← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على الهرم، وذلك أن للدول أعمارا طبيعية كما للأشخاص، وعمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال؛ لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العين والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد، فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم، فحدهم مرهف وجانبهم مرهوب، والناس لهم مغلوبون، والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى الترف والخصب، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به كل الباقين عن السعي فيه. . . وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة، كأن لم يكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ منه الترف غايته. . . فيصيرون عيالا على الدولة. . وتسقط العصبية بالجملة وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة. الباب الرابع: ويخصه ابن خلدون لظواهر العمران الحضري كنشأة المدن وبناء الهياكل وخرائب الأمصار. الباب الخامس: وفيه يتناول ابن خلدون المعاش ووجوبه ووجوهه وأصنافه ومذاهبه. الباب السادس: في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه، وفيه يصف العلم والتعليم بأنها شيء طبيعي في العمران البشري، وأن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة، ويضرب لذلك مثلا حال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة، لما كثر عمرانها في صدر الإسلام، واستوت فيها الحضارة، كيف زخرت فيها بحار العلم، وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم، واستنباط المسائل والفنون، حتى أربوا على المتقدمين، وفاتوا المتأخرين. ولما تناقص عمرانها واندحر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة، وفقد العلم بها والتعليم، وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام " (١).

стр. 6582

وهذه المقدمة، وما تلاها من أجزاء كتابه العبر الذي مثل محاولة إعطاء تاريخ عالمي، هي النظرية المتكاملة الأولى في التأريخ الإنساني، لتفسير التأريخ. . وشأن ابن خلدون فيها هو شأن الذين لحقوه واعتمدوا عليه من الأوربيين وغيرهم، وتعمقت لدى بعضهم مشكلات تفسير التأريخ.

стр. 6583

فعمل ابن خلدون يتسم ب الشروط الأساسية لتفسير التأريخ ، وهي التي لا يقوم (علم تفسير التأريخ) بدونها. وهذه الشروط هي: ١ - الشمولية العالمية في النظرة إلى التأريخ، أو حسب تعبير بعضهم: " النظرة الكلية "؛ فالتأريخ المحلي أو النظرة الجزئية المحدودة، لا يمكن أن تشكل أساسا لتفسير التأريخ. ولا ينتظر أن يستقرئ كل مفسر للتأريخ سائر الأمثلة التي تقدمها الوقائع التاريخية في سائر الحضارات، فذلك عمل، وإن كان هدفا مثاليا، إلا أنه تطبيقه من الصعوبة بمكان كبير. وحسب مفسر التأريخ أن يقدم شرائح من حضارات مختلفة بحيث تكون نتائجها المستخلصة منها صالحة للتكرار والتعميم. ٢ - العلية، فلا تفسير بدون تعليل، ولن تتحقق العبر واستخلاص السنن والقوانين بدون هذه العلية. وأي فلسفة، في أي علم من العلوم، لا بد أن تعتمد التعليل، وهذا من الفروق الأساسية بين المنهج التأريخي التقليدي والمنهج الحضاري أو منهج تفسير التأريخ. والتعليل -أيضا- لا بد أن يكون قابلا للتكرار، في أطر حضارية أخرى، ولا بد أن يكون (عاما) شأن سائر القوانين. وأما التعليل الجزئي، الذي يشبه " الحكمة " الخاطفة، فلا يرقى إلى التعليل المطلوب لمفسر التأريخ. والتعليل التاريخي الذي يعتمده مفسر التأريخ، ليس تعليلا جزئيا - كما

стр. 6584

ذكرنا -وليس تعليلا خارجيا، بل هو تعليل باطني (١)، مستقى من الرؤية الشاملة الفلسفية لما يقبع خلف الوقائع الظاهرة. إنه نظر إلى الواقعة من داخلها، ومن نقطة الإحاطة بكل جوانبها، ومن ربطها بإطارها العام، وهذا ما ألمع إليه ابن خلدون بقوله: " أما بعد، فإن فن التأريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليها الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والأول، والسوابق من القرون والدول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال. وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق " (٢). ٣ - الفكر، فإذا كان المؤرخ مجرد مسجل للحدث، باحث عن الطرق الصحيحة لإثباته، فإن مفسر التأريخ يحتاج إلى عمليات فكرية معقدة، في محاولة لجمع جزئيات الماضي، ولاستحضاره في حاضره، عن طريق بنائه بناء تركيبيا، ولاستخلاص أسباب اتجاهه للإيجاب أو السلب. فالجانب المعرفي والفكري أساسي لمفسر التاريخ. ٤ - الحركة أو " الديناميكية " فالمفسر للتاريخ يقدم لنا صورة تبدو وكأنها إعادة حية (متحركة) للوقائع، حتى نحس بطبيعة العوامل التي تقف خلف الأحداث. ولهذا يلجأ فيلسوف التاريخ لرصد كل العوامل النفسية " والبيولوجية " والفكرية والعقدية والاقتصادية، ويربط بينها ويعطي لكل عامل

стр. 6585

حجمه في مرحلته التاريخية. . . أما المؤرخ فهو يقدم لنا التأريخ أقرب إلى السكونية الجامدة التي تعطينا جانبا معرفيا منظورا، ولا تحرك فينا جوانب الاستحضار والتفاعل، والبصر بالعوامل الباطنية للحدث. - وفي مقدمة ابن خلدون ومن خلال عرضه، نستطيع أن نتحقق من وجود هذه الشروط التي تجعله مفسرا رائدا للتاريخ، وهي الشروط التي انتهى إليه البحث الفلسفي في التاريخ، كما ذكرنا.

