الزواج مع شرط التحليل أو قصده حرام
إن الأصل في مشروعية الزواج الدوام والاستمرار، والمحلل لا يقصد شيئا من ذلك، وإنما هو مسمار نار أراد تثبيتها للأول فقط، ومن هذا تكاثرت الأدلة في سنة المصطفى ﵊ وخلفائه الراشدين والآثار الصحيحة عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان على تحريم التحليل، ولعن المحلل، واعتبار فعله من الزنا الذي يستحق إقامة الحد عليه، كيف لا يكون نكاح التحليل حراما وهو زواج يفعله أصحابه بتكتم وتستر؟ خوف الفضيحة والعار إذا علم واشتهر، مما يدل على أنه نكاح مقت منكر لا تتقبله النفوس، فلا يمكن أن يكون مشروعا أو مباحا، ولا يصح التماس مسوغ يبرر جوازه، بل إنه من مكائد الشيطان التي بلغ فيها مراده حيث يقترف أفراد جريمة الزنا في ظل نكاح مزعوم ملعون فاعله على لسان رسول الله ﷺ ولم يكتف بلعنه بل شبهه بالتيس المستعار.
وقد عير به المسلمون وجعل وسيلة للطعن والتشهير؛ لما يحصل به من الشر والفساد، ثم إن نكاح التحليل لا تحصل فيه المودة والرحمة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١) ثم إن
стр. 6477
المحلل لا يراقب الله ولا يتقيه، ولا يقف عند حدوده، فقد يجمع بين الأم وابنتها في عقدين، ويجامع أكثر من أربع، وقد يجمع بين الأم وابنتها، وإن لم يكن هذا من لوازم نكاح التحليل، إلا أن التحليل يعطي الفرصة للرجل الفاسد رقيق الدين خبيث الطوية للعبث وارتكاب المحرم.
وإذا كان هذا شأنه وهذه صفاته فهو جدير باللعن كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له (١)».
ونكاح التحليل لا تحل به المرأة لزوجها الأول، بل تبقى حراما عليه؛ لأن المحلل مخادع لله، ومن يخادع الله يخدعه، والبائن بينونة كبرى لا تحل للأول إلا بنكاح رغبة لا نكاح دلسة، وإن الشريعة الإسلامية التي هي خاتمة الأديان، والإسلام دين الله الذي اختاره واصطفاه وطهره جدير بالاحترام والعناية، ويجب تطهيره من الحيل الذميمة التي تشوه الدين، وتعطي الفرص للمغرضين بالعيب على الإسلام والمسلمين.
وقد جاءت شريعة الإسلام بحمد الله واضحة ظاهرة فالحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ولقد عنيت شريعتنا الغراء بأمر الزواج، واهتمت أعظم الاهتمام بالأسرة والزواج، ووضعت لذلك نظاما كاملا محكما تنشأ فيه رابطة الزوجية على أساس من الطهر والثقة والتقدير المتبادل، وتقوم فيه علاقة الزوجين على أساس من المودة والرحمة والسكينة حتى تنبت فيه شجرة الأسرة قوية الجذور باسقة الفروع، وتنمو وتزدهر وتثمر أينع الثمر، وتنشر في الناس ظلا وارفا وأريجا عطرا، ولقد كانت عناية الشريعة الإسلامية بالزواج أكبر وأوسع من أي شريعة أخرى، إذ جعلها الله من آياته في خلقه، وعده من نعمه على عباده، وفي هذا يقول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) وقد بينت الشريعة ما يحل نكاحه من النساء وما يحرم وأحاطت عقد الزواج بأوثق الضمانات التي تكفل سعادة الزوجين وتأتي
стр. 6478
بالخير لأسرتهما وللمجتمع، وقد جعلت الشريعة لكل من الزوجين حقوقا وواجبات يؤديها له، وطالبتهما بحسن العشرة والاعتدال في المعاملة والتعاون على الحياة المشتركة بينهما، ورسمت الطريق القويم لعلاج ما قد ينشأ بينهما من خلاف ومشكلات، ولا عجب أن يحظى الزواج بهذا القدر الكبير من الاهتمام والتنظيم فهو قاعدة الأسرة ونواة المجتمع، وهو وسيلة الإنسان العاقل لتنظيم الفطرة والغريزة التي أودعها الله فيه على وجه يحقق غاية استخلافه في الأرض بتعمير الكون، وبعث الحياة فيه قوية رائعة مثمرة، والتعاون على تدبير المصالح والمنافع، والسير بالحياة في مجال الخير والإصلاح.
وهي أيضا وسيلة الإنسان العاقل إلى حفظ نوعه وتخليد ذكراه بالتوالد والتناسل، قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١). ومن أجل هذا كله كان الزواج ذا شأن خطير وأثر بالغ في حياة الإنسانية وتوجيهها، وكان عقد الزواج من أخطر العقود التي يتعامل بها الإنسان في الحياة، وقد وصفه القرآن بأنه ميثاق غليظ. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٢) ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٣).
ووصف النبي ﵊ عقد النكاح بقوله: «إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٤)».
والميثاق يجب الوفاء به وتقديره، وأمانة الله واجبة الرعاية، وكلمة الله واجبة التنفيذ والاحترام، فزواج هذا شأنه من السمو والرفعة في تحقيق المثل العليا والأخلاق الكريمة والآداب السامية يتعين صيانته والمحافظة عليه، ولا يتحقق في نكاح التحليل شيء من هذا، وإذن فلا يصح بعد هذا كله أن يقال عن نكاح التحليل إنه نكاح جائز، بل هو نكاح باطل محرم، ملعون فاعله على لسان المصطفى ﷺ لأن الأصل في مشروعية الزواج الدوام والاستمرار والمحلل لا
стр. 6479
يقصد شيئا من ذلك، وليس له غرض صحيح في هذا الزواج.
ولهذا يترجح عندنا القول ببطلان نكاح التحليل، وأنه يتعين على كل مسلم يريد المحافظة على دينه وصيانة عرضه أن يتجنب مثل هذا النوع من الأنكحة.
نسأل الله أن يرزقنا الفقه في الدين، واتباع سنة سيد المرسلين، ويهدينا سواء السبيل. . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 6480
اهتمام علماء المسلمين
بعقيدة السلف - ظروفه - وآثاره
للدكتور / أبو اليزيد أبو زيد العجمي
تلقي تعليمه في الأزهر، وتخرج من كلية دار العلوم جامعة القاهرة ١٩٦٧ م.
حصل على الماجستير من دار العلوم ١٩٧٧م.
حصل على الدكتوراه من دار العلوم ١٩٨١م.
التخصص " عقيدة وفلسفة إسلامية ".
الإنتاج العلمي:
١ - حقيقة الإنسان في ضوء التصور القرآني (تأليف).
٢ - الذريعة إلى مكارم الشريعة، للراغب الأصفهاني (تحقيق).
٣ - نجاة الخلف في اعتقاد السلف، للشيخ ابن قائد البخوي (تحقيق).
٤ - الفقهاء وبحوث العقيدة الإسلامية (تأليف).
أسهم في عد من المجلات العلمية منها:
١ - أضواء الشريعة (بالرياض).
٢ - حولية دار العلوم (بالقاهرة).
٣ - المسلم المعاصر (الكويت).
٤ - البحوث الإسلامية (بالرياض).
الوظيفة / مدرس بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.
أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالرياض.
