قائد سرية وادي القرى:
بعث النبي ﷺ زيد بن حارثة على رأس سرية إلى وادي القرى في رجب من السنة السادسة الهجرية (١)، لتأديب بني فزارة، فأصيبت هذه السرية وتسلل زيد من بين القتلى وعاد إلى المدينة، فآلى على نفسه ألا يمس رأسه غسل جنابة حتى يغزو بني فزارة (٢).
وفي رواية، أن زيدا خرج في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب
стр. 6547
النبي ﷺ ، حتى إذا كان دون وادي القرى ومعه ناس من أصحابه، لقيه ناس من بني فزارة من بني بدر، فضربوه وضربوا أصحابه، حتى ظنوا أنهم قد قتلوا، وأخذوا ما كان معه، ثم استبل (١) زيد، فعاد إلى المدينة (٢)، وهذه الرواية أقرب إلى المنطق والعقل وسير الحوادث.
ويبدو أن المسلمين لم يكتفوا بقطح الطريق التجارية: مكة - الشام على تجارة قريش، بل أرادوا استغلال هذه الطريق لتجارتهم بهدف تحسين أوضاعهم الاقتصادية، ولكنهم أخفقوا في ذلك، إذ تبين لهم أن الوقت لا يزال مبكرا لاستغلال هذه الطريق.
стр. 6548
قائد سرية أم قرفة بوادي القرى:
بعث النبي ﷺ زيدا على رأس سرية إلى أم قرفة بوادي القرى على سبع ليال من المدينة، في شهر رمضان من السنة السادسة الهجرية، وهي من فزارة من بني بدر.
وخرج المسلمون من المدينة، يكمنون النهار ويسيرون الليل، وخرج بهم دليل لهم. ونذرت بهم بنو بدر من فزارة، فكانوا يجعلون ناطورا (١) لهم حين يصبحون، فينظر على جبل لهم مشرف وجه الطريق الذي يرون أنهم يأتون منه، فينظر قدر مسيرة يوم، فيقول: ارحلوا فلا بأس عليكم هذه ليلتكم!.
فلما كان زيد وأصحابه على مسيرة ليلة، أخطأ بهم دليلهم الطريق، فأخذ بهم طريقا أخرى حتى أمسوا وهم على خطأ. وعرفوا خطأهم، ثم صمدوا (٢) لهم في الليل حتى صبحوهم، وكان زيد نهاهم عن المطاردة، ثم أمرهم ألا يتفرقوا، وقال: "إذا كبرت فكبروا"، ثم أحاط بفزارة في بيوتهم، كبر وكبروا، فخرج مسلمة بن الأكوع، فطلب رجلا منهم حتى قتله، وأخذ جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر، وجدها في بيت من بيوتهم، وهي ابنة أم قرفة، واسم أم
стр. 6549
قرفة: فاطمة بنت ربيعة بن بدر، كما أخذوا أم قرفة فقتلها قيس بن المحسر، وقتل النعمان وعبيد الله ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر.
وكانت العرب تقول: "لو كنت أعز من أم قرفة " (١)، لأنها كانت يغلق في بيتها خمسون سيفا كلهم لها ذو محرم (٢).
وعاد زيد إلى المدينة، فقرع باب النبي ﷺ ، فخرج إليه مسرعا واعتنقه وقبله، فأخبره زيد بانتصاره وغنائمه.
أما جارية ابنة أم قرفة، فقد وهبها مسلمة بن الأكوع لرسول الله ﷺ ، فوهبها لحزن بن أبي وهب خال النبي ﷺ ، فولدت له امرأة ليس له منها ولد غيرها (٣).
وهكذا أخذ زيد بثأر المسلمين الذين قتلتهم فزارة، وأعاد هيبة المسلمين إلى تلك المنطقة، ولقن فزارة درسا لا ينسونه أبدا، كما لقن غيرها من القبائل مثل هذا الدرس.
стр. 6550
قائد سرية مؤتة
بعث النبي ﷺ زيدا على سرية إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان الهجرية، وكان سبب بعث هذه السرية أن النبي ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب إلى ملك بصرى (١) بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له
стр. 6551
شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، ولم يقتل لرسول الله ﷺ ، رسول غيره، فاشتد ذلك عليه، وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف (١)، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله ﷺ : «أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم (٢)».
وعقد لهم رسول الله ﷺ ، لواء أبيض دفعه إلى زيد، وأوصاهم رسول الله ﷺ ، أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم. وخرج مشيعا لهم حتى بلغ (ثنية الوداع) (٣)، فوقف وودعهم، فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكما وردكم صالحين غانمين! فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا (٤)
ولما فصلوا من المدينة، سمع العدو بمسيرتهم، فجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه.
ونزل المسلمون (معان) (٥) من أرض الشام، وبلغ الناس أن هرقل قد نزل (مآب) (٦) من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام.
وأقام المسلمون ليلتين لينظروا في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ ، فنخبره الخبر. . . فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي، فمضوا إلى مؤتة.
ووافاهم المشركون، فجاء ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع
стр. 6552
والديباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون والمشركون، وقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل، وقاتل المسلمون معه على صفوفهم، حتى قتل طعنا بالرماح ﵀. ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فنزل عن فرس له شقراء، فعرقبها (١)، فكانت أول فرس عرقبت في الإسلام، وقاتل حتى قتل ﵁، ضربه رجل من الروم فقطعه بنصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثلاثون جرحا، ووجد في بدن جعفر اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل ﵁.
واصطلح الناس على خالد بن الوليد، فسحب قوات المسلمين من ساحة المعركة وحمى بالساقة انسحابهم، فكانت عملية الانسحاب التي طبقها خالد من العمليات الانسحابية الفذة في تاريخ الحروب.
«ولما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين، تلقوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار، أفررتم في سبيل الله؟ فيقول رسول الله ﷺ : ليسوا بفرار، ولكنهم كرار إن شاء الله (٢)».
وهكذا ضحى زيد بروحه رخيصة في سبيل الله مقبلا غير مدبر، رافعا لواء الإسلام عاليا، لم يعفره بالتراب في حياته، فلما استشهد لم يعفر بالتراب المجبول بدم الشهيد، بل رفعه فورا القائد الجديد.
стр. 6553
الإنسان:
استشهد زيد في مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان الهجرية (١) (٦٢٩ م)، وكان النبي ﷺ أكبر من زيد بعشر سنين (٢)، أي أن زيدا ولد سنة (٥٨١ م)، لأن النبي ﷺ ولد عام الفيل وهو سنة (٥٧١ م)، ومعنى ذلك أن زيدا عاش ثمانيا وأربعين سنة شمسية ونحو خمسين سنة قمرية (٣).
