← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

القول أن نكاح المحلل حرام باطل في قول عامة أهل العلم؛ منهم الحسن والنخعي وقتادة والليث والثوري وابن المبارك، وهو المعروف عن عامة أصحاب رسول الله ﷺ منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ﵃ جميعا، فقد روى نافع عن ابن عمر ﵄ قوله: «إنا كنا نعده على عهد رسول الله ﷺ سفاحا ولا يزالان زانيين ولو مكثا عشرين سنة (١)». وذهب الإمام الشافعي ﵁ إلى أنه إذا شرط في العقد أنه إذا وطئ طلق أو بانت منه أو فلا نكاح بينهما أو نحو ذلك فالعقد باطل إلا أن في اشتراط التطليق قولا ضعيفا للشافعي: أنه لا يضر. وقد نقل الإمام النووي في شرح الروضة: أنه لو تزوجها على أن يحلها للأول ففيه وجهان للأصحاب، وجزم الماوردي بالصحة. اهـ. ولم أجد من تعرض في شروح المنهاج لهذه المسألة بخصوصها، والذي في المهذب: أن العقد باطل فيها، ولم يذكر خلافا، حيث قال: ولا يجوز نكاح المحلل، وهو أن ينكحها على أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما، أو أن يتزوجها على أن يحلها للزوج الأول. أما إذا لم يشترط التحليل ولكن نواه الزوج في العقد فقد اتفقت الشافعية على صحته مع الكراهة. قال أبو إسحاق الشيرازي في المهذب: (وإن تزوجها على أنه إذا وطئها طلقها، ففيه قولان: أحدهما: أنه باطل؛ لما ذكرناه من العلة، يعني أنه نكاح شرط انقطاعه دون غايته فشابه نكاح المتعة، والثاني: أنه يصح؛ لأن النكاح مطلق وإنما شرط قطعه بالطلاق، فبطل الشرط وصح العقد، فإن تزوجها واعتقد أنه يطلقها إذا وطئها كره ذلك؛ لما روى أبو مرزوق التجيبي، أن رجلا أتى عثمان ﵁ فقال: إن جاري طلق امرأته في غضبه ولقي شدة فأردت أن

стр. 6442

أحتسب نفسي ومالي فأتزوجها، ثم أبني بها، ثم أطلقها فترجع إلى زوجها الأول. فقال ﵁: لا تنكحها إلا بنكاح رغبة. فإن تزوج على هذه النية صح النكاح؛ لأن العقد إنما يبطله بما شرط لا بما قصد، ولهذا لو اشترى عبدا بشرط أن لا يبيعه بطل، ولو اشتراه بنية أن لا يبيعه لم يبطل. اهـ. وأما القول الضعيف الصحيح لاشتراط التطليق، فقال: إنه لا يضر شرطه، كما لو نكحها بشرط أن لا يتزوج عليها. ورد بالفرق، بأن عدم التزويج أمر خارج عن النكاح لا ينافي ذاته ومقصوده، بخلاف شرط التطليق؛ فإنه مناف لذلك. وذهب الإمام أبو حنيفة وزفر ﵄ إلى أن نكاح المحلل صحيح مطلقا، إلا أنه يكره إن شرط التحليل، ويكون هذا الشرط فاسدا، ونقل عنه قول بصحته حتى ولو امتنع المحلل من الطلاق أجبر عليه. وذهب محمد بن الحسن إلى أنه يصح مطلقا إلا أنه لا يحلها للأول إذا شرط التحليل. وذهب أبو يوسف إلى أنه إن شرط التحليل بطل العقد وإن نواه صح، وهذا موافق للمعتمد في مذهب الشافعية إلا أنه لا يقول بالكراهة مثلهم.

стр. 6443

أدلة القائلين بجواز نكاح التحليل ومناقشتها أولا: قالوا: إن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) وجه الاستدلال: أن هذا زواج قد عقد بمهر وولي ورضا الزوجة، وخلوها من الموانع الشرعية، وهو راغب في ردها إلى زوجها الأول، فدخل هذا النكاح تحت قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) كما دخل في حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ : «إلا نكاح رغبة»، فكان النكاح صحيحا معتبرا كغيره من باقي الأنكحة. نوقش هذا الدليل بما يأتي: أن النبي ﷺ قد فسر المراد من النكاح في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) وتبين أنه هو النكاح الذي يتأتى أن يطلق فيه أو لا يطلق، لا أنه هو النكاح المقصود أصلا الطلاق، ونكاح المحلل ليس كذلك، وما ذكر من المهر وغيره مما قالوه أمور ظاهرة، ليس المقصود منها حقيقتها بل المقصود به التوصل إلى ما يريدون من حلها للزوج الأول، وليس المقصود بالرغبة الرغبة في ردها إلى الزوج الأول، إنما المقصود الرغبة في المرأة، ودوام النكاح والعشرة، ونكاح المحلل ليس من هذا القبيل.

стр. 6444

الدليل الثاني: قالوا: إنما شرط في عودها للأول بمجرد ذوق العسيلة بينهما حلت له بالنص ، وأما لعنه ﷺ فلا ريب أنه لم يرد كل محلل ومحلل له؛ فإن الولي محلل لما كان حراما قبل العقد، والحاكم والزوج محلل بهذا الاعتبار، والبائع أمته محلل للمشتري وطأها، ومع ذلك فلم يقل أحد بأن هؤلاء ملعونون. فإن قيل: إن هذا العام مخصص. قلنا: إن كان العام بعد التخصيص مجملا فلا احتجاج بالحديث، وإن كان حجة فيما عدا محل التخصيص قلنا: إن ذلك مشروط ببيان

стр. 6445

المراد منه، ولسنا ندري المحلل المراد بالنص، أهو الذي نوى التحليل، أم هو الذي شرط عليه ذلك قبل العقد، أم هو الذي شرط ذلك عليه في العقد، أهو الذي أحل ما حرمه الله تعالى ورسوله؟ ووجدنا من تزوج مطلقة ثلاثا، فإنه محلل ولو لم يشترط التحليل أو لم ينوه؛ فإن الحل حصل بوطئه وعقده، ومعلوم قطعا أنه لم يدخل في النص، فعلم أن النص إنما أراد به من أحل الحرام بفعله أو عقده، وكل مسلم لا يشك في أنه أهل للعنة، وأما من قصد الإحسان إلى أخيه المسلم، ورغب في جمع شمله بزوجته ولم شعثه وشعث أولاده وعياله فهذا محسن، ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) فضلا عن أن تلحقه لعنة رسول الله ﷺ . ونوقش هذا الدليل بما يلي: أن هذا قول جانبه الصواب؛ لأن الله تعالى شرط في عودها للأول أن تنكح زوجا غيره نكاحا بالمعنى الذي فسر رسول الله ﷺ والذي ينشأ عنه ذوق العسيلة، والذي إذا طلق فيه الزوج الثاني وانقضت العدة منه وعقد عليها الزوج الأول حلت له، فليس الشرط مجرد ذوق العسيلة كما تقولون، وقولهم: أن رسول الله ﷺ «لعن المحلل والمحلل له (٢)»، ولم يرد به كل محلل. . . . إلى آخر ما قالوه، فهذا كلام يقصد به المغالطة، فالصحابة والتابعون ﵃ جميعا كانوا يفهمون من المحلل عند الإطلاق، هو الذي يتزوج المرأة ليحللها لزوجها الذي طلقها ثلاثا دون أن يكون راغبا في بقائها، وأن المحلل له هو الزوج الذي طلق ويرغب في عود من طلقها إليه، فهذا التشكيك غير مقبول، ومثل هذا لا يقال: إنه محسن، وما على المحسنين من سبيل، بل يقال: إنه أساء؛ لأنه سلك طريقا لم يأذن له الشارع فيه، ومن هذا شأنه فهو مسيء، والمسيء يستحق الذم جزاء على إساءته وعقابا على عمله، ولذلك لعنه الرسول ﷺ وجعله مطرودا من رحمة الله تعالى.

стр. 6446

الدليل الثالث: قالوا: إنه نكاح خلا من شرط يفسده، فأشبه ما لو نوى طلاقها لغير الإحلال أو نوت المرأة ذلك. نوقش هذا القول: بأنه يكاد أن يكون مصادرة على المطلوب؛ لأننا لا

стр. 6447

نسلم أنه خلا من شرط يفسده، بل نقول: إن نية التحليل وعدم نية لزوم النكاح ودوامه فيه منافاة للمقصود من النكاح، وهو دوام العشرة والألفة والمودة، وليس هناك بعد هذا ما يفسد النكاح، فكيف يقال: إنه خلا من شرط يفسده؟ أليس هذا شرطا ينافي المقصود من العقد؟ كل شرط ينافي المقصود من العقد فإنه يفسده. وقولهم: إنه يشبه ما لو نوى طلاقها لغير الإحلال. كلام ظاهر البطلان؛ لأنه متى تزوجها زواجا معتبرا لا خلل فيه فلا عبرة بما وراء ذلك، طلقها للإحلال أو لغيره، الأمر في ذلك سواء، ولا عبرة بنية المرأة التحليل؛ لأن الطلاق ليس بيدها بل بيد من أخذ بالساق، فالتشبيه غير صحيح.

