فتوى برقم ١٦٢٠ وتاريخ ١١/ ٧ / ١٣٩٧ هـ
السؤال الأول:
شاع في كثير من بلاد المسلمين لبس البدلة ذلك اللباس المكون من جاكيت وبنطلون وقد تقتصر الملابس على بنطلون وقميص أو فانيلا بكم أو بنصف كم في الصيف لشدة الحر، فهل لبس هذا اللباس يدخل تحت باب التشبه بغير المسلمين أم لا؟
الجواب:
الأصل في أنواع اللباس الإباحة لأنه من أمور العادات، قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (١)
стр. 6862
الآية. ويستثنى من ذلك ما دل الدليل الشرعي على تحريمه أو كراهته كالحرير للرجال والذي يصف العورة لكونه شفافا يرى من ورائه لون الجلد أو لكونه ضيقا يحدد العورة، لأنه حينئذ في حكم كشفها وكشفها لا يجوز وكالملابس التي هي من سيما الكفار فلا يجوز لبسها للرجال ولا للنساء لنهي النبي ﷺ عن التشبه بهم، وكلبس الرجال ملابس النساء ولبس النساء ملابس الرجال لنهي النبي ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، ولبس اللباس المسمى بالبنطلون والقميص لا يختص لبسه بالكفار بل هو لباس عام في المسلمين والكافرين في كثير من البلاد والدول وإنما تنفر النفوس من لبس ذلك في بعض البلاد لعدم الألفة ومخالفة عادة سكانها في اللباس وإن كان ذلك موافقا لعادة غيرهم من المسلمين لكن الأولى بالمسلم إذا كان في بلد لم يعتد أهله ذلك اللباس ألا يلبسه في الصلاة ولا في المجامع العامة ولا في الطرقات. السؤال الثاني:
ما حكم الصلاة في هذه البدلة السابقة الذكر المكونة من جاكيت وبنطلون. . . إلخ؟
الجواب:
إن كان ذلك اللباس لا يحدد العورة لسعته ولا يكشف عما وراءه لكونه صفيقا جازت الصلاة فيه، وإن كان يكشف عما وراءه بأن ترى العورة من ورائه بطلت الصلاة فيه، وإن كان يحدد العورة فقط كرهت الصلاة فيه إلا أن لا يجد غيره. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6863
فتوى برقم ١٦٣٧ وتاريخ ٧/ ٨ / ١٣٩٧ هـ
السؤال الأول:
هل يصح أن نضحي عن الميت أو لا؟ أو الأضحية عن الأحياء فقط؟
السؤال الثاني:
هل الرسول ﷺ كان يسبح الله بيده اليمنى فقط أو باليد اليسرى. في حديث كان النبي ﷺ يسبح بيده، وفي حديث آخر كان ﷺ يسبح بيمينه، هل هذان الحديثان صحيحان أو لا؟
الجواب:
الأضحية سنة مؤكدة في قول أكثر العلماء لأنه ﷺ ضحى وحث أمته على الأضحية، والأصل أنها مطلوبة في وقتها من الحي عن نفسه وأهل بيته وله أن يشرك في ثوابها من شاء من الأحياء والأموات.
أما الأضحية عن الميت فإن كان أوصى بها في ثلث ماله مثلا أو جعلها في وقف له وجب على القائم على الوقف أو الوصية تنفيذها، وإن لم يكن أوصى بها ولا جعلها في وقف له أو أجنبي تطوعا منه فهو حسن ويعتبر هذا من أنواع الصدقة عن الميت. والصدقة عنه مشروعة في قول أهل السنة والجماعة.
الجواب الثاني:
أمر الله تعالى في كتابه بالتسبيح وحثت السنة الثابتة عليه ولينت فضله مطلقا ومقيدا بزمن أو حال أما كونه باليد أو بأناملها فقد روى في ذلك الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن يسيرة بنت ياسر رضي الله
стр. 6864
عنهما- وكانت من المهاجرات- قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : «يا نساء المؤمنات عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس ولا تغفلن فتنسين الرحمة واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات (١)»، وروى الترمذي من طريق الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح، (٢)» وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب، ثم قال وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب بطوله.
ورواه أبو داود عن عبيد الله بن عمر بن بسرة ومحمد بن قدامة في آخرين قالوا: حدثنا عثام عن الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح، (٣)» قال ابن قدامة بيمينه.