стр. 6481
الاهتمام بعقيدة السلف:
إن من يتفحص الكتب التي صنفت في العقائد يصادف عددا غير قليل يظهر أو يدافع عن العقيدة عن عقيدة السلف الصالح ضد التيارات الأخرى، ولا نريد هنا أن نستقصي هذا اللون من مؤلفات العقيدة، ولكن حسبنا أن نشير إلي بعض هذه المؤلفات.
ففي القرنين الثاني والثالث الهجريين نجد ما ينسب للإمام أبي حنيفة النعمان (١٥٠هـ) من رسائله التي تعالج مسائل في العقيدة تقارب منهج السلف الصالح، الذي أوجزه أو كتب بعده في متن الفقه الأكبر الذي حظي بشروح عديدة. كما نجد الفقه الأكبر للإمام الشافعي (٢٠٤هـ)، والرد على الجهمية للإمام أحمد بن حنبل (٢٤٢هـ).
وفي القرن الرابع الهجري نجد لابن خزيمة (٣١١هـ) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب جل وعلا، ونجد العقيدة الطحاوية (٣٢١هـ)، وقد حظيت بشروح عديدة أيضا، كما نجد للإمام الأشعري (الإبانة عن أصول الديانة) (توفي سنة بضع وعشرين وثلاثمائة)، وفي القرن نفسه نجد الإبانة لابن بطة العكبري (ت ٣٨٧هـ).
وفي القرن الخامس الهجري نجد الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة للإمام البيهقي (المتوفى ٤٥٨هـ) رغم ما فيه من بعض التأويلات التي هي خلاف منهج السلف.
стр. 6482
ويمكننا أن نعتبر كتاب البغدادي "الفرق بين الفرق" في الاتجاه نفسه؛ لأنه يظهر باطل معتقداتهم، ويذيل ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة (توفي ٤٢٩هـ).
فإذا انتقلنا إلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية أعني القرنين السابع والثامن الهجريين، وجدنا لشيخ الإسلام ولابن القيم ولتلاميذهما من بعدهما حشدا هائلا من المصنفات في خدمة عقيدة السلف.
وقد استمر هذا الاتجاه حتى العصر الحاضر حيث مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن تتلمذ على هذه المدرسة كما هو واضح في الرسالة المسماة "نجاة الخلف في اعتقاد السلف" - للشيخ أحمد بن عثمان بن قائد النجدي (١٠٩٧هـ).
وهذا الحشد الهائل من المصنفات التي تمثل اتجاها يعنى بيان عقيدة السلف الصالح يوحي بسؤال مؤداه: لماذا كل هذا الاهتمام بعقيدة السلف، وهي موجودة في الكتاب والسنة؟ وبلفظ آخر: ما هي البواعث التي أدت إلى وجود هذا الاتجاه ظاهرا في تاريخ الفكر الإسلامي؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: لا بد أن ندرك أن مرحلتين تتشابهان إلى حد كبير مر بهما الفكر الإسلامي، فكانت الظروف في المرحلتين باعثة على هذا الاهتمام بعقيدة السلف الصالح، ولا بد للأمر من بيان المرحلتين، يسبقهما تحديد لمصطلح السلف والخلف.
стр. 6483
السلف والخلف:
كثر استعمال هاتين اللفظتين في صورة الاقتران والعطف، فقد يراد بهما
стр. 6484
مجرد الدلالة اللغوية التي تعني السبق والمتابعة، فسلف بمعنى سبق وتقدم، وبمعنى مضى وانقضى، وسلف السائر سلفا أي: تقدمه وسبقه، وأما خلف ففي المعجم: خلف فلانا خلفا: جاء بعده فصار مكانه، وفي القرآن الكريم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (١) ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (٢) وكذا الخلف: والعوض والبدل (٣).
وقد حملت بعض الكتب أسماء تؤدي هذا المعنى اللغوي، مثل: " صلة الخلف بموصول السلف " لمحمد بن سليمان المغربي (ت ١٠٩٤هـ)، والكتاب عبارة عن ثبت بأسماء كتب ألفها السابقون من العلماء، وهي تفيد الذين أتوا بعدهم (٤).
وكذلك كتاب ابن رجب الحنبلي " معان فضل السلف على الخلف " وفيه عدة رسائل في باب العلم والآداب، كما يحوي كلاما موجزا في العقائد (٥).
وقد يراد بهما معنى اصطلاحي مشتق من المعنى اللغوي، كما في عنوان رسالة الشيخ عثمان بن أحمد النجدي: " نجاة الخلف في اعتقاد السلف " إذ لا يعقل أن الأمر هنا مجرد دلالة لغوية، فيكون المعنى نجاة من لحق في اتباعه لمن سبق، دون تقييد لصفات أخرى تجعل هذا السابق جديرا بأن يكون اتباعه منجيا.
وقد حدد ابن تيمية مفهوم السلف بما يفيد أنهم أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم المعنيون بـ: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٦)».
стр. 6485
يقول ابن تيمية: فإنا لما أردنا أن نبين مذهب السلف ذكرنا طريقين: أحدهما: أنا ذكرنا ما تيسر من ذكر ألفاظهم ومن روى ذلك عنهم من أهل العلم بالأسانيد المعتبرة.
والثاني: أنا ذكرنا من نقل مذهب السلف من جميع طوائف المسلمين من طوائف الفقهاء الأربعة، ومن أهل الحديث والتصوف، وأهل الكلام كالأشعري وغيره، فصار مذهب السلف مقبولا بإجماع الطوائف وبالتواتر، لم نثبته بمجرد دعوى الإصابة لنا والخطأ لمخالفنا كما يفعل أهل البدع (١).
ثم يقول: " فعلم أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف، ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك " أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي ﷺ " (٢).
ويقرر شيخ الإسلام في موضع آخر أن هناك اتفاقا بين أهل السنة والجماعة من جميع الطرق على أن خير القرون ما ذكرها النبي ﷺ وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة من علم وعمل، وإيمان وعقل، ودين وبيان،. . . كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: " من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم. . . ". وما أحسن ما قاله الشافعي ﵁ في رسالته: " هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا. . . . . . ".
فإن عامة ما عند السلف من العلم والإيمان هو ما استفادوه من نبيهم
стр. 6486
- ﷺ الذي أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد (١).
وبهذا يكون قد تحدد مفهوم السلف اصطلاحيا حين يذكر في باب اعتقادهم والأخذ عنهم.
أما مفهوم الخلف: فقد حدده شيخ الإسلام بأنه يراد به جماعة المتكلمين ومن تابع منهجهم ومنهج الفلاسفة، وابتعد عن منهاج أصحاب رسول الله ﷺ فهما منهم أن ذلك خير من مذهب السلف، ويصدق هذا المفهوم على الآخذين بهذا المنهج قديما وحديثا.
ولا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلط في معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية أقدامهم بما انتهى إليه أمرهم حيث يقول:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم (٢)
ويبين شيخ الإسلام خطأ فهم الخلف لمنهج السلف، وبيان ضلال من يزكي مذهب الخلف أنفسهم؛ فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (٣).
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات. . . وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريق السلف في الكذب
стр. 6487
عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف (١).
وبهذا فإن لفظ السلف حين يطلق يجب أن ينصرف لا إلى مجرد السبق الزمني، بل إلى أصحاب الرسول وتابعيهم ومن بعدهم بشرط الالتزام بمنهجهم والذين يتأخر بهم الزمن أن يسموا سلفا إذا كانوا على نهج أصحاب رسول الله ﷺ .