стр. 6586

قوانين ابن خلدون الحضارية وتقويمها - يرى ابن خلدون في تفسيره للتاريخ أن التطور سنة من سنن الله في الحياة الاجتماعية، ويقول: " إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول " (١). وأهم ما يوجه التطور الاجتماعي والعمراني عند ابن خلدون هو نظريته في العصبية، فهي بمثابة المحور الذي تدور حوله معظم المباحث الاجتماعية والتاريخية عنده، وهو يتخذ من هذه الرابطة موضوعا لدراسة شاملة وعميقة فيتكلم عن مصدر العصبية، ويردها إلى الطبيعة البشرية " لأن صلة الرحم طبيعة في البشر إلا في الأقل، ومن صفتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام إن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة: ويدخل في هذه العصبية عنده (عصبة الولاء)، والعصبية عنده من خصائص البادية، وهي ما يفسد بحياة الحضر، ولها أثرها الهام في الحياة الاجتماعية؛ لأن بها يتم التغلب، وبالتغلب يحصل الملك، وهكذا تلعب العصبية دورا هاما في تأسيس الملك وتكوين الدولة، فاتساع الدولة يكون مناسبا مع قوة تلك العصبية، ويلاحظ ابن خلدون نوعا من العلاقة بين قوة العصبية

стр. 6587

وبين أمور الديانة والدعوة الدينية أيضا، ففي رأيه أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم، كما يلاحظ نوعا من المشابهة بين تأثير الدين وبين تأثير العصبية في الحياة الاجتماعية، وهي نظرية موفقة إلى حد كبير في إظهار أوثق أنواع الروابط الاجتماعية، وتعيين أهم أشكال التكاتف الاجتماعي في مثل تلك البيئات الجغرافية وتلك العهود التاريخية، وهي تدل على تفكير فاحص ونافذ ومحيط ومتعمق في درس الحوادث الاجتماعية وتعليل الوقائع التاريخية، كذلك تكشف نظرية ابن خلدون في الدول وأعمارها عن نظرية في التطور الاجتماعي، ذات أبعاد بيولوجية، فالدولة عنده كائن حي يتطور على الدوام وفق نظام ثابت، كما تتطور جميع الكائنات الحية (١). فالحضارة عند ابن خلدون تتعاقب على الأمم في ثلاثة أطوار: هي طور البداوة، ثم طور التحضر، ثم طور التدهور الذي يؤدي إلى السقوط. - فأما طور البداوة فيمثل له ابن خلدون بمعيشة البدو في الصحاري، والبربر في الجبال، والتتار في السهول، وهؤلاء عند ابن خلدون لا يخضعون لقوانين مدنية ولا تحكمهم سوى حاجاتهم وعاداتهم. - وأما طور التحضر: فهو طور تأسيس الدولة عقب الغزو والفتح، ثم الاستقرار في المدن، والتمكن من العلوم والصناعات، وهذا الطور يقوم على الدين والعصبية - وقد عقد ابن خلدون لهذا الفصل فصلا آخر بعنوان " فصل في أن الدولة العامة الاستيلاء، العظيمة الملك، أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق". - وأما طور التدهور: فيأتي في نهاية التحضر، بعد مرحلة الازدهار، ووصول الناس إلى مرحلة الانغماس في الترف، والتحلل في الأخلاق، وتغير العادات إلى المناكر، والتواضع عليها. ويرى ابن خلدون أن مراحل تحضر الدولة هي ذاتها عوامل تدهورها، ذلك أن الحضارة، وإن كانت غاية العمران فهي في الوقت نفسه مؤذنة بنهاية عمره، وأول هذه العوامل هو العصبية التي

стр. 6588

تتسم بها الرياسة والملك، ولكن صاحب الرياسة يطلب بطبعه الانفراد بالملك والمجد، والطبيعة الحيوانية تدفعه إلى الكبر والأنفة، فيأنف من أن يشاركه أهل عصبيته فيدفعهم عن ملكه، ويأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النعمة، حتى يصبحوا بعض أعدائه، وطبيعة التأله في الملوك تدفعه إلى الاستئثار، إذ لا تكون الرياسة إلا بالانفراد، فيجدع أنوف عشيرته وذوي قرباه لينفرد بالملك والمجد ما استطاع، ويعاني الملك في ذلك بأشد مما عانى في إقامة الملك، لأنه كان يدافع الأجانب وكان ظهراؤه على ذلك أهل العصبية أجمعهم، أما حين الانفراد بالملك فهو يدافع الأقارب مستعينا بالأباعد، فيركب صعبا من الأمر. إنه أمر في طبائع البشر لا بد منه في كل الملوك. على أن العامل الحاسم في ضعف الدولة هو الترف، إنه إذا كان قد زاد من قوة الدولة في أولها، فإنه أشد العوامل أثرا في ضعفها وانهيارها، ويفسر ابن خلدون ذلك بأسباب اقتصادية وأخلاقية ونفسية (١). أما العامل الاقتصادي فإن طبيعة الملك تقتضي الترف حيث النزوع إلى رقة الأحوال في المطعم والملبس والفرش والآنية، وحيث تشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة، وحيث إجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل مع التوسعة في الأعطيات على الصنائع والموالي، وإدرار الأرزاق على الجند، ويزيد الانغماس في الترف والنعيم لا من جانب السلطان وبطانته فحسب، بل من جانب الرعية أيضا، إذ الناس على دين ملوكهم (٢). أما العامل الأخلاقي النفسي، الذي يجعل الترف معول هدم يؤدي إلى انهيار الدولة، فمبعثه في رأي ابن خلدون ما يلزم عن الترف من فساد الخلق، فإن عوائد الترف تؤدي إلى العكوف على الشهوات وكثير من مذمومات الخلق، فتذهب عن أهل الحضر طباع الحشمة ويقذعون في أقوال الفحشاء، فضلا عن أن الترف يذهب ويضعف العصبية والبسالة، حتى إذا