стр. 6448

الدليل الرابع: قالوا: لو اشترى إنسان عبدا بشرط أن يبيعه لم يصح، ولو نوى ذلك لم يبطل؛ فنكاح المحلل مثله. نوقش هذا الدليل بما يلي: قياس نكاح المحلل على من اشترى عبدا بشرط أن يبيعه قياس مع الفارق؛ لأن شرط البيع لا ينافي المقصود من البيع؛ لأن المقصود من البيع التملك، والتملك: أن يتصرف في ملكه كيف شاء، بخلاف النكاح المحلل؛ فإن المقصود من النكاح دوام العشرة والألفة واللزوم والاستمرار، فشرط التحليل ينافي المقصود من النكاح، فكان هذا الشرط مفسدا للنكاح.

стр. 6449

الدليل الخامس: قالوا: روى أبو حفص بإسناده، عن محمد بن سيرين قال: قدم مكة رجل ومعه إخوة له صغار، وعليه إزار بين يديه رقعة ومن خلفه رقعة، فسأل عمر فلم يعطه شيئا، فبينما هو كذلك إذ نزغ الشيطان بين رجل من قريش وبين امرأته فطلقها، فقال لها: هل لك أن تعطي ذا الرقعتين شيئا يحلك لي؟ قالت: نعم. وتزوجها ودخل بها، فلما أصبحت أدخلت إخوته الدار، فجاء القرشي يحوم حول الدار يقول: يا ويلاه غلب على امرأتي، فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين غلب على امرأتي. قال: من ذلك؟ قال: ذو الرقعتين. قال: أرسلوا إليه. فلما جاء الرسول قالت له المرأة: كيف موضعك من قومك؟ قال: ليس بموضعي بأس. قالت: إن أمير المؤمنين يقول لك: طلق امرأتك، فقل: لا والله لا أطلقها؛ فإنه لا يكرهك.

стр. 6450

وألبسته حلة، فلما رآه عمر قال: الحمد لله الذي وفق ذا الرقعتين. فدخل عليه، وقال: أتطلق امرأتك؟ قال: لا والله لا أطلقها. قال عمر: لو طلقتها لأوجعت رأسك بالسوط. وجه الاستدلال: أن هذا نكاح تقدم فيه الشرط على العقد، ولم ير به عمر بأسا. نوقش هذا الدليل بما يلي: ما ذكروه من قصة ذي الرقعتين، وأن عمر هدده لو طلقها معارض بما ثبت عن عمر ﵁ أنه خطب على المنبر وقال: لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما. وهذا روي بإسناد جيد، وما روي من قصة ذي الرقعتين فهذا لا سند له، وما لا سند له لا يعارض ما له سند. وسنذكر في أدلة القائلين ببطلان نكاح المحلل أوجه تخريج هذه القصة من وجوه عدة. وبعد هذه المناقشة لأدلة القائلين بصحة نكاح التحليل ظهر لنا ضعفها وقصورها، وأنه لا يمكن الأخذ بها؛ لما ورد عليها من مناقشات وأجوبة مقنعة. ومن ثم فلا يجوز الأخذ بهذا الرأي، وإنما يتعين الأخذ بما ذهب إليه الجمهور، وهو القول ببطلان نكاح التحليل، الذي تبناه الإمام العلامة شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ﵁ المتوفى عام ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة، ودافع عنه دفاعا قويا، وساق من الحجج والبراهين على بطلان هذا الموضوع من الأنكحة ما لا يتسع له المقام، وقد ألف ﵁ كتابا سماه "إقامة الدليل على إبطال التحليل" وهو كتاب فريد في موضوعه، حيث لم يصنف في هذه المسألة مثله لا قبله ولا بعده، وقد استوفى ﵁ أدلة إبطال الحيل في الدين عموما والتحليل خصوصا عقلا ونقلا، وتطبيقا على الأصول من وجوه عدة، وقد جاء في مائتين وأربع وستين صفحة في الجزء الثالث من الفتاوى الكبرى طبعة الكردي سنة (١٣٢٨ هـ). وقد اطلعنا على نسخة خطية من الكتاب في مكتبة المدينة العلمية العامة بالمدينة المنورة تحت رقم عام (١٠) ورقم خاص (٢٥٧) وعدد أوراقه (١٨٠) طول (٣١) وعرض (٢٢) نسخ السيد محمد، سنة (١٢١٨ هـ). فيمكن لمن أراد المزيد من المعرفة الرجوع إلى هذا الكتاب القيم.

стр. 6451

أدلة الجمهور: استدل الجمهور ﵏ على بطلان نكاح المحلل بالكتاب والسنة والإجماع، وقدم الاستدلال بالسنة على الكتاب، مع أن الشأن عند تساوي هذه الأدلة في الدلالة أن يقدم الكتاب؛ لأن السنة في الأدلة أبين كما قال ذلك العلامة ابن تيمية ﵁. وفي طريق الاستدلال على المطلوب مسالك: المسلك الأول (١): ما رواه سفيان الثوري، عن ابن قيس الأزدي، عن هذيل بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ الواشمة والموشومة، والواصلة والموصولة، والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله (٢)». رواه أحمد والنسائي، وروى الترمذي من هذا الحديث «لعن المحلل والمحلل له (٣)». وقال: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين. وقال في وجه الاستدلال: إن رسول الله ﷺ لعن المحلل، فعلم أن فعله حرام؛ لأن اللعن لا يكون إلا على معصية، بل لا يكاد يلعن إلا على فعل الكبيرة إذ الصغيرة تقع مكفرة بالحسنات إذا اجتنبت الكبائر - واللعنة هي الإقصاء والإبعاد عن رحمة الله - ولم يستوجب ذلك إلا بكبيرة، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: كل ذنب ختم بغضب أو لعنة أو عذاب أو نار فهو كبيرة. رواه عنه ابن أبي طلحة، وهذا دليل على بطلان العقد؛ لأن النكاح المحرم باطل باتفاق الفقهاء، يدل لذلك أنهم حملوا نهيه ﵇ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها على التحريم والفساد. ثم إنه لعن المحلل له فتبين من ذلك أنها لم تحل له بذلك، إذ لو حلت له لكان نكاحه مباحا، فلم يستحق اللعن عليه، فعلم أن الذي فعله المحلل حرام باطل، وإن تزوج المطلق ثلاثا لأجل هذا التحليل فزواجه حرام باطل. ومع أن مجرد تحريم عقد النكاح كاف في بطلانه، ففي خصوص هذا الحديث ما يدل على فساد العقدين؛ لأنه ﷺ لعن المحلل له، فلا يخلوا إما أن يكون حل

стр. 6452

للثاني تزوجها، وإما أن لا يكون حل، والأول باطل؛ لأن النبي ﷺ لعنه، ولو كانت قد حلت له لكان تزوجه بها جائزا، ولم يجز لعنه، فيتعين الثاني. وإذا لم تكن حلالا للثاني، فكل امرأة يحرم التزوج بها فالعقد عليها باطل، وهذا ثابت بالإجماع المتيقن، بل بالعلم الضروري من الدين. وذلك أن محل العقد كالمبيع والمنكوحة إذا لم تكن مباحا كالميتة والدم والمعتدة والمزوجة كان العقد عليها باطلا بالضرورة والإجماع. وإذا ثبت إنها لم تحل للثاني وجب أن يكون عقد الأول عليه باطلا؛ لأنه لو كان صحيحا لحصل به الحل كسائر الأنكحة الصحيحة، والكلام المحفوظ لفظا ومعنى في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١). ومن قال: إن النكاح صحيح، وهي لا تحل له فقد أثبت حكما بلا أصل ولا نظير، وهذا لا يجوز. نوقش هذا الدليل: بأن التحريم وإن اقتضى فساد العقد فإنما ذلك إذا كان التحريم ثابتا من الطرفين، فإذا كان التحريم ثابتا من أحدهما لم يجب الفساد كبيع المصراة والمدلس، وهذا التحليل المكتوم إنما هو حرام على الزوج المحلل، فأما المرأة ووليها فليس حراما عليهما إذا لم يعلما بقصد الزوج، فلا يكون العقد فاسدا كما ذكرنا من النظائر، إذ في إفساده إضرار المغرور من المرأة والولي، وصار هذا كما لو اشترى سلعة؛ ليستعين بها على معصية، والبائع لا يعلم قصده، فإن هذا العقد لا يحكم بفساده، وإنما حرم على المشتري، فالموجب للتحريم كتمان أحدهما لنقص المعقود عليه أو كذبه في وصفه، وإذا كان هذا العقد غير فاسد أثبت الحل؛ لأنه مقتضى العقد الصحيح، ثم قد يقال: تحل بهذا العقد للزوج الأول؛ عملا بعموم اللفظ والمعنى، وطردا للقياس كما قال بعضهم، وقد يقال: لا تحل به للأول كما قال محمد بن الحسن؛ لأن السبب معصية، والمعصية لا تكون سببا للاستحقاق، والحل وإن حكم بصحة العقد ووقوع السبب، ولا يلزم من حلها للزوج المحلل حلها للزوج المطلق؛ لأن الحل للأول حصل ضرورة تصحيح العقد لأجل حق العاقد الآخر، ومتى صح بالنسبة للمرأة فقد استحقت الصداق والنفقة واستحلت الاستمتاع؛ ولا يثبت هذا إلا مع استحقاق الزوج ملك النكاح واستحلاله الاستمتاع، بخلاف

