← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

ينسبونه إلى الرسول ﷺ حديثا طمعا في استرداد ما ضاع منهم من مجد وجاه ودولة عن طريق تحذير المسلمين بما يضعونه من أحاديث. فأما الكتاب العزيز فلحفظ الله إياه حفظا من مظاهر انتشاره بين المسلمين وتلقيه عن طريق الكواف من الأئمة كانوا على يقين أنهم لن يجدوا سبيلا لتضليل الناس فيه. فعمدوا إلى تكوين الجمعيات المخربة وكان أول جمعية سرية بقيادة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم ظاهرا؛ ليتمكن من الدس والتنكيل بالمسلمين فلما ظهر أمره اختفى وصار إلى تنظيم النشاط المخرب سرا. ومما لا ريب فيه أن هذه الحملة الشريرة تمادت حتى استطاعت أن تروج لمفترياتها في كل باب من أبواب العلم في الإسلام. فوجدت أحاديث في الأسماء والصفات للباري ﵎ تتضمن تشبيه الباري بالحوادث وتعطيله وفي باب العبادات أحاديث تتضمن من

стр. 6407

البدع ما يحرف السالك عن الصراط السوي، وأحاديث في باب الحلال والحرام، حتى كثر الوضع كثرة مزعجة مروعة بتصدع الوحدة الإسلامية، وظهور الفرق الدينية، فاستباح الشيعة لأنفسهم أن يضعوا الأحاديث التي تؤيد مذاهبهم، وكذلك الخوارج، وكثرت بعد ذلك الأسباب الحاملة على الوضع، ومما يدل على مبلغ الوضع في هذا الدور، أن ابن عباس ﵄ وهو المعروف بالرغبة في جمع الحديث والجد في طلبه يقول فيما يرويه مسلم: " إنما كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه ". وفي رواية عنه: إنما كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ ، فأما إذا ركبتم كل صعب وذلول فهيهات (١). وعن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ فجعل ابن عباس لا يأذن (٢) لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس: ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: " إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف ". وعن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفى عني فقال: " ولد ناصح أنا اختار له الأمور اختيارا أو أخفي عنه ". قال: " فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل ".

стр. 6408

وقال طاوس: " أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي ﵁ فمحاه إلا قدر - وأشار سفيان بن عينة، (أحد رواة الخبر) - بذراعه " (١). وعن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي ﵁ قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله. أي علم أفسدوا. وقال النووي على قوله: " قاتلهم الله، أي علم أفسدوا " أنه إشارة إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي ﵁ وحديثه، وتقولوه عليه من الأباطيل وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلفة وخلطوه بالحق فلم يتميز ما هو صحيح عنه مما اختلفوه (٢). وإذا كان الزنادقة والمتربصون بالإسلام من أهل سائر ملل الكفر قد طوع لهم كفرهم وأطماعهم وأحقادهم أن يختلقوا ما اختلقوا من أحاديث قذفوا

стр. 6409

بها في نحور الأمة الإسلامية علهم يصيبون منها مقتلا؛ لتدور لهم الدائرة بعد أن هزموا بفكر الإسلام وسيفه، فإن هذا المنكر لم يقف عند حد هؤلاء بل قد سلك مسلكهم بعض الجهلة المتسمين بسمة الزهاد، فوضعوا أحاديث في أبواب الترغيب والترهيب، فقالوا: كذب للرسول ﷺ ولا نكذب عليه. وما دروا أن هذه طامة الطوام ودويهية أصفر الأنامل، إذ يتضمن هذا - إلى جانب استحلال الكذب عليه ﷺ وهو غاية الحرام - اتهامه بالتقصير في الإبلاغ حتى جاءوا يكملون ما به أخل، ويتممون ما نقص، ويكذبون قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (١). فتلاقى على هذه المكيدة حقد ومكيدة الكافرين وجهل وغباوة الجاهلين، ومما لا شك ولا افتراء فيه أن ذلك الجهل في الأغبياء ثمرة من ثمرات أولئك الزنادقة.

стр. 6410

وقد ظهر بما تقدم بعض الأسباب الحاملة على الوضع ويمكننا أن نجملها لك في سطور. ١ - العداوة الدينية لقد رأينا كيف أن ابن سبأ اليهودي وأضرابه تستروا بالإسلام، وأخفوا وراء التشيع أغراضهم الدنيئة، وتذرعوا بإظهار حب آل البيت؛ ليدسوا على المسلمين ما أرادوا به أن يطفئوا نور الله، ولكن الله وعد بأن يخيب آمالهم، ويتم نوره مهما حولوا إطفاءه. ٢ - التعصب المذهبي: وذلك أن بعض الفرق المنتمية إلى الإسلام كان يدفعها غلوها في تأييد

стр. 6411

ما تشهد إليه إلى وضع أحاديث تشهد بصحة ما ترى، قال الحاكم أبو عبد الله: " كان محمد بن القاسم الطائكاني من رؤساء المرجئة يضع الحديث على مذهبهم ". ٣ - متابعة بعض ما يتسمون بسمة العلم لهؤلاء الأمراء والخلفاء، يضعون لهم ما يعجبهم رغبة فيما في أيديهم، كالذي حكى عن غياث بن إبراهيم، أنه دخل على المهدي بن المنصور، وكان يعجبه اللعب بالحمام فروى حديثا لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح. فزاد كذبا أو: " جناح ". فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم، فلما قام ليخرج قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ﷺ ما قال: "جناح " ولكنه أراد أن يتقرب إلينا. ٤ - تساهل بعضه في باب الفضائل والترغيب والترهيب كالذي روى في فضائل القرآن سورة سورة. ٥ - تغالي بعض الناس في أنهم لا يقبلون اجتهادات الصحابة وغيرهم، فدعا ذلك بعض الوضعة إلى أن يعمد في كلام الصحابة وغيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها إلى النبي ﷺ . تكفل الله بحفظ كتابه يشمل حفظه سنة رسوله ﷺ إذا كان أعداء الإسلام قد أدركوا ما يرومون بوضع المفتريات ونسبوها إلى الرسول ﷺ ، فإنهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المسلمين ضياع سنة نبيهم ﷺ بين المفتريات والأباطيل؛ فإن الله قد تكفل بحفظ كتابه. والسنة تفسير الكتاب وبيانه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) ولا يتم بيان التنزيل بسنة ضائعة بين ركام الكذب، ومن أجل ذلك قيض الله من أذكياء العالم ما أهلهم لهذه المهمة فقاموا لله يذبون عن سنة نبيه ﷺ فبينوا بالتحميص والتنقيب ونبذ الزائف وتحقيق الحق ما تحقق به وعد ربنا؛ فإنه تعالى لا يخلف الميعاد.