стр. 6589

انغمسوا في النعيم أصبحوا عيالا على الدولة، كأنهم من جملة النسوان والولدان المحتاجين إلى المدافعة عنهم، فالترف مفسد لبأس الفرد وشكيمة الدولة، والترف مفسد للخلق بما يحصل في النفس من ألوان الفساد والسفه، والترف مظهر لحياة السكون والدعة ودليل ميل النفس إلى الدنيا والتكالب على تحصيل متعها، حتى يتفشى الخلاف والتحاسد، ويفت ذلك في التعاضد والتعاون، ويفضي إلى المنازعة ونهاية الدولة (١). وقد انتهى ابن خلدون من خلال نظريته في تفسير التاريخ - باستثناء عشرات النظرات والآراء الجزئية - إلى عدد من القوانين اعتبرت جوهر نظريته، وهي: ١ - أن تطور التاريخ يخضع للتدافع والصراع والتفاعل. ٢ - أن العصبية الدينية والقبلية لها دور أساسي في بناء الدول. ٣ - أن الحضارة كالكائن الحي في تطوره من البداوة إلى الحضارة ثم الاضمحلال. ٤ - وأن الدول كالأفراد تخضع لدورة الحياة الفردية نفسها حتى تموت. ٥ - أن العوامل الجغرافية والبيئية مؤثرة في التاريخ. ٦ - أن للاقتصاد دورا مهما في العمران البشري. ٧ - أن الدول تسقط بسقوط العصبية والولاء للدين. ٨ - أن العرب (والإنسانية كلها) لا تصلح بغير الدين. إنني هنا لا أحاول القيام بعملية استقصائية للنظرية الخلدونية في تفسير

стр. 6590

التأريخ، لكن الذي أردت الوقوف عنده هو المكانة التي تبوأتها الفكرة الخلدونية في تفسير التأريخ، سواء في الحضارة الإسلامية أو في الفكر التأريخي الإنساني. لقد شكلت مقدمة ابن خلدون منعرجا حاسما في كيفية فهم الإنسان لتأريخه وتقويمه له. وما يرجو منه من كشف، لا عن ماضيه فحسب، بل خاصة عن تطور الجنس الذي ينتمي إليه ومصيره. لقد كانت الكتابة التاريخية - قبل ابن خلدون - وعلى امتداد التاريخ كله، باستثناء الشذرات التي ألمعنا إليها. . . - كانت هذه الكتابات تنظر إلى التأريخ على أنه مجرد رواية صادقة، ووثيقة مؤكدة في نسبتها إلى صاحبها وعصرها وسلامة مضمونها، ومعلومات جزئية غايتها الإلمام بحوادث الماضي والإحصاء العددي لها. . . أجل: حاول الإنسان أولا - أن يؤرخ للحوادث البارزة، أي أن يكون لنفسه، ولعشيرته، ولقومه ذاكرة تحفظ المفاخر خاصة، وتضبط أزمانها حسب السنوات، من دون أن يحاول أن يفهم فهما عقليا عميقا ضرورة بروزها في زمن وبيئة خاصة، وسر تداخلها، ومدى تأثيره على جنسه كإنسان يقطع النظر عن النظرة الجزئية المحدودة. - وعلى الرغم من الومضات الصادرة من حين إلى حين في بعض أحقاب التأريخ، وعلى يد بعض الأفذاذ الذين ألمعنا إليهم، فإن التأريخ بقي محصورا في دائرة الحفظ التسجيلي للوقائع، مع توخي الصدق، والتحري في الرواية. ولعل مرحلة الصدق والتحري ودراسة الوثائق، بل الاعتماد عليها، هي أفضل ما استطاع المنهج التأريخي أن يصل إليه قبل عصر ابن خلدون. وما إن جاء مؤرخنا المسلم العظيم حتى بدأ التأريخ - كما يقول (إيف لاكوست) ( Yves Lacaste) " يكتسي صبغته العلمية ". - لقد فهم (ابن خلدون) علاقة التفاعل المتبادلة، التي تربط الإنسان بتأريخه. . . وقد أسماها ابن خلدون " التغلبات للبشر بعضهم على بعض "،

стр. 6591

وقامت بعد ابن خلدون نظريات عالية الصوت، تتحدث عن الصراع، وعن " الديالكتيك " وعن " الجدلية المادية " و" الجدلية الفكرية ". . . كلها قد اتكأت على هذا القائد العظيم، وانحرفت عنه يمينا أو يسارا. إن ابن خلدون قدم المحاولة العلمية الأولى التي تخصصت في تفسير التأريخ، وهي محاولة اعتمدت على المنهج القرآني، ولم تنفصل عنه. . . لقد صور ابن خلدون حقيقة التأريخ بكل وضوح في عبارته المشهورة: " حقيقة التأريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني، الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال (١). ويعلق أحد المؤرخين المعاصرين (٢) على رؤية ابن خلدون للتأريخ- كما صورتها عبارته السابقة- فيقول: إن هذا التعريف للتأريخ يدهشنا، إذ هو تعريف له كما نفهمه نحن اليوم، بل كما يفهمه أنصار الحركة التجريدية الذين حملوا حملة شعواء في مؤتمر سنة ١٩٥٠ بباريس، على من بقي من المؤرخين متمسكا بالطريقة التقليدية في رواية الحوادث واعتبار التأريخ يكفي أن يكون سجلا لها. فابن خلدون يريد عكس ذلك، فهو يريد أن يجعل من التأريخ أداة كشف عن سر " الاجتماع الإنساني "، وعن خروج هذا الإنسان من " التوحش " إلى " التأنس " بفضل الله، ثم بفضل الصراع الجدلي الذي يعبد سبيله، عبر عقبات متجددة، نحو إنسية أكمل، عن طريق الرقي المستمر الناشئ حتما عما " ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع

стр. 6592

وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال"، وطبيعة الأحوال هذه التي يشير إليها ابن خلدون، ويعتبرها القانون الذي بمقتضاه يسير التطور الضروري الذي لا يعاند، إنما هي سنة الله التي توجه شراع الخليقة، لينة تارة، عنيفة أخرى، والتي أشار إليها القرآن في أكثر من آية، وهكذا يصبح التأريخ، استكشافا كليا لتطور الإنسان، ومحاولة حل للغز وضعه اليوم في هذا الكون، ولمصيره العاجل أو الآجل. ولئن كان ابن خلدون لم يطبق كثيرا من آرائه هذه الطموحة الجريئة في كتاب العبر، فإن ذلك لا يسلب فضل التعبير عنها بغاية الدقة والوضوح. فإنه كان من المستحيل علميا- لا سيما في زمانه، تطبيقها من طرف باحث واحد، في موسوعة فتحت صفحاتها لتاريخ العالم الإسلامي بأكمله - ولعل استعصاء تطبيق هذه الآراء في كتاب (العبر) هو الذي جعل ابن خلدون يضمن خلاصة أفكاره وعبره واعتباراته خاصة في (المقدمة). وهكذا فتح أبوابها للاجتماع والاقتصاد والمؤسسات، وضروب الثقافات والعلوم. لأن كل ذلك إن لم يكن تاريخا صرفا بالمعنى الضيق، فلا غنى للمؤرخ عنه، ولا سبيل لفهم الإنسان بدونه. وهكذا كان ابن خلدون عملاقا، يقف متفردا، كحد فاصل بين مرحلتين متميزتين في المنهج التأريخي، وقد أعطى بهذا المنهج المتفرد سبقا للحضارة الإسلامية، التي كان لها الفضل الكبير في الانتقال بالتأريخ من مرحلة الجمع إلى مرحلة التفسير، ومن منهجية التوثيق إلى منهجية التمحيص والتركيب الفلسفي الذي يمثل مرحلة جديدة في الرشد العقلي للإنسانية كلها.

стр. 6593

العقيدة الطحاوية تعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله رب العالمين، قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي - بمصر. ﵀: هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين. وما يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين. نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله. ولا شيء يعجزه. ولا إله غيره. قوله: (نقول في توحيد الله. . إلخ) اعلم (أن التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب ينقسم إلى أقسام ثلاثة حسب استقراء النصوص من الكتاب والسنة، وحسب واقع المكلفين. القسم الأول: توحيد الربوبية، وهو توحيد الله بأفعاله سبحانه، وهو الإيمان بأنه الخالق الرازق المدبر لأمور خلقه المتصرف في شئونهم في الدنيا والآخرة لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ (٢) الآية، وهذا النوع قد أقر به المشركون عباد الأوثان، وإن جحد أكثرهم البعث والنشور، ولم يدخلهم في الإسلام لشركهم بالله في العبادة وعبادتهم الأصنام والأوثان معه سبحانه، وعدم إيمانهم بالرسول محمد ﷺ . القسم الثاني: توحيد العبادة، ويسمى توحد الألوهية، وهي العبادة، وهذا القسم هو الذي أنكره المشركون فيما ذكر الله عنهم سبحانه بقوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (٣) ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٤) وأمثالها كثير، وهذا القسم يتضمن إخلاص العبادة لله وحده والإيمان بأنه المستحق لها، وأن عبادة ما سواه باطلة، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله، كما قال الله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٥) الآية من سورة الحج. القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو الإيمان بكل ما ورد في كتاب الله العزيز، وفي السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، من أسماء الله وصفاته، وإثباتها لله سبحانه على الوجه الذي يليق به، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٦) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٧) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٨) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٩)، وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١٠)، وقال : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١١)، وقال سبحانه في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١٢)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، والمثل الأعلى هو الوصف الأعلى الذي لا نقص فيه، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان، يمرون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، ويثبتون معانيها لله سبحانه إثباتا بريئا من التمثيل، وينزهون الله سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من التعطيل، وبما قالوا تجتمع الأدلة من الكتاب والسنة وتقوم الحجة على من خالفهم، وهم المذكورون في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٣) جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، والله المستعان.

стр. 6594

قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء. لا يفنى ولا يبيد. ولا يكون إلا ما يريد. لا تبلغه الأوهام. ولا تدركه الأفهام. ولا يشبه الأنام. حي لا يموت، قيوم لا ينام. خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة. مميت بلا مخافة. باعث بلا مشقة. مازال بصفاته قديما قبل خلقه. لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته. وكما كان بصفاته أزليا. كذلك لا يزال عليها أبديا. ليس بعد خلق الخلق

стр. 6595

استفاد اسم (الخالق). ولا بإحداث البرية استفاد اسم (الباري). له معنى الربوبية ولا مربوب. ومعنى الخالق ولا مخلوق. كما أنه محيي الموتى بعدما أحيا. استحق هذا الاسم قبل إحيائهم. كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم. ذلك بأنه على كل شيء قدير، كل شيء إليه فقير. كل أمر عليه يسير. لا يحتاج إلى شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) خلق الخلق بعلمه. وقدر لهم أقدارا. وضرب لهم آجالا. ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم. وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم. وأمرهم بطاعته. ونهاهم عن معصيته. كل شيء يجري بتقديره ومشيئته. ومشيئته تنفذ. لا مشيئة للعباد. إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان. وما لم يشأ لم يكن. يهدي من يشاء. ويعصم ويعافي فضلا. ويضل من يشاء. ويخذل ويبتلي عدلا. كلهم يتقلبون في مشيئته، بين فضله وعدله. وهو متعال عن الأضداد والأنداد. لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده. وأن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى. وأنه خاتم الأنبياء. وإمام الأتقياء. وسيد المرسلين. وحبيب رب العالمين. كل دعوى النبوة بعده فغي وهوى. وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى. بالحق والهدى. وبالنور والضياء. وأن القرآن كلام الله. منه بدا بلا كيفية قولا. وأنزله على رسوله وحيا. وصدقه المؤمنون على ذلك حقا. وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة. ليس بمخلوق ككلام البرية. فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر. وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر. حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٢)

стр. 6596

فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (١) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر. ولا يشبه قول البشر. قوله: (قديم بلا ابتداء) هذا اللفظ لم يرد في أسماء الله الحسنى كما نبه عليه الشارح ﵀ وغيره، وإنما ذكره كثير من علماء الكلام ليثبتوا به وجوده قبل كل شيء. وأسماء الله توقيفية، لا يجوز إثبات شيء منها إلا بالنص من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة، ولا يجوز إثبات شيء منها بالرأي كما نص على ذلك أئمة السلف الصالح، ولفظ القديم لا يدل على المعنى الذي أراده أصحاب الكلام؛ لأنه يقصد به في اللغة العربية المتقدم على غيره، وإن كان مسبوقا بالعدم، كما في قوله سبحانه: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٢) وإنما يدل على المعنى الحق بالزيادة التي ذكرها المؤلف، وهو قوله: (قديم بلا ابتداء)، ولكن لا ينبغي عده في أسماء الله الحسنى؛ لعدم ثبوته من جهة النقل، ويغني عنه اسمه سبحانه الأول كما قال : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ (٣) الآية، والله ولي التوفيق.