وأما لفظ الخلف فإنه لا يعني مجرد التأخر في الزمن، ولكنه يضم إلى هذا معنى آخر هو البعد عن منهج السلف واتباع منهج الجدل العقلي وغيره من طرق البشر في التفكير الذي لا يستند إلى كتاب أو سنة. وقد حمل بعض العلماء شهرة بلقب السلفي، وتناقلها كتب التراجم والطبقات أمثال: الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني، وهو أحد الحفاظ المحدثين. ولد / ٤٧٢ هـ وتوفي ٥٧٦ هـ وعاش مائة وأربع سنين، وكان مشهورا بلقب السلفي (٢) وقد أخطأ فريد وجدي في هذا. والأصح: أنه السلفي بكسر ففتح.
وكما اشتهر هذا الوصف - في فهمنا - عن التحديد الذي أشرنا إليه من التزام منهج الصحابة والتابعين.
وجدير بالذكر أنه إلى جانب هذين اللفظين قد يحمل مصطلح أهل السنة معنى " السلف " كما نراه كثيرا في استعمالات ابن تيمية، وقد يكون أكثر اتساعا إذا أطلق في مقابل لفظ " الشيعة "، ولكن الأغلب أن يتحدد مفهوم أهل السنة بأهل الحديث ومن تابعهم من الفقهاء.
стр. 6488
المرحلة الأولى:
تكاتفت عوامل عديدة لتجعل القرنين الثاني والثالث الهجريين فترة
стр. 6489
اتسمت بالجدل حول قضايا العقيدة، وأدت بطريق أو بآخر إلى بداية التأليف في بحوث العقائد الأمر الذي أوجد بالمكتبة الإسلامية كثيرا من المؤلفات في هذا الموضوع وما يتصل به من تأريخ للملل والنحل.
ولعل أبرز هذه العوامل ما يلي:
١ - وجود الفرق واشتغالها بمسائل استتبعت ردا من المخالفين لهذه الفرقة أو تلك ممن يختلفون في الأصول، وتعصب كل فرقة لأصولها التي حكمتها في القضايا، وحكمت بها على مسائل الخلاف، ولكي ندرك أثر هذا العامل يجب أن نعي حقيقتين هامتين:
الحقيقة الأولى: أن قضايا العقيدة كانت موضع اهتمام القرآن الكريم باعتباره كتاب الإسلام، الذي يؤسس بناء الفرد على عقيدة التوحيد، ويفرع منها كل نواحي النشاط الإنساني، سواء في جانب علاقة الإنسان بربه في العبادات، أو علاقة الإنسان بالناس في المعاملات والآداب، أو علاقة الإنسان بالكون تسخيرا وتأملا وتحقيقا للخلافة والعمارة من خلاله.
وسواء جاء الاهتمام بالتوحيد وتقريره في صورة إخبار عن حقيقة مؤكدة مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٤)، ومثل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٥). أو في صورة بيان يفهمه العقل ويصدقه الواقع المشاهد، مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٦) وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٧).
стр. 6490
أقول: سواء جاءت المعالجة بهذه الصورة أو تلك أو غيرهما، فإن المؤكد أن القرآن قد بين (أن الإيمان بإله واحد له صفات الكمال والجلال لا شريك له في ملكه، ولا نظير له في الخلق والإيجاد والتأثير والتقدير، هو الذي يتفق مع ما نشاهده ونلاحظه من دقة ونظام في هذا الكون الذي يجري على سنن ثابتة وقوانين مطردة لا تختل ولا تتخلف) (١).
وكما اهتم القرآن بإرساء الأصل وهو التوحيد عقيدة الإنسان حين لم تنحرف فطرته، اهتم كذلك بمحاربة الانحراف الذي حدث عند بعض الأقوام عن هذا الأصل معيدا الناس إليه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٢): ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٣). وبنفس المنهج يدحض فرية الشركاء والمشركين في كثير من الآيات، والقرآن في إرسائه أصل العقيدة التوحيد يربط بين هذا الاعتقاد والعمل المرتبط به كمظهر عملي للتوحيد الذي يمثل أساس البناء ومنهج الحركة في الحياة (٤)، نقرأ مثلا قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (٧).
والتذكير بهذه الحقيقة يظهر أثر الفرق فيما جد على الناس من جدل واختلاف كفر البعض فيه من ليس على فكرهم، ذلك أن اهتمام القرآن
стр. 6491
بالتوحيد إنما هو من باب تصحيح عقيدة، يرى أكثر الباحثين أنها عقيدة الإنسان منذ نشأته، وأن هذه العقيدة لم تنفك عنها أمة من الأمم، وأن الإنسان قد انجرف إلى ألوان من الوثنية والتعدد لم يكن عليها في القديم (١).
ولنفس الغاية كان الاهتمام بدحض شبهات الشرك والتعدد ومجادلة المنحرفين من أهل الكتاب. وقد جاء الحديث عن صفات الله الواحد القادر المريد، بما لا يحدث انفصالا بين الذات والصفات، وقد فهم سلف الأمة هذه الحقيقة فساقوا الكلام سوقا واحدا، ووصفوا الله بما وصف به نفسه، فإذا جئنا إلى التوحيد لدى فرق المتكلمين وجدنا تشقيقات ليس للمسلمين بها عهد، فهناك علاقة الصفات بالذات الإلهية، وهل وجودها يتعارض مع الوحدانية أم لا؟ وهناك من لا يفرقون بين صفات الله المتفرد بالجلال والذي ليس كمثله شيء، وبين صفات مخلوقاته تشبيها أو تمثيلا، وهناك غير هذا من مهاترات الفرق، وتشقيقات المجادلين.
وقد أدى هذا الفهم الغريب للتوحيد بفرقة كالمعتزلة - والتوحيد واحد من أصولها الخمسة - إلى أن تنفي عن الله أكثر الصفات الثبوتية، كالقدرة والإرادة والعلم، بحجة أن هذا يتنافى مع التوحيد، ويقترب بالمسلمين من تعدد كتعدد النصارى، كما أدى بهم فهمهم هذا إلى التأويل في الصفات الخبرية التي تثبت لله يدا وعينا وغير ذلك، وقد أوقعهم فهمهم هذا إلى القول بخلق القرآن، وما جره على المسلمين من بلاء واضطراب.
وقد أدى بهم هذا الفهم إلى جدل طويل مع الفرق الأخرى وعلى رأسهم الأشعرية الذين يخالفونهم الرأي، كما أدى بهم إلى أن وصفهم غيرهم بأنهم المعطلة وأنهم أخذوا آراءهم هذه من الزنادقة وليت الأمر يقف عند حد الجدل بل هو مخالفة صريحة للنصوص القرآنية الواردة في هذا الصدد
стр. 6492
" وسواء أخذ المعتزلة آراءهم هذه عن الزنادقة كما يذكر الأشعري، أم عن الفلاسفة كما يذكر الشهرستاني، فإن رأي المعتزلة لا يشهد له الشرع، بل إنه يؤدي إلى إنكار كثير من آيات القرآن التي تصف الله سبحانه بصفات العلم والقدرة والإرادة وغيرها " (١).
الحقيقة الثانية: هي أن كثيرا مما أثير بين الفرق، بل مما أخذت الفرق منه أسماءها قد يكون له جذور أسبق من القرنين الثاني والثالث، كما يرى مثلا بعض العلماء في أمور القدر والجبر والخوارج. فالخروج الذي يستحقه من يخرج على الحق يرى البعض أن جذوره تمتد إلى يوم أن «قال ذو الخويصرة التميمي لرسول الله عقب قسمته لذهبة آتته من اليمن: اعدل يا محمد؛ فإنك لم تعدل. حتى قال ﵇: " إن لم أعدل فمن يعدل؟ ". فعاود وقال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى (٢)». ويقول الشهرستاني عن هذا الموقف: " ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا فمن اعترض على الرسول الحق أولى أن يصير خارجيا، أو ليس ذلك قولا بتحسين العقل وتقبيحه، وحكما بالعقل في مقابلة النص، واستكبارا على الأمر بقياس العقل؟ ".