стр. 6412

ومن ذلك الوقت تكون فرع من فروع الحديث هو علم الجرح والتعديل، وقد أجهد أئمة هذا العلم أنفسهم وترقبوا الوضاعين، وفضحوا عملهم، وحذروا من كل واحد باسمه، ولم يقبلوا مما حدثوا به شيئا، وبينوا أعيان الأحاديث التي وضعوها، والأغراض التي حملتهم على الوضع حتى سلم الله الشريعة بفضله ومنه من كيدهم. وقد بدأ الكلام في الجرح والتعديل من عهد صغار الصحابة، فقد رويت أقوال من ذلك عن عبد الله بن عباس كما أسلفنا، وعن عبادة بن الصامت وأنس، وكثر القول في ذلك من التابعين ومن أقوالهم ما نذكر لبعضهم فيما يلي: ١ - قال عبد الله بن المبارك الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال أيضا: دعوا حديث عمرو بن ثابت؛ فإنه كان يسب السلف. ٢ - وحدث أبو عقيل صاحب بهية قال: كنت جالسا عند القاسم بن عبد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن تسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج أو علم ولا مخرج. فقال له القاسم: وعم ذاك؟ قال: لأنك ابن إمامي هدى ابن أبي بكر وعمر. قال يقول له القاسم: أقبح من ذلك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة. قال: فسكت فما أجابه. ٣ - قال يحيى بن سعيد: سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكا وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث فيأتيني الرجل فيسألني عنه قال: أخبر عنه أنه ليس ثبتا. ٤ - وقال شعبة: لقيت شهرا فلم أعتد به يعنى شهر بن حوشب أبا سعيد، ويقال أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن وأبو الجعد الأشعري الشامي الحمصي وقيل الدمشقي (١)

стр. 6413

وقد ذكر جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في شرح تقريب النواوي المسمى بتدريب الراوي ضوابط في الوضع وأقسام الواضعين فذكر من الأول: ١ - الإقرار بالوضع من الواضع وذكر خلاف الأصوليين في ذلك. ٢ - معنى إقراره كأن يحدث بحديث عن شيخ ويسأل مولده فيذكر تاريخا لعام وفاة ذلك قبله، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده. ٣ - قرينة في الراوي أو المروي وذكر من ذلك طول الأحاديث مع ركة لفظها ومعانيها. قال الربيع بن خثيم: إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه وظلمة كظلمة الليل تنكره. . . . إلى أن قال: أو يكون خبرا عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع، ثم لا ينقله منهم إلا واحد. ومنها الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير أو الوعد العظيم على الفعل الحقير، وهذا كثير في فعل القصاص، والأخير راجع إلى الركة. وقال: قلت: ومن القرائن كون الراوي رافضيا والحديث في فضائل أهل البيت. . . الخ (١) وذكر للوضع أقساما فقال: والواضعون أقسام بحسب الأمر الحامل لهم على الوضع أعظمهم ضررا قوم ينسبون إلى الزهد وضعوه احتسابا للأجر عند الله في زعمهم الفاسد فقبلت موضوعاتهم ثقة بهم وركونا إليهم؛ لما نسبوا إليه من الصلاح. وذكر كلاما ليحيى القطان هنا منه: ولكن الواضعون منهم وإن خفي حالهم على كثير من الناس فإنه لم يخف على جهابذة الحديث ونقاده، وقد قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). ومن أمثلة ما وضع حسبة: ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي، أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟

стр. 6414

فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة. وكان يقال لأبي عصمة هذا: نوح الجامع. قال ابن حيان: جمع كل شيء إلا الصدق. . . . . الخ. الثاني: قوم كانوا يتكسبون بذلك ويرتزقون به في قصصهم كأبي سعيد المدائني. الضرب الثالث: أرباب النحل والمذاهب البدعية؛ كالكرامية: نسبة إلى محمد بن كرام - بتشديد الراء - السجستاني المتكلم. الرابع: وضع الزنادقة فقد وضعت جملا من الأحاديث؛ ليفسدوا بها الدين. روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زياد، قال: وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث؛ منهم عبد الكريم بن أبي العوجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي (١). ومما تقدم يتضح أن الوضاعين وإن لم يبلغوا مأربهم من الدين؛ لمناهضة العلماء لهم ومقاومتهم إياهم إلا أنهم قبحهم الله - إلا من ثاب إلى رشده منهم - وضعوا في طريق المجتهدين ما عرقل سيرهم وجعله بطيئا وعسيرا، فبعد أن كان الفقيه لا يشغله شاغل بعد سماع الحديث عن النظر فيه والاستنتاج منه وهو واثق مطمئن، أصبح واجبا عليه أن يعنى قبل كل شيء ببحث الحديث متنا وإسنادا، والتثبت من صحتهما حتى إذا تبددت غياهب الشك حل له أن ينظر ويستنبط، فلا يبلغ ما يروم إلا بعد جهد ومشقة وطول عناء. أما السبب الرابع: من الأسباب التي لها الأثر في الاجتهاد في هذه الفترة فهو انقسام العلماء: شاء الله أن ينقسم جمهور الأمة الذين سلمهم الله من بدعتي الخروج والتشيع إلى أهل حديث وأهل رأي.