стр. 6453

المطلق؛ فإنه لا ضرورة هناك تدعو إلى تصحيح عقده. يقوي هذا أن بعض السلف منهم عمر وعطاء قد روي عنهم جواز إمساك الثاني لها إذا حدثت له الرغبة ومنعوا عودها للأول. ويجاب عن هذه المناقشة: بما قال ابن تيمية، ﵀: إذا انفرد أحد العاقدين بعلمه بسبب التحريم فإما أن يكون التحريم لأجل حق العاقد الآخر، وإما أن يكون لحق الله، فإن كان لأجل حق الآخر كما في بيع المدلس والمصراة ونكاح المعيبة المدلسة ونحو ذلك، فهذا العقد صحيح في حق هذا المغرور باطنا وظاهرا، بحيث يحل له ما ملكه بالعقد، وإن علم فيما بعد أنه كان مغرورا، وأما في حق الغار، فهل يكون باطلا في الباطن بحيث يحرم عليه الانتفاع؟ أو لا يكون باطلا؟ أو يقال: ملكه ملكا حسيا، هذا مما قد يختلف فيه الفقهاء، وما معنا ليس من هذا القبيل. وإن كان التحريم لغير حق المتعاقدين بل لحق الله سبحانه، أو لحق غيرهما، مثل أن يبيعه ما لا يملكه، والمشتري لا يعلم، أو يبيعه لحما يقول: هذا مذكى. وهو ذبيحة مجوسي أو وثني، ومثل أن يتزوج امرأة، وهو يعلم أنها أخته من الرضاعة وهي لا تعلم ذلك، أو يكون أحد المتبايعين محجورا عليه، وهو يعلم بالحجر الآخر أو بالعكس، أو لا يعلم أن هذا الحجر يبطل التصرف، إلى غير ذلك من الصور التي يكون العقد ليس محلا في نفس الأمر. أو العاقد ليس أهلا من الطرفين، فهنا العقد باطل في حق العالم بالتحريم باطنا وظاهرا. وإن كان الفقهاء قد اختلفوا هل تستحق المرأة في مثل هذا مهرا؟ فعن أحمد روايتان؛ إحداهما: تستحقه، وهو قول الشافعي، والأخرى: لا تستحقه، وهو قول مالك، ومن أوجب المهر فذلك مخافة أن يخلو الوطء الملحق للنسب عن عوض. ووجوب المهر والعدة والنسب ليست من اختصاص العقد الصحيح؛ فإن هذه الأشياء تثبت في وطء الشبهة، فإيجاب المهر لا يقضي بصحة العقد، كما أن إيجاب العدة وإلحاق النسب لا يقضيان بصحة العقد، فقد يجب كل منهما مع بطلان العقد، بل كل نكاح فاسد يثبت فيه ذلك وإن كان مجمعا على فساده. ومسألتنا من النوع الثاني الذي ثبت التحريم فيه لحق الله تعالى؛ فإن قصد التحليل إنما حرم لحق الله سبحانه بحيث لو علمت المرأة أو وليها بقصده التحليل لم تجز مناكحته، فالتحليل هنا لم يقع في أهلية العاقد ولا في

стр. 6454

محلية المعقود عليه، وإنما وقع في نفس العقد بمنزلة الشرط الذي يعلم أحدهما بإفساده للعقد دون الآخر. وإذا كان التحريم لحق الله سبحانه فالعقد باطل، والوطء والاستمتاع حرام على الزوج في مثل هذا وفاقا، وهل هو حرام على المرأة في الباطن أو ليس بحرام؟ قولان: أرجحهما الأول، وإن كان هذا الخلاف لا يعود إلى أمر عملي، وإن عاد إلى أمر ظاهري فيقال: هل فعلها في الظاهر حلال أو هو عفو؟ قولان: أرجحهما الثاني، فقد وقع الاتفاق على أن المرأة لا تؤاخذ على شيء من ذلك، وإذا ثبت ذلك ظهر الجواب عن قول الخصم: إنما نحكم بفساد العقد إذا كان التحريم ثابتا من الطرفين، وما معنا ليس كذلك، أو يقال له: أتريد بالتحريم التحريم وإن كان في الباطن فقط؟ أو التحريم الظاهر؟ إن أردت به الأول فلا نسلم أن التحريم ثابت على الزوج وحده، بل نقول: هو ثابت على كل منهما، لكن انتفى حكمه في حق المرأة؛ لفوات الشرط وهو العلم؛ فإن المرأة لو علمت بهذا القصد لحرم العقد عليها، وهذا هو التحريم الباطن، وإذا كان كذلك فقد فسد العقد في الباطن؛ لوجود التحريم في الباطن من الطرفين، وفسد في الظاهر في حق الزوج؛ لوجود التحريم في حق الزوج ظاهرا، فترتب على كل تحريم من الفساد ما يناسبه في محله ظاهرا وباطنا من الطرفين أو من أحدهما. وإن أردت بالتحريم التحريم الظاهر أو الظاهر والباطن من الطرفين فلا نسلم أن هذا هو الشرط في الفساد، فقد ثبت أن بيع المصراة والمدلس فاسد مع أن الذي يعلم هو البائع فقط والآخر لا إثم عليه؛ لأنه لا يعلم، ولو سلمنا أن هذا العقد صحيح، هل هو صحيح من الطرفين؟ أو من جانب الزوجة فقط؟ أما الأول فممنوع وإن قاسه على المصراة؛ لأنا لا نسلم أن انتفاع البائع بجميع الثمن في صورة التصرية حلال، ولا يلزم من ملك المشتري المبيع ملك البائع العوض، إذا كان ظلما؛ فإن الغاصب الظالم الذي حال بين الشخص وملكه للمظلوم أن يطالبه بالبدل ينتفع به حلالا، والغاصب الظالم لا يملك العين المغصوبة، ولا يحل له الانتفاع بها ونظير ذلك كثير، وإذا لم يقم دليل على صحة العقد من الطرفين فلا نسلم أن النكاح المبيح لعودها إلى الأول هو ما كان صحيحا من أحد الطرفين دون الآخر، وأما قولهم: إن المشتري إذا اشترى سلعة ليستعين بها على معصية ولم يعلم البائع بذلك، فإن البيع لا يفسد

стр. 6455

بهذا، فكذا نكاح المحلل. فالجواب أنه ما دام عدم العلم مستصحبا فلا إشكال، أما إذا علم البائع بقصد المشتري فلا نسلم أن البائع لا يجب عليه في الحال استرجاع المبيع ورد الثمن، لو ثبت أن هذا القصد كان موجودا وقت العقد، ولو سلمت هذه الصورة فالفرق بينها وبين نكاح المحلل قائم؛ فإن القصد في صورة الشراء لم يناف نفس العقد وهو الملك والانتفاع، أما قصد التحليل؛ فإنه مناف لمقتضى العقد، إذ مقتضاه الدوام والاستمرار، وقد ارتفع ذلك بنية إرجاعها للأول. وأما قولهم: إن عمر ﵁ جوز للزوج الثاني إمساكها بهذا العقد، ومقتضى هذا أن العقد صحيح يترتب عليه أثره. فالجواب عنه أنه قد ثبت ما يخالف ذلك عن عمر، وعلى فرض أن عمر قال هذا، فذلك لا يقضي بصحة العقد إذا زالت النية الفاسدة؛ لأن العقد إن كان صحيحا مع وجودها - كما ذهب إليه بعض الطوائف - إلا أن الشرط الفاسد الملحق بالعقد إذا حذف بعده صح العقد، وهذا مما اختلف فيه الفقهاء، على أن كثيرا من الصحابة غير عمر قد ذهب إلى ما ذهب إليه أكثر الفقهاء، وهو أنه لا بد من استئناف عقد جديد، وبالجملة فهذا موضع اجتهاد، وأما صحة عقد المحلل بكل حال فلم ينقل لا عن عمر ولا عن غيره من الصحابة بعد البحث التام.