стр. 6554
ولكن هناك نصوص على أنه أستشهد وله من العمر خمس وخمسون سنة (١)، والرواية الأولى أرجح، لأنها المعتمدة عند أكثر المؤرخين المعتمدين. وكان زيد رجلا قصيرا، آدم شديد الأدمة، في أنفه فطس (٢)، وفي رواية أنه كان أبيض أحمر (٣)، والتناقض بين الروايتين واضح، والرواية الأولى هي الصحيحة، لاعتمادها من أكثر المؤرخين الثقات.
«ولما أتى رسول الله ﷺ خبر قتل جعفر وزيد بكى وقال: " أخواي ومؤنساي ومحدثاي»، وشهد له رسول الله ﷺ بالشهادة.
«ولما أصيب زيد، أتى النبي ﷺ أهله، فجهشت زينب بنت زيد في وجهه، فبكى رسول الله ﷺ حتى انتحب، فقال له سعد بن عبادة: "يا رسول الله ما هذا؟ "، قال: " هذا شوق الحبيب إلى حبيبه (٤)» ولا عجب في ذلك، فقد كان زيد حب رسول الله ومولاه (٥).
وقد دعا النبي ﷺ لزيد وجعفر وابن رواحة بعد استشهادهم، فقال: «اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لزيد، اللهم اغفر لجعفر وعبد الله بن رواحة (٦)».
وقال حسان بن ثابت يرثي زيدا:
عين جودى بدمعك المنزور ... واذكري في الرخاء أهل القبور (٧)
واذكري مؤتة وما كان فيها ... يوم راحوا في وقعة التغوير (٨)
حين راحوا وغادروا ثم زيدا ... نعم مأوى الضريك والمأسور (٩)
стр. 6555
حب خير الأنام طرا جميعا ... سيد الناس حبه في الصدور
ذاكم أحمد الذي لا سواه ... ذاك حزني له معا وسروري
إن زيدا قد كان منا بأمر ... ليس أمر المكذب المغرور
ثم جودي للخزرجي بدمع سيدا ... كان ثم غير نزور (١)
قد أتانا من قتلهم ما كفانا ... فبحزن نبيت غير سرور (٢)
وقد كان لزيد صلة مباشرة متينة بالنبي ﷺ ، فقد آثره زيد على أهله، كما ذكرنا في قصة محاولة فدائه، فتبناه رسول الله ﷺ ، قال عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ في زيد: "ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣). فدعي زيد بن حارثة (٤)، ودعي الأدعياء إلى آبائهم، فدعي المقداد بن عمرو، وكان يقال له قبل ذلك: المقداد بن الأسود؛ لأن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه (٥).
وكان زيد يسمى: زيد الحب، لأنه حب رسول الله ﷺ (٦). وأبو حبه (٧) أسامة بن زيد الذي فرض له عمر في العطاء أكثر مما فرض لابنه عبد الله بن عمر، وعلل ذلك عمر لابنه: "إنه كان أحب إلى رسول الله منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله من أبيك " (٨).
وقال رسول الله ﷺ : «يا زيد! أنت مولاي ومني وإلي، وأحب القوم إلي (٩)»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا (١٠)»، وقال: «أنت مولاي، ومني، وأحب القوم إلي (١١)»
стр. 6556
وكانت عائشة أم المؤمنين تقول: «ما بعث رسول ﷺ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم، ولو بقي بعده استخلفه (١)» «وكان النبي ﷺ إذا لم يغز لم يعط سلاحه إلا لعلي أو لزيد (٢)».
ذلك مبلغ حب النبي ﷺ لزيد وتقديره له، ولن يكون هذا الحب وهذا التقدير إلا لشخصية لها سجاياها المتميزة وإخلاصها النادر وإيمانها العميق.
وزوج النبي ﷺ ابنة عمته زينب بنت جحش زيدا، وهي التي تزوجها رسول الله ﷺ بعد زيد (٣)، فتكلم المنافقون والمشركون وقالوا: " محمد يحرم نساء الولد، وقد تزوج امرأة ابنه "، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٤)، ونزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٥)، فدعي يومئذ زيد بن حارثة، ونسب كل من تبناه رجل من قريش إلى أبيه (٦).
وكانت عائشة أم المؤمنين ﵂ تقول: "لو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٧)، فإن رسول الله ﷺ لما تزوجها، يعني زينب بنت جحش - قالوا: "إنه تزوج خليلة ابنه" (٨)، فإن العرب إذا
стр. 6557
تبنت غلاما أنزلته منزلة الولد حتى في الإرث وتحريم نكاح زوجته، وكان من سنة النبي ﷺ وطريقته، إذا نسخ الله شيئا من أمر الجاهلية أن يسرع ﷺ إلى الفعل، ليقتدى به، فلما زوج زينب بنت جحش من زيد وأذن الله بنسخ عادة الجاهلية، أمر الله أن يطلقها زيد ويتزوجها رسول الله ﷺ ليبطل عادة الجاهلية بالفعل، للعلة التي ذكرها الله في كتابه العزيز: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ (١)(٢).
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «أحب الناس إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه (٣)» - يعني زيد بن حارثة - أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله ﷺ بالعتق (٤).
ومن الواضح، أن النبي ﷺ زوج زيدا زينب بنت جحش، وهي ابنة عمته، ليبطل عادة الجاهلية في الترفع على الموالي وعدم تزويجهم الحرائر وبنات الأشراف، وكان زواجها بزيد شديدا على نفسها، قالت زينب ﵂: «خطبني عدة من قريش، فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله ﷺ أستشيره، فقال: أين هي ممن يعلمها كتاب الله وسنة نبيها؟ قالت: ومن هو يا رسول الله؟ قال: زيد. فغضبت حمنة غضبا شديدا وقالت: يا رسول الله أتزوج ابنة عمك مولاك؟! فجاءت فأخبرت زينب، فغضبت أشد الغضب من غضب أختها وقالت أشد من قولها، فأنزل الله تعالى:، فأرسلت زينب إلى رسول الله ﷺ : زوجني من شئت، فزوجني من زيد (٦)».
لقد أبطل النبي ﷺ تقاليد الترفع عن تزويج الموالي بالحرائر من بنات الأشراف، وتقاليد تحريم الزواج بامرأة الابن بالتبني، وأعتقد أنه لو لم يطبق إبطال
стр. 6558
تلك التقاليد عمليا بنفسه وعلى نفسه، لصعب تطبيقها على غيره، وهي تقاليد جاهلية بالية أبطلها الإسلام، فجعل التفاضل بالتقوى، لا بالأحساب وبالتمسك بالأنساب.
ولست أنسى حديثا سمعته في المدينة المنورة من شيخ معروف من الشيوخ المسلمين، يستنكر فيه إقدام شخصيات من عوائل عريقة في المدينة على تزويج قسم من بناتهم الشريفات برجال قدمهم علمهم ومناصبهم الحكومية وأخرهم نسبهم وحسبهم، وقد مضى على الإسلام خمسة عشر قرنا، وذهبت تقاليد الجاهلية إلى غير رجعة، وهذا يدل على مبلغ التضحية التي أقدم عليها النبي ﷺ وعظم الشجاعة التي حققها بإقدامه على زواج زينب من مولاه، وزواجها بعد أن طلقها مولاه.