стр. 6415

وذلك نتيجة لما سلكوا في الفقه فجماعة: امتازت بشدة الاشتغال بالنصوص والآثار والتمسك بها. وآخرون: امتازوا بالتوسع في استعمال الرأي، ومن هنا نشأت تسمية الفريق الأول بأهل الحديث وتسمية الفريق الثاني بأهل الرأي. وكان الفريق الأول بالحجاز، وزعيمه سعيد بن المسيب القرشي إذ رأى هو وأصحابه أن أهل الحرمين الشريفين أثبت الناس في الحديث والفقه وأعلمهم بفتاوى الرسول ﷺ وأصحابه، فأكب على حفظ ما بأيديهم من الآثار، ورأى أنه بعد ذلك في غنية عن استعمال الرأي. أما الفريق الثاني فكان مركزه العراق وعلى رأسهم: إبراهيم النخعي وطريقتهم مبنية على أن أحكام الشرع معقولة المعنى مشتملة على مصالح راجعة إلى العباد ذات أصول محكمة وعلل ضابطة لتك المعاني والحكم، فكانوا يبحثون عن هذه المعاني والعلل، ويستجلون الحكم التي شرعت الأحكام لأجلها حتى يستقر عندهم دوران الحكم معها. وربما رد بعض هذا الفريق شيئا من الأحاديث إذا لم تتمش مع تلك الضوابط والأصول؛ لأن تلك الأصول والضوابط عنده تبلورت من جملة نصوص، والنص الواحد لا يقاوم العدد. أما الفريق الأول فكان بحثه عن النصوص أكثر من بحثه عن العلل إلا فيما لم يجد فيه أثرا.

стр. 6416

ويرجع شيوع الرأي في العراق إلى: أولا: أن عبد الله بن مسعود ﵁ هو أستاذ في هذه المدرسة، وقد كان من المتأثرين بعمر بن الخطاب في الاجتهاد الفقهي، الذي يعتمد على استعمال الرأي، فكان تأثير ابن مسعود على مدرسته أمرا طبيعيا. ثانيا: أن العراق منبع الشيعة ومقر الخوارج، فقد شاع فيها الوضع في الحديث، فاشترط علماؤها شروطا لقبول الحديث لا يسلم معها إلا القليل، ضم إلى هذا اكتفاؤهم بمروي نزلاء العراق من الصحابة من الحديث كان المعول عليه من الأثر قليلا، فلا مندوحة لهم حينئذ من التوسع في الرأي. ثالثا: أن المسائل التي تحتاج إلى تعرف أحكامها في العراق أكثر وأعقد منها في الحجاز، إذ كان الحجاز بمنأى عن تلك النشاطات الفكرية والاجتماعية التي ماج بها العراق؛ لما جد من حركة التشيع والخروج مع ذات طبيعة أهله، وهذا بلا شك مع قلة المعول عليه من الأحاديث عامل قوي في التوسع في استعمال الرأي. ولقد كان الفقه في مدرسة الحديث واقعيا، فلم يفرضوا المسائل ويقدموا لها أحكامها، أما في مدرسة الرأي ففي أول الأمر كان واقعيا، ثم ما لبث أن اتجه إلى الفروض والتقديرات خصوصا حين وضعوا الضوابط والقواعد؛ ليفرعوا عليها. تلك أهم أحداث هذه المرحلة، ومنها اتسعت دائرة الخلاف، مما يتعذر معه الإجماع إلا ما كان اتفاقا. هذا وقد انقضت هذه المرحلة دون أن يدون فيها شيء من العلوم بصفة ذاتية، ولم تتكون فيها مذاهب معينة: فهي تشبه المرحلة السابقة من تلك الناحية، وتخالفها من جهة كثرة الاختلاف وتشعب الآراء للأسباب التي ذكرت.

стр. 6417

الطور الثالث من أطوار الاجتهاد الفقهي أ- الربط بين هذا الدور والدور الذي قبله . ب- بدء نشوء مدرستي الظاهر والرأي.

стр. 6418

جـ- التغيرات التي طرأت في هذا الدور على الاجتهاد الفقهي. د- تدوين أصول الفقه. هـ- منهج الشافعي في الرسالة. وأصول الفقه بعد الإمام الشافعي ﵁. ز- التدوين لأصول الفقه من نهاية القرن الرابع إلى آخر القرن الرابع عشر الهجري. ح- طريقة المتكلمين في أصول الفقه ومؤلفاتها وخصائصها. ط- طريقة الفقهاء في تأليف أصول الفقه ومؤلفاتها وخصائصها. ي- المؤلفات الجامعة للطريقتين.

стр. 6419

الطور الثالث للاجتهاد الفقهي من أول القرن الثاني إلى الآن أ- الربط بين هذا الدور والذي قبله: ظل الصحابة ﵃ بعد أن لحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى ملتزمين المنهج الذي تركهم عليه هذا النبي الكريم ﷺ في الفتوى والقضاء والإجابة عن الأسئلة التي كانت تعرض إليهم، حتى كان واقعهم ﵃ بمثابة العرض الأمين لما كان عليه الحال في عهد المصطفى ﷺ سواء في ذلك ما يتصل بشئون العباد في حياتهم اليومية على وجه يزيل الحرج ويضمن المصلحة التي جاء بها هذا الدين. ولقد اتسعت الدولة وامتد الفتح وتعددت الأفعال وتنوعت التصرفات، ومع ذلك فقد كان الصحابة ﵃ إذا عرضت الوقائع عليهم أفتوا فيها بمعاني النصوص، وبمقتضى الإشارات والإيماءات والاقتضاءات والضرورات، وبطريق القياس والاستحسان والمصالح وسد الذرائع، والأخذ بالقرائن والاهتداء بالأمارات، وبما وقر في نفوسهم من الثقة بالمروي، وبما شرطه أحدهم في الحديث من شروط؛ خوفا من الكذب والغلط على رسول الله ﷺ وبما جاء مخصصا أو مقيدا أو مفسرا، وقد انعكست هذه الطرق على الكيفيات والصور، وغطت الاجتهادات أفعال الناس بالأحكام. وهكذا استمد العلم بالمعاني اللغوية والعربية والمعاني الشرعية المفهومة من الرسول ﷺ والمعلومة من النصوص في قلوب التابعين بعد الصحابة، فامتلأت هذه القلوب بعلم الاجتهاد، وبقي اللسان العربي سليما فصيحا يفهم المعاني، وتقدم الحقيقة على التجوز ودلالة النص على الفهم بالرأي، والمحكم والمفسر على المحتمل الظاهر.