стр. 6456

الثاني من مسالك الاستدلال (١): ما روى أبو إسحاق الجوزجاني: حدثنا ابن أبي مريم أنبأنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «سئل رسول الله ﷺ عن المحلل فقال: لا إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق العسيلة». رواه ابن شاهين في غرائب السنن، والدلسة من التدليس، وهو الكتمان والتغطية للعيوب، والمدالسة المخادعة، يقال: فلان لا يدالسك، أي: لا يخادعك، ولا يخفي عليك الشيء، فكأنه يأتيك في الظلام، والدلس بالتحريك الظلمة، وذلك لأن من قصد التحليل فقد دلس مقصوده الذي يبطل العقد، وكتم النية الرديئة بمنزلة الخادع المدالس الذي يكتم الشر ويظهر الخير، ووجه الاستدلال ظاهر؛ فإن ابن عباس لما سئل عن نكاح المحلل من حيث إنه يحلل المطلقة لزوجها الأول، قال: لا إلا نكاح رغبة. وإسناد هذا الحديث جيد إلا إبراهيم بن إسماعيل فقد اختلف فيه، قال فيه ابن معين: هو صالح. وقال فيه أحمد: هو ثقة من أهل الذمة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: هو ضعيف. وقال فيه أبو أحمد بن عدي: هو صالح في باب الرواية، ونكتب حديثه على ضعفه. واختار ابن تيمية ما قاله فيه ابن عدي حيث قال: والذي قاله ابن عدي عدل من القول فإن في الرجل ضعفا لا محالة، وضعفه إنما هو من جهة الحفظ وعدم الإتقان، لا من جهة التهمة، وله عدة أحاديث بهذا الإسناد. روى منها الترمذي وابن ماجه، ومثل هذا يكتب حديثه للاعتبار به ويعضده حديث مرسل يوافق ما رواه. قال أبو بكر بن أبي شبية: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن موسى بن أبي الفرات، عن «عمرو بن دينار أنه سئل عن رجل طلق امرأته، فجاء رجل من أهل القرية بغير علمه ولا علمها فأخرج شيئا من ماله فتزوجها ليحلها له. فقال: لا، ثم ذكر أن النبي ﷺ سئل عن مثل ذلك فقال: لا حتى ينكحها مرتغبا لنفسه، حتى يتزوجها مرتغبا لنفسه»، فإذا فعل ذلك لم تحل له

стр. 6457

حتى تذوق العسيلة. وهذا الحديث المرسل حجة؛ لأن الذي أرسله احتج به. ولولا ثبوته عنده لما جاز أن يحتج به من غير أن يسنده. وإذا كان التابعي قد قال: إن هذا الحديث ثبت عندي. كفى ذلك؛ لأنه أكثر ما يكون قد سمعه من بعض التابعين عن صحابي أو عن تابعي آخر عن صحابي. وفي مثل ذلك يسهل العلم بثقة الراوي. وموسى بن أبي الفرات هذا ثقة وثقه يحيى بن معين، وذكر عن أبيه أبي حاتم أنه قال: هو ثقة وناهيك عما يوثقه هذان مع صعوبة تزكيتهما، ولا أعلم أحدا جرحه، وأما ابن أبي شيبة وحميد بن عبد الرحمن الذي روى عنه ويعرف بالراوي من مشاهير العلماء الثقاة، وابن أبي شيبة أحد الأئمة، فهذا المرسل حجة جيدة في المسألة. ثم إن الحديث الضعيف إذا روي من طريق آخر عضد أحدهما الآخر، فكان في ذلك دليل على أن للحديث أصلا محفوظا عن النبي ﷺ ، فصح الاحتجاج به على أن الحديث روي من طريق آخر إسناده جيد ورجاله مشاهير ثقاة، فقد روى وكيع بن الجراح، عن أبي غسان المدني، عن عمر بن نافع، عن أبيه، أن رجلا سأل ابن عمر عمن طلق امرأته ثلاثا فتزوجها هذا السائل من غير مؤامرة منه، أتحل لمطلقها؟ قال ابن عمر: لا إلا نكاح الرغبة، كنا نعده سفاحا على عهد رسول الله ﷺ . فهذا الحديث نص في أن التحليل المكتوم كانوا يعدونه على عهد رسول الله ﷺ سفاحا.

стр. 6458

الثالث من مسالك الاستدلال (١): أن التحليل لو كان جائزا لكان النبي ﷺ يدل عليه من طلق ثلاثا؛ فإنه كان أرحم الناس بأمته وأحبهما لمياسير الأمور، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وقد جاءته امرأة رفاعة القرظي مرة بعد مرة، وهي تروي من حرصها على العود إلى زوجها ما يرق القلب لحالها، ويوجب إعانتها على مراجعة الأول إن كانت ممكنة، ومعلوم أن التحليل إذا لم يكن حراما فلا يحصى من يتزوجها فيبيت عندها ليلة ثم يفارقها، وقد كان يمكن للنبي ﷺ أن يقول لبعض المسلمين حلل هذا لزوجها، فلما لم يأمر هو ولا أحد من خلفائه بشيء من ذلك مع مسيس الحاجة إليه علم أن هذا لا سبيل إليه، وأن من أمر به فقد تقدم بين يدي الله ورسوله. ولم تسعه السنة حتى تعداها إلى بدعة زينها الشيطان لمن أطاعه، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. قال ابن تيمية: ومن تأمل هذا المسلك وعلم كثرة وقوع الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه، وأنهم لم يأذنوا لأحد في التحليل، علم قطعا أنه ليس من الدين؛ فإن المقتضى للفعل إذا كان قديما قويا وجب وجوده، إلا أن يمنع منه مانع، فلما لم يوجد التحليل مع قوة مقتضيه علم أن في الدين ما يمنع منه، وهذا مسلك حسن وجيه.

стр. 6459

الرابع من مسالك الاستدلال (١): فقد روى قبيصة بن جابر، عن عمر ﵁ أنه قال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وحرب الكرماني وأبو بكر الأثرم، وهو مشهور ومحفوظ عن عمر. وعن يزيد بن عياض بن جعد أنه سمع نافعا يقول: إن رجلا سأل ابن عمر عن المحلل، فقال ابن عمر: عرفت عمر بن الخطاب ﵁ لو رأى شيئا من ذلك لرجم فيه. (وزيد هذا وإن كان ضعيفا إلا أن حديثه محفوظ من غير طريقه)، وعن سليمان بن يسار قال: رفع إلى عثمان ﵁ رجل تزوج

стр. 6460

امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما، وقال: لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة. وعن أبي مرزوق التجيبي، أن رجلا أتى عثمان قال: إن جاري طلق امرأته في غضبه ولقي شدة، فأردت أن أحتسب نفسي ومالي فأتزوجها، ثم أبني بها ثم أطلقها، فترجع إلى زوجها الأول. قال له عثمان: لا تنكحها إلا نكاح رغبة. وعن يزيد بن أبي حبيب، عن علي بن أبي طالب ﵁ في المحلل: لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة ولا استهزاء بكتاب الله. وقال سعيد في سننه: حدثنا هشيم، حدثنا الأعمش، عن عمران بن الحارث السلمي، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمه طلق امرأته ثلاثا فندم. فقال: عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا. قال: أرأيت إن أنا تزوجتها عن غير علم منه أترجع إليه؟ قال: من يخادع الله يخدعه الله. فهذه الآثار وغيرها مشهورة عن الصحابة، وفيها بيان أن المحلل عندهم اسم لمن قصد التحليل سواء ظهر ذلك أو لم يظهر، وأن عمر كان ينكل من يفعل ذلك، وأنه يفرق بين المحلل والمرأة، وإن حصلت له رغبة بعد العقد، إذا كان في الابتداء قصد التحليل، وأن المطلق ثلاثا وإن تأذى وندم ولقي شدة من الطلاق، فإنه لا يحل التحليل له، وإن لم يشعر هو ذلك، وهذه الآثار مع ما فيها من تغليظ التحليل فهي من أبلغ الدليل على أن تحريم ذلك واستحقاق صاحبه العقوبة كان مشهورا على عهد عمر، ومن بعده من الخلفاء الراشدين، ولم يخالف فيه من خالف في المتعة كابن عباس بل اتفقوا كلهم على تحريم هذا التحليل، فكان هذا إجماعا. نوقش هذا: بأن تلك الآثار معارضة بما روي عن عمر بن الخطاب من أنه توعد ذا الرقعتين إذا هو طلق المرأة التي تزوجها؛ ليحلها لزوجها الأول، وروي ذلك من طرق متعددة، وكان ذلك بمرأى من الصحابة ومسمع، ولم ينكر عليه أحد، ذلك مما يدل على وجود الخلاف وعدم الاتفاق، وقد رويت تلك القصة من طرق متعددة نكتفي منها بما رواه أبو حفص العكبري في كتابه، عن ابن سيرين قال: قدم رجل مكة ومعه إخوة له صغار وعليه إزار، من بين يديه رقعة ومن خلفه رقعة، فسأل عمر فلم يعطه شيئا، فبينما هو كذلك إذ نزغ الشيطان بين رجل من قريش وبين امرأته فطلقها، فقال لها (أي زوجها): هل لك أن تعطي ذا الرقعتين