إن التضحية والشجاعة المعنويتين اللتين تحملهما الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام في قصة زينب بنت جحش ﵂ لا تقلان عن أي تضحية وشجاعة ماديتين، إن لم تكن أعظم أثرا وأبلغ تأثيرا، فكان القدوة الحسنة والمثال الشخصي في تطبيق أصعب تشريعات الإسلام على نفسه قبل غيره، فاجتث بذلك تقاليد جاهلية بالية، ولكن لا تزال آثارها باقية بين العرب المسلمين حتى اليوم، وهناك من لا يتحمل تطبيق اجتثاثها على نفسه من العرب المسلمين غير المؤمنين حقا من الطيبين الأخيار.
ومادمنا قد تطرقنا إلى زواج زيد بالسيدة زينب، فلا بد من إكمال الحديث عن زواجه بنسائه الأخريات.
فقد زوجه النبي ﷺ مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة بن زيد (١). حب رسول الله وابن حبه، وهي حاضنة رسول الله ﷺ ومولاته، وكان اسم أم أيمن: بركة، كانت قد تزوجت بمكة في الجاهلية عبيد بن عمرو بن بلال بن أبي الحرباء بن قيس بن مالك بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج، فولدت له أيمن بن عبيد، فكنيت به. واستشهد أيمن يوم
стр. 6559
حنين، ومات عبيد عن أم أيمن، فكانت فارغة لا زوج لها، فزوجها رسول الله ﷺ زيدا (١).
وتزوج زيد أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (٢). فقد أقبلت أم كلثوم بن عقبة بن أبي معيط، وأمها أروى بنت كريز بن ربيعة، وأم أروى هي أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب - مهاجرة إلى النبي ﷺ ، فخطبها الزبير بن العوام، وزيد بن حارثة، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، فاستشارت أخاها لأمها عثمان بن عفان، فأشار عليها أن تأتي النبي ﷺ ، فأتته، فأشار عليها بزيد بن حارثة، فتزوجته، فولدت له زيدا ورقية، فهلك زيد وهو صغير، وماتت رقية في حجر عثمان. وطلق زيد أم كلثوم، فخلف عليها عبد الرحمن بن عوف، ثم الزبير، ثم عمرو بن العاص (٣). وتزوج هند بنت العوام أخت الزبير (٤)، وكان قد تزوج قبلها درة بنت أبي لهب ثم طلقها (٥).
وتسلسل زوجات زيد بحسب الأقدمية: أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته، ثم زينب بنت جحش، ولما طلق زينب زوجته أم كلثوم بنت عقبة، ثم طلق أم كلثوم وتزوج درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، ثم طلقها وتزوج هند بنت العوام أخت الزبير (٦)، وهكذا سعى النبي ﷺ أن يزوج زيدا كرائم النساء وأقربهن نسبا به؛ لأنه حبه ومؤتمنه وموضع ثقته، ولكي يجتث تقاليد جاهلية عريقة بالية في الزواج، ولكن بعض المسلمين عادوا إلى تلك التقاليد الجاهلية البالية، فعادت إلى الحياة من جديد.
وقد استخلف النبي ﷺ زيدا على المدينة المنورة مرتين: المرة الأولى في خروجه إلى غزوة (بواط) (٧). في شهر ربيع الأول سنة اثنتين
стр. 6560
الهجرية (١). والمرة الثانية في غزوة بني المصطلق من خزاعة في (المريسيع) (٢) قرب مكة (٣) التي كانت في شهر شعبان سنة خمس الهجرية (٤)، وهذا دليل على اعتماد النبي ﷺ على كفاءة زيد الإدارية.
وأوفده النبي ﷺ من المدينة إلى مكة مع أبي رافع مولاه، فحملا سودة بنت زمعة، وفاطمة بنت النبي ﷺ ، وأم كلثوم ابنة النبي ﷺ ، «فقدم زيد وأبو رافع بزوج النبي ﷺ وابنتيه المدينة والمسجد يبنى. وأوفده مع رجل من الأنصار إلى مكة لحمل زينب ابنة النبي ﷺ إلى المدينة، وقال لهما: " كونا ببطن (يأجج) حتى تمر بكما زينب، فتصحباها حتى تأتياني بها (٧)» فخرجا إلى مكة بعد غزوة بدر الكبرى بشهر أو قريب منه، فاستلمها زيد وصاحبه، وقدما بها على رسول الله ﷺ (٨)، وهذا دليل على ثقته الغالية بأمانة زيد وحسن تصرفه ورجاحة عقله.
ولم يسم الله أحدا من أصحاب النبي ﷺ وأصحاب غيره من الأنبياء إلا زيد بن حارثة، (٩)، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١٠).
روى أربعة أحاديث عن النبي ﷺ (١١)، وفي رواية أخرى أنه روى حديثين فقط (١٢).
стр. 6561
ومضى أبو أسامة حب رسول الله ﷺ وأبو حبه إلى جوار ربه بعد أن عاش خمسين سنة قمرية، كان فيها منذ عقل إلى جوار رسول الله ﷺ المولى والأخ والحبيب، فأدى ما عليه من واجبات جسام كأحسن ما يكون الأداء، فاستحق تقدير النبي ﷺ وحبه ورضاه، وتقدير المسلمين وحبهم ورضاهم في الماضي والحاضر والمستقبل، وكان لا يزال وسيبقى أسوة حسنة للمؤمنين المخلصين الصادقين.
وقد ترك زيد آثاره الباقية في حياة النبي ﷺ وأهل بيته، كما ترك آثاره الباقية في خدمة الدين الحنيف داعيا ومجاهدا، وكان مع النبي ﷺ في السراء والضراء وفي الإسلام والحرب، ﵁ وأرضاه.
стр. 6562
القائد:
بعد عودة النبي ﷺ من حجة الوداع، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر من السنة الحادية عشر الهجرية (٦٣٢ م)، فأمر بتجهيز جيش كبير فيه أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح ﵃، وجعل هذا الجيش بإمرة أسامة بن زيد، فتجهز الناس، وأوعب (١) مع أسامة المهاجرون الأولون (٢)، وأمر رسول الله ﷺ أسامة أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين.
وتأخر تجهيز هذا الجيش لمرض النبي ﷺ ، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم قال: «"أيها الناس! انفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته، لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لها (٣)»، وفي رواية الإمام البخاري، «أن النبي ﷺ بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمارته، فقال النبي ﷺ : "إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل. وايم الله، إن كان لخليقا
стр. 6563
للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده (١)» وهذا تقويم لكفاية زيد القيادة وكفاية ابنه أسامة القيادية أيضا، يفوق كل تقويم؛ لأنه تقويم النبي ﷺ الذي لا يعادله ولا يقاربه أي تقويم آخر.