стр. 6420

ب- بدء نشوء الأخذ بالظاهر والمعني أو مدرستي الظاهر والرأي: وأخذ التابعون من قصة بني قريظة علما بجواز سلوك طريق ظاهر النص، وجواز البحث عن المقاصد والأسرار، فوجد بذلك طريقان أو مدرستان: مدرسة غلب على أهلها تقديم النصوص وكثرة الاعتماد في الاستنباط

стр. 6421

على أصلها لعدم الحاجة إلى الرأي بسب قلة الحوادث وكثرة النصوص، والثقة بصدقها؛ لعدم الكاذبين الضالين هناك، وأهل هذه المدرسة هم أهل الحديث أو أهل المدينة، كما سلفت الإشارة إلى ذلك. ثانيا: تكثر من الاجتهاد بالرأي وتشترط شروطا كثيرة وشديدة لقبول الحديث، لا يسلم معها إلا القليل. وينجم هذا من حال البلد الذي يعيش فيه هذا العالم، وحال الصحابي الذي اختار هذا البلد مسكنا له حين هاجر من الحجاز، وما عليه أهل البلد من أعراف في شئونهم المختلفة. وبذلك تأسست المدارس الفقهية الإسلامية. وفي كل مصر كان علماء من الصحابة والتابعين وأئمة بعدهم لهم لغتهم وعلمهم وروايتهم وآراؤهم وتلاميذهم، ومع هذا وسعت مبادئ الشريعة والاجتهادات والآراء حتى عمت رحمتها وعدالتها كل الناس. ولا ريب أنه كلما كان العهد قريبا بحياة رسول الله ﷺ وسنته ومعاني التنزيل حتى شرحها والفتاوى والأحكام التي صدرت منه، كانت الأحكام التي تؤسس على هذا المنهج على كمالها: علما وحفظا وفهما وسنة وعربية، وخشية من الله ، هي النبراس الذي يضيء الطريق، والهادي الأمين إلى الحياة الشرعية التي يريد الله تعالى أن يكون عليها البشر في هذه الدار.

стр. 6422

جـ- التغيرات التي طرأت على الاجتهاد الفقهي في هذا الدور وأسبابها: وقد حدثت في هذا الدور الذي نكتب فيه تغيرات طرأت على الاجتهاد الفقهي، نلخص بعضا من ظواهرها فيما يلي: أولا: عناية الخلفاء العباسيين بالفقه والفقهاء، فقد كانوا لا يقصرون همهم على النواحي السياسية وحسب كما كان الشأن في العهد الأموي، بل كان اهتمامهم بالفقه والفقهاء يتخذ أشكالا متعددة، فمنهم من يدني الفقهاء ويؤثرهم بخاصته كأبي جعفر المنصور، ومنهم من يتعقب الزنادقة ويشتد في

стр. 6423

تعذيبهم، حتى أنشأ دائرة متخصصة للبحث عنهم، والتنكيل بهم (١). وكان الرشيد يخص أبا يوسف بالصحبة والملازمة، والمأمون يشاطر العلماء الجدل العلمي، ويستنهض همهم إلى النقاش الحاد، ويثير القول بخلق القرآن، تلك الفتنة العمياء التي كانت نكتة داكنة في تاريخ المأمون لن تنسى مهما كانت محاسنه. وامتحن فيها علماء سلف الأمة وأئمتها، وكان أشدهم أذى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ حيث عذب عذابا لم ينله أحد قبله، وكان صابرا محتسبا ثابتا على الحق. وقد كان لهذه العناية من الخلفاء الأثر الواضح في التشريع إذ اتسع مجال الفقه وغدا المحور الذي تدور عليه وحوله شئون الدولة في جميع المجالات، فكتاب الخراج لأبي يوسف من ثمار هذا النشاط، وقد عالج أبو يوسف فيه كل ما يتعلق بجباية الأموال. بل إن الأمر تجاوز معالجة واقع الناس إلى افتراض المسائل وتقدير أحكام لها حتى تضخم الفقه، ونما نموا عظيما، شاهده ما حفلت به المدونات الفقهية في ذلك العصر.

стр. 6424

ثانيا: اتساع الجدل وشيوع الخلاف: لقد امتازت هذه الفترة ببلوغ الجدل فيه أشده، واتساع مداه؛ لكثرة العلماء وانفراج الحياة الاجتماعية عما كانت عليه من قبل والتوسع في الرأي، والاعتماد عليه في القياس واستمداد أساليب الجدل من المنطق. وكان الجدل بين العلماء يدور حول تحديد معاني الألفاظ اللغوية، وحمل الكلام على الحقيقة أو المجاز حول الكتاب بالسنة والعكس، وعمل الصحابي أهو حجة أم لا؟ والقياس ومداه ومتى يصح ومتى لا يصح، إلى غير ذلك مما يعتمد عليه الفقيه في الاستنباط واستخراج الأحكام. ومما يؤكد لنا شغف القوم بالجدل والمناظرة أن كل مكان يلتقي فيه العلماء تدور بينهم المناقشات الجدلية والنظرية سواء في حلقات الدروس، أو المنازل أو في المساجد أو في مواسم الحج أو غيرها بالمكاتبة أو المشافهة

стр. 6425

واقرأ من أوثق المدونات في أوائل هذا العصر: الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي والرسالة كذلك تجد أثر هذا الأسلوب جليا واضحا في تأليفهما، واقرأ ما شئت سواهما من كتب هذا العهد التي زخرت بتلك المناظرات، حتى كانت مرآة صافية تعكس عقلية أولئك العلماء وقوة ذهنهم وقدرتهم على التركيز؛ لما يفهمونه من الأحكام، وحتى ساعدت المتأخرين على معرفة وجه الرأي بين أسلافهم، وهدتهم إلى مآخذ الحكم عند كل فريق. وكان غذاء للروح العلمي فيما بعد، غير أن تلك المناظرات لم تنقل كلها إلينا على حقيقتها بل تناولها المتأخرون بالتحوير والتحريف، بل ربما اختلقوا مناظرات ونسبوها إلى الأولين ترويجا لمذهبهم واستجابة لداعي العصبية المذهبية. من سيئات الجدل في هذا الدور: بعد أن كان الجدل يقصده العلماء للوصول إلى الحق فحسب أصبح في هذا الدور يستخدم كثيرا؛ لمجرد التغلب على الخصم، وتزييف مذهب المخالف حتى انحرف عن السنن، وحشد فيه ما لا يتصل بجوهر الموضوعات، ولذلك نرى كثيرا مما وصل إلينا غريبا على العلم، وزائدا عن الحاجة. نموذج للمناظرات التي كانت تجري بين العلماء في هذا الدور: روى الفخر الرازي: " أن محمد بن الحسن. (صاحب

