المرحلة الثانية:
قد أنتجت المرحلة الأولى في قرنيها الثاني والثالث الهجريين اهتماما امتد حتى القرن الخامس الهجري، ولعله وضح من خلال المؤلفات التي أشرنا إليها في أول هذا البحث. ثم أصيب العالم الإسلامي بموجة تشبه الموجة التي كانت في عصر الجدل والمناظرات؛ من حيث سوء الحال في السياسة والاجتماع، وتفرق الناس في العقيدة فرقا وأحزابا، حتى إذا جاء عصر شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) وجدنا الحال أسوأ من سابقتها الأمر الذي جعل المعركة شديدة في نفسه بين ما علم وما يرى في عصره من ظلمة شديدة وفساد في كل نواحيه.
رأى في ماضي الإسلام عزة واتحادا، وفي حاضره ذلة وانقساما، فتقدم الرجل ليصلح وليداوي. وقد جاء الدواء بأيسر كلفة، ووجد هذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها.
ولو فتشت عن البواعث التي بعثت ذلك العالم التقي على المجاهرة بآراء معينة، لوجدت أن الذي بعث على هذه المجاهرة عيب في الزمان في الفكر، أو في العمل، أو فيهما معا (١).
وإذا كانت هذه العبارة تمثل وصفا مجملا للعصر الذي تشير إليه، فإن كتب التاريخ فصلت القول في مظاهر الخلل التي استدعت بالضرورة اهتمام المخلصين بإنقاذ هذه الأمة بتنقية عقيدتها مما شابها.
وهاهي ذي بعض مظاهر الفساد آنذاك.
أولا: ذبول الحس الإسلامي: وهذا يفقد الناس حميتهم الإسلامية وارتباطهم بأحكامه، واستعدادهم للتضحية في سبيل نصرته، وقد تجلى هذا الأمر في صور نذكر منها:
١ - فساد عقائد الناس وإيمانهم بفرضية الجهاد، حتى أن بعض
стр. 6512
المسلمين كان يناصر التتار ويؤذي الجنود المسلمين، ويذكر ابن كثير في حوادث سنة (٧٠٠ هـ) هذا الأمر فيقول: " وفي شوال فيها عرفت جماعة ممن كان يلوذ بالتتر ويؤذي المسلمين، وشنق منهم طائفة، وسمر آخرون، وكحل بعضهم، وقطعت ألسن، وجرت أمور كثيرة. . . . . . . . .
وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية [يشير إلى جبال الجرد وكسراوات] بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم، وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتار وهربوا حين اجتازوا ببلادهم وثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم وخيولهم، وقتلوا كثيرا منهم، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤوسهم إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستتابهم وبين لكثير منهم الصواب، وحصل بذلك خير كثير (١).
٢ - تدخل بعض السياسيين بالفتوى فيما لا يعلمه، يذكر ابن كثير في حوادث سنة تسع وسبعمائة: أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون جمع العلماء في مجلسه وسألهم فيما قاله ابن الخليلي وزيرهم في شأن إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيضاء لقاء أن يدفعوا للديوان سبعمائة ألف في كل سنة، ولم يتكلم الحاضرون، وكان من بينهم قضاة وعلماء، لكن ابن تيمية انبرى للسلطان مبينا له خطأ هذا التصرف قائلا: حاشاك أن يكون أول مجلس جلسته في أبهة الملك تنصر فيه أهل الذمة لأجل حطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ رد ملكك إليك وكبت عدوك ونصرك على أعدائك (٢) وفي هذا الأمر ما فيه دلالة على طلب الدنيا وتدل رفعة الإسلام من الوزير، ودلالة على موقف بعض العلماء بالسكوت، إيثارا للسلامة، في مقابل الحق دون خشية لمخلوق.
٣ - تجرؤ بعض النصارى على رسول الإسلام، إذ أن رجلا يدعى عساف النصراني قد سب رسول الله ﷺ وحين علم العلماء بذلك، ومنهم:
стр. 6513
ابن تيمية حرضوا الناس عليه وعلى من استجار به، فأطلق الناس عليهما الحجارة، وقد استدعي ابن تيمية والشيخ الفاروقي، وضربا نتيجة لهذا، وقد كانت هذه الواقعة سببا في أن كتب ابن تيمية (الصارم المسلول على شاتم الرسول) (١) فانظر إلى أي حد هان على الناس أمر إسلامهم.
стр. 6514
ثانيا: فساد المعتقدات: ونعني بهذا المظهر من مظاهر الخلل أن بعض الناس فقدوا تقدير المصادر الإسلامية كالكتاب والسنة، كما بلغ الاستهتار حدا تمثل في ادعاء المهدية وادعاء النبوة وبعض الغلو الفاحش في أمور العقيدة لدى بعض الطوائف، مثل: الصوفية آنذاك.
ويمكن أن نقدم دليلا على هذا المظهر بعض الأحداث التي سجلها لنا التاريخ، منها:
١ - قتل رجل لكفره واستهتاره بآيات الله، والاستهانة بالنبوة. ففي حوادث سنة (٧٢٦ هـ) يذكر ابن كثير " وفي يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول بكرة ضربت عنق ناصر بن الشرف أبي الفضل بن إسماعيل بن الهيثمي بسوق الخيل على كفره واستهانته واستهتاره بآيات الله، وصحبته الزنادقة كالنجم بن خلكان، والشمس محمد الباجريقي، وابن المعمار البغدادي، وكل فيهم انحلال وزندقة مشهور بها بين الناس.