وقد كانت عائشة أم المؤمنين أقرب المقربين للنبي ﷺ وأعرفهم به تقول: «ما بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم ولو بقي بعده لاستخلفه (٣)».
ذلك هو مبلغ تقدير النبي ﷺ لكفاية زيد القيادية وثقته الكاملة به واعتماده المطلق عليه، وهو تقدير عظيم وثقة بالغة واعتماد هائل، استحقه زيد بمزاياه القيادية أولا وقبل كل شيء، فما كان النبي ﷺ يولي ثقته الكاملة إلا لمن يستحقها بجدارة، وكان يبنى الإنسان المسلم بالعقيدة الراسخة، والأسوة الحسنة التي يضربها للمسلمين كافة بشخصه الكريم، وبتوليه الرجل المناسب للعمل المناسب ليقود الأمة أفضل رجالها عقيدة واقتدارا بالنسبة للواجبات والمسئوليات التي يتقلدونها.
فما الذي يستطيع القادة أن يتعلموه من سجايا زيد القيادية؟
كان من الرماة المعدودين المذكورين (٤) من بين أصحاب النبي ﷺ ، أي أنه كان السن، والاستمساك بعرى التفاضل بالأنساب والأحساب والعشائر والقبائل. . . إن التفاضل في الإسلام يخضع للتقوى وصالح الأعمال، بالإضافة إلى الكفايات المناسبة للعمل المناسب.
وقد رفعت مزايا زيد القيادية وإيمانه الراسخ العميق إلى الإمارة.
لقد كان لزيد قابلية فذة لإعطاء قرار سريع صحيح في الوقت والمكان المناسبين، وكانت كل سراياه بحاجة ماسة إلى إصدار قرارات سريعة
стр. 6564
وصحيحة، وحين وجد العدو في سرية مؤتة قد حشد له ما لا قبل للمسلمين به، عزم أن يتريث في قبول المعركة غير المتكافئة ويستشير النبي ﷺ في الموقف الجديد، ولكن المتحمسين من المجاهدين الذين خرجوا للجهاد طلبا للشهادة وعلى رأسهم عبد الله بن رواحة، أرادوا لقاء العدو مهما تكن نتائج هذا اللقاء، فانصاع زيد لنداء العاطفة، ويبدو أن الأحداث تطورت بسرعة عظيمة فاضطرت المسلمين إلى قبول المعركة، فكان سرية مؤتة إخفاقا تعبويا ولكنها كانت نصرا سوقيا، جعلت الروم جيران المسلمين في الشمال، يلمسون عمليا بأن العرب بالإسلام أصبحوا خلقا جديدا، فأصبحت حربهم ليست حربا عابرة، بل هي حرب لها ما بعدها كأية حرب نظامية تتميز بإرادة القتال وبالنظام والتنظيم والاستمرارية.
وكان زيد ذا إرادة قوية ثابتة، استطاع أن يتغلب بسهولة ويسر على كثير من المصاعب والعقبات في سراياه، التي كان أكثرها يتسم بالمغامرة والمشاق، فنجح بفضل إرادة الله على ما صادفه من معضلات ومشاق.
وكان من أولئك القادة الذين يتحملون المسئولية ويتقبلونها قبولا حسنا، ولا يتملصون منها بإلقائها على عواتق الآخرين.
وكان ذا نفسية ثابتة لا تتبدل: لا يطربها النصر فيؤدي بها إلى مزالق الشطط، ولا يقلقها الانتصار فيحملها إلى مهاوي الانهيار، والشطط والانهيار تلحق الكوارث بالقائد ورجاله.
وما دام المرء لا يعمل لنفسه، بل يعمل للمصلحة العامة، وتكون نيته خالصة لوجه الله، فإن نفسيته تكون ثابتة لا تتغير.
وكان عارفا بنفسيات رجاله وقابلياتهم؛ لأنه نشأ بينهم وعمل معهم، وعايشهم طويلا في حالتي الحرب والسلام، إلى جانب النبي ﷺ وأصحابه المقربين وآل بيته الطاهرين، فكان يكلف كل فرد منهم بما يناسب نفسيته وقابليته.
وكان يثق برجاله ثقة مطلقة، ويثق به رجاله ثقة مطلقة، والثقة الأساس
стр. 6565
القوي للتعاون بين القائد وجنوده، ولا تعاون بدون ثقة متبادلة.
وكان يحب رجاله حب الأخ لأخيه، ويحبه رجاله حبا لا مزيد عليه، والحب المتبادل هو العامل الحيوي لإرساء أسس التعاون الوثيق الذي يقود إلى النصر.
وكان يتمتع بشخصية قوية نافذة، جعلت النبي ﷺ يوليه السرايا التي فيها أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح ﵃، ويوليه إمرة المدينة المنورة في بعض غزواته، مما يدل على شخصيته القوية النافذة.
وكانت له قابلية بدنية فائقة، ساعدته على قطع المسافات الشاسعة بسرعة، وتحمل أعباء السفر والقتال، دون كلل ولا ملل ولا تعب ولا إنهاك.
وكان له ماض ناصع مجيد في خدمة الإسلام والمسلمين، وخدمة النبي ﷺ .
وكان يساوي بينه وبين رجاله، لا يستأثر دونهم الخير، ويترك لهم المتاعب، بل يؤثرهم بالأمن والدعة والاطمئنان، ويستأثر دونهم بالأخطار والمصاعب والمشاق.
وكان يستشير أصحابه، وبخاصة ذوي الرأي منهم، ويأخذ بآرائهم ويضعها في حيز التطبيق العملي.
واستنادا إلى مبادئ الحرب، فقد كان زيد يختار مقصده ويديمه، ويفكر في أقوم وسيلة للوصول إليه، ثم يقرر الخطة المناسبة للحصول عليه.
وكانت سرايا زيد كلها تعرضية، تشيع فيها روح المباغتة، وكانت جميع سراياه عدا سرية مؤتة مباغتة كاملة لأعداء المسلمين، لذلك استطاع الانتصار عليهم بالرغم من قلة قواته بالنسبة إلى كثرة قواتهم، وبالرغم من وجودهم في بلادهم بينما كانت خطوط مواصلات زيد بعيدة عن المدينة قاعدة عمليات المسلمين الرئيسة.
стр. 6566
كما أن زيدا كان يحشد قواته قبل الإقدام على خوض المعركة، وكان يديم معنويات تلك القوات، ويمكن اعتبار سراياه في هدفها الرئيس سرايا معنويات بالدرجة الأولى كما ذكرنا من قبل.
وكان يطبق مبدأ الأمن، فلم يستطع العدو مباغتة سرايا زيد في أية معركة خاضها، وحتى سرية مؤتة لم يباغت بتفوق القوات المعادية على قوات المسلمين عددا وعددا. ولكنه اختار لنفسه الشهادة، فكان له ما أراد.