كذلك فإن مسألة القدر والجبر قد أثيرت على ألسنة المشركين كما يحكي الله تعالى عنهم في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (٣).
وواضح أنهم لا يريدون الاعتذار عن القبائح التي يعتقدونها، بل مرادهم بذلك الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق ومشروع ورضي الله عنه بناء على أن
стр. 6493
المشيئة والإرادة تساوي الأمر عندهم. ويذكر الشهرستاني أنها قد أثيرت أيضا على ألسنة المنافقين الذين قالوا يوم أحد: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) وقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ (٢) وقولهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (٣) فهل ذلك إلا تصريح بالقدر (٤)؟
نقول: قد يكون هناك جذور للقضايا التي طال الجدل فيها بين الفرق كما ذكرنا أمثلة منها، لكن هذه الجذور لم تكن بالقوة التي تثير جدلا وتخلق بلبلة، وأظن الأمر يختلف كثيرا إذا قورن بما أحدثه الخوارج إثر خروجهم بعد مسألة التحكيم، وما ناقشوه من قضايا مرتكب الكبيرة، وتكفيرهم غيرهم، وما تبع هذا من موقف المرجئة الذين غالى بعضهم إذ اعتبر أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
كذلك إذا نظرنا القدرية وجدنا أن ما كان في آخر عصر الصحابة والذي امتد إلى العصر الأموي والعباسي أصبح شيئا آخر غير الجذور الأولى خطرا وفكرا. يقول ابن تيمية: " ثم حدث في آخر عصر الصحابة القدرية. . . وأما القدرية فخاضوا في قدره بالباطل، وأصل ضلالتهم: أن القدر ينافي الشرع. . . فصاروا حزبين: حزبا يغلب الشرع فيكذب بالقدر وينفيه أو ينفي بعضه. وحزبا يغلب القدر فينفي الشرع في الباطن، أو ينفي حقيقته ويقول: لا فرق بين ما أمر الله به وما نهى عنه في نفس الأمر الجميع سواء " (٥).
وكذلك فإن الجبر أصبح نحلة، واعتنقه ناس يدعون إليه ويدرسونه ويبينونه للناس، وسواء كان أصله نحلة يهودية كما يقول ابن نباتة المصري صاحب سرح العيون في رسالة ابن زيدون، أم هو نحلة أصلها فارسي كما يذكر المرتضى في المنية والأمل، فإن المقرر أن الجبر أحدث جدلا طويلا على
стр. 6494
الساحة الفكرية أخذ المعتزلة موقفا مضادا له، وأخذ الأشاعرة موقفا متوسطا، وفي كل ذلك جدل ومناظرات كانت سمة العصر وطابع الفكر الإسلامي آنذاك (١).
أقول في ضوء الحقيقتين السابقتين: يجب أن ننظر إلى الفرق باعتبارها عاملا هاما في ازدهار حركة الجدل الديني في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ومقارنة معتقدات كل وأصولها بمعتقدات وأصول غيرها، ثم رصد ما حدث بينهم من مناظرات ومراسلات يظهر أثرهم في الفكر الإسلامي، وليس تفصيل هذا من خطتنا، وإنما حسبنا أن نشير إلى الظاهرة وندل عليها في مظانها من كتب الفرق والملل والنحل، كما نشير إلى أن أثر الفرق ليس راجعا إلى موضوعات الجدل بقدر ما هو راجع إلى منهج تناول هذه الموضوعات والهدف المرتبط به.
стр. 6495
٢ - وجود طوائف غير مسلمة في المجتمع الإسلامي:
ضم المجتمع الإسلامي آنذاك فئات شتى، اختلفت اتجاهاتهم، وتباين بمقدار هذا حقدهم على الإسلام، بل وطريقة الكيد له، فلقد كان هناك من دخلوا الإسلام من أصحاب العقائد والحضارات الأخرى، كالفرس الذين دخلوا الإسلام لكنهم لم ينتسبوا إليه إلا بمقدار ما يظهر في سلوكهم الخارجي، أما حقيقة الأمر فقد تجلت في بثهم بين المسلمين كثيرا من أفكارهم القديمة التي تخالف الفهم الإسلامي الصحيح كما في مسألة الجبر مثلا، حيث كانت من البحوث التي طرقها الزرادشتية والمانوية وغيرهم، فقد جاء في كتاب المنية والأمل للمرتضى عن الحسن: «أن رجلا من فارس جاء إلى النبي ﷺ فقال له: رأيت أهل فارس ينكحون بناتهم وأخواتهم، فإن قيل لهم لم تفعلون؟ قالوا: قضاء الله وقدره. فقال ﵇: سيكون في أمتي من يقولون مثل ذلك، وأولئك مجوس أمتي» (١).
стр. 6496
كما تجلت في تسترهم تحت التصوف والتشيع لإيجاد فرق باطنية عرف الفكر الإسلامي خطرها وشرها (١) وخصوصا في مجال تأويل النصوص والخروج بها عن ظاهرها، وقطع الصلة بينها وبين أسباب نزولها تمهيدا لاستغلالها في مكائدهم (٢).
ويقرر ابن حزم الأندلسي أن مكائد الفرس كانت سببا في خروج أكثر الطوائف الغالبة، وبخاصة طوائف الشيعة عن الإسلام، ويرجع ذلك إلى أن زوال دولتهم على أيدي العرب، والفرس كانوا يظنون أنفسهم أحرارا وغيرهم - والعرب منهم - عبيدا، جعلهم يكيدون للإسلام بالمحاربة. . . فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ واستشناع ظلم علي ﵁ ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن الإسلام " (٣) ويذكر ابن حزم الغلاة الذين اتخذوا بهذا كالحلوليين، ومسقطي الشرائع، ومنكري النبوات وغيرهم.
أما اليهود والنصارى فقد شاركوا الفرس وغيرهم في إثارة الشكوك، وبذر بذور الفرقة بين المسلمين، ففكرة الجبر التي تقضي بأن الإنسان مجبور لا إرادة له قيل: إن أول من دعا إليها يهودي بالشام، وتعلمها منه الجعد بن درهم ونشرها بين الناس بالبصرة، وتلقاها عن الجعد الجهم بن صفوان الذي أضاف إلى فكرة الجبر أفكارا أخرى ليست من الإسلام في شيء، وفي صدد الحديث عن الجعد بن درهم يقول صاحب سرح العيون: " تعلم منه الجهم بن صفوان القول الذي نسب إليه الجهمية، وقيل: إن الجعد أخذ ذلك على أبان بن سمعان، وأخذه أبان عن طالوت بن أخت لبيد بن أعصم اليهودي " وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي.
وهذه الرواية لا تنفي إسهام الفرس وغيرهم في بث بذور الفرقة بين
стр. 6497
المسلمين، والشيء نفسه نجده عند النصارى كما يروى، " قيل إن أول من تكلم في القدر رجل من أهل العراق كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، وأخذ عنه معبد الجهني وغيلان الدمشقي.
ومن هذا نرى: أن الفكرة دخيلة في الإسلام، راجت بين المسلمين من عنصر أجنبي دعا إليها باسم الإسلام وهو يضمر غيره (١).