قال الشيخ علم الدين البرزالي: وبما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر والتلاعب بدين الإسلام، والاستهانة بالنبوة والقران (١).
٢ - ادعاء المهدية وتبديل الشهادتين، حدث هذا عام (٧١٧ هـ) حين خرجت النصيرية عن الطاعة وكان بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، وتارة يدعى علي بن أبي طالب فاطر السماوات والأرض، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وخرج يكفر المسلمين، وأن النصيرية على حق، واحتوى هذا الرجل على عقول كثير من كبار لنصيرية الضلال، وعين لكل إنسان منهم
стр. 6515
تقدمة ألف، وبلاد كثيرة ونيابات. وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلوا خلقا من أهلها، وخرجوا منها يقولون: لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان وسبوا الشيخين، وصاح أهل البلد، واإسلاماه، واسلطاناه، واأميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله " (١).
فانظر كم انقلبت الأوضاع، من أفتى العلماء بكفرهم يعلنون أن منهم المهدي ولكن أقوالهم وأفعالهم تشهد أنهم أبعد أهل عصرهم عن دين الله الإسلام.
٣ - قتل شخص يدعي النبوة، ففي سنة عشرين وسبعمائة للهجرة حدث أن ضربت عنق شخص يقال له: عبد الله الرومي، وكان غلاما لبعض التجار، وكان قد لزم الجامع، ثم ادعى النبوة واستتيب فلم يرجع فضربت عنقه، وكان أشقر أزرق العينين جاهلا، وكان قد خالطه شيطان حسن له ذلك، واضطرب عقله في نفس الأمر، وهو في نفسه شيطان إنسي (٢).
٤ - الصوفية وغلوهم: لقد كان لابن تيمية مع صوفية عصره مواقف قاسى فيها منهم الكثير، فلقد ادعى عليه صوفية القاهرة ما لم يقله في أمور الشفاعة وابن عربي وشكوه إلى القاضي، ونتج عن هذا أنه خير بين السفر إلى دمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، ثم سافر إلى دمشق بعد ذلك (٣).
على أن هذه المكائد من الصوفية لابن تيمية لم تكن إلا لأنه أظهر لهم فساد عقائدهم وما يلبسون به على الناس، ففي سنة (٧٥٥ هـ) كان له مع أصحاب الطريقة الأحمدية موقف، إذ طلبوا من نائب السلطنة أن يتركهم ابن تيمية وحالهم ودجلهم على الناس بدخول النار. ولكن شيخ الإسلام أصر على أن كل حال لا بد أن تدخل تحت الكتاب والسنة، وأظهر للناس خطأ فهمهم،
стр. 6516
وجانب الرجل في سلوك هؤلاء الصوفية، وقد استعدى هؤلاء الصوفية بعض الحاقدين على شيخ الإسلام فاتهموه بآراء في العقيدة تخالف منهج السلف، وحكموا فيه خصومه وساقوه إلى الحبس (١)، ولكنه لم يكف عن بيان الحق لهم ولغيرهم، وما كان هذا ليمنعه عن أداء رسالته، فقد التقى بصوفي في القاهرة يدعى إبراهيم القطان، وكان مخالفا للسنة في مظهره، وكان يأكل الحشيشة التي تغيب العقل، فأرشده ابن تيمية إلى الحق، ونهاه عن كل المخالفات حتى يتعرض لفضل الله ورحمته، وغير هذا كثيرون ممن تظهر أقوالهم وأعمالهم فساد المعتقد، أو غش الأمة والتلبيس على أهلها، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 6517
ثالثا: انتشار الفساد بين العلماء:
ذلك أن هذا العصر ضم اتجاهات مختلفة يغلب على معظمها التقليد للسابقين، وبخاصة في العقائد، الأمر الذي يظهر في بعض الشروح التي وصلت إلينا من هذا العصر (١) لكن هذا لم يمنع من وجود بعض الفلاسفة، وأصحاب النزعة الفلسفية، فما التصوف بما تحويه من اعتقادات مخالفة لعقيدة السلف الصالح، وهذا وذاك كان لهما الأثر في وجود بعض الانحرافات في سيرة العلماء وموقفهم من الإصلاح والدعوة إلى تنقية العقيدة مما شابها من بدع وأهواء، ولكن أقسى شيء في هذه الانحرافات هي أن يتدنى العلماء إلى مغبة المكائد لبعضهم طلبا للجاه والسلطان، وما ذلك إلا لأن بعض العلماء كان خادما لاتجاه سياسي علا أو هبط، وهذه بعض مظاهر الفساد في الموضع الذي يرجى منه الإصلاح.
١ - فقد امتحن ابن تيمية من جماعة من الفقهاء حين أشاعوا غير الحق عن كلامه لأهل حماة في العقائد المسمى بالعقيدة الحموية، ولما أراد ابن تيمية أن يناظرهم وأرسل لهم الأمير هربوا ولم يحضروا، وظل الأمر كذلك حتى عقد ابن تيمية مجلسه يوم الجمعة عند جماعة من الفضلاء وبحثوا في
стр. 6518
الحموية وناقشوه فيها، فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير (١).