стр. 6426

أبي حنيفة) قال للشافعي يوما: بلغني أنك تخالفنا في مسائل الغصب. قال الشافعي: أصلحك الله إنما هو شيء أتكلم به في المناظرة، قال: فناظرني. . . قال محمد: ما تقول في رجل غصب ساحة وبنى عليها جدارا وأنفق عليها ألف دينار فجاء صاحب الساحة وأقام شاهدين على أنها ملكه؟ فقال الشافعي: أقول لصاحب الساحة ترضى أن تأخذ قيمتها؟ فإن رضي - وإلا قلعت البناء ودفعت ساحته إليه. قال محمد بن الحسن: فما تقول في رجل غصب لوحا من خشب فأدخله في سفينة، ووصلت السفينة إلى لجة البحر فأتى صاحب اللوح بشاهدين عدلين، أكنت تنزع اللوح من السفينة؟ قال: لا. قال (محمد): الله أكبر تركت قولك. ثم قال (محمد): ما تقول في رجل غصب خيطا من إبريسم فمزق بطنه، فخاط بذلك الإبريسم تلك الجراحة، فجاء صاحب الخيط بشاهدين عدلين أن هذا الخيط مغصوب أكنت تنزع الخيط من بطنه؟ قال: لا. قال (محمد): الله اكبر تركت قولك. وقال أصحابه أيضا: تركت قولك. قال الشافعي: فقلت: لا تعجلوا، أرأيت لو كان اللوح لوح نفسه، ثم أراد أن ينزع ذلك اللوح من السفينة حال كونها في لجة البحر، أمباح له ذلك أم

стр. 6427

محرم عليه؟ قال: يحرم عليه. قلت: أرأيت لو كان الخيط خيط نفسه، وأراد أن ينزعه من بطنه، ويقتل نفسه، أمباح له ذلك أم محرم؟ قال: بل محرم، قلت: أرأيت لو جاء مالك الساحة، وأراد أن يهدم البناء أيحرم عليه ذلك أم يباح؟ قال: بل يباح. قال الشافعي: فكيف تقيس مباحا على محرم؟ قال محمد: فكيف تصنع بصاحب السفينة؟ قلت: آمره أن يسيرها إلى أقرب السواحل، ثم أقول له: انزع اللوح وادفعه إليه. فقال محمد بن الحسن: قال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام (١)» فقال الشافعي: من ضره؟ هو ضر نفسه. ثم قال الشافعي: ما تقول في رجل من الأشراف غصب جارية لرجل من الزنج في غاية الرذالة، ثم أولدها عشرة كلهم قضاة سادة أشراف خطباء، فأتى صاحب الجارية بشاهدين عدلين أن هذه الجارية التي هي أم هؤلاء الأولاد مملوكة له، ماذا تعمل؟ قال محمد: أحكم بأن أولئك الأولاد مماليك لذلك الرجل. قال الشافعي: أنشدك الله أي هذين أعظم ضررا؟ أن تقلع الساحة وتردها إلى مالكها، أو تحكم برق هؤلاء الأولاد؟ فانقطع محمد بن الحسن. هذه المحاورة بين هذين الإمامين أنموذج حي لما كان يجري من مجالس علمية، تمتحن فيها أصول كل إمام بما يقرر من جزئيات، فهذا الإمام الشافعي ﵁ يقول لمحمد بن الحسن (. . فكيف تقيس مباحا على محرم؟) ويقول أيضا لما قال له محمد بن الحسن ﵀ ك: فكيف تصنع بصاحب السفينة؟ وأجابه: فقال محمد بن الحسن: قال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام (٢)». أي: وأمر صاحب السفينة بتسييرها إلى الساحل؛ لنزع اللوح المغصوب ضرر عليه. فقال الشافعي: من ضره؟ هو ضر نفسه. فبين أن هذا الحكم مستثنى من قاعدة: لا ضرر ولا ضرار. ثم أجرى موازنة بين مفسدة استرقاق الأحرار العشرة الذين ولدتهم الزنجية المغصوبة وبين مفسدة هدم الجدار المقام على الأرض المغصوبة، وأن المفسدة الأولى أعظم من المفسدة الثانية باتفاق، ولهذا انقطع محمد بن الحسن رحمهما الله.

стр. 6428

هذه المناظرة واحدة من عديد المناظرات التي تجري بين العلماء في ذلك العصر، وإن حكاها كل جماعة بما يتفق وعصبيته المذهبية وسعت دائرة الاجتهاد الفقهي والحركة الفقهية، وتكون منها آراء قانونية لها قيمتها، وحملت الكثيرين من الفقهاء على أن يتسلحوا بأسلحة مناظريهم، فالقياسيون يتسلحون بالحديث، والمحدثون يتسلحون بالرأي، وقربت كثيرا من أوجه النظر المتباعدة، وربما كان أقرب مثال لذلك الشافعي ومحمد بن الحسن في النموذج المتقدم آنفا، فكلاهما اطلع على الناحيتين وتسلح بالسلاحين. هذا ولم يقتصر الأمر على المناظرات الشفوية بل تجاوزها إلى المكاتبة، فهذا الليث بن سعد. يكتب من مصر إلى مالك بالمدينة يجادله في حجية عمل أهل المدينة، ويرد عليه مالك (١).

стр. 6429

ثالثا: اتساع الدولة وكثرة الوقائع ضمت الدولة الإسلامية في هذا العهد شعوبا وأمما مختلفة في الدين والحضارات والعادات والتقاليد والنظم الاجتماعية وطرق المعيشة، وفي أنواع كثيرة من المعاملات، ففي العراق سادت العادات الفارسية والقبطية وغيرها، فمن دخل في الإسلام، عرض ما قد كان عليه قبل الإسلام على أبي حنيفة مثلا، وفي الشام عرضت الأوضاع الرومانية ونظم القضاء الروماني وقضاياه على الأوزاعي وفي مصر عرضت العادات المصرية والرومانية والإغريقية على الليث بن سعد.