وإلى جانب هذا: كان اليهود يثيرون من الأفكار ما يدعو إلى الرد والمناظرة، فقد شكك أحدهم أهل البصرة في نبوة محمد ﷺ ودعاهم إلى الوقوف عند نبوة موسى فهي الثابتة دون غيرها، الأمر الذي جعل علماء السلف يناظرون هذا اليهودي وغيره ويفحمونهم.
كما ادعى بعضهم أن رسالة محمد إلى العرب خاصة، بل ادعى هذا - وهو عيسى بن يعقوب الأصبهاني - النبوة لنفسه وزعم أن الله كلمه، وأنه أرسل من قبل المسيح المنتظر (٢).
كذلك كان اليهود وراء مشكلات كثيرة مثل مشكلة خلق القرآن، والدعوة إلى فهم النصوص على ظاهرها في مسألة الصفات مما أدى إلى التمثيل والتشبيه (٣).
كذلك كان بعض النصارى يعلمون أتباعهم كيف يجادلون المسلمين بطريقة تشككهم في عقيدتهم كما فعل يوحنا الدمشقي الذي كان يعلم النصارى حوارا " إذا سألك العربي: ما تقول في المسيح؟ فقل: إنه كلمة الله. ثم ليسأل النصراني المسلم: بم سمي المسيح في القرآن؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيب المسلم؛ فإنه سيضطر إلى أن يقول: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (٤) فإذا أجاب بذلك فاسأله عن كلمة الله وروحه مخلوقة أو غير مخلوقة. فإن قال: مخلوقة. فليرد عليه: بأن
стр. 6498
الله كان ولم تكن له كلمة ولا روح، فإن قلت ذلك فستفحم العربي يعني المسلم؛ لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين (١).
وواضح أنها المغالطة التي يرمي من ورائها إلى تراجع المسلم عن عقيدته حول خلق المسيح من جهة، كما يهدف عن طريق المغالطة إلى أن يصل إلى أن المسيح قديم مشارك لله في صفاته (٢)، والمعلوم أن السلف فصلوا في ما يجب لله من كمال يليق به وردوا على نفاة الصفات وعلى غيرهم من الفرق الضالة، والقرآن قد وضح عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم وأنه عبد الله ورسوله.
فإذا أضفنا إلى ذلك إثارتهم لشبه تتعلق بأمور مثل تعدد الزوجات والمحلل، وأضفنا أكاذيبهم حول شخصية الرسول الكريم وسيرته، ومسألة الحجر الأسود، كل هذا يؤكد أثرهم كغيرهم من اليهود والفرس في إثارة جدل تصدى له علماء الكلام أحيانا، كما تصدى له الفقهاء أحيانا أخرى (٣).
стр. 6499
٣ - الاتصال بالثقافات الأخرى:
عامل لا يمكن إغفاله، ونعني به ما سعى المسلمون إلى تحصيله من الأفكار عن طريق الترجمة إلى العربية التي ابتدأت في عهد الأمويين، وقد كان تأثير هذا العامل وسط الجو المضطرب بتيارات وتشكيكات بالغ الأهمية، فقد عرف المسلمون المنطق الأرسطي - وإن كان قبوله لم يكن من جميع المسلمين في درجة واحدة؛ بل حورب من البعض واستخدموه في صياغة البراهين والأدلة إلى جانب طرقهم الإسلامية في الاستدلال.
كما عرفوا مصطلحات جديدة من الفلسفة الطبيعية كالجواهر والأعراض والأجسام والحركة والزمان وغيرها.
وإذا كانت الترجمة واتصال الثقافة الإسلامية بغيرها قد أحدثت اضطرابا وجدلا في باب المصطلح، وفي باب المنهج في الاستدلال، فإن
стр. 6500
الخطر الحقيقي يكمن فيما دس من أفكار عن طريق الترجمة، استهدفت نشر عقائد الفرس والمجوس وتقديم ما يطعن في الإسلام.
وقد وضح هذا في كتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه عبد الله بن المقفع (١٣٩ هـ)؛ ليكون لهوا في الظاهر، وتسلية للخواص والعوام باعتباره متحدثا عن الأخلاق والآداب على ألسنة الحيوانات والطير، ويكون تثقيفا في حقيقته للخاصة أكثر، حيث أضيف إليه في العربية باب يسمى "باب برزويه " ليس منه في الأصل الهندي، بل هو زائد عليه، وكان مكتوبا بالفارسية، وهذا الباب به إثارة للبلبلة والاضطراب حيث يشكك في إمكان الوصول إلى الحق الذي يقنع العقل ويزيل الحيرة (١).
وفي نهاية المطاف يقول برزويه: " فحينئذ - بعد استعراضه لكثير من الآمال التي تصبح سرابا - صار أمري إلى الرضا بحالي وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي، لعلي أصادف في باقي أيامي زمانا أصيب فيه دليلا على هذه الحال " (٢).
وإذا كان ما سبق يشكك في أحقية الإسلام بالخاتمية لوفائه بحاجات الناس وتقديم الأمن لهم، فإن اسم المقفع نفسه قد نسب إليه أنه ألف معارضات للقرآن، أراد بها أن يطعن في إعجاز القرآن والتحدي الذي وجهه الله إلى الإنس والجن، حيث أخبر الله - سبحانه - أن الإنس والجن يعجزون عن الإتيان بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (٣).
فإذا عرف العرب هذا عن طريق الترجمة، فإن كثيرا من الذين لا يملكون القدرة على التحليل والتعقل، كانوا هدفا لسهام الزنادقة الذين وجدوا في هذه الأفكار وغيرها من فلسفات اليونان حبائل للشر، يتصيدون بها من عبدوا الله على حرف ومن على شاكلتهم من الضعفاء والمترددين.
стр. 6501
ولا تقتصر أثر الترجمة على العوام، بل كان أكبر أثره على المتجادلين في العقائد، حيث وجد كل منهم سندا لكلامه في استخدام الجدل والمنطق لإفحام خصومه.
وقد انحرف هذا الجدل مما جعله لمجرد الغلبة والانتصار كما يقول الشيخ أبو حامد الإسفرائيني الذي يرويه أبو حيان التوحيدي.
قال التوحيدي: سمعت الشيخ أبا حامد يقول: " لا تعلق كثيرا ما تسمع مني في مجالس الجدل؛ فإن الكلام يجري فيها على ختل الخصم ومغالطته ودفعه ومغالبته، فلسنا نتكلم لوجه الله خالصا، ولو أردنا ذلك لكان خطونا إلى الصمت أسرع من تطاولنا في الكلام " (١).
ومثله قول ابن قتيبة حين وصف الجدلي النفعي في زمانه فقال: " كان طالب العلم فيما مضى يسمع ليتعلم، ويعلم ليعمل، ويتفقه في دين الله لينتفع وينفع، وقد صار الآن يسمع ليجمع، ويجمع ليذكر، ويحفظ ليغالب ويفخر " (٢).