فانظر كيف يشيع العلماء وهم أهل الحق باطلا؛ لينالوا به من عالم ظنوه يزاحمهم على الدنيا، والرجل من هذا الأمر براء، كما تشهد سيرته ومحنته.
فإذا أضفنا إلى هذا ما سجله ابن كثير في حوادث عام (٧٠١ هـ) كانت النكبة أشد فيما وصل إليه العلماء، وفي هذا الشهر (شوال) ثار جماعة من الحسدة على الشيخ تقي الدين بن تيمية، وشكوا منه أنه يقيم الحدود، ويعزر ويحلق رؤوس الصبيان، وتكلم هو أيضا فيمن يشكو منه ذلك، وبين خطأهم، ثم سكنت الأمور (٢).
٢ - ولو كان الأمر يقف عند حد الاتهام لهان الأمر إذ يمكن أن يقال: إنه داخل في باب الاجتهاد الذي يخطئ صاحبه، أما أن يصل الكيد إلى حد التزييف والكذب، فهذا هو الخطر الحقيقي، وقد حدث ذلك في سنة (٧٢٦ هـ) عندما سئل ابن تيمية من عالمين عن مضمون قوله في مسألة زيارة القبور فكتب ذلك في درج، فكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية إلى أن قال: وإنما المحز جعله زيارة قبر النبي ﷺ وقبور الأنبياء - صلوات الله عليهم - معصية بالإجماع مقطوعا بها.
ويقول ابن كثير معلقا: " فانظر الآن على هذا التحريف على شيخ الإسلام ويحكي حقيقة قوله، وأن كتبه تفيض بغير ما حرفوا، وفهمه لم يكن ليصل إلى ما اتهموه به من قوله: الإجماع على معصية هذا " (٣).
٣ - الإفتاء بغير علم، وكان من آفة الفساد في العلماء أن يتكلم بعضهم فيما لا علم له به، فابن زهرة المغربي اقترف هذا الفساد سنة (٧١٢ هـ)، فطيف به في دمشق وهو مكشوف الرأس، ووجهه مقلوب،
стр. 6519
وظهره مضروب، ينادى عليه: هذا جزاء من يتكلم في العلم بغير معرفة (١).
وقريب من هذا: ما كان يفعله بعض المنتسبين من التكفير للناس بأدنى ملابسة، ففي المحرم من سنة (٧١٤ هـ) استحضر السلطان بين يديه الفقيه نور الدين علي البكري وهم بقتله فشفع فيه الأمراء فنفاه ومنعه من الفتوى والكلام في العلم. . . وذلك لاجترائه وتسرعه على التكفير والقتل، والجهل الحامل له على هذا وغيره، فانظر إلى حال من قاده جهله إلى الحجر عليه في عمله الذي به قيمته لأنه لم يحسنه، فقيمة كل امرئ ما يحسنه.
стр. 6520
تعقيب:
ولعل لنا في اعتبارهما مرحلتين فهما جعلنا نعتبر الحركة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب امتدادا وتجديدا لمرحلة ابن تيمية، وذلك أننا نلحظ في الكتب التي صنفت في العقائد بعد الشيخ ابن عبد الوهاب، نلحظ فيها تشابها كبيرا مع ما حملته إلينا رسائل ابن تيمية وفتاواه، وهذا ليس بمستغرب، بل هو الطبيعي؛ لأن الهدف من هذه الحركة الإصلاحية إنما هو تجسيد عملي لما تغياه ابن تيمية في جهاده في عصره.
ولعل ما قدمناه من ظروف المرحلتين وتشابههما إلى حد كبير يصلح إجابة للسؤال الذي انطلق من ملاحظة المؤلفات ذات الاهتمام بالعقيدة السلفية، فتفرق الفرق واضطراب الأحوال ووجود أصحاب الأهواء، وانتشار البدع، وادعاء المهدية والنبوة، ثم فساد أحوال العلماء نتيجة المعصية المهدية وتسرب لعصم الأفكار من الترجمة إليهم في المرحلة الأولى، وطلبا للدنيا، وفقدانا لرسالة العلم، وأمانة العالم في المرحلة الثانية، وكذ الأولى.
كل هذا في جو مضطرب لا تقدم الدولة فيه عملها الأساس في الحفاظ على دينها، هذا وغيره من أسباب جعلت العلماء المخلصين لدينهم وأمتهم
стр. 6521
يقدمون ما يستطيعون في باب خدمة عقيدة السلف الصالح، إيمانا منهم بأن هذه الأمة لن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، وقد كان التزام الناس بالإسلام أول عهدهم به وزمن الرسول والراشدين من بعده، سببا أساسيا في حضارة الأمة وريادتها الأمم الأخرى، وبقدر ما انحلت رابطة الالتزام بين المسلمين والإسلام بقدر ما تقهقروا وصاروا فريسة لغيرهم، لا عن قلة يحدث لهم ذلك، ولكن مصداق قول الرسول الكريم: غثاء كغثاء السيل «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة على قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل ولينزعن من صدور عدوكم المهابة وليقذفن في قلوبكم الوهن. قال قائل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال ﵊: حب الدنيا وكراهية الموت (١)».