من هذا يتبين للسائل ألفاظ الروايات التي روي بها هذا الحديث وليس بينها تناف بل بعضها مجماع وبعضها متبين مفسر ويشهد لاختيار التسبيح باليمين عموم حديث عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان يعجبه التيامن ما استطاع في طهوره وتنقله وترحله وفي شأنه كله، (٤)» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة والأمر في ذلك واسع ولا حرج في استعمال أنامل اليدين جميعا كما هو ظاهر من حديث يسيرة المقدم ولكن استعمال أنامل اليمنى في ذلك أفضل لما تقدم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6865
فتوى برقم ١٦٨٧ وتاريخ ١١/ ١١ / ١٣٩٧ هـ
السؤال الأول:
شخص ترتيبه الثالث في إخوته ورضع مع بنت من أسرة أخرى، فهل هذه البنت تعتبر أختا لجميع إخوته سواء الصغار منهم والكبار أم لا وكذلك إخوتها من أم أخرى؟
الجواب:
الرضاع الذي يحصل به التحريم هو ما بلغ خمس رضعات فأكثر وكان في الحولين لقوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١) ولما ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك (٢)». والرضعة هي أن يمتص الطفل اللبن من الثدي ثم يتركه لتنفس أو انتقال ونحو ذلك فإذا عاد فرضعة أخرى وهكذا إذا ثبت أن الشخص رضع من أم البنت أو من لبن زوجة لأبيها ما سبق ذكره من الرضاع فإنه يكون أخا لهذه البنت ولجميع إخوانها وأخواتها من أب وأم أو من أب أو من أم، أما إخوته فيجوز لأي واحد منهم أن يتزوج هذه البنت أو أي واحدة من أخواتها ولا أثر لهذا الرضاع على الزواج المذكور.
السؤال الثاني:
شخص لحق الجماعة في بعض الصلاة ثم أتى شخص آخر ليصلي
стр. 6866
ووجد الشخص قد قام لإتمام الصلاة فهل يجوز للشخص الأخير الإتمام والاقتداء بالشخص الأول؟
الجواب:
نعم يجوز للشخص الذي جاء متأخرا أن يقتدي بالشخص الذي لحق الجماعة في بعض الصلاة ثم قام ليتم ما بقي من صلاته بعد سلام الإمام، والأصل في ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة وصححه وابن حبان والحاكم أن النبي ﷺ رأى رجلا يصلي وحده فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه (١)»، وما رواه الجماعة عن ابن عباس ﵄ قال: «بت عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمنا نصلي معه وقمت عن يساره فأخذ برأسي وأقامني عن يمينه (٢)». وما رواه أحمد ومسلم عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان فجئت فقمت خلفه وقام رجل فقام إلى جنبي ثم جاء آخر حتى كنا رهطا، فلما أحس رسول الله ﷺ أنا خلفه تجوز في صلاته ثم قام فدخل منزله فصلى صلاة لم يصلها عندنا، فلما أصبحنا قلنا: يا رسول الله أفطنت بنا الليلة؟ قال: (نعم فذلك الذي حملني على ما صنعت (٣)».
وعن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي في حجرته وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله ﷺ . فقام ناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا فقام رسول الله ﷺ يصلي الليلة الثانية فقام ناس يصلون بصلاته (٤)». رواه البخاري. هذه الأدلة وردت في جواز انتقال المنفرد إلى الإمامة في أثناء الصلاة والأصل عدم الفرق بين الفرض والنفل إلا بدليل يقتضي التخصيص وكونه مسبوقا لا يمنع
стр. 6867
اقتداء غيره به فيما بقي عليه ليحصل على فضل الجماعة في أصح قول العلماء. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6868
فتوى برقم ١٦٩٣ وتاريخ ١١/ ١١ / ١٣٩٧ هـ
السؤال:
الصائم إذا كان في الطائرة هل يفطر بواسطة الساعة أو التلفزيون أم لا؟ وما الحكم إذا أفطر بالبلد ثم أقلعت به الطائرة فرأى الشمس ؟
الجواب:
إذا كان الصائم في الطائرة واطلع بواسطة الساعة والتلفزيون عن إفطار البلد القريبة منه وهو يرى الشمس بسبب ارتفاع الطائرة فليس له أن يفطر لأن الله تعالى قال ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) وهذه الغاية لم تتحقق في حق من يرى الشمس.
وأما إذا أفطر بالبلد بعد انتهاء النهار في حقه فأقلعت الطائرة ثم رأى الشمس فإنه يستمر مفطرا لأن حكمه حكم البلد التي أقلع منها وقد انتهى النهار وهو فيها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6869
فتوى برقم ١٩٢٧ في ١٨/ ٥ / ١٣٩٨ هـ
السؤال:
شخص يسأل قائلا بأن ابنته توفي زوجها وتلزمها العدة وهي طالبة في المدرسة، فهل يجوز لها مواصلة الدراسة أم لا، - وقال لعلها تلبس بعض ثيابها الخالية من الطيب والزينة.