стр. 6597

ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر. فمن أبصر هذا اعتبر. وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر. والرؤية حق لأهل الجنة. بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (١) ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢). وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد. لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا. ولا متوهمين بأهوائنا. فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ﷺ ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه. ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام. فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه. حجبه مرامه عن خالص التوحيد. وصافي المعرفة. وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب. والإقرار والإنكار. موسوسا تائها شاكا، لا مؤمنا مصدقا، ولا جاحدا مكذبا. ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية- بترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين ومن لم يتوق النفي والتشبيه. زل ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية. منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية. وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.

стр. 6598

والمعراج حق. وقد أسري بالنبي ﷺ . وعرج بشخصه في اليقظة. إلى السماء. ثم إلى حيث شاء الله من العلا. وأكرمه الله بما شاء. وأوحى إليه ما أوحى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (١)، فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى. والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته حق. والشفاعة التي ادخرها لهم حق. كما روي في الأخبار. والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق. وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة. وعدد من يدخل النار جملة واحدة. فلا يزاد في ذلك العدد، ولا ينقص منه. وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه. كل ميسر لما خلق له. والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله. وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه. لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة للخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة. فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢).

стр. 6599

فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب. ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين. قوله تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات والجهات الست كسائر المبتدعات، هذا الكلام فيه إجمال قد يستغله أهل التأويل والإلحاد في أسماء الله وصفاته، وليس لهم بذلك حجة؛ لأن مراده ﵀ تنزيه البارئ سبحانه عن مشابهة المخلوقات، لكنه أتى بعبارة مجملة تحتاج إلى تفصيل حتى يزول الاشتباه، فمراده بالحدود يعني التي يعلمها البشر، فهو سبحانه لا يعلم حدوده إلا هو سبحانه؛ لأن الخلق لا يحيطون به علما كما قال في سورة طه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (١) ومن قال من السلف بإثبات الحد في الاستواء أو غيره، فمراده حد يعلمه الله سبحانه ولا يعلمه العباد، وأما الغايات والأركان والأعضاء والأدوات فمراده ﵀ تنزيهه عن مشابهة المخلوقات في حكمته وصفاته الذاتية من الوجه واليد والقدم ونحو ذلك، فهو سبحانه موصوف بذلك، لكن ليست صفاته مثل صفات الخلق، ولا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، وأهل البدع يطلقون مثل هذه الألفاظ لينفوا بها الصفات بغير الألفاظ التي تكلم الله بها وأثبتها لنفسه، حتى لا يفتضحوا وحتى لا يشنع عليهم أهل الحق. والمؤلف الطحاوي ﵀ لم يقصد هذا المقصد لكونه من أهل السنة المثبتين لصفات الله وكلامه في هذه العقيدة يفسر بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، ويفسر مشتبهه بمحكمه، وهكذا قوله لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات مراده الجهات الست المخلوقة، وليس مراد نفي علو الله واستوائه على عرشه؛ لأن ذلك ليس داخلا في الجهات الست، بل هو فوق العالم، ومحيط به، وقد فطر الله عباده على الإيمان بعلوه سبحانه، وأنه في جهة العلو، وأجمع أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان على ذلك، والأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة كلها تدل على أنه في العلو سبحانه، فتنبه لهذا الأمر العظيم أيها القارئ الكريم، واعلم أنه الحق وما سواه باطل، والله ولي التوفيق.

стр. 6600

فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى. وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر. ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود. ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم. فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن، لم يقدروا عليه. ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنا، لم يقدروا عليه. جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه. فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما. ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير. ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه. وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وبربوبيته. كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١)

стр. 6601

﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (١). فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما. وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما. لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما. وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما. والعرش والكرسي حق. وهو مستغن عن العرش وما دونه. محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه. مراده ﵀ بالعلم المفقود هو علم الغيب، وهو مختص بالله ، ومن ادعاه من الناس كفر لقول الله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٢) الآية، وقوله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) الآية. وقول النبي ﷺ : «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله. ثم تلا قوله سبحانه: (٥)» الآية. ولأحاديث صحيحة كثيرة وردت في الباب تدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، مع أنه أفضل الخلق وسيد الرسل، فغيره من باب أولى، وهو ﷺ لا يعلم من ذلك إلا ما علمه إياه سبحانه، ولما تكلم أهل الإفك في عائشة ﵂ لم يعلم براءتها إلا بنزول الوحي، ولما ضاع عقدها في بعض أسفاره ﷺ بعث جماعة في طلبه، ولم يعلم مكانه، حتى أقاموا البعير فوجدوه تحته، والأدلة من الكتاب والسنة في هذا كثيرة والحمد لله.

