فيما كان يعرض عليهم من قضايا، وبه أوصوا قضاتهم الذين كانوا يبعثونهم إلى المدن والأمصار وذلك بعد أن فصلت مهمة القضاء من الولاية العامة في عهد الفاروق، وحين كثرت الأعمال في عهده، فقد أثر عنه ﵁ أنه لما ولى شريحا الكندي قضاء الكوفة قال له: اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ ثم أحله إن لم تجد ذلك على قضاء الأئمة المجتهدين بعد النبي ﷺ ثم على الاجتهاد. ومع استعمالهم ﵃ للرأي لم يجرؤ أحد منهم أن يجزم بأن ما وصل إليه هو حكم الله، وأنه الحق والصواب وأن ما عداه هو الخطأ، بل كان هديهم في هذا كما قال أبو بكر ﵁: " أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني " الخ (١). ولما سئل ابن مسعود ﵁ عن المفوضة التي ماتت قبل أن يدخل بها زوجها، قال: أقول فيها برأيي: "لها مهر المثل لا وكس ولا شطط، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان (٢)

стр. 6389

د- سبب اختلاف فقهاء الصحابة في بعض الأحكام: في عهد النبي ﷺ لا مجال للاختلاف في الأحكام بإطلاق، وذلك نظرا إلى وحدة التشريع وتركيز الفتوى والقضاء في شخص النبي ﷺ أما في عصر الصحابة فقد تغيرت الحال: فأصبحت الأحكام طائفتين: طائفة: هي محل وفاق بينهم، وطائفة اختلفوا فيها باختلاف وجهات أنظارهم في القاعدة التي تحكم الحادثة المعروضة أو الواقعة. ولكن مهما كان الاختلاف موجودا في عهد الصحابة؛ فإنه أضيق دائرة من اختلاف من جاء بعدهم وكانت أسباب اختلافهم ترجع إلى أمور أهمها ما يلي: ١ - الاختلاف في فهم القرآن: فقد يكون اللفظ الوارد فيه مشتركا بين معنيين، فيحمله أحدهم على أحد المعنيين، ويحمله الآخر على المعنى الثاني لقرينة تظهر له، فقد اختلفوا في تفسير لفظ القرء الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). لأن القرء في اللغة يطلق على الحيضة والطهر. وقد ذهب ابن مسعود ﵁ إلى أن عدة المطلقة لا تنتهي إلا باغتسالها من الحيضة الثالثة؛ لأنه يرى أن القرء هو الحيضة، وهو رأي عمر أيضا، ولكن زيد بن ثابت يرى أن القرء هو الطهر، ولهذا ذهب إلى أن العدة تنتهي متى دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة دون أن تنتظر حتى تطهر منها (٢). وأحيانا يكون الخلاف راجعا إلى حمل اللفظ الوارد في القرآن على الاشتراك المعنوي، كما في مسألة الجد والإخوة؛ فإن من حجب الإخوة به رأى أن معنى الأبوة متحققة فيه كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ (٣) وهو الجد

стр. 6390

الأول للبشرية جمعاء. وكما في قوله عن يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (١). ومنهم من رأى عدم الاشتراك بتسميته جدا، ونظر إلى معنى آخر وهو اشتراك الجد والإخوة في قربهم من الميت باستواء. وأحيانا يكون الاختلاف راجعا إلى تعارض نصين عامين في القرآن، فقد ذهب عمر وابن مسعود إلى أن الحامل المتوفى عنها زوجها تكون عدتها وضع الحمل، وذهب علي وابن عباس إلى أنها تعتد بأبعد الأجلين (وضع الحمل أو عدة الوفاة). وسبب الخلاف أن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) يدل على أن عدة الحامل وضع الحمل. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (٣). يفيد أن عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام من غير تفصيل بين الحامل وغيرها، فذهب علي وابن عباس إلى العمل بالآيتين معا، فتكون كل آية منهما مخصصة لعموم الأخرى، وذهب عمر وابن مسعود إلى أن آية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ (٤) خاصة بغير الحامل؛ لتأخير آية: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ (٥) والصواب ما ذهب إليه عمر وابن مسعود بلا شك؛ لحديث سبيعة بنت الحارث الأسلمية، «فقد توفي عنها زوجها سعد بن خولة ﵁ في حجة الوداع، وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها (أي: طهرت من نفاسها) تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك (رجل من بني عبد الدار) فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرة. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله

стр. 6391

صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي (١)». ٢ - الاختلاف في أمور تتصل بالسنة: إن من الصحابة المقل ومنهم المكثر في محفوظه من السنة المطهرة، فقد كان فيهم الملازم للنبي ﷺ لا يشغله شاغل عنها، ومنهم من شغله الصفق في الأسواق طلبا للرزق الذي أباحه الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله، في السرايا التي كان ينظمها النبي ﷺ لذلك ولتعليم الناس دين الله ، ولجباية الزكوات، ولا ريب أن ذلك سيكون له أثر في الأحكام التي يفتي بها كل من هؤلاء وهؤلاء، ولهذا كان بعض الصحابة إذا أفتى برأيه واستبانت له السنة رجع عنه. ومن ذلك: ما روي أن أبا موسى الأشعري. ﵁ أفتى برأيه في ميراث بنت الابن مع البنت والأخت فقسم المال بين البنت والأخت نصفين ولم يفرض لبنت الابن شيئا. وقال للسائل: وائت ابن مسعود فسيتابعني. فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى به النبي ﷺ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتيا أبا موسى فأخبراه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم.

стр. 6392

٣ - الاختلاف في الرأي: علمنا من طريقتهم في الاستنباط أنهم ﵃ إنما يلجئون إلى العمل بالرأي إذا لم يجدوا نصا من كتاب أو سنة، ومما لا شك فيه أن الرأي يختلف باختلاف الناظرين؛ وفتاوى الصحابة ﵃ التي اختلفت وجهات نظرهم فيها إنما مردها إلى اختلاف منازعهم في المأخذ، ولكل وجهة هو موليها. ومع أنه قد حصل شيء من الاختلاف فيما بينهم من جهة الرأي فقد كان شيئا قليلا بالنسبة لمن بعدهم ويرجع ذلك إلى الأمور الآتية: ١ - تيسر الإجماع في هذا الدور؛ لأن المفتين من الصحابة، وكبارهم كانوا مجتمعين في المدينة عاصمة الخلافة آنذاك، وقد ساعد على ذلك أن عمر كان ينهاهم عن الخروج من المدينة إلا بإذنه وعند الحاجة الشديدة. ٢ - تمسكهم بمبدأ الشورى، وهو من الأمور التي لا يجد الخلاف معها سبيلا في الغالب. ٣ - قلة روايتهم لأحاديث رسول الله ﷺ خوف الوقوع في الكذب، ولهذا كانوا يتشددون في قبولهم، فأبو بكر وعمر كانا يطلبان شاهدا خلاف الراوي (أحيانا)، وروي عن علي قوله: " كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه محدث استحلفته فإن حلف لي صدقته ". ٤ - قلة الحوادث في عصرهم، وتورعهم عن الفتيا، فقد كانوا يميلون على بعضهم، يقول ابن القيم: وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتيا، ويود كل واحد منهم أن يكيفه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل جهده في معرفة حكمها من الكتاب أو السنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى (١).

стр. 6393

هـ- خلاصة ما تقدم: ويتلخص لنا مما سلف: ١ - واقعية التشريع وارتباطه بالحوادث التي تقع وعدم افتراض وقوع حوادث، ثم تقدير أحكام لها، وذلك للأسباب التي ذكرناها. ٢ - قلة المسائل الخلافية؛ لما منحهم الله من الذوق السليم لفهم الشريعة التي شاهدوا مبلغها ﷺ ، وتلقوا تربيتهم على يديه، وواكبوا أسباب التنزيل إلى جانب ما أسلفنا بيانه. ٣ - تفاوتهم في استعمال الرأي، فقد كان من بينهم من يتحرج من الخوض فيه إلا في حالات نادرة، ومنهم من يتوسع فيه إذا لم يجد نصا وينسب الخطأ إلى نفسه، فالأولون كعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت والآخرون كعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ﵃ جميعا. وقد كان هذا الأمر مقدمة لبروز مدرستي الحديث والرأي فيما بعد.