الجواب:
يجب على الزوجة المتوفى عنها زوجها أن تعتد وتحد في بيتها الذي مات زوجها وهي فيه أربعة أشهر وعشرا وألا تبيت إلا فيه وعليها أن تجتنب ما يحسنها ويدعو إلى النظر إليها من الطيب والاكتحال بالأثمد وملابس الزينة وتزيين بدنها ونحو ذلك مما يجملها، ويجوز لها أن تخرج نهارا لحاجة تدعو إلى ذلك، وعلى هذا للطالبة المسؤول عنها أن تذهب إلى المدرسة لحاجتها إلى تلقي الدروس وفهم المسائل وتحصيلها مع التزامها اجتناب ما يجب على المعتدة عدة الوفاة اجتنابه مما يغوي بها الرجال ويدعو إلى خطبتها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6870
فتوى برقم ١٩٣٤ في ٢٤/ ٥ / ١٣٩٨ هـ
السؤال الأول:
شخص عقد على امرأة وتوفي قبل الدخول بها فهل عليها حداد؟
الجواب:
المرأة التي توفي عنها زوجها بعد العقد وقبل الدخول تلزمها العدة والإحداد لأنها بمجرد العقد تكون زوجة مشمولة بقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١) ولما روى البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا (٢)»، ولما روى أحمد وأهل السنن أن رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشق امرأة عقد عليها زوجها ومات قبل الدخول بها بأن عليها العدة ولها الميراث.
السؤال الثاني:
هل يجوز أن ترث البنت من أبي المتوفى حيث إنه لم يقسم من أبيه وأبوه على قيد الحياة؟
الجواب:
إن كان المقصود بالبنت في السؤال هي التي توفي عنها المذكور في السؤال الأول فإنها ترث فيما يخص زوجها المتوفى فقط، للحديث المذكور ولقول الله في الزوجات ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣)
стр. 6871
أما أبو المتوفى الحي وقت وفاة ابنه فليس لها في ماله شيء.
السؤال الثالث:
هل يرث أولاد الابن من جدهم مع أولاده؟
الجواب:
لا يرث أولاد الابن من جدهم مع أعمامهم لأنهم محجوبون بإجماع أهل العلم.
السؤال الرابع:
هل يجوز لزوجة الميت أن ترث في مال أبي المتوفى؟
الجواب:
زوجة المتوفى لا ترث في مال أبيه إذا توفي وأبوه حي، أما إن كان أبوه توفي قبله فإنها ترث من زوجها مما ورثه هو من أبيه في حياته. وبالله التوفيق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6872
فتوى برقم ١٩٩٦ في ٢/ ٧ / ١٣٩٨ هـ
السؤال:
رجل يقول: نحن ثلاثة إخوة أشقاء ومشتركون في جميع ممتلكاتنا، وقد توفي واحد منا وله ثلاثة أولاد ولا نزال مشتركين في معيشتنا كما كنا من قبل حتى تاريخ هذه الفتوى، وللمتوفى راتب تقاعدي باسم أولاده من الدولة، فهل تدخل هذه الرواتب في شركتنا وأولاده على ما كان عليه والدهم من جميع الأملاك السابقة واللاحقة بعد وفاته أو يبقى هذا الراتب باسمهم فقط أم لا؟
الجواب:
المرتب التقاعدي الذي لأولاد أخيكم من الدولة ملك لهم خاصة، ومن كان منهم بالغا رشيدا ورضي أن يدخل في الشركة نصيبه ويشترك معكما في المعيشة جاز له ذلك، ومن كان منهم قاصرا اعتبر رضا ولي أمره بالخلط والشركة في المعيشة مراعيا في ذلك مصلحة القاصر، وكذا الحال في سائر أملاك هؤلاء الأولاد التي كسبوها بأيديهم أو ورثوها مثلا فكل على ملكه والشركة في المعيشة خلطة واستثمارا وتصرفا وانتفاعا بالتراضي والاختيار.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6873
فتوى برقم ٣٣٨٠ في ١١/ ١ / ١٤٠١ هـ
السؤال:
اعتاد المسلمون في بعض البلاد أن يذبحوا مناسبة يوم السابع ويوم الأربعين بعد الوفاة إما لقصد إطعام الضيوف الوافدين من مكان بعيد إلى أهل الميت للتعزية والدعاء للميت وإما لأجل نفس الميت ولو ما فيه غرباء لإطعام نفس أهل البلد الذين جاءوا إلى بيت المتوفى للأكل طبعا لا للتعزية. فما حكم مثل هذه الذبيحة؟ وهل تدخل في الشرك أو لا؟
الجواب:
تخصيص يوم السابع ويوم الأربعين أو يوم آخر سواهما بذبيحة تذبح عن الميت وتطعم للضيوف أو لأهل البلد لا نعلم له أصلا في الشرع، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، وثبت عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت وصنع الطعام من النياحة والخير كله في اتباع السلف الصالح من أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي عنهم وأتباعهم بإحسان، ولقوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) الآية. والشر كله بمخالفتهم والسير على غير طريقهم، وبالله التوفيق.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6874
فتوى برقم ٣٦٦٨ وتاريخ ٧/ ٦ / ١٤٠١ هـ
السؤال الأول:
هل يجوز أن يعمل للميت صدقة بعد أربعين يوما من وفاته؟
الجواب:
الصدقة عن الميت مشروعة وليس لها يوم معين تكون فيه، ومن حدد يوما معينا فهذا التحديد بدعة، وقد ورد إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء سؤال عن إقامة حفل للميت بعد أربعين يوما من وفاته، وهذا نص الجواب عنه: "لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ ولا عن السلف الصالح إقامة حفل للميت مطلقا ولا عند وفاته ولا بعد أسبوع أو أربعين يوما أو سنة من وفاته بل ذلك بدعة وعادة قبيحة وكانت عند قدماء المصريين وغيرهم من الكافرين. فيجب النصح للمسلمين الذين يقيمون هذه الحفلات وإنكارها عليهم عسى أن يتوبوا إلى الله ويتجنبوها لما فيها من الابتداع في الدين ومشابهة الكافرين، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم (١)»، رواه أحمد في مسنده عن ابن عمر ﵄. وروى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته
стр. 6875
بالطريق لفعلتموه (١)» وأصله في الصحيحين من حديث أبي سعيد ﵁.
السؤال الثاني:
عندما يتوفى شخص في بعض البلدان يجلس أهل الميت لتقبل العزاء بعد صلاة المغرب لمدة ثلاثة أيام، هل يجوز ذلك أم أنه بدعة؟
الجواب:
تعزية المصاب بالميت مشروعة، وهذا لا إشكال فيه، وأما تخصيص وقت معين لقبول العزاء وجعله ثلاثة أيام فهذا من البدع، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)»، وبالله التوفيق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6876
صفحة فارغة
стр. 6877
البدع وأثرها في انحراف التصور الإسلامي
الدكتور صالح بن سعد السحيمي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ (٣) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤)
стр. 6878
أما بعد. . . فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وبعد هذه الافتتاحية المشتملة على كثير من الفوائد والتي يسميها السلف خطبة الحاجة، وقد كان رسول الله ﷺ يفتتح بها كلامه في أغلب أحيانه ويعلمها أصحابه كما يعلمهم القرآن، لذا فإنه من الخطأ الشائع توهم كثير من الناس أن هذه الخطبة خاصة بعقد النكاح، بل الصحيح أن هذه المقدمة مشروعة في أي موضوع خيري يريد أن يتكلم به متكلم. وبها نفتتح موضوعنا هذا والذي هو: " البدع وأثرها في انحراف التصور الإسلامي " فأقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) ذلكم هو الدين القيم الخالد الصالح لكل زمان ومكان، والمشتمل على كل ما من شأنه إسعاد البشرية في دنياها وأخراها، وهو الدين الخالص الذي جمعنا الله به بعد الفرقة، وأعزنا به بعد الذلة، وألف بين قلوبنا بعد التمزق. فمن تمسك به وحافظ عليه وقام به خير قيام بفعل المأمور وترك المحظور دون زيادة أو نقصان، فقد سعد وفاز برضا الله ﵎ وعونه وتوفيقه. . وأما من طلب الهدى من غيره واتخذ سبيلا غير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فذلك هو الخسران المبين الذي لا يعدله خسران، وأصبح من حزب الشيطان.
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣)
стр. 6879
طريق الخلاص:
وإن طريق الخلاص وعنوان السعادة وسبب النجاة من عذاب الله هو التمسك بكتاب الله تعالى ذلك الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وكذلك التمسك بالسنة المطهرة الثابتة عن رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١) فإنهما، أعني الكتاب والسنة المصدران الأساسيان للتشريع الإسلامي.