стр. 6502
عصر الجدل والمناظرات:
لعل ما ذكرنا من العوامل يشير إلى أن حركة فكرية واسعة النطاق وعميقة الأثر كانت تظل الفكر الإسلامي في عصر الفقهاء، وأن جو الجدل والمناظرات كان سمة هذا الفكر آنذاك، ولم يكن الهدف من وراء هذا النشاط الفكري إلا خدمة العقيدة الإسلامية، وذلك ببيان حقيقتها والرد على شبهات أهل الأهواء والبدع، ولذا اشترك فيه كل من يعنيه انتصار هذه العقيدة، اشترك فيه المعتزلة وناظروا كثيرا من أهل الأهواء والبدع، بل وألفوا كتبا مستقلة للرد على الملاحدة، ويفتخر المعتزلة بذلك. فالخياط صاحب
стр. 6503
الانتصار يقول: " هل على الأرض أحد رد على الدهريين سوى المعتزلة كإبراهيم النظام، وأبي الهذيل ومعمر، والأسواري وأشباههم؟ وهل عرف أحد صحيح التوحيد واحتج لذلك بالحجج الواضحة، وألف فيه الكتب الواضحة، ورد فيه على أصناف الملحدين من الدهريين والثنوية سواهم ".
ولسنا بصدد الحكم على صواب المعتزلة أو خطئهم، ولكنا فقط نشير إلى أن العصر اقتضت طبيعة الفكر فيه نشاطا من هذا الصنف.
وقد خاض الفقهاء غمار هذه الحركة في الرد على الدهرية وغيرهم، فأبو حنيفة يجادل الدهرية ويوجههم إلى ضرورة الإيمان بمنشئ هذا العالم: " ما تقولون في رجل يقول لكم: إني رأيت سفينة مشحونة، مملوءة بالأمتعة والأحمال، قد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي من بينها تجري مستوية ليس فيها ملاح يجريها ويقودها، ولا متعهد يدفعها ويسوقها، هل يجوز ذلك في العقل؟ فقالوا: لا. هذا شيء لا يقبله العقل، ولا يجيزه الوهم. فقال أبو حنيفة ﵀: فيا سبحان الله، إذا لم يجز في العقل وجود سفينة مستوية من غير متعهد ولا مجر، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها. وتغير أمورها وأعمالها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ومحدث لها؟ " (١).
وقد ضاع من تراث المسلمين كثير من المناظرات والردود، لكن بعض الكتب الموثقة حفظت لنا صورا من مجادلات بين أهل السنة وبين أهل الجبر أو القدر، وعلى فرض أن ما يحكيه ابن القيم من مناظرة بين سني وجبري، ومناظرة بين سني وقدري، على فرض أنه تصوره هو، فإن الواقع من خلال ما مر من عوامل يشهد بوجود مثل هذه المناظرات، وإن لم تصلنا حرصا من الاتجاه السني على عقيدة المسلمين الحقة وفق منهج القرآن والسنة.
стр. 6504
وهذا جزء من مناظرة بين جبري وسني:
- قال الجبري: القول بالجبر لازم لصحة التوحيد، ولا يستقيم التوحيد إلا به، لأننا إن لم نقل بالجبر أثبتنا فاعلا للحوادث غير الله مع الله، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وهذا شرك لا يخلص منه إلا القول بالجبر.
وقال السني: بل القول بالجبر مناف للتوحيد، فهو مناف للشرائع ودعوة الرسل والثواب والعقاب، فلو صح الجبر لبطلت الشرائع، ولبطل الأمر والنهي، ويلزم من بطلان الثواب والعقاب (١).
ويستمر الجدال بينهما مؤكدا ما يهدف إليه كل من الطرفين، وكذلك الأمر فيما ذكره ابن القيم بين سني وقدري. وإذا كان هذا الجدول في باب العقائد، فقد كان للفقهاء مناظراتهم في باب الفقه وفي مواسم الحج، وكانت مجادلات الفقهاء أخصب وأعم خيرا، وأكثر إنتاجا من مجادلات الفرق المختلفة، وإذا كان هذا لا ينفي ما وجد من جدل تعصب فيه كل لموطنه البصرة أو الكوفة، وفي ذلك ما فيه من لجج وخصومة (٢).
ويصور الشيخ أبو زهرة حالة العصر الذي نحن بصدده فيقول: " والعصر كان عصر مناظرات وجدل، فمناظرات شديدة اللجب، قوية الأثر بين الفرق المختلفة وبين الشيعة والجماعة، وبين الخوارج وغيرهم، وبين أهل الأهواء جملة، وبين المعتزلة والمدافعين عن الآراء الإسلامية والعقيدة السليمة القوية، يرحل العلماء لأجل هذه المناظرات، وقد رأيت أن أبا حنيفة قد رحل إلى البصرة نحو اثنتين وعشرين مرة لأجل مناظرة الفرق الكثيرة المختلفة (٣).
وقد ارتبط بهذا الجو بعض المظاهر العلمية التي بقيت وأثرت في الفكر الإسلامي بين أخذ ورد، أعني وجود علم الكلام بمدارسه المختلفة والكتب التي ألفت في العقائد والنحل. وسنفرد كلا بكلمة وجيزة.
стр. 6505
علم التوحيد والتأليف في قضاياه:
لا نريد أن نؤرخ لهذا العلم وأن نتتبع مراحله وقضاياه، ولكنا نعني هنا بالدرجة الأولى ببيان نقاط تربط بين هذا العلم وبين العوامل السابقة التي أنتجته خلاصة أو جماعا للجدل الذي دار في القرنين الثاني والثالث الهجريين ونكتفي من النقاط بما يلي:
أ - أن وجود هذا العلم ناتج عن العوامل السابقة إنما هو مظهر من مظاهر الاهتمام بالعقيدة الإسلامية فهما واستدلالا ودفاعا ضد الهجمات التي أشرنا إليها سابقا، ويتضح هذا حين نتذكر كيف أن جذور القضايا التي أثارتها الفرق موجودة في القرآن بدعوته إلى النظر والاستدلال، ورده على المشركين ومثيري الشبهات، مع تذكرنا أن الفرق بالغت فأضفت إلى أصول القضايا فروعا نأت بها عن خدمة الأصول غالبا، وحتى المعتزلة الذين هوجم علم الكلام من قبلهم كانوا يتفيون الأصول إلى الحق بمنهج غلب على ظنهم أنه الصواب في خدمة العقيدة وإثبات التوحيد دون لبس أو غموض لكن المعتزلة لما أن خاضوا في علم الكلام تولد عن خوضهم العديد من الشبهات التي أدت بهم وبغيرهم إلى التوقف والحيرة والشك في الاعتقاد.
وإن نظرة إلى تعريف هذا العلم تكفي في تأكيد ما أشرنا إليه، وقد عرف بتعريفات عديدة نذكر منها: تعريف الفارابي (٣٩٩ هـ) والذي يقول فيه: " وصناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال،. . . التي صرح بها واضع الملة (الرسول) وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل " (١).
وتعريف ابن خلدون (٨٠٨) الذي يقول فيه: " هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة " (٢).
стр. 6506
والمسائل التي يهتم بها هذا العلم تؤكد ما نذهب إليه من كونه مظهرا من مظاهر الاهتمام بالتوحيد (توحيد الربوبية) بصرف النظر عما لحقه في بعض مراحله ومناهجه من أخطاء، فقد ذكر بعض الباحثين أن موضوعاته أربعة هي:
١ - دراسة العقائد الدينية، أو ما يسمى بأصول الدين، ويشمل الإلهيات والنبوات والسمعيات.
٢ - مجادلة المخالفين للعقائد الدينية والرد عليهم وإبطال أدلتهم وبراهينهم.
٣ - علم النظر أو المنطق نظرا للحاجة إليه لمجادلة الخصوم.
٤ - موضع الإمامة (١).
وهذه الأربعة هي التي فصلها الخوارزمي في اثنتي عشرة مسألة، هي:
١ - حدوث الأجسام للرد على الدهريين القائلين بقدم الدهر.
٢ - إثبات أن للعالم محدثا هو الله سبحانه.