стр. 6461

شيئا، ويحلك لي؟ قالت: نعم إن شئت. فأخبره ذلك، قال: نعم. فتزوجها فدخل بها، فلما أصبحت أدخلت إخوته الدار، فجاء القرشي يحوم حول الدار، ويقول: يا ويلاه غلب على امرأتي. فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين غلبت على امرأتي، قال: من غلبك؟ قال: ذو الرقعتين. قال: أرسلوا إليه. فلما جاء الرسول قالت له المرأة (أي لمن تزوجها): كيف موضعك من قومك؟ قال: ليس بموضعي بأس. قالت: إن أمير المؤمنين يقول لك: أتطلق امرأتك؟ فقل: والله لا أطلقها؛ فإنه لا يكرهك. وألبسته حلة، فلما رآه عمر من بعيد قال: الحمد لله الذي وفق ذا الرقعتين. فدخل عليه، فقال له: أتطلق امرأتك؟ قال: لا، والله لا أطلقها. فقال له عمر: لو طلقتها لأوجعت رأسك بالسوط. فهذا عن عمر ﵁ وهو شرط تقدم العقد، وقد حكم عمر بصحته، وإذا كان الأمر كذلك صارت المسألة خلافية، ويحمل ما ثبت عن عمر من أنه نهى عن نكاح المحلل على الشرط المقرون بالعقد، فتتفق الروايات عن عمر. وأجاب ابن تيمية عن ذلك بوجوه، نذكر منها ما يأتي: أولا: أن هذا منقطع ليس له إسناد، يدل لذلك ما رواه أبو حفص عن أبي النضير قال: سمعت أبا عبد الله يقول في المحلل والمحلل له: أن يفسخ نكاحه في الحال. قلت: أوليس يروى عن عمر حديث ذي الرقعتين حيث أمره عمر ألا يفارقها؟ قال: ليس له إسناد. وقال أبو عبيد: هذا حديث مرسل؛ لأن ابن سيرين وإن كان مأمونا لم ير عمر ولم يدركه، فأين هذا من الذين سمعوا عمر يخطب على المنبر لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. ثم أين هذا مما روي عن ابن عمر، أنه سئل عن تحليل المرأة لزوجها فقال: ذلك السفاح، لو أدرككم عمر لنكلكم. والمنقطع إذا عارض المسند لم يلتفت إليه. ثانيا: إن كان هذا له أصل، فلعل الإرادة فيه لم تكن من الزوج الثاني، وإنما كانت من الزوج الأول المطلق، وذلك لا يضر ما دام الزوج الثاني لم ينو التحليل، ويقوي هذا أن الرجل لما جاء إلى عمر ﵁ إنما قال: غلبت على امرأتي. ولم يقل: غدر بي، ولا مكر بي، ولا خدعت. ولو كان الزوج قد واطأه على أن يخلعها أو يطلقها لكانت شكاية إلى عمر، واحتجاجه أولى بما قاله؛ فإنه أقل ما في ذلك أن ذو الرقعتين يكون قد صدق فكذبه، ووعده فأخلفه.

стр. 6462

ثالثا: أنه ليس في القصة أنهم واطؤوه على أن يحلها للأول، ولا أشعروه أنها مطلقة، وإنما فيها أنهم واطؤوه على أن يبيت عندها ليلة ثم يطلقها، وهذا من جنس نكاح المتعة، الذي يكون للزوج فيه رغبة في النكاح إلى وقت، ونكاح المتعة قد كانوا يستحلونه صدرا من خلافة عمر، حتى أظهر عمر السنة بتحريمه، فلعل هذه القصة كانت قبل تحريم نكاح المتعة، ثم إن عمر ﵁ أظهر بعد هذا تحريم المتعة وتوعد عليه. رابعا: أن هذا الأثر ليس فيه عودها إلى المطلق، بل فيه النهي عن ذلك، وليس فيه دوام نية التحليل، بل فيه أنه صار نكاح رغبة بعد أن كان تحليلا، فإن كان بنكاح مستأنف فلا كلام، وإن كان باستدامة النكاح الأول فهذا مما يسوغ فيه الخلاف، كما في النكاح بدون إذن المرأة، أو نكاح العبد بدون إذن سيده، أو نكاح الفضولي؛ فإنه قد اختلف فيه هل هو مردود أو موقوف؟ وبعض الفقهاء يقول: إن الشرط الفاسد إذا حذف بعد العقد صح، فيمكن أن يكون قول عمر ﵁ مخرجا على هذا؛ فإن الصحابة قد اختلفوا فيه، ونية التحليل كاشتراطه، فيكون هذا الشرط الفاسد إذا حذف صح العقد وإلا فسد، وإذا كانت هذه الحكاية بهذه المثابة من الإسناد والاحتمال لم تعارض ما عرف من كلام عمر ﵁ فيما رواه عنه ابنه ومن سمعه يخطب على منبر المدينة. خامسا: أنه لو ثبت عن عمر ﵁ أنه صحح نكاح المحلل فيجب أن يحمل هذا منه على أنه رجع عن ذلك؛ لأنه ثبت عنه من غير وجه التغليظ في التحليل والنهي عنه، وأنه خطب الناس على المنبر فقال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. وكذلك ذكر ابنه أن التحليل سفاح، وأن عمر لو رأى أصحابه لنكلهم، وبين أن التحليل يكون باعتقاد التحليل وقصده، كما يكون بشرطه، وقد كانوا في صدر خلافته يستحلون المتعة بناء على ما تقدم من رسول الله ﷺ فيها من الرخصة، ثم بعد هذا بلغ عمر ﵁ النهي عن التحليل، فخطب به وأعلن حكمه، كما خطب بالنهي عن المتعة وأعلن حكمها، ولا يمكن أن يكون رخص في التحليل بعد النهي عنه؛ لأن النهي إنما يكون عن علم بسنة رسول الله ﷺ بخلاف ترك الإنكار؛ فإنه يكون عن الاستصحاب وما

стр. 6463

نهى عنه رسول الله ﷺ ولعن فاعله؛ فإنه لا يمكن تغيير ذلك بعد موته، فثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يختلفوا في ذلك.

стр. 6464

الخامس من مسالك الاستدلال (١): أن الله قال بعد قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) وبعد ذكر الخلع ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣)، ونكاح المحلل والمتعة ليس بنكاح عند الإطلاق، وليس المحلل والمتمتع بزوج، وذلك لأن النكاح في اللغة الجمع والضم على أتم الوجوه، فإن كان اجتماعا بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية في اجتماع البدنين، وإن كان اجتماعا بالعقود فهو الجمع بينهما على وجه الدوام واللزوم، ولهذا يقولون: استنكحه المذي، إذا لزمه وداومه، يدل على ذلك أن ابن عباس سئل عن المتعة - وكان يبيحها - أنكاح هي أم سفاح؟ فقال: ليست بنكاح ولا سفاح ولكنها متعة. فأخبر بأنها ليست بنكاح كما لم يكن مقصودها الدوام والملازمة، ولذا لم يثبت فيها أحكام النكاح المختصة بالعقد من الطلاق والعدة والميراث، وإنما ثبت فيها أحكام الوطء، ولذلك قال ابن مسعود وغيره من الصحابة والتابعين: نسخ المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث، فإذا كان المستمتع الذي له قصد في الاستمتاع بها إلى أجل ليس بناكح؛ لأنه لم يقصد دوام الاستمتاع ولزومه، فالمحلل الذي لم يقصد شيئا من ذلك أولى أن لا يكون ناكحا، ويكون قوله: نكحت أو تزوجت، وهو يقصد أن يطلقها بعد ساعة أو ساعتين، وليس له فيها غرض أن تدوم معه ولا تبقى، كذب منه وخداع، ويكون قول الولي له: زوجتك أو أنكحتك وقد شارطه أن يطلقها إذا وطئها كذب وخداع كذلك. وهذا المعنى هو ما قصده ابن عمر ﵁ حين سئل عن تحليل المرأة لزوجها، فقال: ذلك السفاح لو أدرككم عمر لنكل بكم. وقال: لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة، إذا علم الله أنهما أرادا أن يحلها له. وهو معنى قول عمر ﵁ لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.