стр. 6880
كمال هذا الدين:
فإن من أمعن النظر فيما شرعه الله لنا مما تضمنه الكتاب العزيز ودلت عليه السنة، علم أن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة على أكمل وجه وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها. لا يحيد عنها إلا هالك قد مرض قلبه. . وخاسر قد طاش في مهاوي الضلال لبه. فإن الله تعالى قد بين للناس قواعد الدين وأكملها، قال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) فإذا كان الله قد أكمل لنا هذا الدين بما أنزله في كتابه العربي المبين وعلى لسان نبيه الصادق الأمين. مما بلغ من الأحكام وبين لنا من حلال وحرام، فلم يكن هناك من خير إلا دلنا عليه وسهل لنا الطرق الموصلة إليه ولم يكن هناك من شر إلا حذرنا منه، كما قال ﷺ من حديث عبد الله بن عمرو «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ويحذرهم من شر ما يعلمه لهم (٢)») (٣)
стр. 6881
سبيل المؤمنين:
إذا كان الأمر بهذه المثابة فإن من طلب الهدى من غير الكتاب والسنة أو أتى بأمر زائد على ما شرعه الله فهذا بلا شك ضلال مبين وميل عن الصراط المستقيم واتباع لغير سبيل المؤمنين وإن من كان هذا شأنه لحقيق بأن يكون واقعا تحت هذا الوعيد الشديد الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، قال تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١) فقد أمر الله تعالى باتباع سبيله وما شرع من الدين القويم، ونهى عن اتباع غير سبيل المؤمنين.
وقال تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) فقد حث سبحانه على اتباع سبيله الذي هو الكتاب والسنة حثا مقرونا بالنهي عن اتباع السبل، مبينا أن ذلك سبب للتفرق، ولذا ترى المسلمين العاملين قد لزموا سبيلا واحدا وهو سبيل الله الذي أمرهم بسلوكه، وأما أهل البدع والأهواء فقد افترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٣) وقد روى النسائي وأحمد عن ابن مسعود ﵁ قال: «خط رسول الله ﷺ خطا ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن شماله، وقال: هذه السبل المتفرقة وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه "، ثم قرأ هذه الآية حتى بلغ تتقون (٤)»
стр. 6882
الكتاب والسنة مصدر كل سعادة:
وقال تعالى في معرض بيانه لشمول هذا الدين ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فقوله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) أفاد شمول هذا القرآن لكافة أحكام الدين بما أودع الله فيه من تعاليم عامة صالحة للتطبيق على مر العصور والأزمان وفيها السعادة للبشرية جمعاء متى تمسكت بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وكذلك سنة نبيه ﷺ القويمة التي تبين القرآن وتوضحه وتفصل مجمله وتقيد مطلقه وتخصص عمومه إلى غير ذلك من أنواع البيان. قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣) وقال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤).
وثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إني أوتيت الكتاب ومثله معه (٥)». والآيات والأحاديث الدالة على شمول هذا الدين وكماله وعدم حاجته إلى زيادة أو نقصان أجل من أن تحصر أو تعد في مثل هذا المقام. وإذا كان النبي ﷺ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى كمل الدين وتم بما أودع الله فيه من تشريع شمل كافة نواحي الحياة من عبادات ومعاملات وآداب وأخلاقيات وحدود وغير ذلك مما يكفل للبشرية كل أمن ورخاء وطمأنينة متى تمسكت بها وسارت على نهجها القويم.
стр. 6883
ذم التفرق وبيان أسبابه:
إذا علم ذلك فإن الطريق الصحيح إلى النجاة هو التمسك بكتاب الله
стр. 6884
تعالى وسنة رسوله ﷺ فإنهما حصن حصين وحرز متين لمن وفقه الله تعالى ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالبعد عن البدع والخرافات التي ابتدعها المبتدعون وأحدثها المحدثون وروجها المبطلون وأكلة أموال الناس بالباطل من دعاة النحل المختلفة والطرق المتشعبة التي ليست من الإسلام في شيء وقد ذم الله تلك الطرق المنحرفة الكثيرة التي جعلت المسلمين شيعا وأحزابا وشتتت شملهم وجعلتهم لقمة سائغة لأعدائهم لا لقلة عددهم وعدتهم وإنما نتيجة لتمزق شملهم وتفرق كلمتهم كما قال ﷺ : «توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها) قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: (بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل (١)». ومما لا شك فيه أنه لا شيء أعظم فسادا للدين وأشد تقويضا لبنيانه وأكثر تفريقا لشمل الأمة من البدع فهي تفتك به فتك الذئب بالغنم وتنخر فيه نخر السوس في الحب وتسري في كيانه سريان السرطان في الدم أو النار في الهشيم.
ولهذا جاءت النصوص الكثيرة تبالغ في التحذير منها وتكشف عن سوء عواقبها من التفرق والاختلاف في الدنيا والعذاب والخزي وسواد الوجوه في الآخرة، قال تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣) ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤) قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة.
وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٥)
стр. 6885
وقد نص المفسرون ﵏ على أن الآية تعني أهل البدع والأهواء نقلا عن كثير من السلف، ولا ريب أن من أعظم أسباب التفرق تلك البدع والمحدثات التي هي شرع لم يأذن به الله، وقد أخبر رسول الهدى ﷺ عن افتراق هذه الأمة بسبب انحرافها عن سنته القويمة وما عليه صحبه الكرام من بعده كما روى أبو داود وابن ماجه والترمذي وغيرهم بأسانيد صحيحة عنه ﷺ أنه قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة. وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة (١)»، وفي رواية «أن أمته تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة (٢)» والجماعة هي من كانت على الحق الذي كان عليه ﷺ وأصحابه -رضوان الله عليهم-. وصح عنه ﷺ أنه قال: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء) فقيل: ومن هم الغرباء؟ فقال: (الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي (٣)».
ولقد أحدث المسلمون في دينهم من البدع والدخيل ما انحرف بكثير منهم عن سواء السبيل، وشوه عليهم حقيقة الدين، ولبس عليهم حتى أصبح الكثير منهم لا يفرق بين الحق والباطل، ولا يعرف البدعة من السنة، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون وأغرقوا في ذلك حتى رأوا الحسن قبيحا والقبيح حسنا على حد قول القائل:
يقضى على المرء في أيام محنته. . حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن وهذا ما نصت عليه الآية الكريمة وهي قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٥) فما يفتح لهم الشيطان بابا من الضلال إلا ولجوه، ولا يزين لهم
стр. 6886
طريقا من طرق البدع إلا سلكوه، وما زال الخطر يستفحل والشر يتفاقم حتى بلغ شأوا بعيدا في تفريق الأمة وتمزيق شملها، وقد ساعد على ذلك سكوت كثير من العلماء وتهاونهم وجبنهم عن مواجهة العامة خوفا من غضبهم ومجاراة لهم، وحرصا على اجتلاب رضاهم ولو بسخط الله.
стр. 6887
حفظ هذا الدين وبقاؤه:
ولكن الله لم يكن ليترك دينه لعبث هؤلاء المحدثين المبتدعين بل قيض له من أرباب الألسنة والأقلام قديما وحديثا من يهب للدفاع عنه ومحاربة كل دخيل عليه حيث تكفل سبحانه بحفظ هذا الدين وصيانته وإن تكالب عليه أهل الأرض جميعا، وقد حصل -ولله الحمد والمنة-، قال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) وقال تعالى ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)
стр. 6888
وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة:
وقد تضافرت النصوص الكثيرة على الأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة واتباع السلف الصالح الذين قام بهم الكتاب وله قاموا ونطق بهم وبه نطقوا وطبقوه بكل صدق وإخلاص وأمانة، ووقفوا عند حدوده وحكموه في كل شئون حياتهم، ولم يدخروا وسعا في معانيه ومعرفة أسراره، وقد نوه الكتاب العزيز بفضلهم ونص على أن لهم اليد الطولى في الفضل والعلم والعمل الجاد الخالص، قال تعالى مشيدا بفضلهم وآمرا باتباعهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).
стр. 6889
فهم خير من يقتدى به من بعد الرسول ﷺ وهم الذين نقلوا لنا هذا الدين. أولئك الأفذاذ الذين هم أعلام الهدى ومصابيح الدجى. . وإن القدوة أولا وأخيرا هو رسول الله ﷺ قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).
فقد أمر الله بالتأسي به والاهتداء بهداه والاستنان بسنته. . وحذرنا من مخالفة أمره ورتب على ذلك ألوانا من الوعيد الشديد، قال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) بل قد نبه الله تعالى بأنه ليس للمؤمن خيار إذا أمر الله أو أمر رسوله بأي أمر. قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣) بل أخبر سبحانه أن طاعته ﷺ من طاعة الله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٤) وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٥) أي بمخالفتكم لسنته التي سنها لكم وبارتكابكم المنكرات والبدع والمخالفات.
стр. 6890
المرجع عند التنازع:
وأمرنا ﵎ بأن نرجع في كل أمر نختلف فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ حيث قال تعالى ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١)
стр. 6891
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (١) فقد أمرنا بطاعة الله ورسوله وطاعة ولاة الأمور في حدود طاعة الله تعالى ثم أرشدنا إلى رد ما تنازعنا فيه إلى الله ورسوله أي إلى كتاب الله وسنة رسوله بل علق صحة الإيمان بذلك بقوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) وقد بشر النبي ﷺ المتمسكين بسنته من أمته بأعظم بشارة وأشرف مقصد يطلبه كل مؤمن ويسعى إلى تحقيقه، من كان في قلبه أدنى مسكة من إيمان ألا وهو الفوز بدخول الجنة، جاءت هذه البشرى في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٣)» ورفض للسنة أعظم من مخالفة أمره ﷺ وذلك بالإحداث والابتداع في الدين.