стр. 6602

ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا. وكلم الله موسى تكليما. إيمانا وتصديقا وتسليما. ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين. ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين. ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين. ولا نخوض في الله. ولا نماري في دين الله. ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين. نزل به الروح الأمين. فعلمه سيد المرسلين محمدا ﷺ ، وهو كلام الله تعالى. لا يساويه شيء من كلام المخلوقين. ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين. ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله قوله: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) مراده ﵀ أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون المسلم الموحد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه كالزنا وشرب الخمر بالربا وعقوق الوالدين وأمثال ذلك، ما لم يستحل ذلك، فإن استحله كفر لكونه بذلك مكذبا لله ولرسوله، خارجا عن دينه، أما إذا لم يستحل ذلك فإنه لا يكفر عند أهل السنة والجماعة، بل يكون ضعيف الإيمان، وله حكم ما تعاطاه من المعاصي في التفسيق وإقامة الحدود وغير ذلك، حسبما جاء في الشرع المطهر، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سلك مسلكهم الباطل، فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعتزلة يجعلونه في منزلة بين المنزلتين، يعني بين الإسلام والكفر في الدنيا، وأما في الآخرة فيتفقون مع الخوارج بأنه مخلد في النار، وقول الطائفتين باطل بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وقد التبس أمرهما على بعض الناس لقلة علمه، ولكن أمرهما بحمد الله واضح عند أهل الحق كما بينا، وبالله التوفيق. .

стр. 6603

ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله. نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا

стр. 6604

نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم ولا نقنطهم. والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة. مراده ﵀ إلا من شهد له الرسول بالجنة كالعشرة ونحوهم، كما يأتي ذلك في آخر كلامه. مع العلم بأن من عقيدة أهل السنة والجماعة الشهادة للمؤمنين والمتقين على العموم بأنهم من أهل الجنة، وأن الكفار والمشركين والمنافقين من أهل النار، كما دلت على ذلك الآيات الكريمات والسنة المتواترة عن رسول الله ﷺ ، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (١)، وقوله عز وحل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٢) في آيات كثيرات تدل على هذا المعنى، وقوله سبحانه في الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٤) في آيات أخرى تدل على هذا المعنى، وبالله التوفيق

стр. 6605

ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه. هذا الحصر فيه نظر؛ فإن الكافر يدخل في الإسلام بالشهادتين إذا كان لا ينطق بهما، فإن كان ينطق بهما دخل في الإسلام بالتوبة مما أوجب كفره، وقد يخرج من الإسلام بغير الجحود لأسباب كثيرة بينها أهل العلم في باب حكم المرتد، من ذلك طعنه في الإسلام أو في النبي ﷺ ، أو استهزاؤه بالله ورسوله أو بكتابه أو بشيء من شرعه سبحانه؛ لقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) ومن ذلك عبادته للأصنام أو الأوثان أو دعوته الأموات والاستعانة بهم وطلبه منهم المدد والعون ونحو ذلك؛ لأن هذا يناقض قول: لا إله إلا الله؛ لأنها تدل على أن العبادة حق لله وحده. ومنها الدعاء والاستعانة والركوع والسجود والذبح والنذر ونحو ذلك، فمن صرف منها شيئا لغير الله من الأصنام والأوثان والملائكة والجن وأصحاب القبور وغيرهم من المخلوقين، فقد أشرك بالله ولم يحقق قول: لا إله إلا الله. وهذه المسائل كلها تخرجه من الإسلام بإجماع أهل العلم، وهي ليست من مسائل الجحود بأدلتها معلومة من الكتاب والسنة، وهناك مسائل أخرى كثيرة يكفر بها المسلم، وهي لا تسمى جحودا، وقد ذكرها العلماء في باب حكم المرتد، فراجعها إن شئت، وبالله التوفيق.

стр. 6606

والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان. هذا التعريف فيه نظر وقصور، والصواب الذي عليه أهل الملة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها، فراجعها إن شئت، وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة، وليس الخلف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظيا، بل هو لفظي ومعنوي، ويترتب عليه أحكام كثيرة يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة، والله المستعان.

стр. 6607

وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق. والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى. ومخالفة الهوى وملازمة الأولى. والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، أكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن. والإيمان: هو الإيمان بالله. وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى. ونحن مؤمنون بذلك كله. لا نفرق بين أحد من رسله. ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به. وأهل الكبائر (من أمة محمد ﷺ في النار، لا يخلدون إذا ماتوا، وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين. بعد أن لقوا الله عارفين (مؤمنين)، وهم في مشيئته وحكمه. إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله. كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). وإن شاء عذبهم في النار بعدله. ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته. وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته. ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته. ولم ينالوا من ولايته. اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به. ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم. ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى. ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف. ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا. وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا

стр. 6608

بمعصية. وندعو لهم بالصلاح والمعافاة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة. ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة. ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه. ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر. كما جاء في الأثر. والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلها شيء ولا ينقضه. ونؤمن بالكرام الكاتبين فإن الله قد جعلهم علينا حافظين. ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين. وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم. قوله: (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء) هذا فيه نظر، بل هو باطل، فليس أهل الإيمان فيه سواء، بل هم متفاوتون تفاوتا عظيما، فليس إيمان الرسل كإيمان غيرهم، كما أنه ليس إيمان الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة ﵃ مثل إيمان غيرهم، كما أنه ليس إيمان المؤمنين كإيمان الفاسقين، وهذا التفاوت بحسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته، وما شرعه لعباده، وهو قول أهل السنة والجماعة، خلافا للمرجئة ومن قال بقولهم، والله المستعان.

стр. 6609

والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. ونؤمن بالبعث جزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان، والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان. وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، كل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما خلق له. والخير والشر مقدران على العباد. والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به، فهي مع الفعل. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع. والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل. وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).

стр. 6610

وأفعال العباد خلق لله. كسب من العباد. ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير (لا حول ولا قوة إلا بالله)

стр. 6611

نقول: لا حيلة لأحد ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد عن معصية الله، إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله. هذا غير صحيح، بل المكلفون يطيقون أكثر مما كلفهم به سبحانه، ولكنه لطف لعباده ويسر عليهم ولم يجعل عليهم في دينهم حرجا؛ فضلا منه وإحسانا. والله ولي التوفيق

стр. 6612

وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها. وغلب قضاؤه الجهل كلها. يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا، تقدس عن كل سوء وحين وتنزه عن كل عيب وشين ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١). وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات. والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات ويملك كل شيء. ولا يملكه شيء. ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين. والله يغضب ويرضى. لا كأحد من الورى. ونحب أصحاب رسول الله ﷺ . ولا نفرط في حب أحد منهم. ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.