стр. 6465

ويبين هذا أن المطلق في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) إنما يعقل منه الرجل الذي يقصد مقامه ودوامه مع المرأة، بحيث ترضى مصاهرته وتعتبر كفاءته وتطيق المرأة ووليها أن يملكها، وهذا المحلل الذي جيء به للتحليل ليس بالزوج، وإنما هو تيس استعير للضرابة، والله قد علم من المرأة ووليها أنهم لا يرضونه زوجا، فإذا أظهروا في العقد قولهم: زوجناك أو أنكحناك. وهم لا يرغبونه زوجا كان هذا خداعا، واستهزاء بآيات الله تعالى، ويقوي هذا أن الله تعالى حرم المطلقة حتى تنكح زوجا غيره، والنكاح المفهوم في عرف أهل الخطاب إنما هو نكاح الرغبة، ولا يفهمون عند الإطلاق إلا هذا، ولذا لو قال الرجل لابنه: اذهب فانكح. فصار محللا، لعده أهل العرف غير ممتثل لأمر أبيه. وما دون النكاح المطلق لا يطلق على نكاح إلا مقيدا، فيقال: نكاح المتعة ونكاح المحلل، كما يقال: بيع الخمر وبيع الخنزير، والله قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) ولم يرد به كل ما يسمى نكاحا مع الإطلاق أو التقييد إجماعا؛ فإن ذلك يدخل فيه نكاح المحارم، فتعين أن يراد به ما يفهم من لفظ النكاح عند الإطلاق في عرف المسلمين، وهو نكاح الرغبة والدوام واللزوم. ويؤيد هذا أن التحريم قبل هذا النكاح ثابت بلا ريب، ونكاح الرغبة رافع لهذا التحريم اتفاقا، ونكاح المحلل لا نعلمه مرادا من هذا الخطاب ولا هو مفهوم منه عند الإطلاق، فيبقى التحريم ثابتا حتى يقوم الدليل على أنه نكاح مباح، ومعلوم أنه لا يمكن لأحد أن يذكر نصا يحل هذا النكاح، ولم يثبت دخوله في اسم النكاح المطلق، ولا يمكن حله بقياس؛ فإنه لا يلزم من حل نكاح الرغبة حل نكاح المحلل؛ لوجود الفارق؛ فإن الراغب مريد للنكاح، فناسب أن يباح له ذلك، وأما المحلل فليس له غرض في النكاح ولا إرادة، فلا يلزم أن يباح له ما لا رغبة له فيه؛ إذ الإرادة مظنة الحاجة. كما يقوي هذا أيضا أن الله سبحانه أطلق النكاح التام الذي يحصل فيه مقصود النكاح، وهو الجماع المتضمن ذوق العسيلة، فعلم أنه لم يكتف بمجرد ما يسمى نكاحا مع التقييد، وإنما أراد ما هو النكاح المعروف الذي يفهم عند الإطلاق، وذلك إنما هو نكاح الرغبة المتضمن ذوق العسيلة، وإذا ثبت

стр. 6466

أن هذا ليس بنكاح ثبت أنه حرام؛ لأن الفرج حرام إلا بنكاح أو ملك يمين، وثبت أنها لا تحل للمطلق؛ إذ إن الله حرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره، وهو المطلوب.

стр. 6467

السادس من مسالك الاستدلال (١): أن الله قال بعد أن قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢): يعني فإن طلقها الزوج الثاني فلا جناح عليها، ولا على الزوج الأول أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله، ووجه الاستدلال أنه سبحانه عبر بإن فقال: " فإن طلقها ". ولم يقل: " إذا ". وفرق بين الحرفين؛ فإن " إن " في لسان العرب تستعمل فيما يمكن وقوعه وعدم وقوعه، أما " إذا " فإنها تستعمل فيما يقع لازما أو غالبا، ولذلك تقول العرب: إذا احمر البسر فأتني. ولم يقولوا: إن احمر البسر فأتني؛ لأن احمرار البسر واقع لازما أو غالبا، والإتيان بإن هاهنا يفيد أن النكاح في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) نكاح يقع فيه الطلاق تارة ولا يقع فيه تارة أخرى، وهذا ليس شأن نكاح المحلل؛ فإنه نكاح يقع فيه الطلاق لازما أو غالبا، فأفاد ذلك أنه ليس داخلا في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤) وإلا فيقال: فإذا طلقها وبذلك يعلم أن الآية دالة على أن النكاح المقصود في الآية نكاح معتبر يفيد الدوام واللزوم، فلا يكون نكاح المحلل داخلا، فلا تكون الآية دالة عليه فلا يعتبر في تحليل المرأة لزوجها الأول، فإن قيل: إن الآية عمت كل نكاح فلهذا قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ (٥)؛ إذ من الناكحين من يطلق ومنهم من لا يطلق، وإن كان غالب المحللين أنه يطلق فيكون نكاح المحلل داخلا. وقد أجاب ابن تيمية عن ذلك فقال: لو أراد سبحانه ذلك لقال: فإن فارقها؛ لأن الزوج الثاني قد يموت عنها، وقد تفارقه بانفساخ النكاح بحدوث أمر كرضاع أو لعان أو بفسخه لعسرة أو غيره فتحل للزوج بواحد من هذه الأشياء، ومعلوم أن هذه الأشياء ليست بيد الزوج، وأن الذي بيده خاصة هو

стр. 6468

الطلاق، فلما عدل عن لفظ المفارقة إلى لفظ الطلاق الذي يملكه الزوج الثاني فقط، كان ذلك لفائدة خاصة وهي الإيذان بأن هذا نكاح قد يكون فيه الطلاق لا نكاح معقود لوقوع الطلاق، يقوي هذا أن لفظة الفراق أعم فائدة وبه جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) فلو لم يكن في خصوص لفظ الطلاق فائدة لكان ذكر الأعم أولى، وما ذكر هو الإيذان بأن هذا نكاح قد يقع فيه الطلاق لا أنه معقود للطلاق تصلح أن تكون فائدة، فيجب الحمل عليها، وبذلك لا يكون نكاح المحلل داخلا في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)؛ فإن التطهير لما كان مقصودا جيء فيه بحرف التوقيت وهو " حتى "، ولما كان الطلاق هنا غير مقصود جيء فيه بحرف التعليق وهو " إن "، فلو كان نكاح المحلل مما يدخل في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ (٤) لكان هو الغالب على نكاح المطلقات. وكان الطلاق فيه مقصودا فتتفق الآية التي معنا مع هذه الآية وهي: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٥) لكن لما لم يكن الأمر كذلك فرق الله بين الآيتين في التعبير غاية الأمر، أنه توقف الحل في آية الحيض على شرطين قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٦) فبين أن التحريم الثابت بقول الله زال بوجود الطهر ثم بقي نوع آخر أخف منه يمكن زواله بفعل الآدمي، فبين حكمه بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٧) وفي الآية التي معنا لم يرد بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ (٨) بيان توقف الحل على طلاقها لأمر بها؛ لأن ذلك معلوم قد بينه بقوله تعالى في جملة المحرمات والمحصنات من النساء، ولأن الطلاق وحده لا يكفي في الحل حتى تنقضي عدة المطلقة، ولا شك أن العلم بأن المتزوجة لا تحل أظهر من العلم بأن المعتدة لا تحل، فلو أريد هذا المعنى لكان ذكره العدة أوكد وأظهر، فتبين من هذا كله أنه لا بد من فائدة لذكر هذا الشرط: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ (٩) ثم في ذكر حرف " إن " وما ذاك إلا لبيان أن النكاح المتقدم المشروط هو الذي يصح أن يقال فيه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ (١٠) ونكاح المحلل ليس كذلك فثبت ما ندعيه.