стр. 6892
حكم الإحداث في الدين:
وبذا نعلم أن هذه النصوص دليل على أن كل من يقول باستحسان بدعة في الدين يكون له نصيب وافر، وجزاء كبير من الوعيد المذكور فيها، فإن من استحسن بدعة بعقله القاصر المحدود وحث الناس على التعبد بها ما هو إلا مشاقة ومصادمة لهذه النصوص وعليه تبعة ذلك إلى يوم القيامة، إذ أن من عمل خيرا وتبعه الناس عليه ضوعف له الأجر بقدر أجر من يتبعه في هذا الخير، وعلى النقيض من ذلك فإن من عمل سوءا كالابتداع مثلا والإحداث في الدين فإنه لا يعاقب بوزر ارتكابه تلك البدعة فحسب بل يضاعف له العقاب حيث يتحمل وزر من تبعه في هذا
стр. 6893
الأمر، يدل لذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (١)». وعلى هذا فإن أي إحداث في الدين مردود على من أحدثه وغير مقبول لما روى الشيخان وغيرهما من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)». وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣)».
وإنما كانت البدع مردودة على من عملها لأن إحداث مثل هذه البدع يفهم منه أن الله سبحانه، لم يكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون المبتدعون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا ولا شك فيه خطر عظيم واعتراض على رب العالمين واستدراك على رسوله ﷺ واتهام له بالخيانة والكتمان وحاشاه ﷺ ذلك. كيف يكون هذا وهو القائل: «من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة (٤)». فهذا محال بالنسبة لسائر المؤمنين فكيف بقدوتهم وأسوتهم صلوات الله عليه وسلامه.
ومعلوم أن الله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة، والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين ولم يترك طريقا يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة. . كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله من نبي
стр. 6894
إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم (١)».
ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأكملهم بلاغا ونصحا، فلو كانت هذه البدع التي أحدثها الخالفون من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبينه الرسول ﷺ للأمة أو فعله في حياته أو فعله أصحابه ﵃، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هي من المحدثات التي حذر الرسول ﷺ منها أمته كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة منها ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وابن ماجه، بسند صحيح عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال رجل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فأوصنا، فقال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، " وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (٢)».
وروى مسلم في صحيحه، «كان النبي ﷺ يخطب الناس على المنبر ويقول: (أما بعد- فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة). زاد النسائي (وكل ضلالة في النار (٣)».
وروى البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: «جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا بها كأنهم
стр. 6895
تقالوها. فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبدا ولا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء النبي ﷺ إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني (١)». ولا ريب أن من أحدث عبادة من عند نفسه لم يشرعها الله قد رغب عن سنة رسول الله ﷺ ، ومن أعظم ما جاء من الوعيد في ذلك أن صاحب البدعة يحال بينه وبين التوبة لما ثبت عن النبي ﷺ : «أن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته (٢)».
ويخشى أن يكون أهل البدع والأهواء ممن يحال بينهم وبين الشرب من حوض النبي ﷺ يوم القيامة.
فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض وليختلجن رجال دوني فأقول يا رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم غيروا وبدلوا فيقول النبي ﷺ سحقا سحقا لمن غير وبدل (٣)». أي بعدا له فهذه براءة من النبي ﷺ ممن أحدث في الدين وغير وبدل. ومما لا شك فيه أن هؤلاء الذين يذادون عن الحوض من أمة محمد ﷺ أي من أمة الإجابة يدل لذلك أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث بأن عليهم آثار الوضوء وإنما حيل بينهم وبين الحوض لما أحدثوه في الدين من عند أنفسهم ولم ينزل الله به من سلطان، من تلك البدع والمنكرات والخرافات التي لا تعدو أن تكون من نسج خيالهم وبنات أفكارهم الضالة
стр. 6896
التي ظنوها حسنة وهي في الواقع من أقبح القبيح وأي قبيح أعظم من أن ينصب المرء نفسه مستدركا على الله ورسوله ومشرعا في دين الله بعد القرون المفضلة الأولى الذين هم خير الناس بعد صحابة رسول الله ﷺ .