وكانت سرايا زيد تتحلى بالطاعة المطلقة، وهي مما نسميه اليوم: الضبط المتين، كما امتازت سراياه بالشجاعة والإقدام والجلد والصبر والمصابرة وتحمل المشاق، وهي الصفات المعنوية الباقية على الزمان لكل جيش متماسك في كل زمان ومكان.
وكان زيد يتحلى بنفس مزايا جيشه المعنوية، وكان مثالا شخصيا رائعا لسراياه في كل تلك المزايا والصفات.
لقد كان زيد قائدا متميزا حقا.
стр. 6567
زيد في التاريخ:
يذكر التاريخ لزيد، أنه أصاب سباء في الجاهلية، فطوحت به الأقدار بعيدا عن أهله ليصبح في كنف النبي ﷺ قبل مبعثه.
وأن أباه وعمه وإخوته أرادوا فداءه، فاختار النبي ﷺ على أبيه وعمه وإخوته، فارتبط مصيره بالإسلام والمسلمين.
وأنه كان أول من أسلم، أو من أول من أسلم، فكان أول من أسلم من الموالي بدون خلاف.
وأنه رافق النبي ﷺ إلى مدينة الطائف لدعوة بني ثقيف إلى الإسلام، فشهد أقسى ما لاقاه النبي ﷺ من ثقيف في رحلته الصعبة الشاقة.
وأنه هاجر إلى المدينة المنورة، وحمل معه قسما من بنات النبي ﷺ وزوجاته.
стр. 6568
وأنه شهد بدرا وأحدا والخندق وغيرها من غزوات النبي ﷺ ، وأبلى فيها أعظم البلاء.
وأنه تولى قيادة تسع سرايا من سرايا النبي ﷺ ، فكان أكثر قادة النبي ﷺ في قيادة سراياه.
وأنه الوحيد الذي ذكر بالاسم من بين صحابة النبي ﷺ وأصحاب النبيين والمرسلين في القرآن الكريم.
وأنه كان حب رسول الله ﷺ وأبا حبه أسامة بن زيد الكلبي.
وأنه توج حياته الحافلة بالجهاد المتواصل بالشهادة، فضحى بنفسه فداء لعقيدته، ولم يضح بعقيدته فداء لنفسه.
رضي الله عن الصحابي الجليل، القائد الشهيد، الإداري الحازم، حب رسول الله زيد بن حارثة الكلبي.
стр. 6569
ابن خلدون وريادته لعلم تفسير التأريخ
للدكتور / عبد الحليم عويس
أستاذ مشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
من مواليد مصر ١٩٤٣.
عمل بمركز بحوث المناهج بالكويت ومحاضرا بكلية الشريعة بالرياض.
له أكثر من عشرين مؤلفا وعدد من الكتب المحققة.
قام بالإشراف على تحرير بعض المجلات العلمية والصحافية وله مشاركات في كثير من المجلات العربية والإسلامية.
حضر أكثر من ثلاثين مؤتمرا إسلاميا في أنحاء العالم واختير أمينا عاما لبعضها، وشارك في الإعداد لبعضها.
زار معظم أنحاء العالم العربي والإسلامي.
من أهم كتبه: دولة بني حماد في الجزائر، وابن حزم الأندلسي مؤرخا، ودراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية. وسلسلة الملف الفقهي (في كتب) والإسلام كما ينبغي أن نؤمن به. وغيرها من البحوث والدراسات.
стр. 6570
حمدا لله وشكرا له. . .
وبعد،
فإن علامة المغرب الفيلسوف المؤرخ (عبد الرحمن بن خلدون) المولود بتونس سنة ٧٣٢ هـ، والمتوفى بمصر سنة ٨٠٨ هـ، جدير بأن يظل موضوعا متجددا في دراستنا لإسهامات حضارتنا الإسلامية في التأريخ الحضاري الإنساني.
وقد اشتهر هذا الفيلسوف المسلم (بابن خلدون) نسبة إلى جده خالد بن عثمان، وفقا للطريقة المتبعة في المغرب في إضافة واو ونون زيادة في التعظيم.
ولقد كانت نشأته مثل نشأة أترابه في عصره، ففي صباه حفظ القرآن على والده الذي كان معلمه الأول، كما درس إلى جانب والده على عدد من علماء العصر، وقد عني ابن خلدون بذكر أسماء هؤلاء العلماء، وذكر أهم الكتب التي درسها عليهم، غير أن ابن خلدون قد انقطع عن الدراسة في وقت مبكر بسبب هجرة العلماء والأدباء من تونس بعد وباء جارف سنة ٧٥٠ هـ.
- وكان ابن خلدون حينئذ قد بلغ الثامنة عشرة من عمره، فبدأ يشتغل بالوظائف العامة والسياسة، مع متابعة مستمرة للقراءة والاطلاع والكتابة والتعليم.
وأما حياته العملية فقد بدأها ابن خلدون بوظيفة " كتابة العلامة " أي ديوان الرسائل بتونس، ثم تقلب بعد ذلك في البلاد متوليا المناصب المختلفة، وقاسى كثيرا، بل وعانى الأهوال الشديدة من المؤامرات السياسية، بل شارك فيها أحيانا.
стр. 6571
ويرى بعضهم أن ابن خلدون كان ابن عصره، وأننا لا يجوز أن نتصوره تصورا بطوليا منفصلا عن بيئته وظروفها والعصر وتراثه، بل هو - كما يرى هؤلاء- ابن عصره وبيئته، وأنه أفاد من جهود المؤرخين السابقين، وخصوصا بعد أن تحررت فكرة التأريخ من الاعتماد على المنقول، وتعلقت بآفاق من التعدد الثقافي في الحضارات الإنسانية، والتعليل العقلي للمادة التاريخية منذ عصر المسعودي (١).
ونحن نخالف هذا القول بهذا الإطلاق العام، ونعتقد أن عبد الرحمن بن خلدون كان ظاهرة تمثل رد فعل لعصره، وومضة متألقة في بيئة عصره وظروفه، وكأنها ألق الشمس قبل غروب دورة من دورات الحضارة، ونحن مع العلامة (مالك بن نبي) في أن عصر ابن خلدون لم يكن في مستوى ابن خلدون، ولو أنه كان في مستواه لأمكن أن تكون مقدمة ابن خلدون منعطفا جديدا في مسيرة البناء الثقافي الإسلامي.
وقد شهد عصر ابن خلدون سقوط آخر دولة مغربية وأندلسية عظمى، وهي دولة الموحدين التي أسسها المهدي بن تومرت (فكريا) وعبد المؤمن بن علي (سياسيا) قبيل منتصف القرن السادس الهجري، وقد قسمت هذه الدولة إلى ثلاث هي:
الحفصيون في إفريقية (تونس)، وبنو عبد الواد (بنو زيان) في الجزائر، وبنو مرين في المغرب الأقصى.