стр. 6469

السابع من مسالك الاستدلال على إبطال التحليل (١): قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٢). فقد روى ابن ماجه وابن بطة بإسناد جيد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: «ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزءون بآياته؛ طلقتك راجعتك؛ طلقتك راجعتك (٣)». وجه الدلالة أن الله سبحانه حرم على الرجل أن يرتجع المرأة يقصد بذلك مضارتها بأن يطلقها، ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها ثم يطلقها قبل جماع أو بعده، ويمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها ثم يطلقها فتصير العدة تسعة أشهر، هكذا فسره عامة العلماء من الصحابة والتابعين، وجاء فيه حديث مسند. ومعلوم أن هذا الفعل لو وقع اتفاقا غير قصد منه بأن يرتجعها راغبا فيها ثم يبدو له فيطلقها، ثم يبدو له فيرتجعها راغبا، ثم يبدو له فيطلقها لم يحرم ذلك عليه، لكن لما فعله لا للرغبة، لكن لمقصود آخر وهو أن يطلقها بعد ذلك؛ ليطيل العدة عليها، حرم ذلك عليه، وتطويل العدة هنا لما يحرم؛ لأنه في نفسه ضرر؛ فإنه لو كان كذلك لحرم، وإن لم يقصد الضرر كالطلاق في الحيض أو بعد الوطء قبل أن يتبين له أنها حامل، وإنما حرم لأنه قصد الضرر، فالضرر هنا إنما حصل بأن قصد بالعقد فرقة توجب ضررا لو حصل بغير قصد إليه لم يكن سببه حراما، كما أن المحلل قصد بالعقد فرقة توجب تحليلا لو حصل بغير قصد لم يكن سببه حراما. فإما أن يكون القصد لغير مقصود العقد محرما للعقد أو لا يكون، فإن لم يكن محرما للعقد والفعل المقصود هنا وهو الطلاق الموجب للعدة ليس محرما في نفسه، فيجب أن يكون صحيحا على أصل من يعتبر ذلك، وهو خلاف القرآن، وإن كان محرما للعقد فيجب أن يكون نكاح المحلل باطلا.

стр. 6470

وذلك أن الطلاق المنضم إلى النكاح المتقدم يوجب العدة المحرمة لنكاحها، ويوجب حلها للزوج الأول، فلا فرق بين أن يقصد بالنكاح وجود تحريم شرع ضمنا، أو وجود تحليل شرع ضمنا؛ فإنما شرع الله من التحريم أو التحليل ضمنا وتبعا لا أصلا وقصدا، ومتى أراده الإنسان أصلا وقصدا فقد ضاد الله في حكمه، يوضح ذلك أن الطلاق سبب لوجوب العدة، وإذا وقع كانت العدة عبادة الله تثاب المرأة عليها إذا قصدت ذلك، فكان الطلاق الثاني سببا يحل المطلقة، والرجعة مقصودها المقام مع الزوج لا فراقها، كما أن النكاح مقصوده ذلك، ولكن في العدة ضرر بالمرأة يحتمل من الشارع إيجاب ما يتضمنه ولا يحتمل من العقد قصد حصوله، وكذلك في طلاق الزوج الثاني حل لمحرم، وزوال ذلك التحريم يتضمن زوال المصلحة الحاصلة في ذلك التحريم، إذ لولا ما في تحريمها على المطلق من المصلحة لما شرعه الله، وزوال هذه المصلحة يحتمل من الشارع إثبات ما يتضمنه، ولا يحتمل من العبد قصد حصوله، ولا فرق في الحقيقة بين قصد تحليل ما لم يشرع تحليله مقصودا، وبين قصد تحريم ما لم يشرع تحريمه مقصودا.

стр. 6471

المسلك الثامن من مسالك الاستدلال على إبطال التحليل (١): قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٢) ووجه الدلالة أن من آيات الله شرائع دينية في النكاح والطلاق والرجعة والخلع؛ لأنها الطريقة التي يحل بها الحرام من الفروج، أو يحرم بها الحلال وهي من دين الله الذي شرعه لعباده، وكل ما دل على أحكام الله فهو من آياته، والعقود دلائل على الأحكام الحاصلة بها، وذكره هذه الآية بعد أن أباح أشياء من هذه العقود، وحرم أشياء دليل على أن العقود من آيات الله، وإلا كان ذكرها عقيب ذلك غير مناسب. ويعضده أن العقود من آيات الله ما روي عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزءون بآياته؛ طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك (٣)» وإذا كانت العقود من آيات الله فاتخاذها هزوا فعلها

стр. 6472

مع عدم اعتقاد حقائقها التي شرعت هذه الأسباب لها، كما أن استهزاء المنافقين أنهم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) فيأتون بكلمة الإيمان غير معتقدين حقيقتها بل مظهرين خلاف ما يبطنون، فكل من أتى بالرجعة غير قاصد بها مقصود النكاح بل التحليل أو نحوه، فقد اتخذ آيات الله هزوا، حيث تكلم بكلمة العقد وهو غير معتقد للحقيقة التي توجبها هذا الكلمة من مقصود النكاح، فهو والمنافق في أصل الدين سواء، غير أن المنافق في أصل الدين، وهذا منافق في شرائعه، فقول الإنسان: آمنت، كقوله: تزوجت، هو إخبار عما في باطنه من الاعتقاد المتضمن التصديق والإرادة من وجه، وهو إنشاء لعقد الإيمان وعقد النكاح من حيث هو يبتدئ الدخول في ذلك من وجه، فإذا لم يكن صادقا في الإخبار عما في باطنه؛ لأنه لا تصديق ولا إرادة ولا هو داخل في حقيقة الإيمان والنكاح بل إنما تكلم بكلمة، ذلك لحصول بعض الأحكام التي هي من توابع ذلك، فليس صادقا لا من حيث الإنشاء ولا من حيث الإخبار. وإذا ثبت أن التحليل من اتخاذ آيات الله هزوا ثبت أنه حرام، ويلزم من تحريمه فساده بإبطال مقصود المحلل من ثبوت نكاحه، ثم نكاح المطلقة، كما ثبت أن الهازل لما كان يقصد عدم النكاح بطل مقصوده، فصح نكاحه كذلك.

стр. 6473

المسلك التاسع من مسالك الاستدلال على إبطال التحليل (١): أن الله تعالى حرم المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره، ومعلوم أن الله حرم ذلك لاشتمال هذا التحريم على مصلحة المعتدة وحصول مفسدة في حلها له بدون الزوج الثاني وابتلاء وامتحانا لهم؛ ليميز من يطيعه ممن يعصيه، وقد كان الطلاق في الجاهلية من غير عدد. فكلما شاء الرجل طلق المرأة، ثم راجعها فقصر الله الأزواج على ثلاث تطليقات؛ ليكف الناس عن الطلاق ولا يقدمون عليه إلا عند الضرورة؛ فإن الرجل إذا علم أن المرأة تحرم عليه بالطلاق

стр. 6474

كف عنه إلا إذا كان زاهدا فيها، فإذا كان هذا التحريم يزول بهذا الطريق السهل، وهو أن يرغب إلى بعض الأراذل في أن يطأ المرأة ويعطي شيئا على ذلك؛ فإن هذا أقرب منه إلى اللعب منه إلى الجد، فما أكثر من يريد أن يطأ ويبذل، فكيف إذا أعطي على ذلك جعلا؟ فإن قيل: إن هذا النكاح حلال كان معنى هذا أن المرأة تحرم على زوجها حتى ينزو عليها فحل من الفحول، وإن لم يكن له رغبة في نكاحها بل يعطي على ذلك جعلا، فكان قد ادعى أن الله حرم المطلقة حتى توطأ وطئا شبيها بالزنا، بل هو زنا كما سماه ابن عمر: بأن هذا سفاح. ولما رأى كثير من أهل الكتاب أن بعض المسلمين يقول: إن المطلقة تحرم حتى توطأ على هذا الوجه، ورأى أن ذلك هو معنى الزنا، وحسب أن هذا من الدين المأخوذ عن رسول الله ﷺ أو تجاهل بإظهار ذلك أخذ يعير المسلمين بهذا ويقول: إن في دينكم أن المطلقة تحرم حتى تزني، وإذا زنت حلت، حتى اعتمد بعض أعداء الله النصارى فيما يهجو به شرائع الإسلام على مسألة التحليل، أخذ ينفر أهل دينه عن الإسلام بالتشنيع بها، وما يعلم عدو الله أن هذا لا أصل له في الدين، ولا هو مأخوذ عن السابقين ولا عن التابعين لهم بإحسان، بل قد حرمه الله ورسوله. وبالجملة فإن دين الله أزكى وأطهر من أن يحرم فرجا من الفروج حتى يستعار له تيس من التيوس، لا يرغب في نكاحه ولا في مصاهرته ولا يراد بقاؤه مع المرأة أصلا فينزو عليها وتحل بذلك؛ فإن هذا بالسفاح أشبه منه بالنكاح، فكيف يكون الحرام محللا؟ أم كيف يكون الخبيث مطيبا؟ أم كيف يكون النجس مطهرا؟ وغير خاف على من شرح الله صدره للإسلام ونور قلبه بالإيمان أن هذا من أقبح القبائح التي لا تأتي بها سياسة عاقل فضلا عن شرائع الأنبياء، لا سيما أفضل الشرائع وأشرف المناهج، والله أعلم وأحكم من أن يشرع مثل هذا. هذه هي أدلة الطرفين على المتنازع فيه، وبهذا ظهر الحق وزهق الباطل، وتبين لكل من له نظر سليم وذوق ليس بسقيم بأن رأي الجمهور الذي تبناه الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ودافع عنه هو الرأي المعقول، الذي يتعين الأخذ به