والله المستعان وإليه المرجع والمآب.
стр. 6522
زيد بن حارثة الكلبي القائد الشهيد
اللواء الركن: محمود شيت خطاب (١).
نسبه وأيامه الأولى:
هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن الجاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإلى قحطان جماع اليمن، وربما اختلف الذين نسبوه في الأسماء وتقديم بعضها على بعض وزيادة شيء فيها (٢) ونقص شيء فيها (٣).
ومن المعلوم أن العرب كانوا ولا يزالون يهتمون بحفظ أنسابهم تسجيلا ورواية، ومصادر الأنساب في التراث العربي كثيرة جدا، وحتى اليوم إذا زرت حيا من أحياء العرب، وسألت طفلا من أطفاله عن نسبه، سرد عليك نسبه إلى بضعة أسماء أو أكثر، وحفظ الأنساب غير معروف عند غير العرب من الأمم
стр. 6523
الأخرى، فلا غرابة في تشكيكهم باستمرار في صحة الأنساب العربية ودقتها، والمرء عدو ما جهل.
ولا مجال للعربي الأصيل أن يتقبل تشكيك غير العربي بصحة أنساب العرب، ولكن الشك ينحصر في دقتها، وبخاصة إذا ارتفعت إلى عهود سحيقة في القدم.
وأم زيد: سعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت من بني معن من طيء.
وزارت سعدى أم زيد قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيدا إذ هو يومئذ غلام يفعة قد أوصف (١)، فوافوا به سوق عكاظ، فعرضوه للبيع، فاشتراه منهم حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ ، وهبته له، فقبضه رسول الله ﷺ (٢).
وفي رواية أخرى، أن زيدا كان قد أصابه سباء في الجاهلية، فاشتراه حكيم بن حزام في سوق حباشة، وهي سوق بناحية مكة كانت مجمعا للعرب يتسوقون بها في كل سنة، اشتراه حكيم لخديجة بنت خويلد، فوهبته خديجة لرسول الله ﷺ (٣).
وقيل: رآه النبي ﷺ ينادى عليه بالبطحاء (٤)، فذكره لخديجة،
стр. 6524
فقالت له يشتريه، فاشتراه من مالها لها، ثم وهبته للنبي ﷺ (١).
ويقال: إن رسول الله ﷺ كان ابتاع زيدا بالشام لخديجة حين توجه مع ميسرة قيمها، فوهبته له (٢).
والمتفق عليه، أن زيدا أصابه سباء، وكان حرا فأصبح عبدا لخديجة، ثم أصبح للنبي ﷺ ولا أهمية للاختلاف في من اشتراه ولا في مكان بيعه. وقد كان أبوه حارثة حين فقده قال:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل
فوالله ما أدري وإن كنت سائلا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل (٣)
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل
وإن تعبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه ويا وجل
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي على منيتي ... وكل امرئ فان وإن غره الأمل
وأوصى به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصى يزيدا ثم من بعدهم جبل
يعني جبلة بن حارثة أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويعني يزيد أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل (٤).
ثم إن ناسا من بني كلب حجوا، فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فقال: " بلغوا أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم جزعوا علي " وقال:
أحن إلى قومي وإن كنت نائيا ... بأني قطين البيت عند المشاعر
стр. 6525
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة ... كرام معد كابرا بعد كابر (١)
وانطلق الكلبيون إلى ديارهم، وأعلموا أباه بمكانه، ووصفوا له موضعه وعند من هو، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفدائه، وقدما مكة، «فسألا عن النبي ﷺ فقيل: هو في المسجد. فدخلا عليه، فقال: " يا ابن عبد الله يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه، أنتم أهل الحرم وجيرانه وعند بيته، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، فإنا سنرفع لك في الفداء". قال: " من هو؟ "، قالوا: " زيد بن حارثة "، فقال رسول الله ﷺ : " فهل لغير ذلك؟ " قالوا: " ما هو؟ " فقال: " دعوه فخيروه، فإن اختاركم فهو لكما بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا ". قالا: "زدتنا في النصف وأحسنت". ودعاه النبي ﷺ فقال: " هل تعرف هؤلاء؟ " قال: "نعم"، قال: " من هما؟ " قال: "هذا أبي - وهذا عمي". قال: " فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك - فاخترني أو اخترهما "، فقال زيد: "ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والأم "، فقالا: "ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟! "، قال: "نعم! إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا". فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه إلى (الحجر) (٢) فقال: " يا من حضر! اشهدوا أن زيدا ابني، أرثه ويرثني». فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا، فدعي: زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام.
ويبدو من سياق هذا الحديث، أنه جرى قبل مبعثه ﵊،
стр. 6526
وكان قدوم حارثة وأخيه مكة لفداء زيد قبل الإسلام أيضا.
ومما يلفت النظر، أن زيدا قال لأبيه وعمه: "إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا"، فما الذي رآه زيد في النبي ﷺ حسن الخلق، وحسن المعاملة، ذلك صحيح، ولكنه لا يكفي لاختياره؛ لأنه اختيار صعب جدا، لا يكون إلا من أجل العقيدة وحدها، فهي وحدها تدفع المرء المؤمن إلى التضحية بغير حدود.