стр. 6430

وقد عمل هؤلاء الفقهاء وغيرهم على تمحيص ما عرض عليهم، فأقروا بعضه وعدلوا بعضه، وأنكروا بعضه على ضوء ما عندهم من علم شرعي، حتى غدت الحياة العامة في كل إقليم ومصر مصطبغة بالصبغة الإسلامية. ومما ساعد على تقريب وجهات النظر بين المجتهدين في هذا العصر أن كل قطر من الأقطار المفتوحة وجدت فيه أحكام لم تكن موجودة في غيره؛ نظرا لاختلاف البيئات والفوارق الإقليمية، فلقد أحس العلماء في كل إقليم بحاجتهم إلى التعرف على ما في الإقليم الآخر من اجتهادات فقهية، فنشأت الرحلات العلمية، فالشافعي رحل إلى المدينة والعراق ومصر. وربيعة الرأي رحل إلى العراق، ورحل محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة إلى المدينة، ورحل أحمد بن حنبل إلى الحجاز وإلى اليمن، فآتت هذه الرحلات ثمراتها في إزالة كثير من أوجه الخلاف، وأشعرت كلا بحاجته إلى ما عند غيره من العلم والفقه.

стр. 6431

رابعا: نمو الحركة العلمية كان بدء هذه الحركة في أواخر الدور السابق، لكنها في هذا الدور نمت نموا عظيما بوصول المدنيات القديمة إلى رؤوس المفكرين من علماء المسلمين، وقد ساعد على وصول هذه المدنيات عوامل أهمها: أ- ترجمة العلوم والفلسفة اليونانية إلى لغة العرب، ولم تبلغ الترجمة شأوها إلا في عهد المأمون بن الرشيد في القرن الثالث من الهجرة إذ كان مغرما

стр. 6432

بالآداب اليونانية وبآراء أرسططاليس على وجه خاص، ولقد انتشرت هذه الكتب انتشارا هائلا، فكانت العامل المهم في تكوين معلومات أهل الكلام. ب- الموالي فقد دخلوا في الإسلام بأعداد عظيمة من الفرس والروم والمصريين. فمنهم من أسر صغيرا، وتربى تحت كنف سادته من المسلمين، فورثوا ما عندهم من العلوم الإسلامية التي أساسها الكتاب والسنة، فحملوا عنهم شيئا كثيرا، وكان منهم القراء الكبار والمحدثون بجانب إخوانهم من العرب. ومنهم من دخل في الإسلام وهو كبير، فكان من نتيجة ذلك تلاحم الأفكار وإنضاج العقول.

стр. 6433

خامسا: التدوين. سوف نعنى هاهنا بما يتصل بالتدوين لأصول الفقه إذ هو الموضوع الذي عقدت هذه الدراسة التاريخية من أجله. أما التدوين من حيث هو فحسبنا أن نشير إلى أن عمر بن عبد العزيز. الخليفة الأموي ﵁ كتب قبل موته بسنة إلى عامله على المدينة أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم: أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنته فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء.

стр. 6434

كما أن التدوين من حيث هو تدوين بصرف النظر عن ترتيبه وتنظيمه والاهتمام به على النحو الذي وصل إليه في عهد التدوين الزاهي - كان موجودا على حياة رسول ﷺ فقد خرج أحمد في مسنده، «عن عبد الله بن عمرو بن العاص حين نهته قريش عن كتابة كل ما يسمع من رسول الله ﷺ لأنه بشر يتكلم في الغضب والرضا، فقال له النبي ﷺ : اكتبه، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق (١)». وقد جمع العلماء بين نهيه (٢) ﷺ عن الكتابة، وأمره ثانيا بها: بأن النهي كان قبل أن يميز الصحابة بين ما هو قرآن وبين غيره من كلام الرسول ﷺ ، فلما تميز عندهم زال المحذور، فأذن ﵊ بالكتابة عنه. وأرى من المفيد أن نمر بالقارئ على موجز ما ذكر الحافظ ابن حجر ﵀. حيث ذكر أن آثار النبي ﷺ لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة، وعلل ذلك بأمور ثلاثة: ١ - نهي النبي ﷺ أول الأمر خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.

стр. 6435

٢ - سعة حفظهم وسيلان أذهانهم. ٣ - ولأن أكثرهم لا يعرفون الكتابة. ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار وعلل ذلك: ١ - بانتشار العلماء في الأمصار. ٢ - ظهور فرق المبتدعة من الخوارج والروافض والمعتزلة. ويبين أن أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح (١). وسعيد بن أبي عروبة (٢). وغيرهما. وكانوا يصنفون كل باب على حدة. إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة (وأهل هذه الطبقة هي التي اصطلحنا على إدماجها ضمن فئات الدور الرابع من أدوار الاجتهاد الفقهي) فدونوا الأحكام. فصنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم. وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، وأبو عمر وأبو عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري. بالكوفة وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار

стр. 6436

بالبصرة. . . إلخ (١). هذه إشارات عابرة إلى بداية التدوين وتطوره، أرجو أن يطلع منها القارئ على ما يهديه إلى نشأة هذا النشاط واهتمام السلف الصالح به.

стр. 6437

موقف الشريعة الإسلامية من نكاح التحليل للدكتور / محمد بن أحمد الصالح (١). تمهيد: الزواج أساس الأسرة ودعامتها، والقاعدة التي يقوم عليها بناء المجتمع. والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء الأمة، والزواج عقد وضعه الشارع الحكيم؛ ليفيد بطريق الأصالة ملك استمتاع الرجل بالمرأة، وحل استمتاع المرأة بالرجل، كما أن الزواج عقد أريد به الدوام والاستمرار إلا لمعارض راجح كاستحباب الطلاق للضرر، أو وجوب الطلاق، إذا أبى المولى الفيء، إلى غير ذلك من الحالات التي شرع فيها الطلاق أو الفرقة. قال الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). ولقد سن الشارع الحكيم سننا قويمة، ووضع لذلك تشريعا كاملا محكما، تنشأ فيه رابطة الزوجية على أساس من الطهر والثقة والتقدير المتبادل، وتقوم فيه علاقة الزوجين على أساس من المودة والرحمة