стр. 6613

ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له، وتقديما على جميع الأمة. ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁. ثم لعلي بن أبي طالب ﵁. وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون. وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ . وقوله الحق. وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة. ﵃ أجمعين. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ . وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس. فقد برئ من النفاق. وعلماء السلف من السابقين. ومن بعدهم من التابعين. أهل الخير والأثر،

стр. 6614

وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم. ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء. ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها. وخروج دابة الأرض من موضعها. ولا نصدق كاهنا ولا عرافا. ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ونرى الجماعة حقا وصوابا. والفرقة زيغا وعذابا. ودين الله في الأرض والسماء واحدا. وهو دين الإسلام. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١). وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، وهو بين الغلو والتقصير. وبين التشبيه والتعطيل. وبين الجبر والقدر. وبين الأمن والإياس. فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا. ونحن براء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه. ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان. ويختم لنا به. ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الردية. مثل المشبهة. والمعتزلة. والجهمية. والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة. وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء وهم عندنا ضلال وأردياء. وبالله العصمة والتوفيق.

стр. 6615

الشريعة الإسلامية منهاج رباني مصون عن التزوير، غني عن التطوير للشيخ سعد بن إبراهيم الخرعان [كلمة تعقيب للباحث العلمي بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء سعد بن إبراهيم الخرعان ردا على ما ادعاه المدعو: عبد الله أحمد النعيم من احتياج التشريع الإسلامي للتطوير.] الحمد لله القائل لنبيه في محكم التنزيل: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه نبينا محمد القائل: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (٣)». وعلى آله وصحبه، أما بعد: فقد كتب المدعو عبد الله أحمد النعيم مقالا في مجلة يصدرها المعهد البابوي، ونشر مضمونه في مجلة المنهل للسنة ٤٩ - المجلد ٤٥ - جمادى الأولى والآخرة سنة ١٤٠٣ هـ، وقد احتوى المقال على عبارات ملتوية، وتساؤلات مشبوهة وراءها ما ظاهره يستوجب الرد نصيحة لله ولكتابه ولرسوله

стр. 6616

وللأئمة المسلمين وعامتهم؛ إذ هو مقتضى المصلحة الشرعية، وواجب الأمانة العلمية. فإلى القراء الكرام نسوق نص بعض عبارات المقال للوقوف عليه مع التعقيب، إذ قال: (حقوق الإنسان في الإسلام) ضرورة تطوير التشريع الإسلامي. هذه أول عبارة عنون بها المقال، فالمتوقع أن يتحدث بكل أمانة عن حقوق مسمى الإنسان جملة وتفصيلا، ليضيف شيئا جديدا مما كرم الله به الإنسان في شرعته الحقة الخالدة، أو يذكر القراء بما علم إشادة بعدالة الإسلام، ولا سيما الأنظمة الوضعية التي ما ثمرتها إلا مثل ما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) لكن الكاتب نكص على عقبيه، فإذا به يحصر مسمى الإنسان تحت عنوانه في المرأة وغير المسلمين فحسب (وإن حقوقهما في الإسلام التميز ضدهما). والرد على هذا الزعم نقول: لا شك أن التشريع الإسلامي متميز، لكن ليس متحيزا ضد أحد، وإنما إنزال لكل منزلته، وإيتاء كل ذي حق حقه؛ لأنه تشريع من رب العباد للعباد منهج رشد وحكم وعدل. ولست أدري مكمن الضدية في جانب المرأة في نظر الكاتب، أهو جعلها على النصف من الرجل في بعض المسائل كبعض مسائل الميراث كميراث الأخت مع أخيها عند اتحاد ملتهما وكمال حريتهما، وجعل دينها وشهادتها فيما يشتركان فيه على النصف، أو لكونها لا تملك حق الطلاق وعقد النكاح، أو أنها كلفت بالاحتشام وتجنب التبرج والاختلاط مع من ليس بمحرم، أو الخلوة به في الأعمال الوظيفية أو غيرها مما به صيانة دينها وحفظ كرامتها وعرضها لتكون المرأة الصالحة لوظيفتها الشرعية بالمعنى الأوسع. إن هذه المسائل وأمثالها مما استقر حكمها بنصوص القرآن والسنة هي عين

стр. 6617

الحكمة ومقتضى الفطرة، فلا تميز وتحيز، إذ هي في الإسلام أم أو أخت ذات قربى لها حق البر والصلة، أو زوجة لها فيه حق الرعاية وواجب القوامة بالمعروف، وهو في التشريع واضح جلي لا ينكره إلا متفلسف ذو هوى يريد إيهام المرأة لإقحامها في بؤرة الغواية ومنعطفات الانحراف باسم الحرية والمساواة الإنسانية دونما قيد شرعي أو وازع عقلي. وما واقع المرأة في غير الإسلام إلا ما هو مشاهد مما يحزن القلوب ويندى الجبين. أما ما تطرق إليه الكاتب بعبارة مجملة في جانب حقوق غير المسلمين في الإسلام بالضدية، فهو كزعمه الإجحاف نحو النساء دعوى مجردة من الصحة وتجاهل سافر لواقع التشريع الإسلامي تجاههما، بل تحامل لا مبرر له؛ إذ ذكر ما اعتبره مساوئ مجحفة وتعامى عن محاسن التشريع، وكله محاسن، ولا يقدح في الشريعة سوء الفقه فيها أو التطبيق لها من جاهل أو ذي هوى يهدف إلى إثارة ضغائن غير المسلمين على الإسلام وأهله، فماذا يريد منه تجاه غير المسلمين، وهم ما بين مشرك وثني، أو ملحد دهري، أو كتابي يهودي متعصب، أو نصراني ضال، حين قال الكاتب: ولكن إنسانية اليوم تطالب بأن يستلهم التشريع أكبر قدر ممكن من التوازن، فتصبح المساواة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية حقا قانونا تفرضه وتنفذه الشريعة الإسلامية. أرأيت أيها القارئ الكريم رأي الكاتب ومطلبه من أن تكون الشريعة الإسلامية شرطي حراسة وأداة تنفيذ لرغبة علمانية في هذه القضايا الحيوية الثلاث، ومن ثم فالكل سواء في تركة مالية، ميراث الأخت كأخيها سواء بسواء، اتحدت الملة أو اختلفت، وكذا غيرها، ومثل هذه التسوية في مقادير الديات وغيرها، وإلغاء حكم الجزية لمساواة غير المسلم بالمسلم، وكذلك الشأن في الأمور السياسية إسقاط التميز في استحقاق منصب الزعامة وزمام القيادة وولاية القضاء وغير هذا بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم، أيا كانت ملته ونحلته؛ لجامع مسمى الإنسانية في هاتين القضيتين، وثالثتهما الناحية الاجتماعية، فمن لازم ذلك المطلب عدم اعتبار قوامة الرجل وما ميزته به الشريعة الإسلامية من كونه المستحق لعقد النكاح أو حل عقدته بالطلاق دون المرأة، ومن كون