وأرجح أن قدوم حارثة وأخيه لفداء زيد، كان بعد الإسلام، وأن زيدا كان قد أعلن إسلامه وارتبط ارتباطا مصيريا بالنبي ﷺ ، فهذا هو الذي رآه زيد من هذا الرجل: النبوة ".
ولعل الدليل على ذلك، ما جاء في مصدر واحد: " أن حارثة والد زيد أسلم حين جاء في طلب زيد، ثم ذهب إلى قومه مسلما " (١). فإسلام زيد هو الذي جعله يختار النبي ﷺ على أبيه وأهله، وإسلام أبيه حارثة، هو الذي جعله تطيب نفسه فينصرف راضيا.
стр. 6527
إسلام زيد:
كان الزهري يقول: " أول من أسلم زيد بن حارثة " (١)، وكان يقول: " أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال زيد بن حارثة " (٢) وقال غير الزهري: إن أول من أسلم زيد بن حارثة (٣).
وكان زيد وعلي بن أبي طالب ﵁، يلزمان النبي ﷺ وكان ﷺ يخرج إلى الكعبة أول النهار ويصلي صلاة الضحى، وكانت قريش لا تنكرها، وكان إذا صلى غيرها قعد علي وزيد بن حارثة يرصدانه (٤).
стр. 6528
وقيل: إنه أسلم بعد علي بن أبي طالب ﵁، فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي بن أبي طالب (١).
وقيل: أول من أسلم خديجة، وأسلم علي بن أبي طالب بعد خديجة، ثم أسلم بعده زيد، ثم أبو بكر (٢) ﵃ جميعا.
وقيل: أول من أسلم خديجة، ثم آمن من الصبيان علي، ثم آمن من الرجال أبو بكر الصديق، ثم زيد بن حارثة (٣).
ولا أرى تناقضا في تلك الآراء، فأول من أسلم من النساء خديجة أم المؤمنين ﵂، وأول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق ﵁، وأول من أسلم من الصبيان علي بن أبي طالب ﵁، وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة ﵃، فهؤلاء هم الأوائل في الإسلام. وكان هؤلاء النفر هم الذين سبقوا إلى الإسلام، ثم تتابع الناس في الإسلام حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس (٤).
وفي مسألة إسلام أولئك النفر السابقين خلاف مشهور، ولكن تقديم زيد على الجميع ضعيف (٥). ولا مسوغ للخلاف، فكلهم أوائل في الإسلام، كل فرد منهم الأول على أمثاله من الناس، فإذا لم يكن زيد أول من أسلم، فقد كان بالإجماع من أوائل من أسلم.
стр. 6529
في الطائف:
توفي أبو طالب عم النبي ﷺ وخديجة أم المؤمنين قبل الهجرة بثلاث سنين، وبعد خروجهم من الشعب (١) - شعب أبي طالب، فتوفي أبو طالب
стр. 6530
في شوال أو في ذي القعدة وعمره بضع وثمانون سنة، وكانت خديجة ماتت قبله بخمسة وثلاثين يوما، وقيل: كان بينهما خمسة وخمسون يوما، وقيل: ثلاثة أيام.
وعظمت المصيبة على رسول الله ﷺ ، بهلاكهما فقال رسول الله ﷺ : «ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب»، وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته، حتى ينثر بعضهم التراب على رأسه، وحتى إن بعضهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، وكان رسول الله ﷺ يخرج ذلك على العود ويقول: «أي جوار هذا يا بني عبد مناف»! "، ثم يلقيه بالطريق.
فلما اشتد عليه الأمر بعد وفاة أبي طالب، «خرج ومعه زيد بن حارثة إلى ثقيف يلتمس منهم النصر. فلما انتهى في مدينة الطائف، عمد إلى ثلاثة نفر منهم، وهم يومئذ سادة ثقيف، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير، فدعاهم إلى الله، وكلمهم في نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه، ولكنهم ردوه ردا غير كريم.
وقام النبي ﷺ وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: "إن أبيتم فاكتموا علي ذلك»، وكره أن يبلغ قومه خبر إخفاقه، فلم يفعلوا. وأغروا به سفهاءهم، فاجتمعوا إليه وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهو البستان، وهما فيه. ورجع السفهاء عنه، فجلس إلى ظل نخلة وقال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس! اللهم يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلي بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع. إني أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو تحل بي سخطك (١)».
وعاد النبي ﷺ أدراجه إلى مكة، وعاد معه زيد الذي كان يلازمه ملازمة
стр. 6531
الظل، ولا يفارقه طرفة عين، بعد أن شهد رحلة النبي ﷺ إلى الطائف، ورأى بعينيه ما لاقاه من صدود وأذى من أجل الدعوة إلى الإسلام وفي - سبيل الله.
стр. 6532
الهجرة:
لما أمر النبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة المنورة، هاجر زيد إليها، فنزل على سعد بن خيثمة (١).
وقيل: نزل حمزة بن عبد المطلب، وحليفه أبو مرثد كناز بن حصين الغنوي، وزيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله ﷺ ، على كلثوم بن الهدم، أخي بني عمرو بن عوف بقباء، ويقال: على سعد بن خيثمة (٢).