стр. 6394

٤ - عدم تدوين الفقه بالمعنى الذي صار إليه في عهد من بعدهم حين بدأ تدوين العلوم الإسلامية، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وإنما هي فتاوى وأحكام محفوظة في الصدور تتناقل عنهم (١) اللهم إلا ما كان من كتابات الرسول ﷺ لبعض عماله، ككتابه إلى عمرو بن حزم ببيان أنصبة الزكوات، «وأن لا يمس المصحف إلا طاهر (٢)» وما أشبه ذلك مما هو مدون في هذا الكتاب وقد طعن فيه المحققون من أهل الحديث بعدة علل، ومهما يكن من أمر فإن العلماء يسيرون على مضمون هذا الكتاب، مما يشهد لصحته معنى وإن لم يثبت سندا. ومن ذلك كتابة عمر إلى بعض قضاته، ككتابته إلى شريح القاضي وإلى أبي موسى. كما أن بعض الصحابة كعبد الله بن عمرو كان يكتب عن رسول الله ﷺ أحاديثه التي يسمعها منه. ولهذا كان من أكثر الصحابة حظا في تجارة الحديث. ٥ - حدوث اجتهادات قائمة على المصلحة، ولم تكن هذه الأحكام على ما عهد عليه الحال في عهد النبوة ومن ذلك: ١ - أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى ألا تعطى المؤلفة قلوبهم من سهمهم من الزكاة.

стр. 6395

ومبنى هذا الرأي؛ أن الله أعز الإسلام وأهله ومكن له في البلاد، وأذل لهم رقاب العباد (١) فقد نظر عمر ﵁ إلى الباعث على الحكم فقرر أنه مؤقت بوصف متى زال ما بنى عليه وهذا الوصف ضعف المسلمين وقوة عدوهم وقد أعزهم الله ومكن لهم في الأرض فليس هناك حاجة إلى الإبقاء على هذا السهم. وقال آخرون: بل هو باق ونظروا إلى أمرين: الأول: أن النص القرآني الكريم واضح في هذا، وهو لم ينسخه شيء مع أنه لم يقترن بعلة تدل على وضوح العلة التي أشير لها تبريرا للرأي الأول و (أل) في المؤلفة قلوبهم تؤكد بقاء هذا السهم ما وجد سبب للتألف على الإسلام، وهو رجاء إسلام الكافر بدفعه إليه، أو كف شره، أو نحو ذلك، مما ذكر من دواعي التأليف في كتب الفقه. الثاني: أن الرسول ﷺ تألف على الإسلام بعد فتح مكة وكسر هوازن في وقت قد أعز الله الإسلام وأهله ومكن لهم في البلاد وبين العباد (٢). وهذا ما عليه الجمهور. ٢ - ما صح عن عمر ﵁: أنه جعل الطلاق ثلاثا بلفظ واحد ثلاث طلقات، تبين به الزوجة بينونة كبرى، ولا تحل لمطلقها كذلك حتى تنكح زوجا غيره في نكاح صحيح. وقال مبينا مبنى رأيه: أن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم عقوبة لهم على تسرعهم في الطلاق إلى أبغض حلال إلى الله. فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄:

стр. 6396

«كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر ﵁ طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم (١)». وعمر ﵁ لم يخف عليه أن السنة ما كان إلى السنتين الأولين من خلافته، وأنها توسعة من الله تعالى لعباده إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة، وما كان مرة لم يملك المكلف إيقاع مرات كلها جملة واحدة كاللعان؛ فإنه لو قال: أشهد بالله أربع مرات أني لمن الصادقين كان مرة واحدة ولو حلف في القسامة وقال: " أقسم بالله خمسين يمينا أن هذا قاتل " كان ذلك يمينا واحدا. وقال النبي ﷺ : «من قال في يومه: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر (٢)». فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة. فهذه النصوص وغيرها مما في معناها مما دل على اعتبار إيقاع المعدود بعدد مرة بعد مرة، هو الذي يدل عليه المعقول من اللغة والعرف. وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) بابها وتلك النصوص واحد ومشكاتها واحدة. ومما دل عليه حديث ابن عباس ﵄ مما كان أمر الطلاق في عهد الرسول ﷺ هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم، ولم يأتي بعده إجماع يبطله. ولكن رأى أمير المؤمنين عمر ﵁: أن الناس قد استهانوا بأمر

стр. 6397

الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل؛ فإنه كان أشد الناس فيه، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرم، فرأى عمر ﵁ أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي ﷺ وعهد الصديق وصدرا من خلافته كان الأليق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله، وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم. ٦ - أن مصادر التشريع في هذه الفترة هي: الكتاب. ٢ - السنة. ٣ - الإجماع. ٤ - الرأي بمعناه الأعم. هذا هو ما أردت أن أتطرق إليه من أهم عوامل تطور أصول الفقه في هذا الدور. والله المستعان.