стр. 6618

غير المسلم لا يحل له أن ينكح مسلمة أو تبقى في عصمته إن كان مؤمنا فارتد بعد الإيمان، ونحو هذه الميزات الشرعية؛ لعلو وشرف مرتبة الإيمان على مرتبة مسمى الإنسانية شرعا وعقلا ومنطقا وواقعا، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢) ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣) ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٥) هذا نص بأن لا تسوية في الثواب والمنزلة في الآخرة، فكذلك في الدنيا. وهذا التميز الحق هو من آثار حكمة الله وعدله بين عباده، كما أنه من آثار رحمته بهم؛ إذ هو في حقيقته حافز المزيد من الهدى والترفع عن أسباب الردى والوصول بالإنسانية إلى شاطئ النجاة وأسباب السعادة في الدارين تحت مظلة الأخوة الإيمانية وترابطها كالجسد الواحد، كما قال النبي ﷺ في وصف المؤمنين: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (٦)». فأين واقع العلمانية المتناحرة من واقع الأخوة الإيمانية والإنسانية الإسلامية المتراحمة؟ وليس معنى ما تقدم من فوارق شرعية بين الرجل والمرأة، وبين المسلم وغير المسلم أنه فارق مطرد في أحكام الدنيا وجوانب شئون الحياة تجاه هذين الصنفين من البشر: المرأة وغير المسلمين. كلا، بل هناك مساواة في أمور جوهرية لا يتسع المقام لتفصيلها في عجالة مقال مثل هذا، لكن على سبيل المثال: المساواة في نظرة الإحسان ومقام العدل في الأحكام وعدم التعدي في النفس والعرض والمال والمعارف ما استقام غير المسلم على عهده ووفى بعقده ذكرا كان أو أنثى، سلما وحربا ثابتة معلومة، كما أن باب الاجتهاد

стр. 6619

مفتوح فيما لا نص فيه، أما ما استقر حكمه بنص قطعي فلا. فإلى معشر القراء سيق بيان ما سلف من واقع النصيحة، للوقوف على مثل هذا التنقص للتشريع الإسلامي من الكاتب، إما جهلا بحقائق التشريع ومقاصده وإما غير ذلك، مما أمر باطنه فيه إلى الله تعالى، هداه الله ليعرف حقائق التشريع بعين البصيرة كما رآها علماء الإسلام والفقه فيه، وتلقتها الأمة المسلمة الواعية بالقبول جيلا بعد جيل، دونما طعن ولا اتهام، ودونما تزوير أو تغيير، وما ذاك إلا أنها إطار لشريعة متكاملة خالدة إلى أن يرث الله- مشرعها- الأرض ومن عليها، لا كما زعمه الكاتب حيث قال: (وإذا كان التشريع لا يفي بحاجات اليوم فهو على أي حال مرحلي، ولم يكن مقصودا ليبقى في جميع صوره وأحكامه العامة إلى الأبد). وإذ حررنا هذا لنضرع إلى الله أن يمنح الجميع الفقه في الدين، وأن لا يجعلنا وإخواننا المسلمين فتنة للقوم الظالمين، كما نسأله تعالى أن يحقق لنا ما وعد به حيث قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 6620

توضيح حول عمل المرأة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين، أما بعد: فقد اطلعت على ما نشر في جريدة عكاظ يوم الثلاثاء ١٧/ ٨ / ١٤٠٥ هـ الذي يرد فيه الكاتب الأستاذ صالح محمد جمال على الأستاذ عزيز ضياء حول عمل المرأة. كما اطلعت على فكرة مصطفى أمين في جريدة الشرق الأوسط عدد الجمعة ٢٠/ ٨ / ١٤٠٥ هـ. وقد كان الأستاذ صالح موفقا في رده وفيما تعرض له من وجهة نظر بعيدة المدى حول عمل المرأة أثابه الله. ومن المؤلم أن يتعرض عزيز ضياء ومثله مصطفى أمين لأمور في عمل المرأة تتنافى مع المقاصد الإسلامية، وحث الإسلام على حماية المرأة والمحافظة عليها. وفي حمايتها حماية للمجتمع عن الانزلاق والتردي فيما وقع فيه غيرنا من أعمال أصبحوا لا يجدون منها فكاكا. ذلك أن من المعلوم بأن نزول المرأة للعمل في ميدان الرجال يؤدي إلى الاختلاط المذموم والخلوة بهن، وذلك أمر خطير جدا له تبعاته الخطيرة، وثمراته المرة، وعواقبه الوخيمة، وهو مصادم للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها والقيام بالأعمال التي تخصها وفطرها الله عليها، مما تكون فيه بعيدة عن مخالطة الرجال. والأدلة الصريحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم النظر إليها، وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله أدلة كثيرة محكمة قاضية بتحريم الاختلاط المؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، منها قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٢).
следующие страницы →