ومهما يكن الاختلاف في اسم الأنصاري الذي نزل عليه في المدينة أو في ضواحيها، فقد وجد له مستقرا يأوي إليه؛ ليستأنف جهاده في خدمة الإسلام.
وفي المدينة، آخى النبي ﷺ بينه وبين أسيد بن حضير (٣)، وقيل: آخى بينه وبين جعفر بن أبي طالب ﵄ (٤)، وقيل: إن رسول الله ﷺ آخى بين زيد وحمزة وآخى بين زيد وأسيد بن حضير (٥)، وقيل: آخى بين زيد وحمزة (٦).
ويبدو أن النبي ﷺ آخى بين زيد وحمزة قبل الهجرة (٧)، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال، إن حدث به حادث الموت (٨)، أما مؤاخاة المدينة التي كانت بعد الهجرة إليها فقد آخى النبي ﷺ بين زيد وأسيد بن حضير.
стр. 6533
أما المؤاخاة بين زيد وبين جعفر بن أبي طالب، فقد كان جعفر مهاجرا إلى الحبشة، وعاد منها هو وصحبه من المهاجرين ومن دخل في الإسلام هناك، وقدموا على رسول الله ﷺ في خيبر (١)، وكانت غزوة خيبر في شهر محرم من السنة السابعة الهجرية، فمن المشكوك فيه أن النبي ﷺ آخى بين زيد وبين جعفر في تلك السنة المتأخرة من الهجرة، بينما جرت المؤاخاة بعد الهجرة مبكرا.
وهكذا أصبح لزيد في موطنه الجديد، قاعدة المسلمين الأمينة: المدينة، مستقرا يأوي إليه، وأخ يشد عضده، ومجتمع يتعاون معه في السراء والضراء.
стр. 6534
في غزوة بدر الكبرى:
خرج رسول الله ﷺ من المدينة باتجاه موقع (بدر) يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجره (١)، أي في السنة الثانية الهجرية.
وكان مع المسلمين سبعون بعيرا، فكانوا يتعاقبون عليها: البعير بين الرجلين والثلاثة والأربعة، وكان بين النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة بعير (٢)، وفي رواية أخرى كان رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد يعتقبون بعيرا، وكان حمزة وزيد وأبو كبشة وأنسة موالي رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرا (٣)، والرواية الثانية هي المعتمدة لإجماع أكثر المؤرخين عليها.
وكان من الرماة المذكورين من أصحاب النبي ﷺ في غزوة بدر
стр. 6535
الكبرى (١)، وكان لهؤلاء الرماة الأثر العظيم في إحراز المسلمين النصر في هذه الغزوة الحاسمة على المشركين.
وقد قتل من المشركين يوم بدر حنظلة بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية، وكان من مشاهير مشركي قريش (٢).
وكان زيد البشير الذي أوفده النبي ﷺ إلى المدينة بفتح بدر (٣)، فقد بعث النبي ﷺ زيد بن حارثة إلى أهل (السافلة) من المدينة وبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل (العالية) بشيرين بنصر المسلمين على المشركين في بدر، قال أسامة بن زيد: " فأتانا الخبر حين سوينا التراب (٤). على رقية ابنة رسول الله ﷺ التي كانت عند عثمان بن عفان ﵁، كان رسول الله ﷺ قد خلفني عليها مع عثمان - أن زيد بن حارثة قدم، فجئته وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري العاص بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج! قلت: يا أبت! أحق هذا؟! قال نعم والله يا بني! " (٥).
وكان رجل من المنافقين قد قال لأسامة بن زيد: " قتل صاحبكم ومن معه". وقال آخر منهم لأبي لبابة: "قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده، وقتل محمد وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب"، قال أسامة بن زيد: "فأتيت أبي، فكذب قول المنافقين " (٦).
وهكذا استطاع زيد أن يبدد مخاوف أهل المدينة، ويكذب إشاعات المنافقين المغرضة، ويعيد الهدوء والاطمئنان إلى المدينة.
стр. 6536
لقد كان دور زيد في غزوة بدر الحاسمة دورا بارزا حقا.
стр. 6537
قائد سرية القردة:
هي أول سرية خرج فيها زيد أميرا، وخرج لهلال جمادى الآخرة على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ أي في السنة الثالثة الهجرية (١).
وكانت قريش قد حذرت طريق الشام أن يسلكوها، وخافوا من رسول الله ﷺ وأصحابه، وكانوا قوما تجارا، فقال صفوان بن أمية: "إن محمدا وأصحابه، قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك، وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا ونحن في دارنا هذه، مالنا بها نفاق (٢)، إنما نزلناها على التجارة: إلى الشام في الصيف، وفي الشتاء إلى أرض الحبشة "، فقال له الأسود بن المطلب: "فنكب (٣) عن الساحل، وخذ طريق العراق ".
ولم يكن صفوان عالما بطريق العراق، فاستأجر دليلا يدعى: فرات بن حيان العجلي الذي قال لصفوان: "أنا أسلك بك طريق العراق. ليس يطأها أحد من أصحاب محمد، إنما هي أرض نجد وفياف "، فقال صفوان: "فهذه حاجتي، أما الفيافي فنحن شاتون، وحاجتنا إلى الماء اليوم قليل".