стр. 6398

الطور الثاني: عصر الأمويين - أو عصر صغار الصحابة ﵃ أ- في هذا الدور الأول الذي يبدأ من ولاية معاوية بن أبي سفيان ﵁ سنة ٤١ هـ إلى الوقت الذي عرضت فيه بوادر الضعف في الدولة الأموية وذلك في أوائل القرن الثاني الهجري، في هذا الدور سار الاجتهاد على نحو ما سبق في عصر الراشدين من حيث اعتماده على الكتاب والسنة، ثم الإجماع ثم الرأي إلا أنه قد جدت أحداث سياسية وأخرى غير سياسية كان لها أثر ظاهر في الحركة الاجتهادية. فعلى الرغم من أن العام الحادي والأربعين يسمى بعام الجماعة إذ إن كلمة المسلمين قد اجتمعت على خلافة معاوية بعد تنازل الحسن بن علي ﵄ له عن الخلافة حقنا للدماء وجمعا لشتات المسلمين، وحذرا من تفرق جمعهم إلا أن ذلك لم يمنع من وجود طوائف تضمر الكيد والخلاف لمعاوية كالخوارج والشيعة، فكان المسلمون بسبب هذا الخلاف ثلاث طوائف ١ - خوارج. ٢ - شيعة. ٣ - وجمهور. أما الخوارج: فهم الذين انشقوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ حين رضي بالتحكيم بينه وبين معاوية بحجة أنه جعل الحكم إلى الرجال ولا حكم إلا لله.

стр. 6399

وقد تعددت فرق الخوارج حتى أحصاها بعضهم نحوا من عشرين إلا أن أشهرها خمس فرق: ١ - الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق، ومذهب هذه الفرقة يقوم على تكفير المسلمين ما عداهم. ٢ - الصفرية: أتباع زياد بن الأصفر، وهي أشبه بالأزارقة في أكثر ما يختص بها. ٣ - النجدات: أتباع نجدة بن عطية بن عامر الحنفي، وأهم ما تنفرد به هذه الطائفة، أن الدين أمران معرفة الله ومعرفة رسوله. ٤ - البيهسية: أتباع أبي بيهس: هيجم بن جابر. ٥ - الإباضية: أتباع عبد الله بن إباض المري، ولا تزال منها بقايا إلى اليوم، أعني الإباضية في عمان من الخليج العربي والجزائر وشرقي أفريقية (١). وأما الشيعة: فهم فرقة لا يرون الخلافة حقا إلا لعلي بن أبي طالب ﵁ وآل بيته؛ لما يرونه من أن الرسول ﷺ أوصى بالخلافة له من بعده، ومن ثم يكون من سلبهم هذا الحق ظالما، لا تصح ولايته، ونتيجة لذلك لم يعترفوا بخلافة الأمويين، وجوزوا الخروج عليهم إذا واتتهم الفرصة، وهم فرق أشهرها الإمامية والكيسانية والزيدية. والزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب ﵁ ولم يدع زيد الإمامية لنفسه، وإنما خرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن شيعة الكوفة لما رأوا رأيه في الثورة على الأمويين قالوا بإمامته (٢)، وتتمركز

стр. 6400

الآن في اليمن من جنوب شبه الجزيرة العربية. ب- والذي يهمنا في هذا الفصل استبانة مدى أثر هذه الفرق على الاجتهاد في الفقه الإسلامي فنقول: أولا: أثر الخوارج: إن أهم ما يتميز به مذهب الخوارج: التكفير بالذنوب مطلقا، سواء أكانت مما يكفر بجنسه عند أهل السنة والجماعة (الجمهور) أم لا، ويقولون أي الخوارج بخلود صاحبها في النار أبد الآباد، إذ من دخل النار لا يخرج منها مطلقا. وبهذا نرى أنهم ألغوا الكثير من نصوص الشريعة إذ لم يأخذوا إلا