٣ - وأنه واحد للرد على الثنوية والمثلثة من المجوس والزنادقة والنصارى.
٤ - وأنه لا يشبهه شيء للرد على المشبهة والممثلة.
٥ - الكلام في الرؤية ونفيها وإثباتها.
٦ - الكلام في الصفات للرد على المعطلة.
٧، ٨ - الكلام في أفعال العباد وأنه سبحانه يخلقها وأنه يريدها.
٩ - حكم مرتكب الكبيرة وصلة هذا بماهية الإيمان.
١٠ - الدلالة على النبوة بصفة عامة للرد على المبطلين.
١١ - الدلالة على نبوة سيدنا محمد ﷺ .
стр. 6507
١٢ - القول في الإمامة (١).
ب - أن الفرق بمغالاتها في تأصيل الاختلاف بين بعضهم البعض قد أخرجت هذا العلم من مكانته التي كانت له حين كان نتاجا طبيعيا لظروف اقتضته خدمة للعقيدة الإسلامية، بل وجرت عليه خصومات الفقهاء والمحدثين والصوفية الأوائل وعامة السلف الصالح، وحق للناقدين لهذا العلم أن يتهموه بالخروج عن مهمته حيث تحول الجهد الذي كان مبذولا للرد على المخالفين إلى مناظرات بين الفرق حول إثبات أفضلية أصول كل على الآخرين.
وحيث أصبح هم كل فرقة أن تنتصر لرأيها وإثبات بطلان رأي غيرها، الأمر الذي أفقد نتائج مناظراتهم العمق واليقين القلبي. وإلى جانب ذلك فقد دفعتهم المغالاة - كما سبق أن أشرنا - إلى التناقض وإلى مصادمة نصوص صريحة تقضي بخلاف ما يقولون به (٢).
وإذا كان علماء الكلام قد دافعوا عن ما وجه إليهم من مآخذ، بل وشاركهم في هذا الدفاع بعض الفلاسفة الذين اعتبروا دور علماء الكلام كدور الجنود في حماية الدين والوطن. أقول: إذا كان هذا قد حدث فإن دفاع علماء الكلام عن أنفسهم لم يكن مقنعا بدرجة كافية، وأن هؤلاء لا يستطيعون أن ينكروا ما وقع فيه بعض علماء الكلام من انقسام ترتبت عليه آثار ضارة كالتعصب والتقليد (تقليد كل فرقة لأشياخها في كل ما يقولون به في الغالب) والتكفير، والجدل الكريه، وما أدى إليه من عدم كفاية هذا العلم سبيلا إلى الإيمان واليقين، وهذه كلها أمور لا يجد علماء الكلام ردا مقنعا أو إجابة يسهل قبولها " (٣).
ب - أننا ونحن نهتم بقضية التوحيد وسط تيارات الإلحاد المعاصرة يمكننا أن نفيد من الخير الذي بدأ به هذا العلم متجاوزين أخطاءه حذرين منها؛ لأن حاجتنا الآن في تقديم العقيدة الإسلامية بلغة واضحة وأدلة مقنعة،
стр. 6508
وحاجتنا - إلى تفهم كيف نجادل الملحدين ومثيري الشبهات، هذا كله يجعلنا نستفيد من بعض ما جاء في هذا العلم بعيدا عن الغلو وعدوى التعصب البغيض للرأي ".
وعلينا أن نتذكر أن هذا العلم كان من أبرز مدارسه المعتزلة الذين غالوا في قيمة العقل وبالغوا في تقدير الحرية الإنسانية، فجلبوا على العلم ذاته هجوما من أهل السنة والجماعة، حتى إن بعض العلماء يقول: " إن الفقهاء مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد حين يذمون علم الكلام إنما يقصدون المعتزلة في المقام الأول " (١) وكان منهم أبو الحسن الأشعري ﵀ ثم رجع عن مذهبهم وخالفهم في أمور كثيرة، ورد على باطلهم بما عرف فيما بعد بمذهب الأشعري، وتبعه جماعة في مذهبه الجديد على ما فيه من أخطاء تخالف مذهب أهل السنة والجماعة، ومن أشهرهم إمام الحرمين، ثم رجع أبو الحسن في آخر حياته عن مذهبه، وقال بقول أهل السنة في غالب ما خالف فيه وألف كتابيه - الإبانة ومقالات الإسلاميين - وبقي أتباعه يناصرون مذهبه الذي رجع عنه.
стр. 6509
آثار هذه المرحلة:
بعد أن ألمحنا بالظروف الفكرية للعصر الذي نتحدث عنه: يمكننا أن نوجز الآثار الفكرية فيما يلي:
أولا: دخل ميدان البحث في العقائد ومجادلة الخصوم من عرف عنهم كراهيتهم لهذا اللون من الفكر أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، كما يتضح من خلال مؤلفاتهم التي ذكرناها سابقا، والأمثلة التي ذكرناها من مناظرة أبي حنيفة للدهريين.
стр. 6510
ولئن كان ما قدمه ابن القيم عن المناظرة بين سني وجبري، أو سني وقدري متأخرا في الزمن من حيث التأليف، فإنه يصور المرحلة التي نتحدث عنها وإن سبقت ابن القيم.
وما كان لفقهاء السلف أن يصمتوا والجدل دائر حولهم في مجال هم يرون الفقه فيه هو الفقه الأكبر، أعني مجال العقيدة، ولذلك دخلوا بقدر وحذر، وهدفهم الحفاظ على عقيدة السلف الصالح ببيانها في مقابل شطط الفرق وغلو المتطرفين.
ثانيا: وجد الاهتمام ببحوث العقائد في علم استقل عن غيره من العلوم كما وضح هذا من تعريفه وموضوعاته، وقد بدأ هذا العلم - كما ذكرنا - أصيلا ويهدف إلى غاية نبيلة. غير أن الفرق حادت به عن الصراط في كثير من بحوثها داخله. حيث المغالاة والانحراف بالجدل إلى ما لا يحبه الله.
ثالثا: ألفت كتب في عقائد الفرق، كل فرقة حرصت على أن تثبت أصولها لتعلمها للناس من جهة، ولترويها على غيرها من جهة أخرى، كما فعلت المعتزلة في " الأصول الخمسة " والانتصار، وغير هذا كثير.
رابعا: وسط هذا الجو المفعم بالجدل، والمهتم بتأصيل الأصول حتى ولو كانت تخالف المنهاج القرآني، وسط هذا كان على علماء السلف فرضا ضروريا أن يقدموا المعتقد السليم للناس مواجهة للتطرف، وحرصا على هذه الأمة التي حفظ الله لها أصول دينها، وقيض لها حماة مخلصين، فكانت المؤلفات التي أثارت سؤال سبب الاهتمام، والاطلاع على منهجها يظهر تعاضد جهود الفقهاء وأهل الحديث في هذا الباب.
ولعلنا من خلال ما قدمنا نكون قد أظهرنا أن ما أنتجته هذه المرحلة من اهتمام العلماء بالعقيدة السلفية كان مسوغا وضروريا من الوجهة العلمية، وهذا نفسه ينطبق على المرحلة الثانية التي يجب أن نعالجها كنقطة هامة تكمل الإجابة على السؤال المطروح.