وقد كان عصره- كعصر ابن حزم الأندلسي في القرن الخامس الهجري - عصر فتن ودسائس وانقسامات، حتى إنه اضطر لأن يغمس يده في هذه الفتن.
على أن هذا لا يجعلنا ننكر تأثر ابن خلدون ببعض المؤرخين المسلمين السابقين الذين كانت تظهر على أيديهم أفكار متكاملة في تفسير التأريخ،
стр. 6572
وعلى رأس هؤلاء الذين تأثر بهم ابن خلدون، بل نقل عنهم واعتمد عليهم، وإن لم يذكر ذلك صراحة (ابن حزم الأندلسي).
بل إن الأمثلة التاريخية التي قدمها ابن خلدون، ليبين بها: " ما يعرض للمؤرخين من المغالط والأوهام، وذكر شيء من أسباب ذلك " قد اقتبس بعضها من موسوعة "الفصل" لابن حزم. وليس هذا فحسب، بل إن ابن خلدون قد اقتبس نقد ابن حزم لهذه الأغلاط والأوهام.
وإن أوفى مقارنة لما كتبه ابن حزم، وهو ينقد التوراة، في كتابه العالمي "الفصل في الملل والأهواء والنحل" ومقدمة ابن خلدون ستوضح لنا مدى اقتباس ابن خلدون عن ابن حزم. حتى في الشواهد والأمثلة، وقد بسطنا ذلك بسطا كافيا في كتابنا عن ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي والحضاري (١).
ولعل ابن خلدون قد أفاد أيضا من الطرطوشي صاحب سراج الملوك، والحق أن ابن خلدون كان قفزة كبرى، ومنعطفا جديدا وخطيرا في مسيرة المنهج التاريخي.
стр. 6573
ابن خلدون رائد عصر جديد في فقه التاريخ:
لقد كانت النظرة التقليدية إلى التأريخ تهتم غاية ما تهتم بجمع الوقائع العسكرية والتحولات السياسية التي تتخذ صور المعاهدات أو التنازلات أو ما إلى ذلك من أمور تتصل بطريق أو بآخر بالخط السياسي والعسكري.
وقلما كان قارئ التاريخ يجد في ثنايا الكتابات الموضوعية أو الحولية البالغة حد المجلدات سطورا أو صفحات تتناول ناحية فكرية أو اعتقادية، أو تحولا اجتماعيا أو اقتصاديا، أو رؤية نفسية، أو نظرة شبه شاملة - فضلا عن النظرة الشاملة- ترصد سائر العوامل المحركة والمهمة في صنع الحدث التاريخي، وهو أمر بسطنا القول فيه من قبل.
стр. 6574
وقد يكون بإمكاننا في هذا البحث أن نقول:
إن ذلك المنهج -بصفة عامة- قد سيطر على حركة التاريخ البشري في سائر كتابات المؤرخين- باستثناء النظرات العارضة التي تناولناها آنفا -حتى ظهر ذلك العملاق العبقري المغربي الأندلسي المسلم عبد الرحمن بن خلدون.
إلا أننا -خضوعا للموضوعية- نضطر إلى القول بأن مؤرخنا المسلم العظيم قد استطاع أن يضع فعلا رؤية تنظيرية لتفسير التأريخ بعوامل مختلفة، سماها طورا العصبية الدينية أو القبلية، وسماها طورا البيئة (أي الأثر الجغرافي) كما ألمع إلى العوامل البيولوجية والاقتصادية. . .
إلا أن المؤرخ الكبير لم يقدم لنا دراسة تاريخية تطبيقية نستطيع أن نتكئ عليها لكي نقول: إنه قد فتح عصرا جديدا في نهج التأليف التاريخي، كما أنه من سوء حظ مؤرخنا الكبير، أن إشعاعاته القوية واجهت أمة نائمة، كانت تعيش فترة اضطراب حضاري، فلم تستطع إيقاعاته بالتالي أن تقوم بدورها في تحريك المجتمع الإسلامي الفوار بالاضطرابات والشرور خلال القرون التي سبقت عصر اليقظة في أوربا. . أي الثامن والتاسع والعاشر للهجرة، (الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر للميلاد).
ومع صخب الصراعات الصغيرة الطائفية في المجتمع الإسلامي العريض ضاعت إيقاعات ابن خلدون. . فلم تظهر إلا بعد أن اكتشف أصداءها أوربيون كانوا يصغون بانتباه حضاري كبير لكل الإيقاعات المنبعثة من أركان العالم الإسلامي المتحضر. وهذا حق لا يمكن إنكاره؛ فإن ابن خلدون كان خميرة قوية، وإن لم نستطع نحن المسلمين الإفادة منها، فإن الأوربيين قد أفادوا منها أي إفادة، ويعتبر ابن خلدون من القلائل الذين ترجمت أعمالهم في وقت مبكر إلى كل لغات العالم الحية تقريبا، وقد كتب الأوربيون حول مقدمته الشهيرة (وهي الجزء الأول من كتابه الكبير " العبر في أخبار العرب والعجم والبربر ومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر) مئات الدراسات، بحيث لا يجد المؤرخ المسلم أي حرج في أن يصرح بأن تأثير فكر ابن خلدون (بمقدمته في تفسير التأريخ وعلم العمران البشري) كان تأثيرا مباشرا وقويا وحاسما في
стр. 6575
يقظة الحضارة الأوروبية. وتعتبر القائمة التي أوردها الدكتور (عبد الرحمن بدوي) حول الدراسات الأوربية عن ابن خلدون (في كتابه عنه) من الأدلة الواضحة على عمق هذا التأثير ووضوحه.
وقد تيقظ الأوربيون منذ بداية عصر النهضة، وبرعوا في النظر إلى التاريخ نظرة أقرب إلى الشمول والتكاملية، فلم يعد التاريخ مجرد حروب ومعاهدات، بل أصبح في رأي أكثرهم:
"الأرض التي يجب أن تقف الفلسفة عليها وهي تنسج سائر ألوان المعرفة في نسيج واحد لينير طريق الحياة الإنسانية ".
ويروج الأوربيون أن " فولتير " هو الذي بدأ هذه النظرة الشاملة للتأريخ، إذ إنه صاحب أول كتاب ذائع الصيت في تطبيق النظرة الجديدة للتأريخ، وهو كتاب: (رسالة في أخلاق الشعوب وروحها ووقائع التاريخ الرئيسية منذ شركمان وحتى لويس الثالث عشر).
لكن الحقيقة أن فولتير مسبوق بكثيرين، لعل من أهمهم " الراهب بوسيه " الذي كان يرى أن التاريخ " دراما إلهية مقدسة، وكل حادثة فيه هي درس من السماء تعلمه للإنسان"، كما سبقه أيضا المؤرخ المشهور " جيوفانو باتستافيكو " الذي كان يعترف بوجود العناية الإلهية، (مثل الراهب بوسيه) ولكنه في الوقت نفسه كان يفسر أحداث التاريخ تفسيرا أرضيا وبشريا خاضعا لقوانين شبه كلية، سواء كانت مسيرة التاريخ في اتجاه صحيح أو اتجاه فاسد.