стр. 6401

بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد، وانهدم تبعا لذلك الجمع بين ما ظاهره التعارض من النصوص خاصة ما جاء في الوعد والوعيد. والأصل في هذا عندهم أن نصوص الوعيد محمولة على الاستقلال بإفادة الحكم الذي تضمنه دون النظر إلى أدلة أخرى ثابتة مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (١). فإنهم لا يقيدون الإطلاق في هذه الآية ونحوها من نصوص الوعيد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). فإنه ظاهر من مذهبهم أن المغفرة لما دون الشرك إنما تكون للمؤمن بعد

стр. 6402

التوبة، هذا هو الظاهر من كلام بهجة الأنوار المتقدم الذكر (١)؛ فإنه يلوح منه أن المحاسبة للمؤمن المقصر التائب، هي ثمرة فهمهم لآيات الوعد الكريم من الله الوارد في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ مع طعنهم في الأحاديث التي لا ترد عن طريق أهل ملتهم ولا يقبلون من الإجماع إلا الإجماع الحاصل قبل خلافهم مع علي ﵁، هذا أهم أصل خالفوا فيه أهل السنة في أمر التوحيد. أما في الجانب الفقهي فإن لم اجتهاداتهم الخاصة، ومن ذلك أنهم لا يرجمون الزاني، ولا يقبلون في الجملة ما ورد من اجتهادات عن كبار الصحابة بعد الفرقة التي كانت زعامتها فيهم، نعوذ بالله من الفرقة عن الحق والتفرق عن أهله، ولهم مفاهيمهم الفقهية الخاصة بهم. وأما الشيعة: فكان لانفرادهم في نزعتهم سوء ظنهم بمن يخالفهم في التشيع الأثر العميق في الاجتهاد الفقهي، وذلك أن الفقه عندهم وإن كان يعتمد على كتاب السنة أصلا إلا أن منهجهم في الاستنباط يخالف مذهب أهل السنة والجماعة من وجوه: أحدها: كونهم لا يقبلون من الأحاديث ولا من الأصول أو الفروع شيئا إلا ما كان عن طريق أئمتهم. الثاني: أنهم ما كانوا يرون الأخذ بالإجماع أو استعمال الرأي في بعض كتبهم القول بالإجماع بشرط أن يكون فيهم المعصوم، وتلك خديعة حاذقة، ذلك أن مبنى هذا أن عدم وجود الإمام المعصوم مفسد للإجماع، فوجوده إذا هو المعتبر دون غيره، إذ لو أجمعت الأمة كلها على مر عصورها وتعاقب أجيالها ولا يكون في الأمة في أي جيل هذا المعصوم فلا عبرة بإجماعها.

стр. 6403

فاعتقادهم العصمة في أئمتهم وسوء الظن بغيرهم جعلهم لا يعتدون بخيار الأمة من الرعيل الأول في إجماع ولا في رأى ولا في نقل حديث عن رسول الله ﷺ لهذا كان مذهبهم أن الأخذ من الكتاب والسنة إنما يكون عن طريق أئمتهم فهما ونقلا. الثالث: أنهم كانوا يفسرون القرآن الكريم تفسيرا يتفق ومبادئهم، ولا يأخذون بتفسير غيرهم ولا بما يعتمد على حديثه لغير أئمتهم (١). ومن الواضح أن مسلكهم هذا أوجد مفاهيم شاذة عن الجادة التي عليها جمهور المسلمين، وحملهم على نبذ الكثير من الأحاديث القوية والآراء السديدة، وليس لذلك من سبب سوى أنها عن غير الشيعة. ومخالفتهم فيما خالفوا فيه من أصول استتبع مخالفتهم أهل السنة في كثير من الأحكام منها: نكاح المتعة فهم لا يرون فيه بأسا بل هو جائز إلى يوم القيامة، بل يرونه قربة إلى الله، ويستشهدون لذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢) ويقول بعض أئمتهم: ليس منا من لم يستحل المتعة، والآية عند كافة أهل السنة والجماعة على ما استقر الأمر أخيرا عليه فهي عندهم محمولة على النكاح المعروف (٣) وما يجب للزوجة من المهر كاملا، وقد صحت السنة بالنهي عن نكاح المتعة، عن النبي ﷺ وممن روى النهي عن نكاح المتعة عن النبي ﷺ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حيث قال. «إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر (٤)»، وفي رواية: «نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية (٥)». متفق عليه. وهذا مثال على ما خالفوا فيه الجمهور، ولهم مخالفات عديدة ولهم