стр. 6438

والسكينة حتى تنبت فيه شجرة الأسرة قوية الجذور، باسقة الفروع، وتنمو وتزدهر وتثمر أينع الثمر، وتنشر في الناس ظلا ظليلا ورائحة زكية. ولقد رتب الشارع على عقد الزواج حقوقا وواجبات تثبت لكل من الزوجين على الآخر، وطالبهما بحسن العشرة، والاعتدال في المعاملة، والتعاون على الحياة المشتركة بينهما، ورسم الطريق القويم لعلاج ما قد ينشأ بينهما من خلاف ومشكلات، وشرع الطلاق للخلاص حين تستعصي على الزوجين إقامة حدود الله والوقوف على ما رسمه الشارع؛ للسير في علاقة الزوجية، ولقد أباحت الشريعة الطلاق عندما تسوء العشرة بين الزوجين، ويتحكم الشر في نفوسهما، حيث تذهب الثمرات المطلوبة من الزواج من السكن والمودة والرحمة، التي كان يجب توفرها بين الزوجين، وحينئذ فللزوج معالجة ما حصل بينهما من الشقاق والنزاع بإيقاع طلقة واحدة، وهو في حال من الرضى والهدوء، والمرأة في طهر لم يجامعها فيه، وفي هذه الحالة يثبت له الحق في الرجعة قبل مضي العدة، بدون عقد، فإذا ما عاد سوء العشرة بينهما وحل الخصام محل الوئام أبيح له أيضا أن يطلق طلقة واحدة أخرى، وله أن يراجع زوجته ما دامت في عدتها، فإن استقامت حالهما وصلح أمرهما وحسنت العشرة كان بها، وإن ساءت العلاقة ولم ينفع العلاج بالطلقتين الماضيتين أبيح له أن يطلق الطلقة الثالثة، وفي هذه المرة تنفض عرى الزوجية تماما، وتبين البينونة الكبرى، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، زواجا شرعيا نكاح رغبة، يقصد منه إقامة الزوجية وبناء الأسرة والعشرة الدائمة، بدون شرط أو قصد التحليل، فإذا صادف ولم يحالف زواجها الثاني التوفيق وحسن العشرة بل ساءت العلاقة بينهما، وطلقها زوجها الثاني، أو توفي عنها حلت لزوجها الأول بعد فراغ عدتها من الثاني، والأصل في ذلك قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقول المصطفى ﷺ فيما أخرجه البخاري

стр. 6439

قال: حدثنا سعيد بن عفير، حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة ﵂ أخبرته «أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإنما معه مثل الهدبة. قال رسول الله ﷺ : لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته (١)». وعن عائشة ﵂، «أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلق؛ فسئل النبي ﷺ أتحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (٢)».

стр. 6440

آراء العلماء في نكاح التحليل: إذا طلق رجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره؛ لقوله تعالى بعد قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وهذا قدر متفق عليه بين جميع أهل العلم، لا نعلم خلافا في ذلك، وإنما الخلاف في شيء وراء هذا، وهو هل المراد من النكاح في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ (٣) العقد كما قال الإمام سعيد بن المسيب، أم الوطء كما قال جمهور الفقهاء وهو المعول عليه؟ ولكنهم بعد اتفاقهم على هذا اختلفوا فيمن تزوج المطلقة ثلاثا؛ ليحلها للزوج الأول، أي: نوى من زواجه بها ذلك أو شرط عليه ذلك في العقد أو قبله، هل تحل للزوج الأول بعد أن يطلقها الزوج الثاني أو لا تحل؟ اختلف الفقهاء في ذلك، وتفصيل القول فيما يأتي: إذا بانت الزوجة بينونة كبرى من زوجها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا، يطؤها فيه، ثم يطلقها وتنقضي عدتها، فإذا نكحت المرأة هذا الرجل الثاني بدون شرط التحليل وبدون نيته في صلب العقد، وإنما تجردت نية الزوج للإمساك المطلق والرغبة في النكاح، فهو عقد صحيح بالإجماع سواء في هذه الحالة حصل شرط أو قصد قبل العقد، ثم تجرد العقد عنهما أو لا، وسواء أيضا نوت الزوجة أو وليها عند العقد أم لا. أما إذا شرط التحليل أو نواه الزوج في صلب العقد فهو عقد المحلل الذي حصل فيه النزاع، فقد ذهب الإمامان مالك وأحمد ﵄ إلى أن عقد الزواج للمحلل باطل مطلقا شرط فيه التحليل أو نواه الزوج وإلى ذلك ذهب عامة أهل العلم، وجملة

стр. 6441

القول أن نكاح المحلل حرام باطل في قول عامة أهل العلم؛ منهم الحسن والنخعي وقتادة والليث والثوري وابن المبارك، وهو المعروف عن عامة أصحاب رسول الله ﷺ منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ﵃ جميعا، فقد روى نافع عن ابن عمر ﵄ قوله: «إنا كنا نعده على عهد رسول الله ﷺ سفاحا ولا يزالان زانيين ولو مكثا عشرين سنة (١)». وذهب الإمام الشافعي ﵁ إلى أنه إذا شرط في العقد أنه إذا وطئ طلق أو بانت منه أو فلا نكاح بينهما أو نحو ذلك فالعقد باطل إلا أن في اشتراط التطليق قولا ضعيفا للشافعي: أنه لا يضر. وقد نقل الإمام النووي في شرح الروضة: أنه لو تزوجها على أن يحلها للأول ففيه وجهان للأصحاب، وجزم الماوردي بالصحة. اهـ. ولم أجد من تعرض في شروح المنهاج لهذه المسألة بخصوصها، والذي في المهذب: أن العقد باطل فيها، ولم يذكر خلافا، حيث قال: ولا يجوز نكاح المحلل، وهو أن ينكحها على أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما، أو أن يتزوجها على أن يحلها للزوج الأول. أما إذا لم يشترط التحليل ولكن نواه الزوج في العقد فقد اتفقت الشافعية على صحته مع الكراهة. قال أبو إسحاق الشيرازي في المهذب: (وإن تزوجها على أنه إذا وطئها طلقها، ففيه قولان: أحدهما: أنه باطل؛ لما ذكرناه من العلة، يعني أنه نكاح شرط انقطاعه دون غايته فشابه نكاح المتعة، والثاني: أنه يصح؛ لأن النكاح مطلق وإنما شرط قطعه بالطلاق، فبطل الشرط وصح العقد، فإن تزوجها واعتقد أنه يطلقها إذا وطئها كره ذلك؛ لما روى أبو مرزوق التجيبي، أن رجلا أتى عثمان ﵁ فقال: إن جاري طلق امرأته في غضبه ولقي شدة فأردت أن