وتجهز صفوان، وأرسل معه أبو زمعة بثلاثمائة مثقال ذهب ونقر (٤) فضة، وبعث معه رجال من قريش ببضائع، وخرج معه عبد الله بن أبي ربيعة
стр. 6538
وحويطب بن عبد العزى في رجال من قريش، وخرج صفوان بمال كثير: نقر فضة، وآنية فضة وزن ثلاثين ألف درهم، وخرجوا على (ذات عرق) (١).
وقدم المدينة نعيم بن مسعود الأشجعي، وهو على دين قومه، فنزل على كنانة بن أبي الحقيق في بني النضير من يهود، فشرب معه، وشرب معه سليط بن النعمان بن أسلم - ولم تحرم الخمر يومئذ - وهو يأتي بني النضير ويصيب من شرابهم، فذكر نعيم خروج صفوان في عيره وما معهم من الأموال، فخرج من ساعته إلى النبي ﷺ فأخبره، فأرسل رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في مائة راكب، فاعترضوا عير قريش وأصابوها، وأفلت أعيان قريش وأسروا رجلا أو رجلين.
وقدم زيد بالعير على النبي ﷺ فخمسها، فكان الخمس يومئذ قيمة عشرين ألف درهم، وقسم ما بقي على أهل السرية.
وكان في الأسر، فرات بن حيان، فأتى به، فأسلم (٢).
وهكذا صعد النبي ﷺ بهذه الغزوة الحصار الاقتصادي على قريش، فهدد طريق تجارتهم إلى العراق أيضا، بعد أن هدد طريق مكة - الشام، وطريق مكة - الطائف في غزواته وسراياه السابقة.
стр. 6539
سرية زيد إلى سليم بالجموم (١):
بعث النبي ﷺ إلى بني سليم بالجموم في شهر ربيع الآخر من سنة ست الهجرية زيدا، فسار على رأس سريته التي لا نعرف تعداد رجالها حتى ورد الجموم ناحية (بطن نخل) (٢) عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد، فأصابوا عليه امرأة من مزينة يقال لها حليمة، فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا في تلك المحلة نعما وشاء وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة
стр. 6540
المزنية. فلما قفل زيد بما أصاب، وهب رسول الله ﷺ للمزنية نفسها وزوجها، فقال بلال بن الحارث في ذلك شعرا:
لعمرك! ما أخنى المسول ولا ونت ... حليمة حتى راح ركبهما معا (١)
وكان الهدف من هذه السرية تأمين المدينة القاعدة الأمينة للإسلام، وفرض سيطرة المسلمين على القبائل التي حولها، وتشديد وطأة الحصار الاقتصادي على قريش وحلفائها.
стр. 6541
قائد سرية العيص:
بعث النبي ﷺ زيدا إلى العيص، وبينها وبين المدينة أربع ليال، وبينها وبين ذي المروة ليلة، في جمادى الأولى سنة ست الهجرية. فقد بلغ رسول الله ﷺ أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام، فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب يتعرض لها، فأخذوها وما فيها، وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية، وأسروا ناسا ممن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع.
وقدم زيد بهم المدينة «فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله ﷺ ، فأجارته، ونادت زينب في الناس حين صلى رسول الله ﷺ الفجر: إني قد أجرت أبا العاص!، فقال رسول الله ﷺ : " وما علمت بشيء من هذا، وقد أجرنا من أجرت»، ورد عليه ما أخذ منه (١).
وهكذا شدد النبي ﷺ الخناق في حصاره الاقتصادي على قريش التي تعيش على التجارة، وتموت بدونها.
стр. 6542
قائد سرية الطرف:
بعث النبي ﷺ زيدا على سرية إلى الطرف في جمادى الآخرة من سنة
стр. 6543
ست الهجرية، والطرف ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلا من المدينة طريق البقرة على المحجة.
وخرج زيد إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب، وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرا، ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال، وكان شعارهم: أمت. . . أمت. . . (١)
وكان هدف هذه السرية، تأمين المدينة القاعدة الأمينة للإسلام، وفرض سيطرة المسلمين على القبائل بالهجوم عليها، لأن الهجوم أنجع وسائل الدفاع، إذ إن الأعراب إذا لم يهاجموا من المسلمين، هاجموا المسلمين، كما هو دأبهم.
стр. 6544
قائد سرية حسمى:
بعث النبي ﷺ زيدا على سرية إلى حسمى، وهي وراء وادي القرى، في جمادى الآخرة من السنة السادسة الهجرية.
وسبب بعث هذه السرية، أن دحية برت خليفة الكلبي - وكان مسلما- أقبل من عند قيصر الروم، وقد أجاره وكساه، فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من بني حذام بحسمى، فقطعوا عليه الطريق، ولما يتركوا حلله عليه إلا سمل ثوب، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب، فنفروا إليهم، واستنقذوا لدحية متاعه.
وقدم دحية على النبي ﷺ ، فأخبره بذلك، فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل، ورد معه دحية.
وكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عذرة، فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم. فأغاروا عليهم وقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم، فأخذوا من النعم ألف بعير،
стр. 6545
ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان.