стр. 6404

كتبهم في الفروع والأصول تخدم مذهبهم، وهنالك يمكن لنا أن نطلع على العديد من الصور والمسائل التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة. وما عدا الشيعة والخوارج ومن نهج سبيلهم من الفرق المخالفة لأهل السنة ما عدا هؤلاء هم الجمهور: أهل السنة والجماعة من المسلمين. ومذهبهم قبول الأخذ بما صح من الأحاديث عن الرسول ﷺ حسب ضوابط وأصول وضعوها لمعرفة الصحيح من غيره. هذا التفرق السياسي ووجود الفرق به هو السبب الأول للتأثير على الحركة الاجتهادية في هذا الدور على نحو ما أشرنا إليه. أما السبب الثاني: فإنه يرجع إلى اتساع رقعة الخلافة وانتشار الصحابة في الأمصار والمدن، وذلك في عهد عثمان ﵁ وقد صاحب هذا التوسع في الفتوحات إذن الخليفة عثمان ﵁ للصحابة في الانتشار وسكنى البلاد المفتوحة، فتفرقوا في الأقطار واستوطنوها عمالا ومعلمين ومرابطين وكانت الأمصار متعطشة لمعرفة دين الإسلام والاستفادة من

стр. 6405

علومه على أيدي تلامذة المعلم الأول ﷺ فتدفق الناس على الصحابة كل في بلده ومدينته يستفتونهم ويروون عنهم مسموعاتهم من النبي ﷺ ويتعلمون منهم العلم. ومن المسلم به أن الصحابة لم يكونوا في المحفوظ عن النبي ﷺ ولا في الفهم سواء، كما أن الأمصار المفتوحة لم تكن متفقة عاداتها ولا أعرافها ولا نظمها الاجتماعية والاقتصادية، ولا طرقها في العيش والتعامل، فإذا انضاف إلى هذه الاعتبارات بعد الشقة بين عاصمة الخلافة والبلدان المفتوحة وصعوبة الاتصالات بين العلماء والصحابة في شتى هذه المدن والأمصار؛ ليستفيد بعضهم من بعض؛ فإنه من السهل أن ندرك أن ذلك سينتج عنه اختلاف الاجتهادات والفتاوى الفقهية في المسألة الواحدة بين المسائل الكثيرة، وأن كل أهل قطر سيتمسكون بفتاوى علمائهم وأحاديثهم ويعولون على ما جرى عليه عملهم، وحكم به قضاتهم لمبلغ ثقتهم بهم وخبرتهم بأحوالهم وسيرتهم، فكان للمصريين فتاوى وللشاميين أخرى ولليمنيين وسائر المدن غيرها وكان بعد ذلك أن شعر التابعون بأن في الأمصار الأخرى علما غير علمهم، فأكثروا من الرحلة وعملوا على توثيق الروابط العلمية بين الأمصار، فكان لذلك أثر لا ينكر في تقليل وجود الخلاف السبب الثالث: ظهور الوضع في الحديث: وهذا السبب كان له الأثر السيئ في عرقلة تقدم الاجتهاد الفقهي وفي صعوبة مهمة الفقيه. فلقد كان للإسلام أعداؤه المتربصون بأهله الدوائر من اليهود وغيرهم ممن تغلب عليهم المسلمون بقوة الإسلام وسلطانه، وربما ساعدهم على هذا الوهم كون المسلمين يعتمدون على حفظهم في الصدور ما يروونه عن رسول الله ﷺ من سنته القولية أو الفعلية أو التقريرية طيلة بعثته في الثلاث والعشرين سنة، فما عليهم إلا أن يختلقوا من الأقاويل التي تخدم مآربهم ما