وقد توصل فيكو إلى تقسيم ثلاثي للتاريخ على أساس أنه ثلاث مراحل (مرحلة الهمجية، ومرحلة البربرية، ومرحلة الحضارة)، وهو تقسيم يذكرنا بتقسيم هيجل، وتقسيم أوجست كونت، وإن كانت ثمة فروق كثيرة بينهم.
وعلى أية حال فإن النظرة الأوربية تعتبر " فولتير " بداية عصر جديد في
стр. 6576
النظرة إلى التأريخ ووظيفته وتفسيره، لدرجة أن " أناتول فرانس " يبالغ فيسمي الفترة التي ظهر فيها " فولتير " "عصر فولتير "، ويبالغ أكثر فيقسم تاريخ الفلسفة إلى عصور أربعة هي: عصر سقراط، وعصر هوراس، وعصر رابلين، وعصر فولتير!!
والحق أن ابن خلدون هو المفتاح الكبير الواضح القسمات والمعالم، والمتكامل الرؤية والمنهج في قضية تفسير التأريخ.
بل إننا نستطيع أن نقول مطمئنين: إن الكتابة التاريخية ينتظمها عصران:
- عصر ما قبل ابن خلدون.
- عصر ما بعد ابن خلدون.
ومهما وجدت نظرات متناثرة في تفسير التأريخ قبل ابن خلدون، أو وجدت كتابات سردية تقليدية بعد ابن خلدون، فإنه من الناحية الرسمية - على الأقل- يعتبر ابن خلدون مفرق طريق بين مرحلتين، وليس ذلك في الفكر التأريخي الإسلامي فحسب، بل في الفكر التأريخي الإنساني كله.
وليست هذه المكانة التي نعطيها لابن خلدون رأيا عنصريا، أو عاطفيا، بل هي حقيقة اعترف بها كبار فلاسفة التاريخ الأوربيين وسجلوها في شهادات صريحة واضحة. فإن أكبر مفسر أوربي للتأريخ في العصر الحديث، وهو الأستاذ " أرنولد توينبي " يتحدث عن ابن خلدون في مواضع كثيرة من كتابه (دراسة للتأريخ)، ويفرد له في المجلد الثالث سبع صفحات (٣٢١ - ٣٢٧)، وفي المجلد العاشر أربع صفحات (٨٤ - ٨٧). وهو يقرر أن ابن خلدون " قد تصور في مقدمته، ووضع فلسفة للتاريخ هي بلا مراء أعظم عمل من نوعه ابتدعه عقل في أي مكان أو زمان " " المجلد الثالث ص ٣٢٢ " (١) وهو يقول عن ابن خلدون في الفقرة نفسها: " إنه لم يستلهم أحداث السابقين، ولا يدانيه أحد من معاصريه، بل لم يثر قبس الإلهام لدى تابعيه، مع أنه في مقدمته للتأريخ العالمي قد تصور وصاغ فلسفة للتاريخ تعد بلا شك أعظم عمل من نوعه ".
стр. 6577
وأما المؤرخ العالمي (روبرت فلنت) فيقول عن ابن خلدون في كتابه الضخم (تأريخ فلسفة التأريخ):
" إنه لا العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط قد أنجب مثيلا له في فلسفة التاريخ، هناك من يتفوقون عليه كمؤرخ، حتى بين المؤلفين العرب، أما كباحث نظري في التأريخ فليس له مثيل في أي عصر أو قطر، حتى ظهر فيكو بعده بأكثر من ثلاثة قرون لم يكن " أفلاطون " أو " أرسطو " أو " سان " أو " غسطين " أندادا له، ولا يستحق غيرهم أن يذكر إلى جانبه. . إنه يثير الإعجاب بأصالته وفطنته، بعمقه وشموله، لقد كان فريدا ووحيدا بين معاصريه في فلسفة التأريخ، كما أن دانتي في الشعر، وروجو بيكون في العلم، لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية، ولكنه وحده الذي استخدمها " (١).
" لم يكن فحسب أعظم مؤرخي العصور الوسطى شامخا كعملاق بين قبيلة من الأقزام، بل كان من أوائل فلاسفة التأريخ سابقا:
ميكيافيلي، وبودان، وفيكو، وكونت، وكورنو "!! (٢).
وبما أن ابن خلدون أسبقهم زمانا وأبعدهم مكانة، كلهم كانوا عالة عليه، فإنه في الحق الإمام لمدرسة فلسفة التأريخ، والفيصل بين مرحلتين حاسمتين في منهج البحث التأريخي، إنه بداية عصر جديد في الكتابة التاريخية نستطيع أن نسميه بلا تحفظ (عصر ابن خلدون).
стр. 6578
ابن خلدون رائد فلسفة التأريخ
ونحن هنا لن نقف طويلا عند ابن خلدون (مؤرخا). وإنما سيقتصر حديثنا على مقدمته، التي تمثل الجزء الأول من موسوعته التاريخية " كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن جاورهم من ذوي
стр. 6579
السلطان الأكبر ". . ففي هذا الجزء الذي كتبه ابن خلدون مقدمة لكتابه الكبير، استطاع أن يقدم إطارا متكاملا لفلسفة نقدية للتاريخ، ويضع في ثنايا ذلك قواعد لعلم الاجتماع البشري " العمران "، لدرجة أن أكثر علماء الاجتماع يعدونه مؤسس علم الاجتماع، أكثر منه مؤسسا لعلم فلسفة التأريخ. والحقيقة أن فلسفة التاريخ ذات وشيجة قوية بعلم الاجتماع، فلا مجال للوقوف عند هذه القضية.
وقبل أن نستخلص أهم المبادئ التي انتهى إليها ابن خلدون نقدم عرضا لهذه (المقدمة) أو هذا الجزء من كتاب " العبر" الذي كان له هذا الأثر في التأريخ.
لقد قسم (١). ابن خلدون (مقدمته) إلى الأجزاء التالية:
(أ) الديباجة: وفيها يذكر ابن خلدون أنه طالع كتب المؤرخين فوجدهم " لم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها، فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح في الغالب كليل "، فوضع هذا الكتاب الذي يصف منهجه فيه قائلا: وسلكت في ترتيبه وتبويبه، واخترعته من بين المناحي مذهبا عجيبا وطريقة مبتدعة وأسلوبا، وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن، وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرفك كيف دخل أهل هذه الدول من أبوابها، حتى تنزع من التقليد يدك، وتقف على أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك ".
وهذه الديباجة لا تعدو أن تكون (مقدمة) للمقدمة، بالمعنى المعروف للمقدمات، من شرح المنهج، ومن بيان الجديد الذي يعتقد الكاتب أن يضيفه وأسباب التأليف ومنهجه الجديد.