стр. 6511
المرحلة الثانية:
قد أنتجت المرحلة الأولى في قرنيها الثاني والثالث الهجريين اهتماما امتد حتى القرن الخامس الهجري، ولعله وضح من خلال المؤلفات التي أشرنا إليها في أول هذا البحث. ثم أصيب العالم الإسلامي بموجة تشبه الموجة التي كانت في عصر الجدل والمناظرات؛ من حيث سوء الحال في السياسة والاجتماع، وتفرق الناس في العقيدة فرقا وأحزابا، حتى إذا جاء عصر شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) وجدنا الحال أسوأ من سابقتها الأمر الذي جعل المعركة شديدة في نفسه بين ما علم وما يرى في عصره من ظلمة شديدة وفساد في كل نواحيه.
رأى في ماضي الإسلام عزة واتحادا، وفي حاضره ذلة وانقساما، فتقدم الرجل ليصلح وليداوي. وقد جاء الدواء بأيسر كلفة، ووجد هذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها.
ولو فتشت عن البواعث التي بعثت ذلك العالم التقي على المجاهرة بآراء معينة، لوجدت أن الذي بعث على هذه المجاهرة عيب في الزمان في الفكر، أو في العمل، أو فيهما معا (١).
وإذا كانت هذه العبارة تمثل وصفا مجملا للعصر الذي تشير إليه، فإن كتب التاريخ فصلت القول في مظاهر الخلل التي استدعت بالضرورة اهتمام المخلصين بإنقاذ هذه الأمة بتنقية عقيدتها مما شابها.
وهاهي ذي بعض مظاهر الفساد آنذاك.
أولا: ذبول الحس الإسلامي: وهذا يفقد الناس حميتهم الإسلامية وارتباطهم بأحكامه، واستعدادهم للتضحية في سبيل نصرته، وقد تجلى هذا الأمر في صور نذكر منها:
١ - فساد عقائد الناس وإيمانهم بفرضية الجهاد، حتى أن بعض
стр. 6512
المسلمين كان يناصر التتار ويؤذي الجنود المسلمين، ويذكر ابن كثير في حوادث سنة (٧٠٠ هـ) هذا الأمر فيقول: " وفي شوال فيها عرفت جماعة ممن كان يلوذ بالتتر ويؤذي المسلمين، وشنق منهم طائفة، وسمر آخرون، وكحل بعضهم، وقطعت ألسن، وجرت أمور كثيرة. . . . . . . . .
وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية [يشير إلى جبال الجرد وكسراوات] بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم، وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتار وهربوا حين اجتازوا ببلادهم وثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم وخيولهم، وقتلوا كثيرا منهم، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤوسهم إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستتابهم وبين لكثير منهم الصواب، وحصل بذلك خير كثير (١).
٢ - تدخل بعض السياسيين بالفتوى فيما لا يعلمه، يذكر ابن كثير في حوادث سنة تسع وسبعمائة: أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون جمع العلماء في مجلسه وسألهم فيما قاله ابن الخليلي وزيرهم في شأن إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيضاء لقاء أن يدفعوا للديوان سبعمائة ألف في كل سنة، ولم يتكلم الحاضرون، وكان من بينهم قضاة وعلماء، لكن ابن تيمية انبرى للسلطان مبينا له خطأ هذا التصرف قائلا: حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ رد ملكك إليك وكبت عدوك ونصرك على أعدائك (٢) وفي هذا الأمر ما فيه دلالة على طلب الدنيا وتدل رفعة الإسلام من الوزير، ودلالة على موقف بعض العلماء بالسكوت، إيثارا للسلامة، في مقابل الحق دون خشية لمخلوق.
٣ - تجرؤ بعض النصارى على رسول الإسلام، إذ أن رجلا يدعى عساف النصراني قد سب رسول الله ﷺ وحين علم العلماء بذلك، ومنهم:
стр. 6513
ابن تيمية حرضوا الناس عليه وعلى من استجار به، فأطلق الناس عليهما الحجارة، وقد استدعي ابن تيمية والشيخ الفاروقي، وضربا نتيجة لهذا، وقد كانت هذه الواقعة سببا في أن كتب ابن تيمية (الصارم المسلول على شاتم الرسول) (١) فانظر إلى أي حد هان على الناس أمر إسلامهم.
стр. 6514
ثانيا: فساد المعتقدات: ونعني بهذا المظهر من مظاهر الخلل أن بعض الناس فقدوا تقدير المصادر الإسلامية كالكتاب والسنة، كما بلغ الاستهتار حدا تمثل في ادعاء المهدية وادعاء النبوة وبعض الغلو الفاحش في أمور العقيدة لدى بعض الطوائف، مثل: الصوفية آنذاك.
ويمكن أن نقدم دليلا على هذا المظهر بعض الأحداث التي سجلها لنا التاريخ، منها:
١ - قتل رجل لكفره واستهتاره بآيات الله، والاستهانة بالنبوة. ففي حوادث سنة (٧٢٦ هـ) يذكر ابن كثير " وفي يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول بكرة ضربت عنق ناصر بن الشرف أبي الفضل بن إسماعيل بن الهيثمي بسوق الخيل على كفره واستهانته واستهتاره بآيات الله، وصحبته الزنادقة كالنجم بن خلكان، والشمس محمد الباجريقي، وابن المعمار البغدادي، وكل فيهم انحلال وزندقة مشهور بها بين الناس.
قال الشيخ علم الدين البرزالي: وبما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر والتلاعب بدين الإسلام، والاستهانة بالنبوة والقران (١).
٢ - ادعاء المهدية وتبديل الشهادتين، حدث هذا عام (٧١٧ هـ) حين خرجت النصيرية عن الطاعة وكان بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدعى علي بن أبي طالب فاطر السماوات والأرض، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وخرج يكفر المسلمين، وأن النصيرية على حق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار لنصيرية الضلال، وعين لكل إنسان منهم
стр. 6515
تقدمة ألف، وبلاد كثيرة ونيابات. وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلوا خلقا من أهلها، وخرجوا منها يقولون: لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان وسبوا الشيخين، وصاح أهل البلد، واإسلاماه، واسلطاناه، واأميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله " (١).
فانظر كم انقلبت الأوضاع، من أفتى العلماء بكفرهم يعلنون أن منهم المهدي ولكن أقوالهم وأفعالهم تشهد أنهم أبعد أهل عصرهم عن دين الله الإسلام.
٣ - قتل شخص يدعي النبوة، ففي سنة عشرين وسبعمائة للهجرة حدث أن ضربت عنق شخص يقال له: عبد الله الرومي، وكان غلاما لبعض التجار، وكان قد لزم الجامع، ثم ادعى النبوة واستتيب فلم يرجع فضربت عنقه، وكان أشقر أزرق العينين جاهلا، وكان قد خالطه شيطان حسن له ذلك، واضطرب عقله في نفس الأمر، وهو في نفسه شيطان إنسي (٢).
٤ - الصوفية وغلوهم: لقد كان لابن تيمية مع صوفية عصره مواقف قاسى فيها منهم الكثير، فلقد ادعى عليه صوفية القاهرة ما لم يقله في أمور الشفاعة وابن عربي وشكوه إلى القاضي، ونتج عن هذا أنه خير بين السفر إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، ثم سافر إلى دمشق بعد ذلك (٣).
على أن هذه المكائد من الصوفية لابن تيمية لم تكن إلا لأنه أظهر لهم فساد عقائدهم وما يلبسون به على الناس، ففي سنة (٧٥٥ هـ) كان له مع أصحاب الطريقة الأحمدية موقف، إذ طلبوا من نائب السلطنة أن يتركهم ابن تيمية وحالهم ودجلهم على الناس بدخول النار. ولكن شيخ الإسلام أصر على أن كل حال لا بد أن تدخل تحت الكتاب والسنة، وأظهر للناس خطأ فهمهم،