стр. 6406

ينسبونه إلى الرسول ﷺ حديثا طمعا في استرداد ما ضاع منهم من مجد وجاه ودولة عن طريق تحذير المسلمين بما يضعونه من أحاديث. فأما الكتاب العزيز فلحفظ الله إياه حفظا من مظاهر انتشاره بين المسلمين وتلقيه عن طريق الكواف من الأئمة كانوا على يقين أنهم لن يجدوا سبيلا لتضليل الناس فيه. فعمدوا إلى تكوين الجمعيات المخربة وكان أول جمعية سرية بقيادة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم ظاهرا؛ ليتمكن من الدس والتنكيل بالمسلمين فلما ظهر أمره اختفى وصار إلى تنظيم النشاط المخرب سرا. ومما لا ريب فيه أن هذه الحملة الشريرة تمادت حتى استطاعت أن تروج لمفترياتها في كل باب من أبواب العلم في الإسلام. فوجدت أحاديث في الأسماء والصفات للباري ﵎ تتضمن تشبيه الباري بالحوادث وتعطيله وفي باب العبادات أحاديث تتضمن من

стр. 6407

البدع ما يحرف السالك عن الصراط السوي، وأحاديث في باب الحلال والحرام، حتى كثر الوضع كثرة مزعجة مروعة بتصدع الوحدة الإسلامية، وظهور الفرق الدينية، فاستباح الشيعة لأنفسهم أن يضعوا الأحاديث التي تؤيد مذاهبهم، وكذلك الخوارج، وكثرت بعد ذلك الأسباب الحاملة على الوضع، ومما يدل على مبلغ الوضع في هذا الدور، أن ابن عباس ﵄ وهو المعروف بالرغبة في جمع الحديث والجد في طلبه يقول فيما يرويه مسلم: " إنما كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه ". وفي رواية عنه: إنما كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ ، فأما إذا ركبتم كل صعب وذلول فهيهات (١). وعن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ فجعل ابن عباس لا يأذن (٢) لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس: ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: " إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف ". وعن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفى عني فقال: " ولد ناصح أنا اختار له الأمور اختيارا أو أخفي عنه ". قال: " فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل ".

стр. 6408

وقال طاوس: " أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي ﵁ فمحاه إلا قدر - وأشار سفيان بن عينة، (أحد رواة الخبر) - بذراعه " (١). وعن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي ﵁ قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله. أي علم أفسدوا. وقال النووي على قوله: " قاتلهم الله، أي علم أفسدوا " أنه إشارة إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي ﵁ وحديثه، وتقولوه عليه من الأباطيل وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلفة وخلطوه بالحق فلم يتميز ما هو صحيح عنه مما اختلفوه (٢). وإذا كان الزنادقة والمتربصون بالإسلام من أهل سائر ملل الكفر قد طوع لهم كفرهم وأطماعهم وأحقادهم أن يختلقوا ما اختلقوا من أحاديث قذفوا

стр. 6409

بها في نحور الأمة الإسلامية علهم يصيبون منها مقتلا؛ لتدور لهم الدائرة بعد أن هزموا بفكر الإسلام وسيفه، فإن هذا المنكر لم يقف عند حد هؤلاء بل قد سلك مسلكهم بعض الجهلة المتسمين بسمة الزهاد، فوضعوا أحاديث في أبواب الترغيب والترهيب، فقالوا: كذب للرسول ﷺ ولا نكذب عليه. وما دروا أن هذه طامة الطوام ودويهية أصفر الأنامل، إذ يتضمن هذا - إلى جانب استحلال الكذب عليه ﷺ وهو غاية الحرام - اتهامه بالتقصير في الإبلاغ حتى جاءوا يكملون ما به أخل، ويتممون ما نقص، ويكذبون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (١). فتلاقى على هذه المكيدة حقد ومكيدة الكافرين وجهل وغباوة الجاهلين، ومما لا شك ولا افتراء فيه أن ذلك الجهل في الأغبياء ثمرة من ثمرات أولئك الزنادقة.

стр. 6410

وقد ظهر بما تقدم بعض الأسباب الحاملة على الوضع ويمكننا أن نجملها لك في سطور. ١ - العداوة الدينية لقد رأينا كيف أن ابن سبأ اليهودي وأضرابه تستروا بالإسلام، وأخفوا وراء التشيع أغراضهم الدنيئة، وتذرعوا بإظهار حب آل البيت؛ ليدسوا على المسلمين ما أرادوا به أن يطفئوا نور الله، ولكن الله وعد بأن يخيب آمالهم، ويتم نوره مهما حولوا إطفاءه. ٢ - التعصب المذهبي: وذلك أن بعض الفرق المنتمية إلى الإسلام كان يدفعها غلوها في تأييد
следующие страницы →