كما قال ﷺ : «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (١)». وقد مضت تلك القرون المفضلة وليس لهذه البدع وجود أو رواج وإن وجد شيء منها فهو محدود وعلى نطاق ضيق يختفي أصحابها ولا يستطيعون الظهور لأنهم يشكلون أقلية بخلاف ما وصل إليه حال المسلمين اليوم فقد طغت البدعة ودرست السنة وتغيرت مفاهيم المسلمين وأصبح تصورهم للإسلام تصورا خاطئا وجعلوه في إطار ضيق، فقد وصل مثلا في بعض البلاد إلى حد كونه لا يعدو أن يكون مجموعة من الطقوس والاحتفالات التي قلدوا فيها أعداء المسلمين والإسلام مما جعلهم يوجهون سهامهم المسمومة إلى الإسلام بسبب ضلال من ضل من المسلمين عن الطريق السوي وانحرف كثير منهم عن الجادة الصحيحة التي رسمها لهم الإسلام وأمرهم أن يسيروا عليها ولا يحيدوا عنها يمينا أو شمالا كما قال تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢). إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي توضح هذا المنهج القويم.
стр. 6897
حرص الصحابة على لزوم الكتاب والسنة والبعد عن البدع: ولقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أشد الناس حرصا على العمل بالكتاب والسنة وأشدهم عداوة وبغضا للبدع وأهلها، كذلك التابعون ومن جاء بعدهم ممن تبعهم بإحسان، وسأورد نماذج من أقوال الصحابة
стр. 6898
والسلف الصالح في ذم البدعة والمبتدعين والحث على لزوم السنة.
стр. 6899
من أقوال الصحابة في ذلك:
فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يقول: (إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله ﷺ يطيقه، إن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن استقمت فتابعوني، وان زغت فقوموني). وهذا ابن مسعود ﵁ ينكر على جماعة من المسلمين كانوا قد جلسوا يذكرون الله بذكر على غير الهيئة التي جاءت عن رسول الله ﷺ فقد روى الدارمي في سننه أن رجلا أخبر عبد الله بن مسعود أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا. وسبحوا الله كذا وكذا. واحمدوا الله كذا وكذا. قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود فجاء وكان رجلا حديدا، فقال: أنا عبد الله بن مسعود، والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلما ولقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما. فقال عمرو بن عتبة: أستغفر الله. فقال: عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا. فإذا كان ابن مسعود ﵁ قد أنكر هذه الهيئة التي يذكرون الله بها رغم أن الذكر الوارد فيها مشروع بيد أنه أنكر عليهم الشكل والصفة وتخصيص هذا الوقت بالذات للذكر فكيف لو اطلع ابن مسعود على هذه الأذكار التي يذكر بها المسلمون اليوم وهي لا تمت إلى ذكر الله بصلة مما ابتدعه أصحاب الطرق الصوفية وغيرهم من الأذكار الإبليسية التي زينها لهم الشيطان منها ما يرددونه بصوت واحد من قولهم
стр. 6900
(هو هو) أو (حي حي) وغير ذلك من ألوان الهذيان الذي يرددونه ويزعمون أنه ذكر لله في الوقت الذي لو سمعتهم وهم يترنمون بهذه الأذكار التي لا يفهم منها شيء في كثير من الأحيان لخيل إليك أن أمامك سباعا تتعاوى وتتهارش على فريسة بل تحولت أذكار كثير ممن ينتسب إلى الإسلام اليوم إلى أنواع من الرقصات المختلفة فضلا عما يصحب ذلك من آلات الطرب والمعازف واختلاط الرجال بالنساء وشرب المسكرات وغير ذلك من أنواع الفساد التي يمليها عليهم الشيطان، فيا ليت شعري، ماذا سيقول هذا الصحابي الجليل لو اطلع على هذه المناظر أو سمع تلك الأصوات المنكرة ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١).
وهذا رسول الله ﷺ ينكر على الصحابة لما رفعوا أصواتهم بالتكبير ويقول: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تنادون أصم ولا غائبا (٢)». ولا شك أن ذكر الله واجب من أعظم الواجبات التي حث عليها الإسلام كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٣) ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٤) ومن أعظم وصايا النبي ﷺ : «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله (٥)» لكن لا بد أن يكون الذكر وفقا للمعايير التي جاء بها الكتاب والسنة، دون إفراط أو تفريط. وجاء عن ابن مسعود أيضا في ذم البدعة: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)، وقال ابن عباس لمن سأله الوصية: (عليك بتقوى الله والاستقامة اتبع ولا تبتدع)، وقال ابن عمر ﵄: (كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة). وقد روى هذه الآثار الكثيرة