стр. 6580
ومن ثم يدخل الكاتب- بعد (مقدمة المقدمة) التي سماها (ديباجة) إلى موضوعه، فيبدأ الحديث تحت عنوان أطلق عليه " المقدمة " مع أنها من صميم بحثه.
(ب) المقدمة: وفيها يتحدث ابن خلدون في فضل علم التأريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط، وذكر شيء من أسبابها، (١) ذلك أن الأخبار "إذ اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحيد عن جادة الصدق، كثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأسبابها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر (٢).
(ج) الكتاب الأول: وفيه يتناول ابن خلدون طبيعة العمران والاجتماع البشري، وقد قسمه إلى ستة أبواب:
الباب الأول: في العمران البشري جملة: فيه مقدمات تتصل بالجغرافية الطبيعية والبشرية، أي أثر البيئة في أبدان البشر وأخلاقهم وأحوالهم.
الباب الثاني: في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل وما يعرض في ذلك من الأحوال، وفيه موازنة بين أهل البدو وأهل الحضر وذكر خصائصهم، وكلام على العصبية والتغلب والملك.
الباب الثالث: وهو في الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية، وفيه كلام عن نشأة الدول وتطورها قوة ثم ضعفا بيان أنه " إذا تحكمت طبيعة
стр. 6581
الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم، وذلك أن للدول أعمارا طبيعية كما للأشخاص، وعمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال؛ لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العين والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد، فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم، فحدهم مرهف وجانبهم مرهوب، والناس لهم مغلوبون، والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الترف والخصب، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به كل الباقين عن السعي فيه. . . وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة، كأن لم يكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ منه الترف غايته. . . فيصيرون عيالا على الدولة. . وتسقط العصبية بالجملة وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة.
الباب الرابع: ويخصه ابن خلدون لظواهر العمران الحضري كنشأة المدن وبناء الهياكل وخرائب الأمصار.
الباب الخامس: وفيه يتناول ابن خلدون المعاش ووجوبه ووجوهه وأصنافه ومذاهبه.
الباب السادس: في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه، وفيه يصف العلم والتعليم بأنها شيء طبيعي في العمران البشري، وأن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة، ويضرب لذلك مثلا حال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة، لما كثر عمرانها في صدر الإسلام، واستوت فيها الحضارة، كيف زخرت فيها بحار العلم، وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم، واستنباط المسائل والفنون، حتى أربوا على المتقدمين، وفاتوا المتأخرين. ولما تناقص عمرانها واندحر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة، وفقد العلم بها والتعليم، وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام " (١).
стр. 6582
وهذه المقدمة، وما تلاها من أجزاء كتابه العبر الذي مثل محاولة إعطاء تاريخ عالمي، هي النظرية المتكاملة الأولى في التأريخ الإنساني، لتفسير التأريخ. . وشأن ابن خلدون فيها هو شأن الذين لحقوه واعتمدوا عليه من الأوربيين وغيرهم، وتعمقت لدى بعضهم مشكلات تفسير التأريخ.
стр. 6583
فعمل ابن خلدون يتسم ب الشروط الأساسية لتفسير التأريخ ، وهي التي لا يقوم (علم تفسير التأريخ) بدونها.
وهذه الشروط هي:
١ - الشمولية العالمية في النظرة إلى التأريخ، أو حسب تعبير بعضهم: " النظرة الكلية "؛ فالتأريخ المحلي أو النظرة الجزئية المحدودة، لا يمكن أن تشكل أساسا لتفسير التأريخ.
ولا ينتظر أن يستقرئ كل مفسر للتأريخ سائر الأمثلة التي تقدمها الوقائع التاريخية في سائر الحضارات، فذلك عمل، وإن كان هدفا مثاليا، إلا أنه تطبيقه من الصعوبة بمكان كبير.
وحسب مفسر التأريخ أن يقدم شرائح من حضارات مختلفة بحيث تكون نتائجها المستخلصة منها صالحة للتكرار والتعميم.
٢ - العلية، فلا تفسير بدون تعليل، ولن تتحقق العبر واستخلاص السنن والقوانين بدون هذه العلية. وأي فلسفة، في أي علم من العلوم، لا بد أن تعتمد التعليل، وهذا من الفروق الأساسية بين المنهج التأريخي التقليدي والمنهج الحضاري أو منهج تفسير التأريخ.
والتعليل -أيضا- لا بد أن يكون قابلا للتكرار، في أطر حضارية أخرى، ولا بد أن يكون (عاما) شأن سائر القوانين. وأما التعليل الجزئي، الذي يشبه " الحكمة " الخاطفة، فلا يرقى إلى التعليل المطلوب لمفسر التأريخ.
والتعليل التاريخي الذي يعتمده مفسر التأريخ، ليس تعليلا جزئيا - كما
стр. 6584
ذكرنا -وليس تعليلا خارجيا، بل هو تعليل باطني (١)، مستقى من الرؤية الشاملة الفلسفية لما يقبع خلف الوقائع الظاهرة. إنه نظر إلى الواقعة من داخلها، ومن نقطة الإحاطة بكل جوانبها، ومن ربطها بإطارها العام، وهذا ما ألمع إليه ابن خلدون بقوله:
" أما بعد، فإن فن التأريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليها الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والأول، والسوابق من القرون والدول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال. وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق " (٢).
٣ - الفكر، فإذا كان المؤرخ مجرد مسجل للحدث، باحث عن الطرق الصحيحة لإثباته، فإن مفسر التأريخ يحتاج إلى عمليات فكرية معقدة، في محاولة لجمع جزئيات الماضي، ولاستحضاره في حاضره، عن طريق بنائه بناء تركيبيا، ولاستخلاص أسباب اتجاهه للإيجاب أو السلب. فالجانب المعرفي والفكري أساسي لمفسر التاريخ.
٤ - الحركة أو " الديناميكية " فالمفسر للتاريخ يقدم لنا صورة تبدو وكأنها إعادة حية (متحركة) للوقائع، حتى نحس بطبيعة العوامل التي تقف خلف الأحداث. ولهذا يلجأ فيلسوف التاريخ لرصد كل العوامل النفسية " والبيولوجية " والفكرية والعقدية والاقتصادية، ويربط بينها ويعطي لكل عامل
стр. 6585
حجمه في مرحلته التاريخية. . . أما المؤرخ فهو يقدم لنا التأريخ أقرب إلى السكونية الجامدة التي تعطينا جانبا معرفيا منظورا، ولا تحرك فينا جوانب الاستحضار والتفاعل، والبصر بالعوامل الباطنية للحدث.
- وفي مقدمة ابن خلدون ومن خلال عرضه، نستطيع أن نتحقق من وجود هذه الشروط التي تجعله مفسرا رائدا للتاريخ، وهي الشروط التي انتهى إليه البحث الفلسفي في التاريخ، كما ذكرنا.