стр. 6475

والمصير إليه؛ لأن أدلته واضحة ظاهرة، يعضد بعضها بعضا، وأن ما ورد عليها من مناقشات قد دنت وذهبت أدراج الرياح، فلم يبق إلا أن يكون هذا الرأي هو المختار حتى نسد الباب على كل طاعن، ونغلقه عن كل طارق فلا نسب إلى الدين ما ليس منه، ولا يرد عليه ما أورده أعداء الدين من المفاسد، من أن بعض التيوس المستعارة صار يحلل الأم وبنتها، ويجمع ماؤه في أكثر من أربع نسوة بل أكثر من عشر؛ لأنه لا غرض له في النكاح ولا في المصاهرة حتى يتجنب المحرم، ومنها أن كثيرا ما يتواطؤ المحلل مع المرأة على أن يطأها وليس له رغبة في ذلك، والمرأة لا تعده زوجا فتستحي وتهابه من أن تمكنه من نفسها؛ لاستشعارها أنه لا يتخذ زوجا.

стр. 6476

الزواج مع شرط التحليل أو قصده حرام إن الأصل في مشروعية الزواج الدوام والاستمرار، والمحلل لا يقصد شيئا من ذلك، وإنما هو مسمار نار أراد تثبيتها للأول فقط، ومن هذا تكاثرت الأدلة في سنة المصطفى ﵊ وخلفائه الراشدين والآثار الصحيحة عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان على تحريم التحليل، ولعن المحلل، واعتبار فعله من الزنا الذي يستحق إقامة الحد عليه، كيف لا يكون نكاح التحليل حراما وهو زواج يفعله أصحابه بتكتم وتستر؟ خوف الفضيحة والعار إذا علم واشتهر، مما يدل على أنه نكاح مقت منكر لا تتقبله النفوس، فلا يمكن أن يكون مشروعا أو مباحا، ولا يصح التماس مسوغ يبرر جوازه، بل إنه من مكائد الشيطان التي بلغ فيها مراده حيث يقترف أفراد جريمة الزنا في ظل نكاح مزعوم ملعون فاعله على لسان رسول الله ﷺ ولم يكتف بلعنه بل شبهه بالتيس المستعار. وقد عير به المسلمون وجعل وسيلة للطعن والتشهير؛ لما يحصل به من الشر والفساد، ثم إن نكاح التحليل لا تحصل فيه المودة والرحمة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١) ثم إن

стр. 6477

المحلل لا يراقب الله ولا يتقيه، ولا يقف عند حدوده، فقد يجمع بين الأم وابنتها في عقدين، ويجامع أكثر من أربع، وقد يجمع بين الأم وابنتها، وإن لم يكن هذا من لوازم نكاح التحليل، إلا أن التحليل يعطي الفرصة للرجل الفاسد رقيق الدين خبيث الطوية للعبث وارتكاب المحرم. وإذا كان هذا شأنه وهذه صفاته فهو جدير باللعن كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له (١)». ونكاح التحليل لا تحل به المرأة لزوجها الأول، بل تبقى حراما عليه؛ لأن المحلل مخادع لله، ومن يخادع الله يخدعه، والبائن بينونة كبرى لا تحل للأول إلا بنكاح رغبة لا نكاح دلسة، وإن الشريعة الإسلامية التي هي خاتمة الأديان، والإسلام دين الله الذي اختاره واصطفاه وطهره جدير بالاحترام والعناية، ويجب تطهيره من الحيل الذميمة التي تشوه الدين، وتعطي الفرص للمغرضين بالعيب على الإسلام والمسلمين. وقد جاءت شريعة الإسلام بحمد الله واضحة ظاهرة فالحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ولقد عنيت شريعتنا الغراء بأمر الزواج، واهتمت أعظم الاهتمام بالأسرة والزواج، ووضعت لذلك نظاما كاملا محكما تنشأ فيه رابطة الزوجية على أساس من الطهر والثقة والتقدير المتبادل، وتقوم فيه علاقة الزوجين على أساس من المودة والرحمة والسكينة حتى تنبت فيه شجرة الأسرة قوية الجذور باسقة الفروع، وتنمو وتزدهر وتثمر أينع الثمر، وتنشر في الناس ظلا وارفا وأريجا عطرا، ولقد كانت عناية الشريعة الإسلامية بالزواج أكبر وأوسع من أي شريعة أخرى، إذ جعلها الله من آياته في خلقه، وعده من نعمه على عباده، وفي هذا يقول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) وقد بينت الشريعة ما يحل نكاحه من النساء وما يحرم وأحاطت عقد الزواج بأوثق الضمانات التي تكفل سعادة الزوجين وتأتي

стр. 6478

بالخير لأسرتهما وللمجتمع، وقد جعلت الشريعة لكل من الزوجين حقوقا وواجبات يؤديها له، وطالبتهما بحسن العشرة والاعتدال في المعاملة والتعاون على الحياة المشتركة بينهما، ورسمت الطريق القويم لعلاج ما قد ينشأ بينهما من خلاف ومشكلات، ولا عجب أن يحظى الزواج بهذا القدر الكبير من الاهتمام والتنظيم فهو قاعدة الأسرة ونواة المجتمع، وهو وسيلة الإنسان العاقل لتنظيم الفطرة والغريزة التي أودعها الله فيه على وجه يحقق غاية استخلافه في الأرض بتعمير الكون، وبعث الحياة فيه قوية رائعة مثمرة، والتعاون على تدبير المصالح والمنافع، والسير بالحياة في مجال الخير والإصلاح. وهي أيضا وسيلة الإنسان العاقل إلى حفظ نوعه وتخليد ذكراه بالتوالد والتناسل، قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١). ومن أجل هذا كله كان الزواج ذا شأن خطير وأثر بالغ في حياة الإنسانية وتوجيهها، وكان عقد الزواج من أخطر العقود التي يتعامل بها الإنسان في الحياة، وقد وصفه القرآن بأنه ميثاق غليظ. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٢) ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٣). ووصف النبي ﵊ عقد النكاح بقوله: «إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٤)». والميثاق يجب الوفاء به وتقديره، وأمانة الله واجبة الرعاية، وكلمة الله واجبة التنفيذ والاحترام، فزواج هذا شأنه من السمو والرفعة في تحقيق المثل العليا والأخلاق الكريمة والآداب السامية يتعين صيانته والمحافظة عليه، ولا يتحقق في نكاح التحليل شيء من هذا، وإذن فلا يصح بعد هذا كله أن يقال عن نكاح التحليل إنه نكاح جائز، بل هو نكاح باطل محرم، ملعون فاعله على لسان المصطفى ﷺ لأن الأصل في مشروعية الزواج الدوام والاستمرار والمحلل لا

стр. 6479

يقصد شيئا من ذلك، وليس له غرض صحيح في هذا الزواج. ولهذا يترجح عندنا القول ببطلان نكاح التحليل، وأنه يتعين على كل مسلم يريد المحافظة على دينه وصيانة عرضه أن يتجنب مثل هذا النوع من الأنكحة. نسأل الله أن يرزقنا الفقه في الدين، واتباع سنة سيد المرسلين، ويهدينا سواء السبيل. . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 6480

اهتمام علماء المسلمين بعقيدة السلف - ظروفه - وآثاره للدكتور / أبو اليزيد أبو زيد العجمي تلقي تعليمه في الأزهر، وتخرج من كلية دار العلوم جامعة القاهرة ١٩٦٧ م. حصل على الماجستير من دار العلوم ١٩٧٧م. حصل على الدكتوراه من دار العلوم ١٩٨١م. التخصص " عقيدة وفلسفة إسلامية ". الإنتاج العلمي: ١ - حقيقة الإنسان في ضوء التصور القرآني (تأليف). ٢ - الذريعة إلى مكارم الشريعة، للراغب الأصفهاني (تحقيق). ٣ - نجاة الخلف في اعتقاد السلف، للشيخ ابن قائد البخوي (تحقيق). ٤ - الفقهاء وبحوث العقيدة الإسلامية (تأليف). أسهم في عد من المجلات العلمية منها: ١ - أضواء الشريعة (بالرياض). ٢ - حولية دار العلوم (بالقاهرة). ٣ - المسلم المعاصر (الكويت). ٤ - البحوث الإسلامية (بالرياض). الوظيفة / مدرس بكلية دار العلوم جامعة القاهرة. أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالرياض.
следующие страницы →