«ورحل زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه إلى رسول الله ﷺ ، فدفع إلى رسول الله ﷺ كتابه الذي كتب له ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم، وقال: "يا رسول الله! لا تحرم علينا حلالا ولا تحل لنا حراما"، فقال: " كيف أصنع بالقتلى؟ "، قال أبو يزيد بن عمرو: " أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا، ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين"، فقال رسول الله ﷺ : " صدق أبو يزيد». وبعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ إلى زيد بن حارثة، يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم، فتوجه علي، فلقي رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردها علي على القوم، ولقي زيدا بالفحلتين، وهي بين المدينة وذي المروة، فأبلغه أمر رسول الله ﷺ ، فرد إلى الناس كل ما كان أخذ لهم (١).
وكان الهدف من هذه السرية، تأديب بني جذام الذين اعتدوا على دحية بن خليفة الكلبي، وهم يعلمون أنه أحد المسلمين، وليس النبي ﷺ بالذي يرضى باعتداء أحد على مسلم من المسلمين؛ لأن الاعتداء عليه اعتداء على المسلمين كافة.
стр. 6546
قائد سرية وادي القرى:
بعث النبي ﷺ زيد بن حارثة على رأس سرية إلى وادي القرى في رجب من السنة السادسة الهجرية (١)، لتأديب بني فزارة، فأصيبت هذه السرية وتسلل زيد من بين القتلى وعاد إلى المدينة، فآلى على نفسه ألا يمس رأسه غسل جنابة حتى يغزو بني فزارة (٢).
وفي رواية، أن زيدا خرج في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب
стр. 6547
النبي ﷺ ، حتى إذا كان دون وادي القرى ومعه ناس من أصحابه، لقيه ناس من بني فزارة من بني بدر، فضربوه وضربوا أصحابه، حتى ظنوا أنهم قد قتلوا، وأخذوا ما كان معه، ثم استبل (١) زيد، فعاد إلى المدينة (٢)، وهذه الرواية أقرب إلى المنطق والعقل وسير الحوادث.
ويبدو أن المسلمين لم يكتفوا بقطح الطريق التجارية: مكة - الشام على تجارة قريش، بل أرادوا استغلال هذه الطريق لتجارتهم بهدف تحسين أوضاعهم الاقتصادية، ولكنهم أخفقوا في ذلك، إذ تبين لهم أن الوقت لا يزال مبكرا لاستغلال هذه الطريق.
стр. 6548
قائد سرية أم قرفة بوادي القرى:
بعث النبي ﷺ زيدا على رأس سرية إلى أم قرفة بوادي القرى على سبع ليال من المدينة، في شهر رمضان من السنة السادسة الهجرية، وهي من فزارة من بني بدر.
وخرج المسلمون من المدينة، يكمنون النهار ويسيرون الليل، وخرج بهم دليل لهم. ونذرت بهم بنو بدر من فزارة، فكانوا يجعلون ناطورا (١) لهم حين يصبحون، فينظر على جبل لهم مشرف وجه الطريق الذي يرون أنهم يأتون منه، فينظر قدر مسيرة يوم، فيقول: ارحلوا فلا بأس عليكم هذه ليلتكم!.
فلما كان زيد وأصحابه على مسيرة ليلة، أخطأ بهم دليلهم الطريق، فأخذ بهم طريقا أخرى حتى أمسوا وهم على خطأ. وعرفوا خطأهم، ثم صمدوا (٢) لهم في الليل حتى صبحوهم، وكان زيد نهاهم عن المطاردة، ثم أمرهم ألا يتفرقوا، وقال: "إذا كبرت فكبروا"، ثم أحاط بفزارة في بيوتهم، كبر وكبروا، فخرج مسلمة بن الأكوع، فطلب رجلا منهم حتى قتله، وأخذ جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر، وجدها في بيت من بيوتهم، وهي ابنة أم قرفة، واسم أم
стр. 6549
قرفة: فاطمة بنت ربيعة بن بدر، كما أخذوا أم قرفة فقتلها قيس بن المحسر، وقتل النعمان وعبيد الله ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر.
وكانت العرب تقول: "لو كنت أعز من أم قرفة " (١)، لأنها كانت يغلق في بيتها خمسون سيفا كلهم لها ذو محرم (٢).
وعاد زيد إلى المدينة، فقرع باب النبي ﷺ ، فخرج إليه مسرعا واعتنقه وقبله، فأخبره زيد بانتصاره وغنائمه.
أما جارية ابنة أم قرفة، فقد وهبها مسلمة بن الأكوع لرسول الله ﷺ ، فوهبها لحزن بن أبي وهب خال النبي ﷺ ، فولدت له امرأة ليس له منها ولد غيرها (٣).
وهكذا أخذ زيد بثأر المسلمين الذين قتلتهم فزارة، وأعاد هيبة المسلمين إلى تلك المنطقة، ولقن فزارة درسا لا ينسونه أبدا، كما لقن غيرها من القبائل مثل هذا الدرس.
стр. 6550
قائد سرية مؤتة
بعث النبي ﷺ زيدا على سرية إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان الهجرية، وكان سبب بعث هذه السرية أن النبي ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب إلى ملك بصرى (١) بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له