стр. 6442

أحتسب نفسي ومالي فأتزوجها، ثم أبني بها، ثم أطلقها فترجع إلى زوجها الأول. فقال ﵁: لا تنكحها إلا بنكاح رغبة. فإن تزوج على هذه النية صح النكاح؛ لأن العقد إنما يبطله بما شرط لا بما قصد، ولهذا لو اشترى عبدا بشرط أن لا يبيعه بطل، ولو اشتراه بنية أن لا يبيعه لم يبطل. اهـ. وأما القول الضعيف الصحيح لاشتراط التطليق، فقال: إنه لا يضر شرطه، كما لو نكحها بشرط أن لا يتزوج عليها. ورد بالفرق، بأن عدم التزويج أمر خارج عن النكاح لا ينافي ذاته ومقصوده، بخلاف شرط التطليق؛ فإنه مناف لذلك. وذهب الإمام أبو حنيفة وزفر ﵄ إلى أن نكاح المحلل صحيح مطلقا، إلا أنه يكره إن شرط التحليل، ويكون هذا الشرط فاسدا، ونقل عنه قول بصحته حتى ولو امتنع المحلل من الطلاق أجبر عليه. وذهب محمد بن الحسن إلى أنه يصح مطلقا إلا أنه لا يحلها للأول إذا شرط التحليل. وذهب أبو يوسف إلى أنه إن شرط التحليل بطل العقد وإن نواه صح، وهذا موافق للمعتمد في مذهب الشافعية إلا أنه لا يقول بالكراهة مثلهم.

стр. 6443

أدلة القائلين بجواز نكاح التحليل ومناقشتها أولا: قالوا: إن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) وجه الاستدلال: أن هذا زواج قد عقد بمهر وولي ورضا الزوجة، وخلوها من الموانع الشرعية، وهو راغب في ردها إلى زوجها الأول، فدخل هذا النكاح تحت قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) كما دخل في حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ : «إلا نكاح رغبة»، فكان النكاح صحيحا معتبرا كغيره من باقي الأنكحة. نوقش هذا الدليل بما يأتي: أن النبي ﷺ قد فسر المراد من النكاح في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) وتبين أنه هو النكاح الذي يتأتى أن يطلق فيه أو لا يطلق، لا أنه هو النكاح المقصود أصلا الطلاق، ونكاح المحلل ليس كذلك، وما ذكر من المهر وغيره مما قالوه أمور ظاهرة، ليس المقصود منها حقيقتها بل المقصود به التوصل إلى ما يريدون من حلها للزوج الأول، وليس المقصود بالرغبة الرغبة في ردها إلى الزوج الأول، إنما المقصود الرغبة في المرأة، ودوام النكاح والعشرة، ونكاح المحلل ليس من هذا القبيل.

стр. 6444

الدليل الثاني: قالوا: إنما شرط في عودها للأول بمجرد ذوق العسيلة بينهما حلت له بالنص ، وأما لعنه ﷺ فلا ريب أنه لم يرد كل محلل ومحلل له؛ فإن الولي محلل لما كان حراما قبل العقد، والحاكم والزوج محلل بهذا الاعتبار، والبائع أمته محلل للمشتري وطأها، ومع ذلك فلم يقل أحد بأن هؤلاء ملعونون. فإن قيل: إن هذا العام مخصص. قلنا: إن كان العام بعد التخصيص مجملا فلا احتجاج بالحديث، وإن كان حجة فيما عدا محل التخصيص قلنا: إن ذلك مشروط ببيان

стр. 6445

المراد منه، ولسنا ندري المحلل المراد بالنص، أهو الذي نوى التحليل، أم هو الذي شرط عليه ذلك قبل العقد، أم هو الذي شرط ذلك عليه في العقد، أهو الذي أحل ما حرمه الله تعالى ورسوله؟ ووجدنا من تزوج مطلقة ثلاثا، فإنه محلل ولو لم يشترط التحليل أو لم ينوه؛ فإن الحل حصل بوطئه وعقده، ومعلوم قطعا أنه لم يدخل في النص، فعلم أن النص إنما أراد به من أحل الحرام بفعله أو عقده، وكل مسلم لا يشك في أنه أهل للعنة، وأما من قصد الإحسان إلى أخيه المسلم، ورغب في جمع شمله بزوجته ولم شعثه وشعث أولاده وعياله فهذا محسن، ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) فضلا عن أن تلحقه لعنة رسول الله ﷺ . ونوقش هذا الدليل بما يلي: أن هذا قول جانبه الصواب؛ لأن الله تعالى شرط في عودها للأول أن تنكح زوجا غيره نكاحا بالمعنى الذي فسر رسول الله ﷺ والذي ينشأ عنه ذوق العسيلة، والذي إذا طلق فيه الزوج الثاني وانقضت العدة منه وعقد عليها الزوج الأول حلت له، فليس الشرط مجرد ذوق العسيلة كما تقولون، وقولهم: أن رسول الله ﷺ «لعن المحلل والمحلل له (٢)»، ولم يرد به كل محلل. . . . إلى آخر ما قالوه، فهذا كلام يقصد به المغالطة، فالصحابة والتابعون ﵃ جميعا كانوا يفهمون من المحلل عند الإطلاق، هو الذي يتزوج المرأة ليحللها لزوجها الذي طلقها ثلاثا دون أن يكون راغبا في بقائها، وأن المحلل له هو الزوج الذي طلق ويرغب في عود من طلقها إليه، فهذا التشكيك غير مقبول، ومثل هذا لا يقال: إنه محسن، وما على المحسنين من سبيل، بل يقال: إنه أساء؛ لأنه سلك طريقا لم يأذن له الشارع فيه، ومن هذا شأنه فهو مسيء، والمسيء يستحق الذم جزاء على إساءته وعقابا على عمله، ولذلك لعنه الرسول ﷺ وجعله مطرودا من رحمة الله تعالى.
следующие страницы →